فتاة الفجر


عبد الحفيظ ايت ناصر

عبد الحفيظ أيت ناصر

لم يكن المسكين يعلم ان ما وقع قد يقع ، لم يكن يريد الذهاب الى المسجد ذلك اليوم وكأن هناك ما يمنعه ، إحساس غامض اتجاه فجر ذلك اليوم يخالط صدره ، غالبه ورده للشيطان كيف لا والفجر افضل من الأفضل ..خرج من الباب الكبير لدار الطالب ومازالت أصوات المؤذنين من مآذن  بعيدة تتردد في الارجاء. النسيم الهادئ يخالط الانفاس ، كانت اخر نجمة في السماء –  نجمة الفجر – قد اقتربت على المغيب ، وياليت نجمته لم تغب كذلك.. مازال نعسانا لأنه لم يأوي الى فراشه باكرا تلك الليلة ، كان ينسخ بعض كتاباته. وبعد الليلة الطويلة استيقظ باكرا مع صلاة الفجر قاصدا المسجد وصديقيه ، وما ان لامس نسيم الفجر حتى صحى بشكل شبه كامل وبدأ حديثه المعتاد مع صديقيه كان حديثا سطحيا بعض الشيء يتصنعه باحترام تام، لا يمكن ان يتبين احد تصنعه وفق منطق اخر كان منفصما بشكل رهيب لا علاقة بين ملامحه ودواخله ، رافقه الى المسجد صديقه الصغير كريم وهو بمثابة أخيه الصغير نشأت بينها الفة عميقة والقى إبراهيم نكتة كسرت جو الكسل .

كانت الطريق طويلة على شكل مستقيمي تزين بعض مناطقها مصابيح … تو في اصله يحب مثل هذا الجو لأنه يعيد الى ذهنه ذكريات مفعمة ومشحونة بالعواطف عندما يكون في القرية .. يخرج من البيت والسماء اكثر وضوحا هناك لعدم تأثير أضواء الشارع ورائحة اعداد الفطور لأن الأمهات قد بدأن بإعداده في تلك الاثناء واضواء خافتة تبدو من افنية المنازل الترابية لكم يعشق تلك الصورة بجنون ات والحنين ، ويذكره صديقيه بعهد كان يقصد المسجد مع صديق له قد التحق بالجامعة وهو مازال بتخبط بي الثانوية واقسى شيء ان تفرقك تصاريف الحياة مع اخ لم تلده لك امك ، وكذلك يذكرانه بابيه وعمه عندما يصاحبهم وجارهم حسن الى المسجد .. أحيانا كان يتصنع عليهم معرفة واحيانا أخرى يمثل غباء او عدم فهم ويدع الاب والعب يشرحان ويفسران ويعظان لانت ان تكلم لن يتم فهمه او يفهم خطأ ، كانت أشياء رائعة حدث في الماضي وات والحنين.

في ذلك اليوم لما قصد المسجد رأى على طول الطريق المستقيم شبحين يتقدمان وقد تأبط احدهما ذراع الاخر متلحفان بلحاف اسود يتقدمان في بطئ شديد كأنهما يطيران على بساط  من ريح..كانت نجمة الفجر تقرب على المغيب وياليت نجمته لم تغب.

اقترب الجسمان وياليتهما لم يقتربا لأن فؤاد المسكين سيبتعد مع ابتعادهما ..كانت امرأة اربعينية تصحب بنتها العشرينية الى موقف الحافلة لتقصد الجامعة ، هذا ما تكهنه وصور هنا في ذهنه لان الجامعة بعيدة عن البلدة ولأن الصباح لم يطلع بعد لهذا وجب على الام مصاحبة ابنتها الحبيبة الى موقف الحافلة …الموقف يقع مباشرة امام دار الطالب ..من حق الام ان تخاف على بنيتها ، بدأتا تقتربان فغض إبراهيم من بصره اول الامر لكنه لم يبق على حاله ، نظر اليها نظرة خاطفة سرعان ما تحولت الى نظرة طويلة تشابكت فيها العيون ..ضاع عقل إبراهيم وتاه في جمال ذلك الوجه الصبوح ولم يكن في طبيعته تصفح وجوه الاخرين ولكن هذت المرة فعل الا انه لم ينظر اليها نظرة سوء استقرأ عيناها وعرف انها وجدت بي نظرته شيئا اثار انتباهها تأملته في هدوء تام كانت العديد من التساؤلات تجول في خلدها…

تشابكت النظرات وتلاءمت الخواطر والجو مفعم بشيء من ارهاصات ولادة شعور جديد ..رحماك أيها الباص ان قلبي اليوم قصدك فلا تسرع وان كنت رحيما فلا تغادر ..هكذا ناجا إبراهيم نفسه.

كانت الفتاة وامها يرتديان لحافا اسودا وكالفتاة تضع خمارا اسودا كان وجهها يظهر من خلاله وكأنه البدر المكتمل في ليلة حالكة وقد اضاء الشارع واغنى عن كل ضوء سواه في عين إبراهيم.. ايدعو ربه ان يجمعه بها وقد علم ان لقاءهما لم يكن ليطول اكثر من عمر تلم النظرة ، حب ولد عند الفجر ولم يكن يريد ان يسميه حبا مفضلا ان يسميه الشعور الوليد لانت يخاف ان يسميه وما يمنعه من ذلك الا معرفته انت اشبه بالمستحيل ، وكيف لا يكون كذلك وهو لا يعرب عنها شيئا لا اسمها ولا عنوانها او تخصصها الجامعي وكيف لل بكون كذلك وتو مجرد طالب في المرحلة الثانوية او قد تكبرت سنا رغم ان هذا لا يشكل لديه اشكالا.

اثناء تشابك النظرات مر شريط قصة شعوره الوليد امام عينيه تماما كما يحدث في الأفلام ..اقتربت نجمة الفجر على الغياب وياليت نجمته لم تغب.

صارت الشابة التي لا يعرف اسمها وراءت ولم يكن قد اهتم لوجود أمها لأنه انصب بكل قواه العقلية على هذا البدر الذي مر من امامه قبل قليل ، لم يعد يدري هل فارقه النعاس ام انه صار ثملا بخمرة لم تلامس شفتاه لقد اسكرته العيون الليلية اللون والوجه القمري ، غار عليها من نسيم ذاك الصباح ورثى لحال ههه ..لقد صارت وراءه ، لم يرد ان يلتفت لأنه لم يفعل ذلك في حياته وما منعه هذه المرة ليس مبدأه وانما حضور صديقيه ولم يكن ليفعل لأنه يعلم انها لن تلتفت كذلك فهو احب عيناها.

وصلوا الى المسجد توضأ وصلى صلاة الفجر، ظن انه نسي امر فتاة الفجر كما يسميها ولكن ذلك لم يحدث فبمجرد خروجه من المسجد عادت صورتها الى ذهنه وانهالا عليه نفسه هل احببتها؟؟؟ والكثير من التساؤلات ، في طريق العودة دعا بكل خشوع ان يجدها عند موقف الحافلة ، وصل الى مكان اللقاء الأول تباطأ وكانه يقف على الاطلال فتذكر قول الشاعر:

أيا منزلي سلمى اين سلماك***لهذا بكيناها بكيناك

وصلوا الى دار الطالب وقد كان من عادته ان يطالع كتابا في هذا الوقت لكن اليوم اعتذر وعاد الى فراشه يستحضر عينان ليلية اللون والوجه القمري الذي انار عليه الطريق كلها ، إبراهيم في ربيعه التاسع عشر ادبي حتى النخاع فانشد فيها يقول :

أيا فتاة الفجرِ

رفقا

على قلب هذا الولهان

أيا طيفها اناجي

ببن الضلوع ترك الأثر

التقت عيوننا عند الفجر

يا اجمل من البدر

شفتا الزهر

أيا فلسفة ومكمة العمر

أيا عبق المحابق

والزعتر

نادرة كالعنبر

غاية العمر

انت غاية العمر

فأخدته سنة من النوم راوده فيه ما راوده من الاحلام ربما ظهرت صورتها في أحلامه .

قصته الان عمرها ثلاثة أيام يمني نفسه ليراها مجددا، غابت نجمة الفجر وياليت نجمته لم تغب فانشد بيتا للمتنبي واضمر الشعور بين ضلوعه عله يلقاها يوما ان قدر لذلك اليوم ان يأتي

يا ليت طالعة الشمسين غائبة ***يا ليت غائبة الشمسين لم تغب.   “المتنبي”

شاهد أيضاً

اللسانيات و أثرها في تقويض القراءات الحرفية

رمضان بن رمضان إن تجسير العلاقة بين العقل و الدين أو بين الحكمة و الشّريعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *