الرئيسية / منتخبات / عامة / الانفتاح الهوياتي للمغاربة كبديل عقلاني في عالم متعدد

الانفتاح الهوياتي للمغاربة كبديل عقلاني في عالم متعدد

سعيد السلماني

مما لا شك فيه أن الفلسفة اليوم باتت ضرورية في ظل التحديات الراهنة، وخاصة في عالمنا العربي والاسلامي، نظرا لاستشراء الانغلاق الهوياتي والاقتتالات الطائفية والفوضى التي تشهدها العديد من الدول. لهذا نحن في حاجة ماسة الى قراءة متأنية لما يحدث في واقعنا، وهذا المقال المتواضع، لا يدعي الإجابة عن كل القضايا والإشكالات التي تطرحها مسألة الهوية. إنه فقط أرضية للنقاش ومساهمة في الحل ما أمكن.

عندما نتحدث عن الهوية نقصد الخصوصية المتفردة التي تميز الفرد أو جماعة ما سواء كانت دينية أو عرقية أو ثقافية…من هنا أهمية الحديث عن العلاقة التي تربط الهوية بالعديد من المشكلات الاجتماعية، وبالتالي؛ تصبح الهوية في حال استغلالها أداة في يد قادة المذابح وصناع الكراهية.

 من هذا المنطلق نتساءل: ماهي المخرجات عندما نصف الناس وفق هويات منغلقة؟ بمعنى؛ تصنيفهم وفق التقاليد الموروثة، والنظر إلى هوياتهم غير المختارة باعتبار أن لها أولوية آلية على جميع الانتماءات الأخرى الخاصة بالسياسة والمهنة والطبقة والنوع واللغة والأدب …، وعلاقات أخرى كثيرة.

ولمقاربة هذا الموضوع نشير إلى تصورين بارزين حاولا كل منهما أن يحاجج وبقوة على مخرجاته:

التصور الأول؛ يركز الانغلاق الهوياتي كبديل، أي التشبث بالهوية الأصل التي تميز جماعة ما عن غيرها من الجماعات ونشير هنا الى الجماعاتين الذين اقتصروا في بحثهم حول “إشكال الهوية”، على تسييج البشر في حدود جماعاتية ضيقة. وعليه، فإن نظرتهم غالباً ما تسجن الآخرين داخل انتماءاتهم الضيقة، باعتبار أن هوياتهم تتشكل داخل الجماعة، وهذه الأخيرة هي من لها الحق في تقرير مصير أفرادها. وبهذا المعنى فإن الفرد الذي لا يلتزم بمبادئ الجماعة، يُعد مارقاً عن جماعته.

إن هذا التصور يعلي من شأن جماعة الأصل على باقي الجماعات الأخرى التي قد ينتمي اليها الفرد، مع العلم أن في “الثقافات هناك تنويعات داخلية جديرة بالاعتبار”[1]، وهذه التنويعات غالباً ما يتم تهميشها قصداً ولأغراض متعددة.

أما التصور الثاني؛ فقد ركز على الانفتاح الهوياتي كبديل عقلاني، ونشير في هذا الصدد الى الاتجاه الليبرالي الذي دافع بقوة عن عدم قَوْلَبة الناس وفق نمط واحد دون مراعاة الاختيارات المتعددة التي يمتلكونها. ويجد هذا التصور سنده النظري في ما شيدته ثقافة حقوق الإنسان، وفكر الاختلاف والتعددية، وغيرها من المفاهيم التي تجد مرجعا لها في تراث فكري شيده مفكرو الحداثة والأنوار، من أمثال كانط وروسو وفولتير.

مخرجات التصورين؟

نظرا لتنامي ظاهرة العنف الكوكبي، فإن أنصار الهوية المغلقة يقدمون سندا معرفيا ورؤية فجة للحضارات الإنسانية. فإساءة الوصف وخطأ التصور والإدراك يمكن أن يجعل العالم أكثر هشاشة مما هو بالفعل. وهذا يتم بالفعل حسب تعبير أمارتيا صن، عندما يتم تدعيم فكرة انقسام الناس إلى “جماعات متصارعة، لها ثقافات متباينة، تميل بطريقة “طبيعية” إلى توليد العداوة بعضها تجاه بعض”[2]، وتغيب من ثم فكرة الاختلاف والاختيار الفردي الحر في الانتماء الهوياتي.

وضمن هذا السياق النقدي لفكرة الانغلاق الهوياتي برزت تحليلات “أمارتيا صن” في فلسفته السياسية مؤكدة على أن التطاحنات التي يشهدها العالم المعاصر مردها الى الخلط المفاهيمي والتنظيرات الفلسفية الغير الدقيقة، والتي يطبعها نوع من الغموض الفكري والتضليل السياسي، بصرف النظر عن الخلل المفاهيمي في رؤية الإنسان على أساس انتماء واحد، وكذا الخطأ التاريخي في تجاهل العلاقات المتداخلة والبالغة الأهمية بين الحضارات الإنسانية وبين من يفترض أنها حضارات متباعدة ومنفصلة إلى حد بعيد. ومعتبراً أن النظريات الحديثة بشأن صراع الحضارات تميل كثيراً إلى الاعتماد على الاختلاف الديني كخاصية مركزية للثقافات المتباينة[3]. ومثل هذا الفهم يتجاهل التاريخ الإنساني المشترك ويتجاهل الانتماءات الأخرى التي يتمتع بها الإنسان.

في هذا السياق يؤكد أمارتيا صن على أن التاريخ والنشأة ليس هما الوسيلة الوحيدة لرؤية أنفسنا والجماعات التي ننتمي إليها، فهناك مجموعة هائلة من التصنيفات التي ننتمي إليها في الوقت نفسه، فبإمكان المرء أن يكون “أسيويا من أصل بنغلاديشي، وأحد سكان أمريكا أو بريطانيا، وباحثا اقتصادياً ومشتغلا بالفلسفة، ومؤلفاً ومتحدثاً بالسنسكريتية، ومعتقداً في العلمانية والديموقراطية، ورجلا ومن أنصار الحركة النسوية”[4]. وهذه مجرد عينة صغيرة من التصنيفات المتعددة التي يمكن أن ينتمي إليها الإنسان في آن واحد. وهناك أيضاً أنواع أخرى من التصنيفات الانتمائية لا حصر لها، والتي يمكن وفقاً للظروف أن تحرك المرء وتغريه بالمشاركة فيها.

وفي كل سياق اجتماعي، هناك عدد من الهويات القابلة للبقاء والدوام، والتي يستطيع الفرد أن يقيّمها من ناحية قبولها وأهميتها النسبية، نظرا لكونها متغيرة وفقا للسياق الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفرد. فمن الصعب أن يثبُت الإنسان على نمط واحد من الهوية، كما لو كانت هذه الأخيرة ظاهرة طبيعية خالصة. فنحن نمارس اختيارات بصورة مستمرة، وإن كان ذلك ضمنياً، ولا يسعنا في هذا السياق الا أن نستحضر “المهاتما غاندي”(*) الذي كان دائما يعتبر نفسه مواطناً هندياً مدافعاً عن القيم الإنسانية الكونية. وكان دائما يصر على أنه رغم كونه من طائفة الهندوس إلا أن الحركة السياسية التي قادها كانت شاملة للجميع، وأكد على عدم جدوى تقسيم الناس بناء على هوياتهم الدينية، مشيراً إلى أن هناك طرقاً أخرى يجب النظر من خلالها إلى شعب الهند وإلى شعوب العالم، وذلك من خلال النظر إلى أن هناك الكثير من الهويات غير العرقية أو الدينية مهمة أيضاً بالنسبة إلى فهم الإنسان لذاته وللعلاقات بين مواطنين لهم خلفيات متنوعة داخل نفس البلد، وقد تساءل ذات يوم بقوله: تخيل أن الأمة قد عمد إلى تشريحها وتقطيع أوصالها؛ كيف يمكن أن تصبح أمة؟[5] فهذا السؤال مبعثه قلق “غاندي” العميق حول مستقبل الهند، لكن المشكلة ليست خاصة بالهند، بل يمكن طرحها على دول أخرى أيضاً، ومنها المغرب، فكيف لدولة مثل المغرب إن عُمد إلى تقطيع أوصالها وتشريحها إلى هويات متباينة أن تصبح دولة؟

إن العواقب كارثية إذا ما تمّ تحديد هوية المغاربة بناء على تقسيمهم وتمزيقهم إلى طوائف إثنية أو دينية أو عرقية، وإعطاء أولوية مسبقة للمنظور القائم على الجماعة فوق كل الهويات الأخرى التي يتمتع بها الأفراد داخل الدولة.

لا شك أن الناظر في واقع المغرب سيجد بأن هناك تلاقح قوي داخل الهويات المختلفة، فهناك تأثيرات جمعية لثقافات مختلفة. فقد يكون الفرد من أصول أمازيغية وقادماً من الأندلس ومتزوجاً بامرأة حسَّانية ومتحدثاً باللغة الأمازيغية والعربية والفرنسية، ومدافعاً عن الوحدة الترابية في جمعيات مدنية، ومنتمي في نفس الآن إلى طبقة ميسورة الحال ومدافعاً في الآن نفسه عن الملايين الصامتين الجائعين في حزب من الأحزاب. قد تكون هذه عينة من الانتماءات التي يمكن أن ينتمي إليها الفرد المغربي وهي بلا شك إغناء وإثراء لهوية الأصل، وهي مهمة من أجل التعايش السلمي وإذكاء روح التعاون والاستمرار.

إن المغرب كغيره من البلدان المغاربية بلد متعدد الثقافات والهويات، فعبر تاريخه المديد، استضاف هذا البلد العديد من الاشخاص القادمين من الشرق (الفينيقيون واليهود والعرب)، ومن الجنوب (افريقيا جنوب الصحراء)، ومن الشمال (الرومان، الوندال، المور واليهود). وكان لكل هذه الفئات جميعها أثر على التركيبة الاجتماعية للمغرب، حيث إنها تضم العديد من المعتقدات، كاليهودية والمسيحية والإسلام. وإن كل منطقة من مناطق المغرب تمتلك خصوصياتها، وتساهم بالتالي في صنع فسيفساء الثقافة والإرث الحضاري المغربي. والإنسان المغربي هو خليط كل هذه الثقافات. ونظراً للانفتاح الذي تعرفه المجتمعات المعاصرة، فإن هذه التعددية يجب أن تتأسس على منظور جديد للوحدة من منطلق أن الهوية “منفتحة وليست أزلية”، وباعتبارها مسارا تاريخيا لا جوهرا منغلقا”[6]، فكثيراً ما يؤدي الخوف على “الوحدة الوطنية” إلى التردد وعدم الاعتراف باللغات والثقافات الفاعلة داخلها، مثل الأمازيغية والكردية وغيرها. وأظن أن الاعتراف العملي والتلاحم عن طريق الحوار هما الوسيلتان الناجعتان للحفاظ على كياننا موحدا[7]، فجمالية المغرب في انفتاح هوياته على كل الاحتمالات الممكنة.

 من هذا المنطلق نخلص إلى القول بأن أحادية الاسم والأصل كما يقول “علي حرب”، هما فخ الهوية، كما أنهما مقتل الحرية، لأن هويتنا هي أغنى وأوسع وأشد تنوعاً وتركيباً من أن تحشر تحت عنوان واحد، أو وحيد. إنها أشبه بمسرح لأطياف وشخوص أو لأصوات ولغات أو لقوى وآليات تعمل من ورائنا وتتكلم عبرنا، بقدر ما تفلت من سيطرتنا أو تتعارض مع مشيئتنا.[8] فالانفتاح الهوياتي أمر جوهري، ويجب الدفاع عنه كعنصر أساسي لإقامة السلم واستمرار حياتنا كبشر.[9] وبدلا من تشجيع الانغلاق الهوياتي الذي يطعم العنف الكوكبي ويخلق مزيداً من التناقضات الداخلية في بلدان العالم، فإن التوجه نحو الانفتاح الهوياتي يعد مكسباً عالمياً يدفع الإنسان إلى التعايش والسلم والى التفكير العقلاني الحر، فالتصغير المصطنع للكائنات البشرية داخل حدود هويات انفرادية، يمكن أن تكون له آثار مسببة للخلاف والشقاق، وتجعل العالم قابلا للمزيد من الفتن والقلاقل[10].

سعيد السلماني/ ذ/ الفلسفة/ المغرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)  المهاتما غاندي. زعيم هندي مشهور وأحد المناضلين الكبار والمؤسس لفلسفة اللاعنف.


[1]  أمارتيا صن، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة، سحر توفيق، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد،352 ، 2008.، ص، 48.

[2]  أمارتيا صن، الهوية والعنف، مرجع سابق، ص، 55.

[3]  أمارتيا صن، الهوية والعنف، مرجع سابق، ص، 69.

[4]  نفس المرجع، ص، 34.

[5]  نفس المرجع، ص، 166-169.

[6]  عبد السلام بنعبد العالي، ندوة حول “المشهد الثقافي واللغوي في المغرب .. أي تعددية “ في إطار فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب٬ وذلك يوم: 5 أبريل 2013. الدار البيضاء . عن موقع: (http://www.menara.ma/ar/2013/04/05/546063)

[7]  عبد الله حمودي، العنف: إضاءة أنثروبولوجية، مجلة فكر ونقد، عدد، 55 يناير 2004، ص، 42.

[8]  علي حرب، خطاب الهوية، سيرة فكرية، منشورة الاختلاف، الجزائر، ط2، 2008، ص، 201.

[9]  المنجرة المهدي، حوار التواصل، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ط 11، 2005، ص، 32.

[10]  نفس المرجع، ص، 178.

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *