الرئيسية / منشورات / جرائد / النخب المثقفة وعربة البوعزيزي

النخب المثقفة وعربة البوعزيزي

التمرد الثوري من كوندورسيه الى البوعزيزي. كيف هزمت العربة  الحدباء  النخبة والنخبوية في التاريخ السياسي العربي المعاصر ؟

محمد بصري

بقلم :  بصري محمد باحث من القنادسة  بشار الجزائر

الحياة العامة هي فضاء التجاذب الفلسفي .العمومي اليومي والمشترك هو طاحونة الافكار ومصدر إلهام أي تفلسف أو تفكير نقدي أو حتى تصورات طوباية يمكن أن تكون وقودا لفلسفات هوجاء، هائجة  ونارية  تنقلب على اوضاع ثقافية سياسية  واجتماعية، لان التفكير الضد الطبقي هو الابن الضال للتصادم بين فسيفساء اجتماعية تقبع فئة النبلاء والانثلنجنسيا والارستقراط فوق أعلى هرمها المخملي. لما اعترض كوندروسيه (جون انطوان نيكولا كوندروسييه  Marie Jean Antoine Nicolas ) المولود 17 سبتمبر 1743 والمتوفى سنة 1794 بعد ملاحقة اليعاقبة بقيادة ماكسيميليان روبيسبيار  Jacobitism  له في صراع دموي إكتوت بنيرانه الدوائر الفلسفية الاولى المُؤسسة لفعل التنوير السكولائي. قدم اعتراضه على ملاحظات فولتير  voltaire  1694/1778 francois Marie Aroute المفكر المغرور الذي احتوت مسيرته الاجتماعية والفلسفية جملة تناقضات قاعدية وغريبة، فهو مع الملكية وضدها وهو مع سكولائية الفكر الفلسفي وضد اشتغال العوام بالفلسفة وهو مع المسيحية اليسوعية الاولى  وفي ذات الوقت ضد الاباء الكاثوليك وناقم على الاورشوفيكية . ربما كانت ميزة مزاجية وسلوك نقدي مُلفت عند فئة المثقفين الفرنسيين الذين عُرفوا بالتحامل على الفكر التأسيسي وبين التراجع المقيت عن افكارهم في  فترات الضعف والوهن الفكري كما عُرف بذلك روسو صاحب النبل الفكري، مدمر الاسرة. فولتير voltaire  كاتب القصر والسكرتير الدائم لمراسلات الامراء والملوك كان يراجع دائما، الصيغة التي يتم بها اعتلاء المنصات الاكاديمية. الشروط والشهادات والكفاءات العلمية التي تُؤهل الكاتب والمُفكر الرسمي حتى يخوض في التاريخ العام ويلج المكاتب السلطوية والملكية الفارهة.حيث كان التمييز محموما وجليّا بين ان تكون مثقفا اكاديميا مهتما بالمجال العلمي او نبيلا سياسيا تمتلك زمام المبادرة والقدرة الاقتصادية، علما ان اسرة “كوندروسيه” اليتيم رفضت رفضا طبقيا متشنجا قاطعا  إنتساب ابنها الشاب المثقف الى ردهات وأروقة  الاكاديمية العلمية  الجامعية. انطوان كوندورسيه الشاب فوّت على نفسه فرصة  ان يكون عضوا مع كامل الشرف في محفل علمي  كبير، لأنه لم يكن حينذاك ميزة ودرجة اجتماعية “اسرته طلبت اليه ألا يتقدم لهذا المنصب العلمي لأنها كانت تعد الانشغال بالعلوم مما لا يليق بأسرة نبيلة” 1. لان الاعتقاد الاجتماعي السائد هو ان يكون الشباب الارستقراطيين سياسيين او فرسانا عسكريين ينتمون الى الفرق العسكرية الملكية وهو ترتيب إجتماعي تقليدي يسكن مفاصل التاريخ السياسي الحضاري للشعوب. كوندورسيه كان مع ارادة الشعوب. مع حقها في التفكير النقدي  واليه يرجع فضل تنزيل التعليم الفلسفي والرياضي الى عموم الشعب. كان ضد عقوبة الاعدام وناضل من أجل ان تتم المحاكمة العادلة للويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت، لكن التشنج الثوري والقسوة الطبقية انتصرت على حجّية الفيلسوف واضع الدساتير وتم إعدام الامبراطور والإمبراطورة.

كوندورسيه تنبّه بحسه النقدي الحضاري لزوال التعصب بعدما انفلت عقاله مع الارهاب الديني والنصي واستشرف ظهور ديمقراطيات اجتماعية تكون الغلبة فيها للاعتدال الانساني والثقافي. الثورات التي يؤججها الشارع ويوجهها المثقف المعزول مثقف الاقصاء السياسي، حين تكون القبضة والغلبة للرداءة وأشكالها السياسية والاكاديمية والاقتصادية. موت هذا المفكر وانتحاره  تجرعا للسم أعاد إنتاج الفاجعة السقراطية،  هذا الالم يلخص معاناة المثقف الذي يختار القلم كوقود للتلاطم الطبقي والصراع السياسي والحضاري. الموت في أقبية السجون النتّنة والكريهة الرائحة هو جنة الفلاسفة والمثقفين الثوريين وهو يتجاوز رتبة ومكانة الموت فوق اسرة ذهبية وافرشة حريرية ناعمة تحت مراقبة الاطباء وحظور مكثف للمتزلفين والمتملقين الفاسدين. وفاة فولتير ولامونتانيي الناعمة لم تكن تضاهي موت كوندورسيه وروسو التعيسين والسعيدين في ذات الوقت .”كل الظواهر تدل على أننا على ابواب عصر سيحقق ثورة من اكبر الثورات التي حدثت في حياة النوع الانساني. وتضمن لنا الحالة الراهنة للمعارف الانسانية أن هذه الثورة ستحقق السعادة للبشرية” 2

عربة البوعزيزي رمز الثورة النرجسية العارمة

التاريخ الغيبي تحركه ارادة الله او هكذا اقتنع القرطبي والطبري وفريد الدين العطار فهو لا يخلو من دعائم عبر ميتافيزيقية. الانسان كائن ميتافيزيقي رغما عن انفه ولو أدعى التنصل من كل واجباته القيمية والفوقية ولو قدر لبوعزيزي تونس، أن يكون نابغة او عضوا في اكبر التجمعات الاكاديمية النخبوية او بروفيسورا في انطولوجيا التاريخ، لردمه النسيان و لفوتت الامة العربية على نفسها فرصة وسر انتفاظاتها المخملية والياسيمنية  .نخبنا المثقفة والأكاديمية تختار النخبوية بدل التأثير الجمعوي  هي تتقلد ملهاة الرتب.  الامتيازات هي من تُعبد لها المروق عن احلام الشعوب، السكرة والخمرة داخل المحافل الحراكية والثوري  للشعوب، لن يساوي ابدا سكرة عابرة داخل دهاليز الالقاء الاصطلاحي والتنظير الثوري من فوق أعلى  شرفات الخطابة الاكاديمية. هتاف واحد في انتفاضة معزولة اعلاميا سياسيا  يُلخّص بألم ألاف المداخلات والخطب  المُشبعة بترانيم التسويق اللفظي المجرد وغير الواضح والفوقي.. النخب لا تعي التاريخ بل تُغرد وتفرقع من وراء زجاج الصالونات الزجاجية المعتمة. أن تصنع التاريخ عربة خضار وان يهزم متجول وبائع بسيط مغمور ومقهور طبقيا فلولا من المثقفين من المحيط الى الخليج لهو نكتة حضارية عقيمة.انه أمر مؤسف حقا.المواطنة الحداثية وُلدت في رحم الانوار وفي عقول عظيمة وفي رؤوس ثقيلة هي لكانط و شوبنهاور وروسو وهوبز. اما المواطنة العربية فلم تجد رحما ولودا بل امرأة عاقر خذلتها النخب والشعارات الجوفاء وفوضى الاختيارات.ربما المواطنة انجبتها عربة الخضار البوعزيزية .رحم الله الاحداث الصغرى في التاريخ فهي التي تكسب الحضارات فائض المعنى عربة البوعزيزي المنهك اجتماعيا والمخذول سياسيا وضعت جغرافيا الفكر الطبقي والسياسي امام مفارقة غرائبية عجيبة .هي ان العقل السياسي العربي لم يعد يكملك خريطة نضاله هو عقل مغترب مستلب حتى اخمص قدميه. يغرد خارج نطاق الحقيقة الواقعية الشعبوية. العقل ما بعد الكولنيالي لم يقدر على انتاج مجتمع حقوقي مدني كفيل بامتصاص وإتلاف جراثيم القهر والطبقية  والاستبداد والشعوذة الثقافية والتقاعس المعرفي والديني والاجتماعي. عقل ترك الفرصة لعودة المخزون الدموي التاريخي الذي عاث في التراث فسادا وارهابا..

الطموح السياسي كما يفسره عميد المثقفين العرب ادوارد السعيد وهو يجوب العالم بحثا عن قوى اسناد ودعم لمعركة العصر ومعضلة الكون “القضية الفلسطينية” هو مقصد المثقف او هو بيت القصيد في كل احجية نضالية او حراكية، الثقافة بالنسبة اليه التزام عضوي امام المؤسسة الاجتماعية هي تأسيس للوعي بقضايا الامة ومخرجات الازمات التي تعيشها او هكذا كان نضال جون بول سارتر وفوكو ودي بوفوار وبورديو وغرامشي. اعادة القاطرة الفلسفية لأحضان  اليومي. الى معترك الشارع الى افئدة الجماهير.بدل ان يكون الفكر خادما للبغاء السياسي يجب ان يُعود الناس كيف يناضلون من اجل مستحقاتهم المدنية. الاغراءات المنصبية والمادية والامتيازات هي سموم قاتلة للمشهد الثقافي حسب ادوارد السعيد وهو يراجع مقاربة “هادي العلوي ” في كتابه “خيانة المثقفين”. هذا النمط من الزواج المبكر والعابر والهجين بين الثقافة والسلطة هو انهيار للقيم العلمية والأكاديمية. وهنا اتذكر كيف كان الراحل والمفكر محمد عابد الجابري يتنصل من قبول “كوبونات وهدايا وامتيازات النظام السياسي العراقي السابق ” وعيا منه ان ثقافة البلاط الاكاديمية هي رجس علمي وعمل من اعمال الشيطان الذي يجب اجتنابه فورا.

في مقاله ” الصديق الحقيقي والصديق الزائف للشعب “عام 1791 .3 يعتقد كندروسيه أن السفسطة هي اسلوب سياسي واجتماعي ما فتأ يتردد تاريخيا كلما سنحت له فرص الخلاص من بوتقته السقيمة و العجيبة والمريبة، أي من غرف السلط الكريهة.حيث الديماغوجية تتغلب على روح القوانين والدساتير حين تصبح خطبة هوجاء ورعناء اكثر ذرائعية وبراغماتية من نص قانوني منظم للشأن العام.الصديق المخلص”فيلوديم philodéme »  ‘4  وهو والفيلسوف المحترم و الذي يقدم التوجيهات والنصح للشعوب وإن كلفه ذلك الازدراء .سبل الخلاص من الجريمة تبدأ غير منطقية  وغير بريئة في اصولها ومسيرتها الاولى. الصديق الشرير هو مثقف البلاط الوهمي الذي يتماهى مع الشروط ويتلون مع اشكال السلطة ويتكرر مع انعراجاتها وتغيرها السلبي، انه مثقف الدولة العميقة التي تغير عناوينها  ومظاهرها مع حفاظها على جوهرها القاعدي السلبي والرجعي.

عمتم صباحا معشر الفلاسفة.

المراجع

  1. السيد محمد بدوي مخطط تاريخي لتقدم العقل  البشري لكندورسيه  . الهيئة المصرية العامة للكتاب صفحة 6
  2. نفس المرجع ص 11.
  3. نفس المرجع  ص 17

شاهد أيضاً

التّجريب في المسرح الفلسطيني، رؤية وأبعاد: المونودراما نموذجا

مداخلة: رجاء بكريّة (في إطار مهرجان فلسطين الثّاني للمسرح) “.. .هذا يعني أنّ التّجريب بمفهوم اختلافهِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *