الرئيسية / منتخبات / عامة / ميشال فوكو و حفريات المعرفة

ميشال فوكو و حفريات المعرفة

بقلم : أسامة البحري

تاريخ الفكر حسب فوكو هو تاريخ يصعب حصره في خصائص و في مواصفات أو سمات ، لأنه حسب فوكو هو تاريخ متقلب و مليء بمناهج لم تعرف الثبات و الإستقامة ، و يرى فوكو أيضا بأنه لا يحكي تاريخ العلوم إطلاقا عنه ، بل يتكلم عن الهوامش فهو إذن ” علم اللغات العائمة و الآثار البشعة و الموضوعات الفكرية الغير مرتبطة ، هو تحليل للآراء أكثر منه تحليلا للمعرفة ، تحليل للأخطاء أكثر مما هو تحليل للحقيقة ، تحليل لا لأشكال التفكير بل لأنواع العقليات 5″  و من جهة أخرى كما يرى فوكو يهتم تاريخ الأفكار بسبر أغوار الفروع المعرفية القائمة و دراستها و تأويلها ، فهو يهتم إذن بالبداياتو بالنهايات ، و يهتم تتبعا لذلك بهجرة الأفكار بين بعضها البعض ، فمثلا حسب فوكو المعارف العلمية تهاجر لتكون دافعا لظهور مفاهيم علمية ، فمثلا تهاجر بعض المشاكل و الأفكار و المفاهيم الفلسفية من الحقل الفلسفي إلى الخطاب العلمي و السياسي ، فتاريخالأفكار إذن حسب فوكو هو فرع معرفي تتداخل فيه المناهج و الطرق ، هو حسب التعبير التجريدي لفوكو ” انتقال من اللافلسفة إلى الفلسفة و من اللاعلم إلى العلم و من اللأدب إلى الأدب 6″ و لهذا سينحث فوكو مفهومه الجديد بحقل تاريخ المعرفة و هو ” حفريات المعرفة ” ، الذي كما أقر ، حفريات المعرفة هو مفهوم ناتج عن الإلتقاء بين التحليل الحفري مع تاريخ الأفكار ، و يرى بأن حفريات المعرفة لا ترمي إظهار التمثلات و الأفكار و الصور التي تنصهر و تتجسد في الخطاب ، بل هي تحدد هذه الخطابات نفسها و ذلك باقتحام سديميتها لأجل الوصول إلى الماهية ، مبتعدة عن خلق خطاب آخر ” أي التحلي بالموضوعية ” فهي ترى بأن الخطاب العلمي هو ” آثار ” لا يجب أن تؤول لكي لا نسقط في المجاز ، و هي تحدد خصوصيات الخطاب من خلال الإحاطة إبستيميه- ميكرو – فيزيائيا بالخطاب ، و همها هو تحليل الفوارق و الإختلافات الموجودة بين صيغ الخطاب ووجوهه فهي تسعى بكل بساطة إلى تحديد أنماط و قواعد الممارسات الخطابية التي تحكم الآثار الفردية و توجهها و هي لا تسلم بأن الآثار الفردية و توجهها ، و هي لا تسلم بأن الآثار العلمي هو مبدأ موحد ناتج عن الذات المبدعة ، لأن حسب فوكو حتى بتاريخ الفكر يوجد صراع للخطاب و هيمنة ، و لهذا لا تسعى حفريات المعرفة إلى نقل الأحاسيس أو إرادة الذوات المبدعة التي ساهمةفي تكوين خطاباتهم ، فهي إذن لا ترد ما قيل بل تصف الخطاب وصفا منظما ، و يقسم فوكو بين نوعين من الخطابات بالحقل العلمي : أولا التعابير ذلت قيمة وهي قليلة ، ثانيا : تعابير تافهة و مبتذلة ، فما تفعله حسب فوكو هو التكرار ، أي تكرار ما قيل بحذافره ، و يرى فوكو أن الأفكار تعطي لكل نوع قيمة ، فالأولى تعتبرها دافعا لها في التطور و التقدم ، أما النوع الثاني فهي ستايتيكية و معطلة ، و لهذا يقر فوكو بأنه يجب التركيز على الثانية و هي التعابير المتكررة ، و ذلك أولا بلا إعطاء قيمة لمؤلفها و تجريدها عن مكان ظهورها و لحظة ظهورها ، ثم دراسة قنوات إنتشارها و المجموعات التي تحتضنها ، و الطريقة العامة التي ترسمها لتفكير الناس ، و الخطوط الحمراء التي تفرضها على تفكير الناس ، و كيف تحصر فترة معينة عن باقي الفترات  ، و ذلك بالحفر و التنقيب المنطقي و الموضوعي بهذه الفترة ، فتاريخ الأفكار إذن بشكل عام هو صراع خطابي بين القديم و الجديد و مقاومة قوية من طرف القديم للجديد ، لقوة ضربات القمع و الزيف الذي يلبس له دائما و تاريخ الأفكار هو وصف للخطابات المقبلة و آثار الإكتشافات ، و الزلزال الذي يترثب عنه هزات عنيفة ، حينما تقلب أوضاع اللغة الإبستيميه- نمطية ، و يتحدث أيضا فوكو عن تردد و تكرار الخطاب عند بعض المفكرين ” ككوفيه ” من رواد الحفريات و ” داروين ” دافع البيولوجية ، و لهذا سيقر فوكو بأنه يمكننا أن نجد إنجازات متماثلة من المنظور النحوي ” اللغة ” و أيضا متماثلة من الناحية المنطقية “البراديغم الذي يخص قضية معينة ” ، و لهذا فنحن أمام ما هو كمي حسب فوكو ، فمثلا ” فمثلا العلاقة الكمية بين السعر و كمية النقود المتداولة ” فهذا المثال يمكن أن يعتمد نفس التعبير ، و لكن هل نجد هذا ينطبق على رينيه ديكارت و باروخ اسبينوزا مثلا ، أولا جون لوك و دافيد هيوم ، لهذا حسب فوكو هناك فرق بين التشابه اللساني ” النسخ ” و التشابه المنطقي ” العقلي ” و التشابه العباري ، و ما تهتم به حفريات المعرفة أو التنقيب التاريخي الموضوعي هو هذه التشابهات و التجانسات العبارية ، و ذلك يإظهار إن كان هناك تشابه لساني أو متكافئة من الناحية المنطقية ، و يتقدم فوكو في عاصفة العبارات و الخطاب هذه ، ليسلم بأن هناك حقول تعبيرية و كل حقل عباراته نشيطة تتطور في ظل الحقل ، و لذلك فالحقل العباري بتعبير فوكو هو ” حقل منتظم و في حالة تأهب ، لا يغمض له جفن ؛ و أبسط عبارة – أكبرها شأنا و أكثرها ابتذالا – تستند إلى مجموع القواعد التي يتكون موضوعها و نمطها و وفقا لها 7″ و العبارات من منظور فوكو تتكون من قواعد الحقل العباري ، و هناك أيضا من العبارات كما نرى في بعض الحقول أنها تعتمد القواعد كما يسلم فوكو بواجهة العبارات ، أي أنها لا تظل مكونا بل تصبح غشاء المكون أو غلاف النواة ، و لهذا حسب فوكو يمكننا أن نفهم إشتقاق كل خطاب من خلال وضعه في شكل شجرة : فالجذر هو العبارات الموجهة أو البنية التي ستوجهنا إلى جمع كل الموضوعات الممكنة أي و حسب تعبير ميشال فوكو هي ” عبارات ترسم أشكال الوصف و المسالك الإدراكية التي باستطاعة الحقل أن يعتمدها 8″و بفعل هذا التدرج حسب فوكو سنصطدم بالأغصان ، أي مع الإكتشافات و مع بعض المفاهيم ، و يضيف فوكو فكرة و هي أن منهجه هذا ليس تحقيبيا ، هو لا ينظر كما يقول فوكو ” إلى الناس على أنهم إنطلاقا من لحظة معينة ، و لفترة زمنية معينة ، يفكرون بذات الطريقة ، رغم الإختلافات المظهرية و يقولون ذات الشيء 9″  ، رغم إستخدامهم ألفاظا متعددة الأشكال و الألوان و ينتجون نوعا من الخطاب الكبير الذي يبقى خطابا مستويا و متكافئ الأبعاد و الإتجاهات ، بل حفريات المعرفة تصف تجانسا عباريا تم تقطيعه زمنيا و بفعل هذا التقطيع ما يتمخض يتدرج زمنيا و بل حفريات المعرفة تصف تجانساعباريا تم تقطيعه زمنيا و بفعل هذا التقطيع ما يتمخض يتدرج زمانيا ، يبقى في نفس الصورة و لكن لا يمتلك التماثل أو بنية الحقل العباري ،  و يتقدم فوكو إلى الأمام مسلما بأن ما يحرك الخطاب هو التناقض ، و لهذا في قضية التناقض أن نبحث عن وجهة نظر نحاربه بها ، بل نحن في حاجة إلى أن نصف هذا التناقض ، و يعرض لنا فوكو تناقض الرأي الثباتي مع ” ليني ” و الرأي التطوري مع ” بيفون و ديدرو و بوردة ” ، و هذا التناقض حسب فوكو يدور فوق حقل واحد ، و لا يمكن أن نحله كتناقض ، بل يجب أن نعرض موقع الخلاف و مكان تجاوز الخطابين ، لأنهما حسب فوكو يلتقيان في نقطة واحدة و هي وصف الأنواع و الأجناس

1-1 ميشال فوكو و المعرفة

ينتقل ميشال فوكو إلى إشكالية المعرفة ، ليقر بأن عملية المعرفة تنبني أساسا على تكدس المسلمات ، أي بإلتحامها مع بعضها البعض ، و تحليل هذه المسلمات حسب فوكو ، هو تحليل للقواعد التي يتمخض عنها الخطاب ، هذا الخطاب الذي يكون نتاج ” عبارات و شبكة من المفاهيم و سلسلة من الإختيارات 10 ” و تكون لها علاقة بالذات التي تحمل هذه المعرفة ، فتتمخض بذلك قضايا متماسكة و لا متماسكة ، و يقع بذلك تراكم و تمخض لنظريات ، و لهذا فالمعرفة حسب فوكو هي نتاج ممارسة خطابية ، و هي بتعبيره :”حقل تناسق العبارات و تضايفها ، فيه تظهر المفاهيم و يتم تعريفها 11″ فمثلا و حسب مثال فوكو ، لم يكن هناك بالقرن 18 مفهوم الطب العقلي  و لكن كل الإنحرافات و المواقف الغريبة التي يقوم بها الحمقى ، مكنت من ظهور خطاب معرفي-علمي ، هو خطاب الطب العقلي بالقرن 19 ، و لهذا فكل ممارسة خطابية تتحدد بالمعرفة ، أي أن كل خطاب هو مشحون من براديغم – ابستيميه ، يحدد هويته و لهذا حسب فوكو إن أردنا أن نفهم أي علم و أن نراه بكل بداهة ، يجب أن نعود إلى كل ما قيل حوله و أو ماكان من المفروض أن يكون عليه ، لأنه كما قلنا معرفة الطب العقلي بالقرن التاسع عشر ليست هي مجموع ماكان يظن أنه صحيح ، بل هي مجموع السير و المواقف الغريبة و الإنحرافات التي أمكن الحظيث عنها ضمن خطاب الطب العقلي ، إذن فالمعرفة حسب فوكو هي عبارات قديمة و جديدة تتنناسق مع بعضها ، فتتمخض عنها مفاهيم يتم تعريفها ، و ” العلم يتخذ موقعه داخل حقل معرفة و يلعب على هذا الموقع دوره ، و هو دور يتغير بتغير التشكيلات الخطابية و ينقلب بانقلابها12″ ، و ينتقل فوكو ابستيميه – ميكرو – فيزيائيا ليقر بأن الأيديولوجيا حاضرة بالحقل العلمي- معرفي ، و هي ما يسميها بيير بورديو بالمعرفة العفوية – العلمية : أي أنها عبارة عن نواة عفوي ، مكسو بغشاء العلمية ، فهي حسب فوكو تدخل بدون أن تترك أثرا مرئيا و تتخذ مكانها و تبني موضوعاتها ، و تضع مفاهيمها و تصيغها بصياغة إستراتيجية علمية ، بكل نظامية و نسقية ، فالعلم إذن حسب فوكو لا يأتي من عدم ، العلم حسب ميشال فوكو يجلس على حقل معرفي معين ، و نحن لا نلوم تمخضات مسطحات علمية ، و جلوسها على حقل معرفي معين ، بل المشكلة هي أن داخل الحقل المعرفي : انتظامات خطابية ، و هذه الإنتظامات يتكون معظمها من أيديولوجيات ، و مارس هذه الأيديولوجيات وجودها كممارسة خطابية ، و لهذا فلكي نستأصل حسب فوكو أيديولوجيات الخطاب من العلم ، فلا يجب أن نحاربها أو أن نحرجها بالعودة إلى الأسس ، بل بكل بساطة ، يجب طرحها ثانية للسؤال كتشكيلة خطابية لا أكثر ، و من خلال هذا المدخل و هو السؤال ، سنتمكن من التدرج إلى موضوعاته و أنماط تعبيره و مفاهيم إختياراته النظرية

2-1 : الخطاب و التسلسل الزمني عند فوكو :

تبتدأ التشكيلية الخطابية ، بعتبة الوضعية ، و من خصائص العتبة هي أن الخطاب يستقل و يكون في خالة ظيناميكية ، ذلك بفعل منظومتها العبارية و تحولات أيضا يشهدها الخطاب ، و يجتاز الخطاب هذه العتبة حينما ينتقل إلى عتبة التنظير الإبستيمولوجي و ذلك بفعل تكون نماذج نظرية و أعمال نقدية و تمحيصات أيضا حول المعرفة ، و حينما يتشكل الخطاب ، و يصبح له شكل إبستيمولوجي و لا يحطمه النقد حينها يكون قد وقف على عتبة العلمية ، و حينما يحدد الأولويات التي ينطلق منها ، و العناصر التي يستخدمها و بنيات القضايا الصحيحة في نظره ، حينها يمكننا أن نقول عنه أنه اجتاز عتبة الصياغة الصورية ، و يسمح لنا استحضار هذه العتبات أمام الخطاب ، من فهم نوعيته ، و لكن هذه العتبات ليست ستاتيكية حسب فوكو  ، فأحيانا تجتمع العتبة الوضعية مع العتبة الإبستيمولوجية ، أو تجتمع العتبات الثلاثة بنقطة واحدة ، على سبيل المثال ، نجد أن الطب التجريبي مع كلود برنار استطاع ، استنادا للبيولوجية المجهرية مع ” باستور ” ، خلق نمط العلمية الذي كان يقتضيه التشريح و الفيزيولوجيا المرضية ، دون التخلي عن التشكيلية الخطابية أي العتبة الوضعية للطب العيادي ، التي كانت في ذلك العهد ، و كما نرى الآن ، يمكن للتنظير الإبستيمولوجي أن يقف على أعلى عتبة الوضعية ، و يستشهد أيضا فوكو بكيفية ظهور قاعدة الوضعية بحقل الإقتصاد مع المركنتيلية بالقرن 17  ، و لن تصل إلى نظريتها الإبستيمولوجية إلا مع ظهور جون لوك بنهاية ق 18 ، و ستشهد مع ريكاردو تجديدا بقاعدة الوضعية و بنظريتها الإبستيمولوجية ، و يظهر ماركس ليخلق ممارسة خطابية تمام الجدة ، و هذا التشعب حسب فوكو لا يجب أن ” نعتبره ممارسة خطابيةلها مستوياتها و عتباتها و قطائها المتباينة ، لأننا سوف لن نتمكن سوى من وصف تقسيم تاريخي واحد ، نتخد منه بدون انقطاع نموذجا نواصل تطبيقه على كل الأزمان و على كل أشكال المعرفة : إنه التقسيم بين ” ما لم يصل إلى العلمية ، و بين ما حققها بصورة نهائية 13″ ، إذن و حسب فوكو دعوتنا بنهاية المطاف هي تحليل التشكيلات الخطابية ، و ذلك من خلال وضعيته و معرفته ، أي بكل بساطة تحليل ” الإبستيمية ” و هذه الإبستيمية حسب ميشال فوكو ليس هو تلك التمثلات المصاغة حوله كشيء شبه برؤية العالم أو شريحة من التاريخ تشترك فيها جميع المعارف ، بل الإبستيمية حسب فهمي لطرح فوكو هي الطريقة التي يتم بفعلها تحقيق تنظير إبستيمولوجي و علمي من خلال ممارسات خطابية معينة ، هو أيضا الطريقة الإبستيميه – ميكرو – فيزيائية التي تجتمع بها العتبات ، أو الطريقة التي تبتعد بها عن بعضها زمنيا ، و أيضا الروابط الخفية و الهامشية التي تنشأ بين بعض الأشكال الإبستيمولوجية و العلمية ، و هي بكل بساطة بتعبير فوكو ” مجموعة من الإنقسامات و التفاوتات و الإنزياحات و التطابقات المتحركة باستمرار و التي تنشأ ثم تنحل ” و هذا ما يجب أن نصل له لإدراك ماهية الخطاب هل هو حقا يصل الى درجة العلمية ام نحن امام خطاب يدعي العلمية

المراجع :

  1. ميشال فوكو – حفريات المعرفة – ترجمة : سالم يفوت – المركز الثقافي العربي – ص:127
  2. نفس المرجع – ص :127
  3. نفس المرجع – ص 135
  4. نفس المرجع – ص :136
  5. نفس المرجع – ص : 137
  6. نفس المرجع – ص :167
  7. نفس المرجع – ص :168
  8. نفس المرجع – ص : 170
  9. نفس المرجع – ص : 173
  10. نفس المرجع ص : 180

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *