الرئيسية / منتخبات / عامة / مقاربة نقدية لمفهوم المقاصد عند الشاطبي

مقاربة نقدية لمفهوم المقاصد عند الشاطبي

حسن العلوي

 في البداية، لماذا الشاطبي؟ ولماذا وضع مشروعه المقاصدي تحت مجهر النقد؟ القضية التي نقاربها هنا تندرج ضمن مشروعنا النقدي الذي دشناه بعملين أحدهما صدر بعنوان ” التمهيد لنقد التراث الحديثي ” والثاني سيصدر في القادم من الأيام تحت عنوان ” نقد اليات انتاج الحديث”، والدافع إلى مقاربة الموضوع في اطار مشروع عام هو النقد والاصلاح الديني، من زواية رجل الدين “الشاطبي” وكتابه: ” الموافقات في أصول الشريعة” مرجعه إلى أمرين:

الأول: يرجع إلى الاستغلال الاديولوجي لاسم الشاطبي ولمقولته ” مقاصد الشريعة” من طرف الاسلام السياسي بصنفيه الرسمي- الحكومي والحركي- الاصولي، وهو الاستغلال الذي يتم تحت عنوانين وهما ” حقوق الانسان” الذي أصبحت بمقتضاه المقاصد وخاصة ما سماه الشاطبي “الضروريات الخمس” مطابقة لحقوق الانسان في الفكر الانساني الحديث، بل أصبحت حسب ادعاءات الخطاب السياسي- الأصولي أسبق تاريخيا على الخطاب الحقوقي الحديث. والعنوان الثاني: عنوان “المصلحة” بحيث يدعي خطاب الاسلام السياسي أن غاية “الشريعة” هي تحقيق مصلحة الانسان باطلاق، مؤسسا الدعوى على خطاب الشاطبي في كتابه ” الموافقات”.

الثاني: يتعلق ب “حقيقة” مشروعه الذي تختزله مقولة” مقاصد الشريعة” وهي القضية التي لا يتأتى اثباتها والتحقق منها إلا بالتوثيق والاستدلال من داخل خطالب الرجل ومتنه، ومن خلال الخلفية الاديولوجية المؤظرة لفكره ومشروعه وهي الخلفية السلفية- الحديثية (الحديث) وخلاصتها: العمل على “تديين البداوة وتأبيد الجهل” فكيف ذلك؟

بعيدا عن أي مصادرة قبلية ننطلق في المقارلابة من المقولة التي تعتبر بمثابة العنوان العام لمقاصده وهي قوله: ” أن هذه الشريعة المباركة أمية لأمة أمية”. وذلك بالعمل على تفكيك مفاهيمها والوقوف على عتبة كل واحد منها والعلاقات التي تربط بينها. فماذا يعني مفهوم “الشريعة” عند الشاطبي؟ وما المقصود بالامة؟ وماذا تعني الأمية في رأيه؟

أول ما ينبغي الانتباه اليه في المقولة هو أنها تضيف وتنسب “الشريعة” ل:  “الامة” الأمر الذي يعني أن  الأمة هي الأصل والشريعة مجرد تابع ولهذا استمدت منها صفة الأمية. فمادام أن الصفة هي الصفة الطبيعية للأمة فطبيعي أن تتصف بها الشريعة كذلك، مما يعني عند الرجل أن الشريعة جاءت مفصلة على مقاس الأمة. إن تسليم الشاطبي بتبعية الشريعة للأمة أدى به إلى إضفاء جميع خصائص وسمات الثانية على الاولى.

ينطلق الشاطبي من المدخل العربي لتحديد مقصوده بمفهومي الشريعة والأمة فقرر مرارا أن النبي عربي والقران عربي ليستخلص من ذلك أن الشريعة عريبة لغة وأسلوبا ومعاني وأحكاما، والدليل ليس فقط لكون لغة القران هي اللغة العر بية، بل أكثر من ذلك لأنه تمت هندستها على مقاس ما يسميه معهود العرب، أي عاداتهم في التفكير والاستدلال وفقي الخطاب والاسلوب وفي المعاني والدلالات، مثل لكل ذلك بنماذج منها ما أمضاه القران من أعراف العرب وأحكامهم وسننهم، فأصبحت جزءا من بينته الدلالية وهي كثيرة لا يتسع المقام لتناولها بالتفصيل،[1] ونكتفي بما يناسب هذا المقال ويجيب عن الاسئلة المطروحة، فنقول إن الكشف عن البعد العربي للشريعة خلفيته سلفية، ومثّل لتلك الأعراف بقوله: ” طلب الصداق في النكاح، والذبح في المكان المخصوص والفروض المقدرة في المواريث، وعدد الأشهر في العدة(…) والشروط المعتبرة في النكاح من الولي والصداق(…)[2]

ويتأكد من السياق الذي يورد فيه الشاطبي من يسميهم ب “السلف الصالح” أنهم الدليل على الصيغة “الحقيقية” للدين أو للتدين الذي عمل على تحديد مقاصده وكيف لا يكونون كذلك وهم الذين فصل القران على مقاس معهودهم واحتضن الكثير من أعرافهم وسننهم ولا ريب أن هؤلاء (السلف) هم قريش وهم المقصودون ب( الأمة) في عبارة الرجل الذين لا يسمح للمسلم مخالفة نمط عيشهم وطريقة تفكيرهم وارائهم وأي مخالفة لذلك تسقط في البدعة والضلال، ومادام أن الامة العربية- السلفية من سماتها أنها أمية فلهذا كانت (الشريعة) أيضا أمية، و للجواب عن سؤال ماذا تعني الأمية في فكر الرجل أضاف سمات أخرى من نفس الأصل وهم العرب-السلف منها: عدم التعمق ومنع السؤال وعدم اتباع النظام في الفكر والتفكير، وكلها صفات الانسان- الأمي التي تبين معنى الأمية عنده، وهو “الجهل” وفي تأكيده لهذا المعنى رجع إلى حياة العرب قبل الاسلام فاستعرض جميع الأنشة الفكرية المتداولة في حياتهم ليصل الى نتيجة أترك للقارئ والمتلقي الحكم عليها بما يناسب، وهي أن أي “علم” لم يكن من معهود العرب الفكري والعلمي ممنوع في الحياة الاسلامية، وممنوع على المسلم تعاطيه بما فيها العلوم الطبيعية ويسميها هكذا بالاسم.

وبناء على سمات عدم التعمق في البحث وعدم التدقيق في الفكر والنظر تعتبر الفلسفة والمنطق اللذين كرر الكلام عليهما من أولى ما يجب على المسلم عدم تعاطيه من العلوم. والدليل الذي يسوقه الشاطبي على هذه المحظورات هم “السلف الصالح” على حد تعبيره، فهؤلاء بسطاء بدويون وأميون ومادام أن الخير ومثاله تحقق فيهم ومعهم بالشكل الذي لا يمكن لحاقهم فيه فلا يجوز تجاوز سقف حياتهم البسيطة البدوية والأمية.


[1] – سيتناوله بالتفصيل كتابنا الذي هو في طور الاعداد للطبع تحت عنوان ” تديين البداوة وتأبيد الجهل”.

[2] – الموافقات في اصول الشريعة، ج2ص: 229.

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *