الرئيسية / ترجمة / فوكو وشجاعة قول الحقيقة – الباريسيا أو القول الصريح الصادق والحر- (المقالة الأولى)

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – الباريسيا أو القول الصريح الصادق والحر- (المقالة الأولى)

بقلم: ادريس شرود

“لم يبق لنا على الأقل إذن باعتبارنا محكومين إلا

 أن نؤكد بالطبع على الحق في طرح أسئلة الحقيقة”

ميشيل فوكو

تقديم

    في آخر حوار لمشيل فوكو(1)، ميّز بين إيتيقا العصر القديم اليوناني والروماني والإيتيقا المعاصرة، ونفى وجود قواسم بينهما. على النقيض -يقول فوكو- حين نأخذ الأخلاق في إطار ما اتسمت به من معيارية، وما تنزع نحوه وتشير إليه، سندرك بأنها قريبة بشكل مدهش، من تعاليم الأخلاق القديمة، إن لم تكن متماثلة، لكنها نسبيا أقل قربا من الأخلاق التي يتم تثمينها حاليا. من هذا المنطلق، يرى فوكو إمكانية اشتغال الأخلاق القديمة ولو بكيفية مختلفة بين طيات أسلوب للأخلاق المعاصرة. تبدو رغبة فوكو في استعادة شكل فكري أصيل أو تجربة معطاة، أمرا مطلوبا بالنسبة لتفكير يريد استئناف انطلاقته وتوسيع أفاقه. في هذا السياق يأتي اهتمام فوكو ب”القول الحق والصريح والحر”، متابعا أشكلة علاقة الذات بالمعرفة والسلطة والحقيقة، ومُنقبا عن المادة الخاصة بنظام المُتع ونظام السلوك، ومُحللا طرق تشكّل الذات عبر التاريخ، وراغبا في الفوز ب”ذاتية جديدة”. تطلب الأمر من فوكو العودة بالمشكلة إلى الفلاسفة اليونان والرومان وتحليل مفهوم “الباريسيا Parrêsia” والتعريف ب”الكائن الباريسيانيle Parrèsiaste  “، مع التساؤل عن كيفية تشكل الذات وعلاقتها بذاتها وبالآخرين وبالعالم من خلال خطابات الحقيقة والقدرة على قول الكلام الصريح الصادق والحر. ستجد عملية التشكّل هذه أساسها في مبدإ “الإنهمام بالذات” و”ثقافة الذات” التي ستميز الفلسفة باعتبارها شكلا من التفكير يتساءل حول ما يسمح بالوصول إلى الحقيقة وعيش الحياة الحقة.

1-علاقة الخطاب بالسلطة والرغبة والحقيقة.

    في بداية السبعينات من القرن الماضي، طرح ميشيل فوكو بين ثنايا كتابه “نظام الخطاب” سؤالا حول معرفة ماذا كانت وما هي باستمرار إرادة الحقيقة عبر خطاباتنا(2)؛ انطلاقا من الشعراء الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد -أصحاب الخطاب الحقيقي بالمعنى القوي للكلمة- مرورا بهزيود وأفلاطون حيث القسمة التي تفصل بين الخطاب الحقيقي والخطاب الخاطئ، حتى ظهور الأشكال الجديدة لإرادة الحقيقة مع التحولات العلمية الكبرى. يؤكد فوكو على خضوع الخطاب إلى إجراءات خارجية تعمل كمنظومات للإبعاد، وإجراءات داخلية تمارس مراقبتها الخاصة وتعمل على شكل مبادئ للتصنيف والتنظيم والتوزيع. يصبح إنتاج الخطاب مع هذه الإجراءات مُراقب، ومُنتقى، ومُنظم، ومُعاد توزيعه، ويكون دور هذه الإجراءات هو الحد من سلطاته ومخاطره، والتحكم في حدوثه المحتمل، وإخفاء ماديته الثقيلة والرهيبة. أكثر هذه الإجراءات بداهة، وأكثرها تداولا كذلك هي المنع(3)، ويحدد فوكو “الجنس” و”السياسة”  كمنطقتين أحكم السياج حولهما، وتضاعفت حولهما الخانات السوداء. إن هذه الإجراءات ستبرز أشكال المنع التي تلحق “الخطاب” وتكشف وبسرعة عن ارتباطه بالرغبة والسلطة، و ستقيم حواجز أمام إمكانية قول الحقيقة عن الذات وقولها للآخرين، كما ستطرح صعوبات أمام بروز مستمع قادر على تلقي خطاب الحقيقة أو راغب في البحث عن الحقيقة.

تعني الصراحة parrêsia من الناحية اللغوية قول كل شيء (الصراحة، فتح القلب، انفتاح الكلمة، حرية الكلمة). هكذا ترجم اللّاتين كلمة parrêsia اليونانية بكلمة libertas، وتعني الإنفتاح في القول، وأن علينا أن نقول ما نرغب في قوله، لأنه مفيد، ولأنه حقيقي. ظاهريا، إن الكلمتين اليونانية واللاثينية هما صفة وميزة أخلاقية نطلبها من كل ذات متحدّثة ومتكلمة. فما أن نشرع في الحديث الصريح إلا ونكون قد ضمنا قول الحق.

فمن جهة السلطة، اعتبر فوكو أن الفرد الحديث هو جسد طيّع وصامت وخاضع، ومادة يمكن تطويعها، وشخصا لا ينبغي الإصغاء إليه؛ لرغباته كما لأقواله. وقد تم التوصل إلى فرض هذه الرقابة على الجسد اعتمادا على تفاعل بين تكنولوجيا تأديبية وعلم اجتماع معياري. تستهدف التكنولوجيا التأديبية إنتاج أفراد نافعين وطيّعين وإنتاج جماعات مراقبة وفعّالة(4). أما علوم الإنسان(علم الإجتماع، الطب النفسي والعقلي، وعلم النفس وعلم الإجرام…)، فدورها أن تحدّد وتعزل وتعرف.

ومن جهة الرغبة، فتاريخها مُوغل في القدم، ويطرح إشكالات أخلاقية وإيتيقية ووجودية متميزة فرضت على فوكو التفكير في “الذات الراغبة” ومسألة نظام السلوك والرغبة، أو المتعة الجنسية؛ أي “نظام المتع أو ما اصطلح عليه بالأفرديسياك”، ومن تم في العلاقة التي ربطت بين “الذاتية والحقيقة”.

إن البحث في نظام المتع ومبدإ الإهتمام بالذات وتأويلها ونظام السلوك الجنسي وشهوة الجسد، سيقود فوكو إلى استخراج العبارات الأكثر عمومية للمشكلة ألا وهي “الذات” و”الحقيقة”، وإلى طرح السؤال الجينيالوجي المثير:

في أي شكل تاريخي تم الربط في الغرب بين هذين العنصرين اللذين لا يتصلان بالتطبيق ولا بالتحليل التاريخي العادي ألا وهما: “الذات” و”الحقيقة”؟

تطلبت مقاربة فوكو للذات والحقيقة وللعلاقة التي ربطتهما تاريخيا، البحث في الزهد بالمعنى الفلسفي اليوناني والروماني والذي كانت له وظيفة تشكيل الذات باعتبارها ذاتا للحقيقة، مع ما يترتب عن هذه العلاقة من مشكلات تقنية (فنية) وأخلاقية خاصة بقواعد التواصل والحوار المرتبطة بالخطاب الحقيقي والقول الحق والصريح والحر، ومن استعداد أكيد ومطلوب لمواجهة الخصوم الأخلاقيين والتقنيين (الفنيين).

2- الزهد كطريقة لربط الذات بالحقيقة وممارسة لها

      يؤكد ميشيل فوكو على أن الزهد هو ما يسمح بقول الحق للذات ووجودها والذي يتكون بوصفه طريقة وكيفية لوجود الذات. ف”الزهد” و”الممارسات الزهدية” ترتبط ب”ممارسة النفس على نفسها”، والذي يرجع في الغالب إلى ممارسات الفيثاغوريين واستمرار هذه الممارسات في العالم اليوناني والهلينستي والروماني(5). يعتبر الزهد في الواقع ممارسة للحقيقة، وطريقة لربط الذات بالحقيقة(6) غاية في تجهيز الذات أو تغييرها أو الوصول بها إلى أسلوب معيّن في الوجود. فعلاقة الذات بالممارسة، ترتكز على سؤالين محوريين عند فوكو:

– كيف يمكن للذات أن تتصرف كما يجب؟

– هل بإمكانها أن تكون كما يجب عليها أن تكون، وذلك بالنظر إلى كونها لا تعرف فقط الحقيقة، وإنما قياسا إلى كونها تقول الحقيقة وتمارسها وتطبّقها؟

إن السؤال الذي طرحه اليونان والرومان حول العلاقة بين الذات والممارسة هو معرفة أي مقياس يسمح بمعرفة الحقيقة وقول الحقيقة وممارسة الحقيقة بالنسبة للذات، ليس فقط أن تتصرف كما يجب التصرف، وإنما أن تكون كما يجب أن تكون عليه، وكما تريد وترغب أن تكون عليه؟(7).

يحدد ميشيل فوكو الزهد والممارسة الزهدية عند قدماء اليونان والإغريق كممارسة للحقيقة تستهدف تشكيل الذات كغاية نهائية لذاتها، بمعزل عن معرفة النفس لذاتها، وطاعة الذات للقانون. إنها تجربة روحية للذات غايتها تكوين معرفة بالعالم وتشكيل النفس ذاتها وربطها بالحقيقة وممارستها وتطبيقها، وبالتالي تحقيق تلك العلاقة الممتلئة والمستقلة للذات بذاتها، ومن أجل هدف وغرض أولي ومباشر، إنما هو تكوين للإستعداد والتجهيز(…). إن الإستعداد- يقول فوكو- هو تحوّل الخطاب إلى خُلُق discourse /ethos. وبالتالي، يمكن تحديد الزهد على أنه التداول للإجراءات القابلة بالنسبة للفرد أن تتشكل، وأن تثبت نهائيا، وأن تنشط دوريا، وأن تقوى إذا ما دعت الحاجة، وهذا هو الإستعداد. إن الزهد هو ما يسمح بقول الحق dire-vrai قول الحق الموجّه للذات، وقول الحق الذي تخاطب به الذات ذاتها أو نفسها – يتشكل ويتكون بوصفه طريقة وكيفية لوجود الذات. إن الزهد يجعل من قول الحق نمط وجود الذات(8).

يُميز فوكو الزهد بمعناه الفلسفي اليوناني والروماني، ويمنحه مكانة خاصة في تاريخ تشكل “الذات” وقول “الحقيقة”. فالزهد يجعل الذات قادرة على نطق الخطاب الحقيقي، ويجعل “أنا النفس” موضوع نطق الحقيقة، كما أن له وظيفة إقامة علاقة قوية ووطيدة قدر الإمكان ما بين الذات والحقيقة، بحيث تسمح للذات عندما تبلغ صورتها المنجزة والمكتملة، أن تتلقى/تستقبل الخطاب الحقيقي الذي يجب على الذات أن تتملكه، وأن تضعه تحت تصرفها، وأن تتمكن من قوله لنفسها كنوع من الإسعاف، وكلما دعت الحاجة إليه. إذن، للزهد وظيفة تشكيل الذات باعتبارها ذاتا للحقيقة(9).

3- الباريسيا parrêsiaالقول الحق والصريح والحر

    يُعرّف ميشيل فوكو مفهوم الصراحة كالتالي:

تعني الصراحة parrêsia من الناحية اللغوية قول كل شيء (الصراحة، فتح القلب، انفتاح الكلمة، حرية الكلمة). هكذا ترجم اللّاتين كلمة parrêsia اليونانية بكلمة libertas، وتعني الإنفتاح في القول، وأن علينا أن نقول ما نرغب في قوله، لأنه مفيد، ولأنه حقيقي. ظاهريا، إن الكلمتين اليونانية واللاثينية هما صفة وميزة أخلاقية نطلبها من كل ذات متحدّثة ومتكلمة. فما أن نشرع في الحديث الصريح إلا ونكون قد ضمنا قول الحق(10).

تفيد الباريسيا من حيث الإشتقاق “قول كل شيء”؛ فالصراحة تعني أن تقول كل شيء، وهي ترتبط بالحرية التي تقتضي أن نقول كما نرغب في قوله، وعندما نرغب في قوله، وبالشكل الذي نعتقد أنه ضروري لقوله. ترتبط الصراحة بالإختيار وبالقرار وبموقف المتكلم(11)، بأفكاره وتصوراته وقناعاته الخاصة، وبنقل حقيقة لها وظيفة تغيير وتحويل نمط حياة الذات التي تتوجه لها هذه الحقيقة أو الذات التي تخاطبها الحقيقة(12).

وتحيل كلمة الصراحة Parrêsia حسب فوكو، إلى الصفة الأخلاقية، وإلى الخُلُق ethos، كما تحيل إلى إجراء تقني، وإلى تقنية/التقنية وهو أمر ضروري ولازم من أجل نقل الخطاب الحقيقي إلى الذي يحتاجه بغرض أن يشكّل نفسه بوصفه ذاتا سيّدة على نفسها، وذاتا متمثّلة الحقيقة بنفسها ولنفسها(13).

ففي موضوع الصداقة، أصبحت الصراحة أحد الشروط الضرورية للتوجيه، وكذا في العلاقة بين التلاميذ والمعلمين. كما أن الصراحة مطلوبة داخل بعض المدارس والتوجّهات الفلسفية كالأبيقورية والرواقية وبخاصة السينيكية (الكلبية). والآن، ما أحوج مجتمعاتنا المعاصرة إلى قول الحقيقة وإلى الصراحة والقول الصريح بعد انتشار مختلف أساليب التضليل الإيديولوجي والتدليس السياسي والنفاق الإجتماعي والقبح الأخلاقي والسمسرة الإقتصادية والمالية.

إن التحليل التاريخي التي قام به ميشيل فوكو للممارسات المرتبطة بقول الحقيقة عن الذات داخل الثقافتين الإغريقية والرومانية، ارتبط بشكل أوسع بمبدإ “الإهتمام بالنفسSouci de soi ” و”ثقافة الذاتCulture du soi “، أطلق عليها اليونان مفهوم “الباريسيا Parrêsia “. وارتبط هذا المفهوم أساسا بالقول الصريح أو بالصراحة الصادقة الحرة، وقول الحقيقة عن الذات، والتي تتطلب تجنب المخادعة والتملق والخوف، والجرأة على المخاطرة والمجازفة بالعلاقة التي تقيمها الذات مع الآخر الذي توجه إليه الحقيقة. تفترض هذه المجازفة نوعا من الشجاعة، الشجاعة في درجتها الدنيا احتمال فك الإرتباط مع الآخر كإمكانية لقول الحقيقة(…)، وفي درجتها القصوى أن نعرّض حياتنا الخاصة للموت(…) تلك الشجاعة التي يربطها سقراط بالنبل ورفعة النفس(14). يؤكد ميشيل فوكو على “الثمن الكبير” الذي قد يتم دفعه مقابل “قول الحقيقة” أو “قول كل شيء”. ويشير إلى أن الحكماء في الصين كانوا، عندما ينوون قول كل شيء للحاكم، يتخذون إجراءا احترازيا “حكيما” بحيث يصطحبون معهم “نعشا”.

يقيم ميشيل فوكو علاقة متميّزة بين الباريسيا والسياسة وممارسة الحكم، إذ يؤكد على أهمية الباريسيا لبقاء الديمقراطية؛ فهي الإطار المؤسسي الذي يسمح للنخبة السياسية بالصعود على نحو شرعي لتولي زمام المدينة. وبينما يتم اختيار النخبة السياسية في الديمقراطية الحديثة عن طريق الإنتخاب، يتم اختيارها في الديمقراطية القديمة عن طريق لعبة الجدل/الباريسيا. ولعبة الجدل هذه هي ما يعتبرها فوكو بمثابة قلب العملية الديمقراطية القديمة. والمثال النموذجي للباريسيا في وجهة نظر فوكو هو بركليس في خطبته الشهيرة كما وردت في “الحروب البيلوبونيزية” لتوسيديديس(15).

4- الكائن الباريسياني وإرادة قول الصراحة للآخر.

    فرضت “إرادة الحقيقة” على ميشيل فوكو التساؤل حول تاريخية التكوين الفلسفي للذات في علاقاتها ب”لعبة الحقيقة”، هذه اللعبة التي تفرض على الكائن الصريح (الباريسياني Le parrèsiaste) قول الحقيقة، كل الحقيقة بوضوح وصراحة، وهو بذلك يجازف بوجوده وبعلاقته مع الآخر، ويلزم الآخرين بالإنصات وتقبّل لعبة الحقيقة حتى ولو كانت جارحة. ففي الوقت الذي يُظهر فيه شجاعة قول الحقيقة parrêsia، فإن الذي تُوجه إليه عليه أن يُظهر هو الآخر نوعا من النبل والرفعة في تقبلها(16).

– فمن جهة الباريسياني؛ من واجبه تقديم حقيقة الخطاب الحقيقي، أي الحقيقة العارية من كل تزيين وزخرفة(17)، مع اختيار لحظة قولها ومناسبتها kairos وفقا لظروف الأفراد وعلاقاتهم بغرض تقديم الإسعاف لهم وعلاجهم؛ إن الصراحة يجب أن تعالج كما تتطلب المعالجة. إن الحكيم أو الفيلسوف طبيب(18). في هذا العمل الصريح يتكلم الكائن الباريسياني باسمه بشكل مباشر وصريح(19)، وكلامه يخص وضعية حاضرة وفريدة. حيث يقوم بتأصيل الحقيقة التي يدافع عنها، من خلال سلوكه الخاص وفي تطابق مع أفعاله وتصرفاته، ويكون فضاؤه الطبيعي هو المكان العمومي، حيث يعمل على تعريض علاقته بالآخر، في الأقصى، إلى قطيعة ممكنة(20). فعن طريق الباريسيا، يوظف المتحدث حريته ويختار الشجاعة بدلا من القناعات، الحقيقة بدلا من الكذب والتزام الصمت، المخاطرة بحياته بدلا من حياة آمنة، النقد بدلا من المجاملة والواجب الاخلاقي بدلا من المصلحة”(21). فالكائن الباريسياني يعبّر بصدق عن ما يؤمن به ويعتقد أنه الحقيقة. فالحقيقة عنده هي فكره واعتقاداته الخاصة، إنه مقتنع شخصيا وملتزم وملتحم بما بينه وما بين ما يقوله، فهو يجازف بقول الحقيقة عبر رفع الحجاب عما هو مستور. إن القول الصريح والصادق والحر عند الكائن الباريسياني تعبير عن علاقة جمالية مع الذات التي تحترم ذاتها و تجسيد للتكامل الرائع بين القول والفعل. هكذا “تتجلي الباريسيا في الأشياء بحد ذاتها، أو في طريقة فعل الأشياء، ويمكن أن تتجلى في طرق الوجود المتعددة” يكتب فوكو(22).

– أما من جهة الآخر، هذا الذي يستقبل الحقيقة – صديق، شعب، أمير…- عليه التأكد من الحقيقة التي تُقال له، والحقيقة التي يلتقي بها في الخطاب، كما عليه أن يُظهر نوعا من النبل والرفعة في تقبل الحقيقة حتى ولو كانت جارحة. وسيكون الإستماع هو اللحظة الأولى في هذه العملية، وفي هذا الإجراء الذي به تكون الحقيقة المسموعة (…)، تلج وتقتحم وتدخل بكيفية ما في الذات، وتسكنها وتصبح جزءا منها وتشكل بالتالي لحمة وسداة للخُلقُ ethos(23)، أي أنها تُملك وتُستعمل وتُذوّت، الشيء الذي يجعله قادرا على أن يكوّن مع نفسه علاقة استقلال وامتلاء واكتفاء.

تطرح عملية قول الحقيقة للآخر عدة إحراجات للكائن الباريسياني، خاصة عندما يكون أمام شخصية تحتل مكانة سياسية في هرم السلطة. فوضعيته تُلزمه بقول كل الحقيقة دون تملق أو تفاخر، وهذا يعني ضرورة التحلّي بالشجاعة، في حين يمكن للصراحة أن تجلُب عليه النقمة وتعريض حياته للخطر (سجن، نفي، اغتيال…). لكل هذا ينصح الإمبراطور والفيلسوف ماركوس أورليوس Marcus Aurelius الكائن الباريسياني أن يقول للأمير ما هو عليه ليس بوصفه امبراطورا، وإنما بوصفه رجلا وإنسانا، ومن أنه ليس من الضروري أن يكون الأفضل طُرا، وإنما يجب النظر إليه باعتباره ذاتا عاقلة، وباعتباره كائنا إنسانيا ليس إلا (هذا ما كان يقوله ماركوس أورليوس)(24). فالمطلوب من قول الحقيقة للأمير هو تعليمه “ما يجب عليه أن يكون”، أي طريقة الحياة الفلسفية، التي تحكم المرء، لكي يصبح الأمير فيلسوفا(25).

خاتمة

    يأتي اهتمام ميشيل فوكو بمفهوم الباريسيا في إطار تفكيره في سؤال مقاومة أشكال الإخضاع ومرض “العبودية الطوعية”، وبحثه عن سُبل اختراق وتجاوز الحدود التي تضعها السلطة. في ظل هذه الشروط، أخذ فوكو يبحث عن علاج لعدمية العصر ويعمل على إبداع “ذاتية جديدة” معتمدا على ما تراكم لديه من حس تاريخي وفلسفي. لكن الفوز بهذه الذاتية الجديدة يمر عند فوكو عبر البحث في أنطولوجيا الذات والحاضر والكشف عن تاريخ “فنون الحكم” (حكم الذات وحكم الآخرين)، ومساءلة “سياسة الحقيقة”.

سيساعد مفهوم الباريسيا ميشيل فوكو على ربط الحقيقة بالإيتيقا والسياسة؛ وهذا يعني ربط الباريسيا بالإهتمام بالنفس ذاتها حتى تصير قادرة على مواجهة الترتيبات “العقلانية” للسلطة وتجاوزاتها، ومقاومة الأشكال الحديثة لظاهرتي الإخضاع والعبودية. في الوقت ذاته، سيمنحنا تحليل قول الحقيقة والكلام الصريح والصادق والحر إمكانية تأصيل مطلب النقد ومهمة الفلسفة في مجتمعات “الحداثة” ونظامها “الرأسمالي الليبرالي” حيث ارتباط الفرد بنفسه وبالآخرين يكون ارتباطا استراتيجيا قائما على منطق السوق وخاضعا لقانون العرض والطلب(26). ذلك أن تأسيس النقد بالإرتكاز على الحقيقة والقول الصريح والصادق والحر، يعطي مصداقية لعمل الناقد أو المفكر أو الفيلسوف حيث تترابط الأقوال مع الأفعال والنظرية مع الممارسة، ويصير العمل نفسه انعكاسا لحياة صاحبه؛ لسلوكه وأسلوب عيشه وكيفية وجوده مع ذاته ومع الآخرين ومع العالم.

الهوامش:

1- شهر ماي 1984: آخر حوارات ميشيل فوكو، ترجمة سعيد بوخليط،

http://nomene.blogspot.com/2015/04/1984.html

2- ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، التنوير، ص7.

3- ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، التنوير، ص4.

يقول فوكو:”إننا نعرف جيدا أنه ليس لنا الحق في أن نقول كل شيء، وأننا لا يمكن ان نتحدث عن كل شيء في كل ظرف، ونعرف أخيرا ألا أحد يمكنه أن يتحدث عن أي شيء كان. هناك الموضوع الذي لا يجوز الحديث عنه وهناك الطقوس الخاصة بكل ظرف، وحق الإمتياز أو الخصوصية الممنوحة للذات المتحدّثة: تلك هي لعبة الأنواع الثلاثة من إجراءات المنع التي تتقاطع وتتعاضد أو يعوّض بعضها البعض مشكلة سياجا معقّدا يتعدّل باستمرار”، ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ص4.

4- أوبير دريفوس وبول رابينوف: ميشيل فوكو:مسيرة فلسفية، ترجمة جورج أبي صالح، مركز الإنماء القومي، لبنان، ص173.

5- انظر مقالتي: ادريس شرود: في الزهد الفلسفي ونقد المثال الزهدي: الرهان حول الحقيقة، موقع أنفاس للثقافة والإنسان، 18 يونيو 2017.

6- ميشيل فوكو: تأويل الذات، دروس ألقيت في “الكوليج دوفرانس” لسنة 1981-1986، ترجمة وتقديم وتعليق د. الزواوي بغوره، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2011، ص297.

7- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص298.

8- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص206 و207.

يقول فوكو:”إن تشكّل ذات النفس بواسطة تمرين وممارسة قول الحق بما هو نمط وجود الذات هو ما يبعده عما نفهمه الآن في تراثنا التاريخي بالزهد الذي يتخلى وينكر النفس بناء على الكلمة الحق التي قيلت من قبل الآخر”، ميشيل فوك: تاويل الذات، ص207.

9- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص347.

10- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص343.

11- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص384.

12- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص381.

13- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص348.

14- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، تقديم وترجمة محمد ازويتة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء- المغرب، 2015، ص85.

15- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم “الباريسيا” عند ميشيل فوكو: “قول الحقيقة” بين الديمقراطية وحكم الذات، ترجمة نصر عبد الرحمان، موقع قراءات،

https://qira2at.com/2014/10/19/ملاحظات-حول-مفهوم-باريسيا-عند-ميشيل-ف/.

16- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص86.

17- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص358.

18- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص364.

19- تتعارض كيفية قول الحقيقة عند الكائن الصريح الصادق والحر عن كيفيات أخرى للقول؛ فهناك “الكيفية النبوية” حيث الخطاب الحقيقي للإله يشتغل كوسيط بين الناس والآلهة، بين الحاضر والمستقبل، وذلك بطريقة غامضة وملتبسة. و”الكيفية الحكمية” حيث الخطاب الحقيقي الذي يوظفه الحكيم، الذي يعيش  زهدا في الدنيا، لتخليص الكائن من مشاغل العالم وقضاياه. و”الكيفية التقنية”، حيث يتعلق الأمر بنقل المعارف الإيجابية وربطها بجماعة مطلعة ومدربة. ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص96.

20- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص96.

21- نجاة تميم: مفهوم البارسيا وشجاعة قول الحقيقة، موقع الحوار المتمدن، 16 ماي 2009.

يتميز الكائن الباريسياني بوجوب أداء مهمة توجيه الناس والأخذ بيدهم وإنارة الطريق لهم، إنها مهام أوكلها الله إليه، لا يمكن أن يتركها حتى ولو هدد بالموت، وسيظل يدافع عنها حتى رمقه الأخير. الصريح الصادق الحر هو القائل للحقيقة بكل وضوح وصراحة وشجاعة تخص ما يهم الأفراد في حياتهم. ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص88.

22- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم “الباريسيا” عند ميشيل فوكو: “قول الحقيقة” بين الديمقراطية وحكم الذات.

23- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص312.

24- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص 357.

25- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم “الباريسيا” عند ميشيل فوكو: “قول الحقيقة” بين الديمقراطية وحكم الذات.

26- حوار مع أكسيل هونيت: في نقد الفردانية الليبرالية، حاورته أليكساندرا لينيل لافاستين، ترجمة خالد جبور، موقع كوة، 30 أكتوبر 2019.

يقول أكسيل هونيت:”لا شك أن الإيديولوجية الليبرالية فرضت على الأفراد أن يعتبروا أنفسهم كبضائع، يُسوّقوا صورهم باستمرار، بحيث أن على الفرد أن يظهر دوما في صورة المُتحمّسن القادر على التأقلم مع كل الوضعيات… وبالتالي فإن القدرة على خوض تجربة الحوار الداخلي مع الذات، والتحلي بمبدإ التضامن مع الآخرين، تمّت تنحيتها جانبا للسماح بانبلاج ما يدمّر هذه الميولات، ويُخصي هذه القدرة”، حوار مع أكسيل هونيت: في نقد الفردانية الليبرالية.

RépondreTransférer

شاهد أيضاً

ميشال فوكو و حفريات المعرفة

بقلم : أسامة البحري تاريخ الفكر حسب فوكو هو تاريخ يصعب حصره في خصائص و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *