الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / ميشيل فوكو: اعترافات الجسد

ميشيل فوكو: اعترافات الجسد


محمد مروان

تقديم وترجمة: محمد مروان

خاص بموقع كوة

من المعروف أن ميشيل فوكو Michel Foucault المفتون بالهوامش،كان قد تفرّغ لمعالجة المواضيع التي أهملتها الفلسفة،من قبيل الجنون،الإجرام أو الجنسانية…الخ،وهو ما أسفر عن إصدار العديد من المؤلفات التي رسمت طريقا مغايرا وجديدا أمام الوعي السائد،مثل”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي“،”المراقبة والعقاب“والأجزاء الثلاثة ل”تاريخ الجنسانية“:إرادة المعرفة،استعمال اللذات،ثم الاهتمام بالذات.هذه الأعمال التي لم تكن مفصولة عن حياته والتزاماته،حيث كان يؤكد ذلك بقوله:”لم أكتب قط كتابا دون أن تكون له علاقة،ولو جزئيا،بتجربة مباشرة،تجربة شخصية”،هي التي ستجعله يفرض نفسه على المشهد الثقافي الفرنسي،خاصة بعد إصدار كتاب “الكلمات والأشياء الذي حقق نجاحا كبيرا وتربع على عرش المبيعات سنة 1966.

قبل وفاته(1984)بعامين،كان فوكو قد صرح فيما يشبه الوعد،بأنه لن يُنشر أي عمل له بعد وفاته.وكان يقصد بالضبط مخطوطة مرقونة مودعة لدى دار النشر الفرنسية”غاليمار Gallimard”ظلت لزمن طويل بعيدة عن التداول،اللهم بعض النسخ منها التي كانت تروج خفية،تحت المعطف،على حد تعبير فيليب شوفاليي Philippe Chevalier المتخصص في فوكو.هذه المخطوطة هي أصل الكتاب الصادر مطلع العام الجاري تحت عنوان”اعترافات الجسد Les aveux de la chair “،وهو أهم كتاب غير منشور في الفلسفة في القرن العشرين،حسب شوفاليي،من حيث إنه يلخص عقدا كاملا من الأبحاث حول المسيحية،كما تخترقه أسئلة حول الحريات التي يفترض أننا نجسدها اليوم:ما هي المكانة التي يجب أن تحتلها الجنسانية في حياة كل واحد منا؟وهل نحن قادرون على إبداع وخلق نماذج إيجابية للحياة،متحررة من جميع الإكراهات؟

رغم وصية فوكو بعدم نشر أيّ من أعماله بعد وفاته،إلا أن ذوي الحقوق من عائلته قرروا نشر هذا الكتاب بعد التفكير في بيع أرشيفه منذ 2013،وكان الوريث دانييل دوفري Daniel Defret  يبرر ذلك بكون الباحثين والأكاديميين المتخصصين سيستفيدون حتما من هذا العمل.كما أن فريدريك غرو Frédéric Gros الذي قدّم للكتاب وأعده للنشر،اعتبر أن الفرصة مواتية لنشره بالنظر إلى تنامي وصعود حركات نسوية مثل Me Too المناهضة للتحرش الجنسي.ومهما يكن،فالكتاب هو في الواقع ثمرة لمجموعة من الأبحاث والمحاضرات التي قدمها فوكو في الكوليج دو فرانس Collège de France سنتي 1979و1980 في درس بعنوان”حكومة الأحياء”.لذلك،يمكن اعتبار”اعترافات الجسد  تكملة أساسية وضرورية ل”تاريخ الجنسانية“.

هذا الكتاب الذي يكشف فيه فوكو عن أهم تحولات التجربة الأخلاقية المسيحية ما بين القرنين الثاني والرابع الميلاديين،يتوزع على ثلاثة فصول،من دون خاتمة،إضافة إلى بعض الملاحق.يعالج الفصل الأول كيفية تشكل تجربة جديدة في إطار المسيحية الأولى،في حين يعالج الفصل الثاني مسألة العذرية والعفة،أما الفصل الثالث فيتعلق بالزواج والذات المتزوجة.يعلق فوكو،في الفصل الأول،على كتاب”البيداغوجي“لمؤلفه كليمان الإسكندري،من القرن الثاني الميلادي،وفيه يكشف عن التحولات الأولى التي عرفتها الأخلاق المسيحية بالقياس إلى الأخلاق القديمة:لأول مرة أصبحت جنسانية الأزواج موضوعا للتفكير متميزا عن مجرد تدبير الفرد للذّاته ومتعه.هذا الموضوع الجديد ستكون له أهمية قصوى بالنسبة لتاريخ الجنسانية الغربية.ومن هذا الفصل،”تشكُّل تجربة جديدة”،نقدم ترجمة لهذا المقتطف.

النص المترجم

“تشكّل تجربة جديدة”  *

يشهد(كتاب)البيداغوجي Le Pédagogue،كما قيل مراراً وتكراراً،على استمرارية كبيرة لنصوص الفلسفة والأخلاق المعاصرة له،أو للعصر السابق عليه مباشرة.يتعلق الأمر بشكل الوصفة نفسها:نظام للحياة يحدد قيمة الأفعال بالنظر إلى غاياتها العقلانية و”المناسبات”التي تبيح القيام بها بطريقة مشروعة.يتعلق الأمر أيضا بتدوين كلاسيكي للقوانين،ما دمنا نجد فيه نفس المحرمات(الزنا،الفجور،اغتصاب الأطفال،العلاقات بين الرجال)،ونفس الأوامر(وضع إنجاب الأطفال كهدف حين نتزوج وحين نقيم علاقات جنسية)،مع نفس الإحالة إلى الطبيعة ودروسها.

لكن هذه الاستمرارية الواضحة لا يجب أن تقودنا إلى الاعتقاد بأن كليمان Clément قد أدخل فقط جزءا من الأخلاق التقليدية،متمماً إياه بإضافات من الأصل العبري،في تصوراته الدينية.فهو،من جهة أولى،ضمّ في نفس الوصفة إتيقا للزواج واقتصادا مفصلا للعلاقات الجنسية،لقد حدد نظاما جنسيا للزواج نفسه-في حين كان الأخلاقيون الوثنيون،حتى حين لا يقبلون العلاقات الجنسية إلا في إطار الزواج وبهدف الإنجاب،يحللون بشكل منفصل اقتصاد اللذات الضروري للحكيم وقواعد الحذر والمنافع والمحاسن الخاصة بالعلاقات الزوجية.كما أنه،من جهة ثانية،أضفى دلالة دينية على هذه المجموعة من الوصفات،من خلال إعادة التفكير فيها بشمولية وفي إطار تصوره ل“اللوغوس Logos“.إنه لم يعمل على تمرير أخلاق غريبة عنه إلى مسيحيته.فقد شكّل،على أساس سنن قائم سلفا،فكرا وأخلاقا مسيحيين للعلاقات الجنسية،موضحا بذلك أنه كانت هناك أكثر من إمكانية غير هذه،وبالتالي سيكون من الخطإ تصور أن “ال”مسيحية،بذاتها وبقوة إلزاماتها الداخلية،هي التي فرضت بالضرورة هذا المجموع الغريب والمتفرد للممارسات،والمفاهيم والقواعد التي نسميها”ال”أخلاق الجنسية المسيحية.

ومهما كان الأمر،فإن تحليل كليمان هذا بعيد جدا عن الثيمات التي سنجدها لاحقا عند القديس أوغسطين Augustin،والتي سيكون لها دور كبير وحاسم فيما يتعلق ببلورة”هذه”الأخلاق.من كليمان إلى أوغسطين،هناك طبعا هذا الاختلاف بين مسيحية ذات ميل هيليني ورواقي،تنتهي إلى”تطبيع”إتيقا العلاقات الجنسية،وبي مسيحية أكثر تشددا وتشاؤما،بحيث لا تفكر في الطبيعة الإنسانية إلا من منظور الخطيئة،مضفية هكذا،علامة سلبية على العلاقات الجنسية.لكن لا يمكننا التوقف فقط عند رصد هذا الاختلاف،خصوصا وأنه لا يمكن تصور أن هذا التحول قد حصل من خلال مفاهيم”الصرامة/القسوة”،التشدد،الانضباط أكثر للمحرمات.ذلك أنه،بالنظر إلى السنن أو النظام بالمعنى الدقيق،ونسق المحرمات،لا تبدو أخلاق كليمان”متسامحة” أكثر مما سنجده فيما بعد:إن الكايروس Kairos الذي يشرعن الفعل الجنسي في إطار الزواج فقط،وبهدف الإنجاب بشكل خاص،وليس قطعاً خلال فترات الحيض والحمل،ولا خلال أيّ وقت غير المساء،لا يفتح المجال أمامه لإمكانيات أرحب(1).وعلى أية حال،فإن الخطوط الرئيسية الفاصلة بين المباح والممنوع،ظلت في جوهرها وهدفها العام هي نفسها فيما بين القرنين الثاني والخامس للميلاد(2).ومن ناحية أخرى،ستحدث خلال نفس الفترة الزمنية تحولات رئيسية:في النسق العام للقيم،مع الاستعلاء الإتيقي والديني للعذرية والعفة المطلقة؛وفي لعبة المفاهيم المستعملة مع الاتمام المتزايد ب ال”إغراء”،ب ال”شبقية”،بالبدن و”الحركات الأولى”والتي تكشف،ليس فقط عن نوع من التعديل في الجهاز المفاهيمي،وإنما أيضا عن تحويل لمجال التحليل.ليس السنن هو ما تمت تقويته،ولا العلاقات الجنسية المقموعة بشكل جد صارم؛إنه نموذج آخر للتجربة كان قيد التشكل تدريجيا.

يجب طبعاً ربط هذا التغيير بالتطور الشامل والمعقد للكنائس المسيحية والذي أدى إلى بناء الإمبراطورية المسيحية.لكن،ومن أجل دقة أكبر،يجب ربطه بتأسيس عنصرين جديدين في المسيحية:أدب التوبة،بدءاً من النصف الثاني للقرن الثاني الميلادي،والزهد التقشفي الرهباني،بدءاً من نهاية القرن الثالث للميلاد.لم يعمل هذان النموذجان فقط على تقوية المحرمات أو على الدعوة إلى مزيد من الصرامة في الأخلاق.لقد حددا وطورا نوعا من نمط علاقة الذات بنفسها ونوعا من العلاقة بين الشر والحقيقة-لنقُل بشكل أدق،بين مغفرة الخطايا وتطهير القلب والكشف عن الأخطاء المخفية،وعن الأسرار،وعن خبايا الفرد في فحص واختبار الذات،في الاعتراف،وفي توجيه الضمير أو مختلف أشكال ال “اعتراف “بالتوبة.

إن ممارسة التوبة وسلوكات الحياة الزاهدة تنظم علاقات قائمة بين”فعل السوء”و”قول الحق”،إنها تربط شبكيا العلاقات بالذات،بالشر والحقيقة،على نمط هو من دون شك أكثر جدة وأكثر حسماً من هذه الدرجة أو تلك من الصرامة المضافة إلى السنن أو المنقوصة منه.يتعلق الأمر في الواقع بشكل أو صورة الذاتية:ممارسة الذات على الذات نفسها،معرفة الذات بواسطة الذات نفسها،تشكيل الذات نفسها كموضوع للبحث وللخطاب،تحريروتطهير الذات والخلاص عبر عمليات تسلط الضوء على أعماق الذات،وتقود الأسرار الدفينة حتى تبلغ نور الكشف المخلّص.يتعلق الأمر بشكل تجربة كانت قد تشكلت آنذاك،من حيث هي في نفس الوقت،نمط لحضور الذات أمام نفسها،وخطاطة لتحويل الذات.وهي التي وضعت تدريجيا في مركز ثقلها مشكلة ال”جسد”.وبدل أن يكون هناك نظام للعلاقات الجنسية،أو للأفروديسيات des aphrodisia،يندمج في القاعدة العامة لحياة مستقيمة،ستكون لدينا علاقة أساسية مع الجسد،وهي التي تخترق الحياة في كليتها وتسند القواعد المفروضة عليها.

يجب فهم ال”جسد”كنمط لتجربة،أي كنمط لمعرفة وتحويل الذات بواسطة الذات نفسها،من خلال علاقة معينة بين إلغاء الشر وكشف الحقيقة.مع المسيحية،لم يتم الانتقال من سَنن متسامح إزاء الأفعال الجنسية إلى نسق صارم،مقيد وقمعي.يجب فهم السيرورات وتمفصلاتها بطريقة مغايرة:إن بناء سنن جنسي،متمركز حول الزواج والإنجاب،كان قد بدأ على نطاق واسع قبل المسيحية،خارجها وحواليها.وقد تبنته وأخذت به في معظم الأحيان.وفي ظل تطوراتها اللاحقة،وعبر تشكّل تقنيات محددة للفرد-أدب التوبة والزهد الرهباني-سيتأسس شكل للتجربة التي كيّفت السنن مع نمط جديد ومنحته تجسيدا في سلوك الأفراد بطريقة مغايرة(3).

ومن أجل وضع تاريخ لهذا التشكل،يجب تحليل الممارسات التي أتاحت له الوجود.إننا لا ندعي هنا تتبع نشأة وتطور هذه المؤسسات المعقدة جدا،يتعلق الأمر فقط بمحاولة الكشف عن العلاقات المتشابكة داخلها بين مغفرة الشر،الكشف عن الحقيقة و”اكتشاف”الذات.

* Michel Foucault, (La formation d’une expérience nouvelle), Les Aveux de la chair, Gallimard, 2018, pp.48-51.

1. J.-P.Broudéhoux, Mariage et famille chez Clément d’Alexandrie, Paris, 1970, p.136.

“من الأكيد أنه يجب الاعتراف بأنها(أخلاق كليمان الجنسية)غاية في الصرامة:إن مبادئها تتجاوز، في الغالب، صرامة المواقف التي ستغدو تقليدية في الكنيسة العظمى”.(المؤلف).

2.. أحد المحرمات الأساسية”الجديدة”،النظام المعقد والشامل للسفاح/زنا المحارم،لن يتكون قطعا قبل العصور الوسطى الأولى.(المؤلف).

3. مقطع مشطب عليه في المخطوطة المرقونة:”باختصار،إن خطاطة النسق والقمع واستدماج المحرمات،ليست قادرة على الأخذ بعين الاعتبار هذه السيرورات التي تسمح للأنساق تحديدا بأن تتحول إلى سلوكات أو للسلوكات بأن ترسم الأنساق-وهي سيرورات”التذويت subjectivation “.الجسد نمط للتذويت” (ملاحظة من إضافة الناشر).

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *