الرئيسية / تربية و تعليم / الفلسفة للأطفال / فيليب ميريو: من الخوف ما بنى طفلا*

فيليب ميريو: من الخوف ما بنى طفلا*

نور الدين البودلالي

Philippe Meirieu

ترجمة: نورالدين البودلالي

مشاعر الصغار ليست مشاعر صغيرة

كوركشاك، عالم التربية البولوني، المتوفى في تريبلينسكا لعدم رغبته التخلي عن الأطفال اليهود في دار الأيتام التي أنشأها في حي اليهود بفارصوفيا، ومؤلف كتاب «إعلان حقوق الطفل» في سنوات العشرينات، لم يتوقف عن ترديد أن الطفل هو، في نفس الوقت، كائن غير مكتمل ومكتمل.

غير مكتمل لأنه يخلق ضعيفا جدا: ففي الوقت الذي تعرف فيه القطة كيف تنظف نفسها دون أن تعلمها أمها ذلك، وفي الوقت الذي ترث فيه النحلة نظامها الاجتماعي عبر جيناتها- إذ لم تكن النحلة الصغيرة أبدا ديموقراطية وإنما ملكية!-، فإن الطفل يحتاج لأن يُربى. فهو إن ترك لوحده، «على الطبيعة»، لا يعرف صنع أي شيء! تاريخيا، لا وجود لنموذج طفل بلغ وضع الكبار دون مساعدة بشر آخرين، بلعوا الرشد قبله. و خلال الفترة المخصصة لما نسميه «تربيةً»، يحتاج الطفل أن يكون محميا: محمي من الاعتداءات الجسدية و النفسية، محمي مما يمكن أن يدمره أو يعرض نموه للخطر. إنه يحتاج للمصاحبة و التغذية، بيولوجيا وعاطفيا وعقليا: فهو لا يعرف و لا يستطيع أن يغذي نفسه بنفسه. وإن كان يعرف ذلك، فلأنه رُبي على ذلك من قبل.

إلا أنه، وعلى الرغم من ذلك، يبقى الطفل كائنا مكتملا: مكتمل من حيث كونه حامل لكل أبعاد «الحالة الإنسانية»؛ مكتمل من حيث كونه، إضافة لما سبق، جزء لا يتجزأ من نظام بيئي أسري يسبب  مجيئه في حدوث تغيُّر جذري في هذا النظام؛ وهو، بالخصوص، مكتمل باعتباره فردا يحس بأحاسيس ولديه إرادة، يفكر –لا كما يفكر الراشدون حتما!- و يتخذ قررا بالتصرف بهذه الطريقة أو تلك – «حتى وإن كانت دواعيه» لا تنتمي قطعا للمبررات التي يعتادها كبار السن. ثم إن الطفل كائن مكتمل، أيضا، لكونه فرد متفاعل مع محيطٍ. إنه رجل صغير يتطور وينمو في خضم حوار مستمر بين عالمه الداخلي وبين الأحداث التي تواجهه. وهو رجل صغير، في زمنه الحاضر، لكونه منغمس في كل ما يقوم به من أفعال وتصرفات. إن لاحظناه جيدا فسنجده ينخرط، كلية، في أدق حالاته العصبية، بالضبط كما ينخرط في أدق طلباته. وحتى إن وجدنا أحيانا صعوبة في تصديق ذلك، فهو موجود حقا. هنا، إلى جانبنا. أمامنا…

درس بينيكيو

لنتذكر، في هذا الصدد، جيبيطو الذي ورث، يوما، قطعة خشبية قديمة و قرر أن يصنع بيديه منها «دمية عجيبة تعرف الرقص، وتحرك السيف وتجيد الشقلبة». «وبهذه الدمية سأجول العالم، لكسب قطعة خبزي وكأس نبيذي»، أضاف موضحا. ثم شرع في نحث دمية لقبها بينيكيو. ولكن وقعت مفاجأة غريبة: بدأت الدمية في البكاء قليلا. «لكن، ما مصدر هذا الصوت الصغير الذي يئن. لا وجود لأي شخص هنا!» جيبيطو لا يستطيع، ولا يريد التصديق أن ما يصنعه هو، في الحقيقة «شخص ما». و تظاهر بعدم الاستماع و يستمر في عمله بإصرار كلما كررت الدمية تأوهها، «لنتقن عملنا على الوجه المطلوب، لنتظاهر أننا لم نلاحظ شيئا ونستمر في عملنا!». لابد من مواصلة العمل. لا تهاون في العمل أو الاستسلام لأي شيء. على الدمية أن تطيع. عليها أن تصير ما يراد منها وتقوم بما تؤمر به. نقطة نهاية!

بينيكيو يرفض الامتثال لهذا الأمر! فما إن رُسم حتى بدأ يكشف خلسة عن وجوده: « إذ على الرغم من عدم اكتمال نحت الفم بعد، بدأ يضحك عن جيبيطو ويسخر منه.» حينها بدأ هذا الأخير يفرض عليه السكوت. من غير المقبول أن يسمح لدمية لم يُنته بعد من نحتها بالسخرية منه. كيف يمكن ان يكون لديها شيئا تقوله، بل وحتى تفكر فيه؟ فهي، على كل حال، لاتزال مجرد قطعة خشبية مبتذلة غير مصقولة. بعد وقت قريب، حين يتم الانتهاء من صناعتها ويتمكن والدها من تحريكها، يكون لبينيكيو الحق في التعبير عن نفسه. تماما ككل الأطفال الصغار ذوي التربية الحسنة. أما الآن فهذا لا يحتمل و، على كل حال، سابق لأوانه. الأطفال لا يتكلمون إلا إذا سمح لهم الراشدون بذلك، فيخبروهم بما يحسون به من ألم أو خوف، أنهم يرغبون في الضحك أو البكاء. بالتأكيد، لا يمكن السماح لهم بالتعبير بكل تلقائية ودون علمنا: هذا يحرج عملنا كمربين، بل و يفقدنا كل صوابنا!

 أطفال و راشدون، يحاصرنا الخوف أبدا. تلك نقطة ضعفنا، وهي علامة انسانيتنا؛ علامة إرادتنا وما يكفينا من الكفاف. علينا أن نخاف من يدعي أنه لا يخاف أبدا. إنه، وبشكل متعمد، بعيد عن «الحالة الإنسانية». نحن في حاجة أن نتقاسم خوفنا في جميع أشكاله. هذا ضروري كي ننمو، كي نعيش. وهو ضروري أيضا لنعيش جميعا في عالم من صنع الإنسان.

هناك ض-و-اب-ط: الطفل مُجبر على تعلم كيفية طرح وجهة نظره بلطف، وأن يتمكن من لغة ال« كبار» وأن يقبل التصرف بحسب قواعد المجتمع الصالح! ما هو مآلنا إذا تركنا الأطفال يتحدثون قبل أن يُسمح لهم، قبل أن نتيقن أنهم قادرون على القيام بذلك بطريقة حكيمة، وقبل أن نمنحهم « الإذن التصرف»؟ ولهذا كله أصر جيبيطو على العناد. ثم أصكّ أذنيه وتابع عمله بإتقان… إلا أن بينيكيو، على عكس كل التوقعات وكل اعتقاد، «توقف عن الضحك لكنه أخرج لسانه بجموح». «أمام هذه الحركة الوقحة والساخرة، حزن جيبيطو حزنا شديدا و أصبح كئيبا كما لم يكنه من قبل في حياته، ثم التفت نحو بينيكيو وقال له:

إنك طفل شيطان! لم تكتمل بعد، وها أنت لا تحترم أباك! هذا الفعل غير جميل يا ولدي! ثم مسح دمعة» 

لنراهن على أن جيبيطو تألم حقا: فهو يقوم بكل ما يستطيع القيام به. لقد بذل قصارى جهده كي يكون بينيكيو دمية رائعة. لا تطلق الكلام على عوانه و أن يشرِّفه. أن يتجنب الإتيان بهذه الحركات المريبة والوقوع في هذه الأخطاء الطفولية التي ستظل ترتكب طوال الحياة. و جيبيطو هو «أب صالح»: إذ يتمنى أن يكون بينيكيو «كائنا مكتملا» قبل أن يكون «كائنا تاما». يريد أن يكون ابنه الدمية «في أحسن تربية». بطبيعة الحال كما نريد نحن مع أبنائنا وتلامذتنا… وهذا أمر طبيعي!

إلا أن الطفل يتنكر لأفعالنا الخيرة. ذاك أنه، في جميع الحالات، وقبل أن يكون مربى و، بالأحرى، مربى بشكل جيد، فإنه موجود معنا دوما. لا يعني هذا أننا محكومين بملاحظة ظهوره، صحوه أو «تفتحه» ونحن مكتوفي الأيدي، بل يعني هذا أن  «نتعامل» مع هذا الشيء الغريب، قطعة الحياة الصغيرة هذه الغير المتوقعة التي تحدث لنا، التي تتواجد في لحظة «بين أيدينا» قبل أن تصبح، بسرعة، «حمْلٌ بأيدينا».

التخاطب مع الطفل

ال«مشاركة»، يعني الانصات إليه. يعني عدم صك الأذنين متحججا بأنه «سينساها» وأنه، في جميع الأحوال، لايزال جد صغير حتى يكون للحادث أدنى معنى أو أهمية بالنسبة إليه. بالمقابل لا يعني الإنصات إليه موافقته و لا الميول أو الشفقة عليه حتى التخمة ولا حتى إشباعه رثاء. إن الأطفال لا يتمثلون هذه المشاعر المفرطة التي، من كثرة عطفنا عليهم، نجعلها تلفهم لدرجة خنقهم من الرحمة: الراشدون الذين لا يميزون بين الطفولة والسلوك الطفولي هم يولون الأنين والبكاء الشديد اهتماما خاصا، فيعوضون الفعل الأصيل بفعل استعراضي، ويُقللون من شأن أبنائهم ليجعلوا منهم لُعبا.

لهذا السبب يكون ل«لإنصات للطفل» حين يئن معنى مغايرا تماما. بدءا، نجعله يدرك أن هناك من يستمع إليه. فقط، و ببساطة بالإنصات إليه. بقدر ما أن الأمر تافه جدا بقدر ما يشكل حاجة قصوى: جعل الآخر يعرف أن هناك من ينصت إليه يعني بالدرجة الأولى الموافقة على الإنصات إليه. هذا يعني الاعتراف به من خلال الاهتمام الذي نخصه به. من خلال حضورنا المتيقظ، نخلق هذا الطموح، هذا الترقب، و هذه الإمكانية للتعبير التي لم تكن موجودة من قبل وجودا فعليا لدى مخاطبنا والتي ستشرع في التكوُّن، شيئا فشيئا، في السجل الذي نسمح بفتحه لدينا لصالح الآخر. الإنصات لخوف الطفل يعني أننا نسمع أن الطفل يعاني من خوف: أي نسمح له بالقول «إني خائف». والسماح له، يعني تحويله إلى آخرٍ.

لماذا يجب أن نحكي، مرارا وتكرارا، توم الصغير للأطفال؟ أَ لِأنها حكاية مقبولة دوما؟ ولِمَ هي مقبولة دوما؟ هي كذلك لأن الطفل يجد بها صدى تخوفاته الأكثر حميمية، تلك التي لا يجرأ ولا يريد ولا يعرف كيفية البوح بها أبدا لأي كان. خوفه من تخلي والديه عنه و- الأكثر فظاعة- أن يأكله الغول، هذا المخلوق الذي، من كثرة حبه للطفل وضمه بكل قوة بين أحضانه، يخنقه ويلتهمه دون رحمة.

إن الإنصات للطفل هو بشكل مترابط، تعليمه التكلم. يعني الانتباه لما يبحث عنه ومساعدته نحن على تحقيقه. فعل الاستماع له، فإعادة صياغة المطلوب، فتكراره، فالإجابة عليه، فالاستماع من جديد، إعادة الصياغة من جديد، تكرير الحوار، بعد برهة زمنية، بعدما تهدأ الإثارة، بأناة وصبر… كما يعني الانصات إلى الطفل الانخراط في حوار متبادل تتحول فيه اللغة الفصيحة، شيئا فشيئا، إلى غرغرة. من ثمة نشارك نشوة الرجل الصغير الذي يشرع، فجأة، في الكلام والفهم مرة واحدة. حين يجد الكلمة، أو التعبير، أو الجملة، أو الخط أو الرسم الذي يفسر بشكل عجيب «ما يريد قوله»… لا لأن «ما يريد قوله» سابق في الوجود عما يقول، لكن، حين يطفو موضوع ما، هناك لحظات محبذة تصبح فيها اللغة مزامنة للعواطف. عندها تقول الكلمات ما لا يمكن عيشه لعدم القدرة على قوله. فنشرع في عيشه بشكل أكثر قوة، و أكثر واقعية. فاللغة هي ولوج فعلي للحياة الداخلية. بها نرسم «خريطة الأنا» في المنطقة التي لم تنتظم بعد من النفسي الذي لايزال في إطار البناء.  

كي تظهر هذه اللغة لابد من وجود مخاطب راشد. لابد من محادثة جدية، بعيدة عن الملاطفات المشجعة مقابل التلعثمات الأولى، حيث ينبغي، على العكس من ذلك، التكلم بكل بساطة. إلا أن العديد من كبار السن يعتقدون بوجوب انتظار تعلم الصغار التكلم للتحدث معهم ! لهذا السبب لا يتعلم العديد من الصغار الكلام فعلا: فيلجؤون، مهما كانت الحالة، إلى الصراخ، والأوامر القطعية، لفرض النزوات، و للسب و إلى التشكي… لا إلى التكلم! و من خوفهم، كما هو الحال عند فرحهم، لا يستطيعون التحدث إلى أي كان. إنهم ينغلقون على أنفسهم. تتعمق الوضعية بالنسبة إليهم دون أي تجاوب من الآخرين، دون أن يستطيعوا عيش ما يحْيَيْنه كتعبير مشترك عن «الحالة الانسانية». دون أن تلتئم خصوصيتهم بخصوصيات آخرين ضمن فما يمكن تسميته بالثقافة.

الثقافة لربط الحميمي بالكوني

   الطفل في حاجة لأن يندمج في الثقافة، وذلك حتى يخرج من نرجسيته، ويتجنب أنانيته و«يشكل مجتمعا». والثقافة هي، أولا وقبل كل شيء، وببساطة، الرمزي: أي إمكانية تسمية الأشياء التي لا نراها أو لم نعد نراها إطلاقا. الجميع يعلم أن الطفل، صغير السن، يعتقد أن الكرة التي تتدحرج تحت الأريكة لم يعد لها وجود، ما دام أنه لم يعد يراها! بالمناسبة، وفي هذا الصدد، الكثير من الراشدين يأتون سلوكا طفوليا: ما إن يخرج الواحد من مجالهم البصري حتى يصبح غير موجود بتاتا! بالمقابل، تظل الأشياء والموجودات حاضرة بفضل الرمزي، بغض النظر عن إدراكها المباشر. هذا هو ما يسمح لنا بأن نجعلهم موضوع تفكيرنا ونتفكَّرهم، أن نتحاكى قصصا و نضع مشاريع مستقبلية، نتخيل عودة من نحب وما يمكن أن نعيشه سوية من مغامرات، نحلم وجبة الطعام المقبلة أو بالمنزل الذي نرجو بناؤه، أن نتخصص في الرياضيات أو التاريخ، في البستنة أو الفلسفة… فالرمزي يفتح إمكانية كل التوافقات الذهنية. هذا ما لا يجعلنا نلتصق بالراهن ولا خاضعين للإدراك أو العاطفة التي تطغى علينا. وهذا ما يمكّن من جعل العالم أليفا و إدخال بعض الوداعة عليه.

الأكيد أن الراهن غير لطيف. و لايزال الخوف يهاجم بوحشية شديدة. إنه يجعلنا مكتوفي الأيادي، مجمَّدين، مرتجفين أو مشلولين، غير قادرين على استيعابه، ممنوعين من تمثله. بالمقابل، تمكّننا الرمزية من الإمساك به، لفُّه، تأمله لحظة، تسميته، تصنيفه إلى: «وضيع… صغير… قوي… تافه… مؤلم… مخيف… مقلق… متواطئ… خجول…». بهذا لا يكون الخوف أمرا غريبا: «ولا حتى خائفا من الخوف!» تعبير يقال لمن هو غير راضٍ بأن يغزوه الخوف بل يسعى جاهدا للاكتساب الرمزية. «كيف هو خوفك؟ ما لونه؟ ما شكله؟ هل يمكن أن ترسمه؟ ماذا لو كان قد رحل؟». نعم: « ماذا لو كان قد رحل؟ » إنه السؤال الذي يقضي –أو تقريبا- على الخوف. إنه السؤال الذي يؤدي بنا إلى واحد من أكبر رهانات التربية: تزويد الطفل بأشكال رمزية، بشخصيات غير عادية، بوضعيات رائعة… باختصار بنماذج مثالية تفيده في التعرف والتعبير عن خوفه الخاص به، بل يجعل منه واحدا من مكونات نموه، فرصته للتحرر مما يمكن أن يعيقه عن الإبداع.

لماذا يجب أن نحكي، مرارا وتكرارا، توم الصغير للأطفال؟ أَ لِأنها حكاية مقبولة دوما؟ ولِمَ هي مقبولة دوما؟ هي كذلك لأن الطفل يجد بها صدى تخوفاته الأكثر حميمية، تلك التي لا يجرأ ولا يريد ولا يعرف كيفية البوح بها أبدا لأي كان. خوفه من تخلي والديه عنه و- الأكثر فظاعة- أن يأكله الغول، هذا المخلوق الذي، من كثرة حبه للطفل وضمه بكل قوة بين أحضانه، يخنقه ويلتهمه دون رحمة. ما هو الأكثر فظاعة، بالنسبة للطفل، من أن يُمسك به بين هلعين متناظرين؟ كلا العاطفتين، الغائبة أو القاتلة، مدمرتان. فالتخلي عن الطفل يؤدي به إلى الموت وكذلك يفعل التملك الكلي. سواء ضيَّعه والديه بالغابة أو قتل حبهم له فيه كل إمكانية لممارسة حريته، فإنه لن يسترجع توازنه. و الحال أنه لن يقدر على تمثُّل أي من الوضعيتين. ومع ذلك فللوضعيتين وجود فعلي، مستعدتين للبروز، وتولدان، بخلاف كل ما ننتظر، حالة رعب لا يمكن ضبطها. إنهما قادرتان على تغذية حالات قلق لا تنتهي، وإشباع عُصَابات خرقاء، وأن تقتل فيه كل أمل في السعادة.

يمكننا، بطبيعة الحال، أن نستفسر سارة، أحمد، خوسيه أو إيمّا، بالروض أو المدرسة، فنسألهم: «ألَا تخاف ألَّا يأتي والديك للبحث عنك مساءا أو أن يُتخلى عنك، وأخوك، جنب الطريق السيار حين تذهبون في عطلة؟» أو «حين يضمك أبوك أو أمك بشدة إلى صدرهما في المساء، ألا تخاف أن يخنقوك ويقتلوك من شدة الضم؟» أو بشكل أكثر وضوحا: «الناس الذين يحبونك يتمنون أن تكون لهم وحدهم؛ إنهم يغضبون حين ترحل أو تقوم بفعل لم يتوقعوه! خذ حذرك! فالذين يدَّعون أنهم يحبونك الأكثر قد لا يريدون لك بالضرورة الخير!» ليس بهذه الطريقة نعرف ونُليّن تخوفاتهم. على العكس من ذلك، نقاربها بكثير من اللطف، حين تتاح لنا فرصة مصادفتها ونحن نقص عليهم حكاية قديمة، تتكلم عنا كذلك… من خلال منحنا الوقت والفرصة للتدخل تدريجيا، عبر لمسات صغيرة، في الحالات والوضعيات التي نكتشف بمساعدتهم. فللحكايات هذه الميزة الكبرى على إمكانية فهمها على اختلاف مستوياتها في العمق والتعقيد: البقاء كلية خارج الحكي، أو التفاعل الخفيف معه أو التطابق بنسب متفاوتة القوة مع الشخصيات.

هذا و لأن الحكايات لا يسردها قريب نرتاب من رغبته في أن يلقّننا درسا بطريقة تريد الكشف عن اهتمامه المباشر، فإننا نستمع، بالرغم من ذلك، باهتمام عائم يمكننا من سماع صدى ما يقوله دون شعور بالتهديد. إن الحكايات هدايا حقيقية، بل هي من أجمل الهدايا التي نقدمها للطفل: تحدثهم عن أنفسهم دون أن تمس حميميتهم. إنها تربطهم، بحسب الأعمار وبغض النظر عن القصص الخاصة بكل فترة عمرية، بالمجتمع الإنساني الأكثر كونية.

تجاوز خوف التعلم  

الاندماج في الثقافة ليس أمرا سهلا لأي كان. فالثقافة، بأشكالها الأكثر تطورا -ك«الأعمال» التي تشهد عن أدق «حالات الانسان» – تتطلب دوما تعلما. فهي تؤكد على ضرورة الافتراق عن حضن اليقين الآني لمواجهة المجهول. إنها تفرض أن نعرف كيف «نعوض» أنفسنا بقضية، بموضوع فني، بقصة، بتفسير أو بنظام، تكون كلها أمورا غريبة عنا وستمكننا من أن نتعالى عن الأحاسيس والتمثلات والعادات التي شكلت لنا مأمنا نفسيا حقيقيا.

بكل بساطة وبشكل جذري، يضع كل تعلم الفرد أمام تناقض حتمي: «من الضروري فعل ما لانزال جهل فعله كي نتعلم فعله»! فسواء تعلق الأمر بتعلم المشي أو التكلم، حين نعزم على قراءة كتاب لوحدنا لأول مرة أو إنشاد شعر أمام مجموعة القسم، في اللحظة التي ننخرط فيها لحل مشكلة رياضية جديدة بالمرة أو معالجة تمرين فيزيائي يوضع لأول مرة… في جميع الحالات نحن أمام نفس الصعوبة: نجهل القيام بذلك لأننا لم نقم به أبدا! ومع ذلك علينا القيام به ضرورةً وإلا فلن نتعلمه أبدا! لابد من المغامرة مهما كان موضوع تعلمنا. لابد من القيام به ولو بمحاولات عشوائية. لابد من المحاولة ولو لم نكن متيقنين من النجاح. لابد من البدء حتى وإن لم ندري إن كنا سنصل. يقول فلاديمير جانكيليفيتش: «كي نبدأ، لابد، بكل بساطة، أن تكون هناك بداية. لا أحد يتعلم كيف يبدأ. ولنبدأ نحتاج فقط إلى الشجاعة.»

لاشك أننا نحتاج للشجاعة! مَن لمْ يشعر، عند أول تصريح بالحب أو عند أول طيران شراعي، بالحاجة إلى الشجاعة؟ أو، بشكل تافه، وأنت تحاول، أمام ورقة بيضاء، كتابة نص قصير وبسيط فتبحث عن كل الأعذار الممكنة لتأجيل هذا الأمر. بل حتى عند كل بداية جديدة في كل بداية جديدة: فراق الأسرة عند الدخول إلى المدرسة، فراق المنزل و الالتحاق بمجموعة مجهولة، مغادرة الشفاهي و الدخول للكتابي، فراق عالم اللعب والدخول لعالم «العمل الفعلي»، مغادرة الدروس والدخول للحياة المهنية… ثمة دوما شكل من أشكال الخوف المرتبط، من حيث الجوهر، بنشاط جديد. إنه نفسه الخوف الذي يحسه الطفل يوميا كلما وجد نفسه مضطرا ل«فعل ما لا يعرف القيام به حتى يتعلم كيفية فعله».

ولكون الطفل كائنا غير مكتمل، جد هش في طور الإنبناء، فمصاحبته ضرورية ليقدر على مواجهة الخوف. لابد من ذلك لتجنب حالة الذعر، حالة الأرجل المرتعدة التي لم تعد قادرة على حمله، تجنب الرغبة الجامحة في الرجوع إلى الخلف، ومحاولة الانطواء على الذات، والعودة محتميا ب«مغارته» إلى الأبد. لهذا يحتاج الطفل للمصاحبة: آمنة ومأذون بها في نفس الوقت.

لتجاوز هذا الخوف من التعلم، علينا حقا معرفة أننا -بهذا الاعتقاد الراسخ المحفز على تجاوز كل المعوقات- نسكن، حاليا على الأقل، ب «فضاء بعيد عن كل تهديد». لابد من الاعتقاد الجازم أن لنا الحق في القيام بمحاولات عشوائية، أن نخطأ، بل وأن نفشل. أن لأحد سيأتي بعدها ليسخر منا، أن يفضحنا ويكبلنا في محاولة مجهضة. أن لا أحد، كان من كان -صديق، أو أحد والديك أو أساتذتك-، سيصنفك ويشبهك بما لا يشكل في الحقيقة سوى مرحلةٍ في مسيرتك التعلمية الطويلة التي لم تنته بعد. ثم على المربي أن يكون حاضرا بكل كيانه ليتيح للمتعلم إمكانية «المجازفة» دون «التعرض للخطر» فتتعرض سلامته الجسدية والنفسية للضرر. إقامة «فضاء غير خال من التهديد» خاص بالطفل يعني أيضا قدرته على الاستئناس بالخوف الذي قد يصيبه كلما واجه فيه مستقبلا ممكنا لكنه غير متوقع. هذا يعني، في الواقع، تمكنه من النوم بشكل تدريجي، أن «ينجز عملا له هو» كما يقول بيستالوتزي.

لكن الحماية وحدها لا تكفي، لابد أن يُعطاك الإذن: لا ندخل معمعة الحياة فقط لتأكدنا بأننا مؤَمّنين غير معرضين للخطر: لابد أن يقدم لك إنسان آخر الدعوة وتمنحك مراقبته الثقة التي لا توجد لدى الفرد بشكل مسبق. لذا لا يتمكن الطفل من النمو فعليا إلا إذا أوصلته نظرة الراشد إلى القناعة أن التعلم والنمو «يستحقان كل الجهد المبذول» حتى وإن أخافه الأمر! يستحق العناء لكونه يعد بالرضا والسعادة أكيدة. ويستحق العناء أيضا لإمكانية الجمع أحينا بين الحرية والسعادة؛ ثم إنه قد يعطي معنى لوجودنا في هذا العالم بل من الممكن أن يمدِّد ويحسِّن صورة العالم.

الحقيقة أن الخوف المشروع الذي يعاني منه الطفل يستدعي مسؤولية الراشد. أولا ليكون حاضرا ومتواجدا. ثم لتجسيد المرغوب فيه و الممكن. و ليبلِّغ اعتقاده أن لا شيء مقدَّر و أن الأفضل قادم… هي مسؤولية صعبة التحمل في مجتمع يحتقر الأمل ويزرع اليأس. لكنها مسؤولية ضرورية للمربي الذي يجب أن نكونه أو نصبحه، الآن أكثر من أي وقت مضى. لنستقبل الطفولة ونتوقف عن سب المستقبل. هذا إن أردنا أن لا نرهن أطفلنا داخل خوفهم إلى الأبد، ولا نفرض عليهم خوفنا.

++++++++++++++

في النهاية، ممّا يخاف أطفالنا؟ إنهم في الحقيقة مثلنا يخافون من الوحدة. لا وجود لسبب معقول يجعلنا نخاف. الوحدة هي مشتل كل أشكال الخوف. الخوف من الصمت و من الفراغ؛ الخوف من الضجيج و من الجمهور؛ من التعرض لسخرية الآخرين؛ من إهمال الجميع، ومن التعنيف؛ من عدم الرقي إلى المستوى المطلوب؛ من زلة القدم أو ضياع الفرصة؛ الخوف من السخرية ومن الفشل… الخوف من الضياع إلى الأبد في عالم غريب متوحش. هكذا يصبح الطفل معرضا للقلق البدائي الذي عان منه الإنسان الأول، دون أية علامة أو خريطة تهديه إلى  طريقه؛ دون أي كلمة يسمي بها الأشياء أو وجه يحول إليه بصره؛ دون أي بسمة أو ملامسة. إنه الخوف من المرحلة الماقبل إنسانية، تلك التي سبقت اللقاء المصيري مع الذي هو «مثلي.. أخي».

 أطفال و راشدون، يحاصرنا الخوف أبدا. تلك نقطة ضعفنا، وهي علامة انسانيتنا؛ علامة إرادتنا وما يكفينا من الكفاف. علينا أن نخاف من يدعي أنه لا يخاف أبدا. إنه، وبشكل متعمد، بعيد عن «الحالة الإنسانية». نحن في حاجة أن نتقاسم خوفنا في جميع أشكاله. هذا ضروري كي ننمو، كي نعيش. وهو ضروري أيضا لنعيش جميعا في عالم من صنع الإنسان.

 ————————–

 المصدر

*https://www.meirieu.com/ARTICLES/La_peur.pdf

شاهد أيضاً

العلاقة بين العقل والجسد في فلسفة العقل

 اسماعيل دحماني  اسماعيل دحماني ابتدأت فلسفة العقل فعليا بأعمال ديكارت أي في القرن 17، حيث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *