الرئيسية / Non classé / بُوخُّودْ “المدينة الفاضلة ” بواحة فڭيڭ

بُوخُّودْ “المدينة الفاضلة ” بواحة فڭيڭ


عمر بن أعمارة

بقلم: عمر بن اعمارة

«تتغدى تجربتي الخاصة بنهاية الحياة بأمنيتي الأكثر عمقا في جعل فعل الموت فعلا للحياة.».   الفيلسوف الفرنسي- بول ريكور

بعيدا عن فتن الدنيا وصخب الحياة وقريبا من مستقبل يلوح في الأفق ونحمله بين ثنايانا.أعود إلى أفقي، إلى قبري و”مدينتي الفاضلة” وما الذي دعاني لاستحضارها وللتفكير فيها والحديث وكذا الكتابة عنها ؟

في حياتي البسيطة، عشت وأعيش بلا تخطيط وبتلقائية مفرطة وعفوية ترتقي في لحظات عديدة إلى الفوضوية واللاحدود، دون عناد مع الزمن، مع حاضر مضى قبل أن يحضر، دون عناء التفكير في مستقبل وما سيحمل إلي من مفاجآت، من مسرات و مآسي لا تخرج عادة عن المألوف الإنساني.لقد استوعبت جيدا وربما مبكرا نصيحة الشاعر الكبير”عمر الخيام” و أسترشد بها وإن نسيتها أو تناسيتها أو تجاهلتها فإن المرحومة الفنانة الكبيرة “أم كلثوم” تتكلف لتذكرني في كل مرة وبكل الأمكنة باستمرار وبإلحاح منها:«لا تشغل البال بماضي الزمان .. ولا بآتي العيش قبل الأوان .. واغنم من الحاضر لذاته .. فليس في طبع الليالي الأمان». لكن لا أدري لماذا أوصيت رفيقة حياتي-إن غادرت سفينة الحياة قبلها- أن تعمل على نقل جثماني إلى واحة فڭيڭ كي أدفن هناك في المقبرة الجميلة “بوخود boukhoud” ؟ (ربما المقبرة والقبرهوالشيء الوحيد الذي يتأسس خارج معيار القبح والجمال وهذا ما نلمسه، على الأقل في أصول الدين الإسلامي).بل أيضا وفرت لها القدر الكافي من المال ووضعته كوديعة رهن إشارتها وذلك لتغطية مصاريف النقل من مكان موتي« وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيم خَبِيرٌ»(1) إلى واحة فڭيڭ حيث توجد مقبرة “بوخود” الرحبة والفسيحة ،المستقبلة بذراعيها المفتوحتين وبسخائها المعهود منذ سنة 1956م، وحيث الأفق المرسوم. ربما في قرارة نفسي أنني لم أولد غريبا حتى أدفن غريبا ولم أبدأ وحيدا حتى أنتهي وحيدا ؟.هل أنا “أصولي” ؟ هل تسكنني مقولة ” الرجوع إلى الأصل أصل” وهكذا أَوَّلْتُها وفهمت معناها ؟ هل لأنني أخذت من تلك الأرض وإليها سأعود وفيها سأدفن وعليها سأنبت ومنها سأبعث يوم الدين؟ «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ» (2).أوربما الطريق إلى الله هناك قصيرة وسريعة وغيرملتوية، معبدة ومنيرة ؟ أم لكوني هناك سأشعر براحة تامة وأمان وطمأنينة شاملة وأنا بين أهلي وبعض أصدقائي وأساسا من أصدقاء الطفولة ؟

مع الرتابة والعادة والقرب والقرابة، وفاة شخص ما من أهل فكيك القاطنين بالواحة أوحتى خارجها، يشكل لنا خبرا مهما نظرا للروابط العائلية أو لمعرفتنا وعلاقتنا بالشخص المغادر للسفينة أو لأحد أقربائه، فالإشعار يكون جماعيا :الإخبار المباشر شفويا، بث بعض المقاهي لآيات من “الذكرالحكيم” كإعلان عن خبر الوفاة ومشاركة في لحظات الحزن والأسى، أو عبر وسائل التواصل الحديثة: الهاتف والأنترنيت. وفي حالات كثيرة عند وفاة أحد أفراد أهالي الواحة القاطنين خارجها تقام له مراسيم العزاء والحداد في بيت أهله أو أحد أقربائه بالواحة. الوفاة بباريس،الدفن والعزاء وطعام المأتم (الصدقة) بفڭيڭ.

في فڭيڭ، الإخبار عن الوفاة، العزاء والحداد، الحزن والبكاء، الغسل والتحنيط والكفن، حضور مراسيم حفر القبر، السير في المواكب الجنائزية، حضور صلاة الجنازة، المشاركة في تشييع الجثمان، التأبين والدفن، قراءة القرآن وتلاوة الأدعية، إحضار الطعام لأسرة الفقيد. كل هذه الطقوس والشعائر تتم بشكل جماعي وبدون أي مقابل مادي. في فڭيڭ، لا حاجة هناك لخدمات كتيبة من المحترفين والمختصين المستأجرين كما هو الشأن في جل المقابر خارج واحتي. هناك في فڭيڭ، كل الأهالي متمرنون، متمرسون، متمكنون ومتطوعون في وجه الله. أن تموت أو تدفن بفڭيڭ لا تحتاج إلى رصيد بنكي أو ذخيرة مالية في جعبتك، يكفيك فقط أن تُعلن عن موتك حتى يتكفل الأهالي بكل شيء والكل يصاحبك إلى مثواك الأخير، بمافيهم حبيبتنا النخلة بحضور سعفها الأخضر(ترضوين)، فهي رفيقتنا في الواحة من المهد إلى اللحد.

بوخود” المدينة الفاضلة، أتكون قد جلبت اهتمامي بموقعها المحصن من سيول جارفة، وبعدها عن صخب وضجيج الأحياء، وأثارت انتباهي بأرضها المسطحة والمستوية، وسحرتني بشساعة فضائها، وأغرتني بسخائها وبحسن ضيافتها وخدماتها المجانية المنتظمة التي توفرها وتقدمها لنزلائها الأبديين الراضين عنها (لا أحد قام من قبره واحتج أوفر، ولو لمرة واحدة) وبإعجاب زوارها، منهم من يعيش خارج الواحة بل حتى خارج الوطن ويوصي أهله على أن يدفن فيها في حالة وافته المنية خارج الواحة ؟.مدينة “بوخود” توفر لك بقعة أرض طاهرة مجانا لك لوحدك، جنب أهلك وبعض أصدقائك وإخوتك، في “بوخود” هدوء وسكون واحترام لم يعد في عصرنا من خاصية القبور والمقابر.

بوخود”مقبرة طبيعية  “Bioتوفر لكل واحد من ضيوفها الدائمين حفرة في تراب صلب ونقي يميل إلى الحمرة يتخلله حصى متعدد الألوان يغلب عليه رمادي اللون ناعم وبراق يفصح عن علاقته الطويلة والقديمة بأشعة الشمس الحارقة وبالماء، وأساس مبني بحجر نظيف استقدم من جبال الواحة كما الغطاء بألواح حجرية متينة و فوقها تراب ممزوج بماء طاهر من عين “تزادرت”Tzadart*، وبعده طبقة من التراب الجاف ثم يبلل بنفس الماء فطبقة من الطين (هذا الإتقان والمتانة في العمل جعل أحد الظرفاء من أهل الواحة لحظة حضوره مراسيم دفن أحد الموتى، يعلق ويتساءل مازحا: “لماذا كل هذا الكم من الحجر والتراب وكل هذا التمتين والاتقان في العمل ؟ هل أنتم خائفون من أن يقوم الميت من قبره ويفر ؟ ألا تريدونه أن يخرج يوم البعث من قبره ويلتحق بالجمع العام ؟ )وحدودا في شكل هندسي مستطيل بنفس وشكل الأحجار المستقدمة من الجبال المحيطة بالواحة، يتم ترتيبها وغرسها ،نصفها في الطين والنصف الآخر حيث القاعدة ظاهر للعيان، تضع للساكن(الضيف الأبدي)إطارا وحدودا وفي وسطه حجرتين مغروستين إحداهما جنب الرأس والأخرى محاذية للقدمين وهي من نفس الحجر المستعمل، هذه العلامتين تفصحان عن جنس الساكن ذكر أم أنثى، فإن كانتا متوازيتان مع الحاجزين المشكلين لعرض القبر فالساكن ذكر، وإن كانت الحجرة المحاذية للرأس متوازية مع عرض القبر والحجرة المحاذية للرجلين متعامدة مع الحاجز المُشَكِّل عرض القبر فالساكن أنثى، وعلى جنب الإطار كما في وسطه تنمو باقات من النباتات الشوكية، ربما كشكل من أشكال الدفاع الذاتي يفرض على الزوارعدم الدوس والمشي فوق القبور والحد الأدنى من الاحترام، أو كإعلان وفرح بالضيف الأبدي.إنه القبر.لا باب، لا نوافذ، لا كوة، لا قنوات، لا هاتف، لا أنترنيت ولاعنوان له، إلا بعض العبارات المكتوبة باللغة العربية على لوحة من حديد أو رخام، من قبيل: “هنا يرقد الشخص فلان(ة)”، يطلب من الأحياء فقط عدم الإزعاج والدعوة له بالرحمة والمغفرة، دون أن ينسى في الأخير أن يضيف عبارة “إنا لله وإنا إليه راجعون” أوكل نفس ذائقة الموت” أو “سبحان الحي الذي لا يموت”.القصر أو القبر بعد أن تحولت الصاد وأصبحت باء، هو ملكيتك ومملكتك الفردية الوحيدة والأبدية دون حتى أن تورث أحد إن لم ينازعك فيها أحد من الأحياء أو حتى من الأموات ( رب لحد قد صار لحدا مرارا *** ضاحك من تزاحم الأضدادودفين على بقايا دفين*** في طويل الأزمان والآباد ). (a) سبحان الذي يعبر بعباده أبد الدهر من الأرحام إلى القصور ثم القبور.هناك في “بوخود“على محيط المقبرة صور طويل من حجر بمنتهى المتانة والإتقان مع ثلاث مداخل وأشجار نخيل مغروسة حديثا تقدم خدماتها وترعى الضيوف الأبديين عن قرب، ما أظن أن لها من طول النفس ما سيجعلها تواصل معهم المسير إلى النهاية. وحدها جبال الواحة المتسلسلة على شكل حلقة قبلت التحدي الأبدي إن لم تأتي أي صدفة جيولوجية أو فيزيائية وتهزم الجميع في تنفيذ لأمر إلهي “كن فيكون“.

في “بوخود”مدينتي الفاضلة،لا مكان هناك لما هو غير طبيعي: لا إسمنت، لا زفت، لارخام، لا صباغة لا ألوان إلا لون التراب والحجر و زرقة السماء وخضرة النخيل، لا تلوث، لا أزبال، لا تنقيب ولا حفر للمشعوذين، لا تبول ولا تسكع المهمشين والمقصيين، لا متسولين على الأبواب، لا محترفي قراءة القرآن والأدعية، لا حراسة نهارية أو حتى ليلية. وهل هناك من طهارة أطهر من هذه ؟ وهل هناك من أمن وآمان أأمن من هذا ؟ لا تمييز ولاتميز، لا استعراض لعضلات المال أو السلطة أو العلم أو حتى لفائض من الورع  والتقوى، لا طبقية الكل سواسية بمقابرهم وفيها، لا ضجيج لا صداع، الهدوء والسكون هو السائد، الاحترام كل الاحترام، والكل نائمون على يمينهم ومتوجهون نحو الشرق (القبلة) في راحة وطمأنينة تامة، جنب الأهالي وبعض من الأصدقاء وهم ينتظرون إلى أجل غير مسمى.

هناك في “بوخود” سأرقد براحة وسلام، هناك، سأبدأ، سأسكن، سأنتظر، سأصير، سأنتهي وسأبعث.و ما لجسد من راحة بعد خروج الروح و التحول إلى جثة، ثم بعد ذلك التحلل في التراب؟.لكن هناك في “بوخود” سأطمئن على سلامة وحرمة ما سيتبقى من جسدي وسأضمن له مستقبلا واستقرارا وسيجد كل الوقت الكافي ليتحلل في تربة أصيلة وطاهرة وبين حجارة نظيفة، وهكذا سيعود إلى أصله وفصله. هناك في “بوخود” لا أحد سيأتي يوما ما ليزعجني وينبش في قبري مخاطب أياي:«قم أفرغ المكان وغادره فورا، لقد انتهت صلاحية موتك، لقد ملأتم الأرض برفاتكم أيها الموتى وضيقتم علينا نحن الأحياء وأزعجتمونا بجثثكم النتنة وبموتكم اللامتناهي.خذواعظامكم وارحلوا عنا، ولتكن لكم وجهة ما ومكانا آخرغيرهذا الكوكب، فالزمان لم يعد زمانكم والمكان لم يعد مكانكم، ولم يعد صالحا للموتى، فهو مبرمج لبناء عمارات تتناطح مع السحب أومعاهد ومصانع لإبادة ما تبقى من إنسانية الانسان».

يا له من سلام ومستقبل واستقرار بعد الموت في عالم تسكنه اضطرابات مسترسلة وحروب لا متناهية تخاض باسم آلهة متعددة أو نيابة عنها، خصوصا عندما تحتضنك مقبرة “بوخود”الكريمة !!!!!!!!!!!!!!

* العرفان بالجميل

كلمة شكر وامتنان وتقدير كأبسط شيء لرد الجميل إلى:

مانحي الأرض وإلى كل المحسنين وإلى الساهرين على الأشغال وحسن التسيير دون أي مقابل مادي إلا وجه الله.

****************************************

الهوامش

(1) سورة لقمان الآية 34

(2) سورة طه الآية 55

* بوخود أوBOCCHUS:اسم لأحد ملوك الأمازيغ عاش قبل دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا للمزيد راجع ويكيبيديا، وسميت المنطقة حيث تتواجد المقبرة باسمه كما أن تواجد هذه المقبرة في هذه المنطقة جعلها تأخذ هذا الاسم.

*تزادرتTZADART:إسم لأكبرعين ماء بواحة فڭيڭ وهي المورد الأساسي لسقي بساتين (إيرانات) الواحة وتعتبر العنصر الأساسي في استقرار الأهالي هناك.

( (aبيتين شعريين من قصيدة “تعب كلها الحياة” للشاعر الكبير أبو العلاء المعري.

شاهد أيضاً

اللسانيات و أثرها في تقويض القراءات الحرفية

رمضان بن رمضان إن تجسير العلاقة بين العقل و الدين أو بين الحكمة و الشّريعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *