الرئيسية / ترجمة / إدغار موران: الاحساس بالجمال

إدغار موران: الاحساس بالجمال

ترجمة وتقديم: كمال بومنير

إدغار موران Edgar Morin فيلسوف فرنسي معاصر، ولد في مدينة باريس عام 1921. يعتبر نفسه ممثلا لما يسمى ﺑ”الفكر المركب” La pensée complexe الذي دافع عنه في العديد من أعماله الفلسفية. يرتكز هذا الاتجاه الفلسفي على فكرة أساسية مفادها القول بأنّ بناء الواقع يفترض وجود ترابط بنيوي بين عقل الإنسان وعالمه الخارجي. وتجدر الإشارة أيضا أنّ إدغار مورين من بين المفكرين الذين لعبوا دورا هاما في الحقل السياسي الفرنسي والأوربي والدولي (مقاومة النازية، وقوفه ضد التعذيب والتقتيل في الجزائر بعد اندلاع ثورة التحرير، انتقاده للعولمة المتوحشة، الخ.). من أهم أعماله الكثيرة والمتنوعة في مختلف المجالات يمكن أن نذكر: “الإنسان والموت” 1951، “السينما أو الإنسان المتخيل” 1956، “النجوم” 1957، “نقد ذاتي” 1959، “روح الزمن” 1962، “مدخل إلى سياسة الإنسان” 1969، “البراديغم الضائع: الطبيعة الإنسانية” 1973، “للخروج من القرن العشرين” 1981، “مدخل إلى الفكر المركب” 1990، “سياسة الحضارة” 1997، “الحب والشعر والحكمة” 1997، “عنف العالم” 2003، “أزمات” 2009، “طريق الأمل” 2011، “حول الإستطيقا” 2016، “روح الزمن” 2017.

النص:

لِنُشِرْ، بادئ الأمر، إلى أنّ الانفعال الجمالي الذي يتولد منه إحساسُنا بالجمال يكتسي -من الناحية الإنسانية- طابعا كونيا Universel . ولكن ومع ذلك، ليس هو النمط الوحيد ،ولا شكل الجمال الفريد الذي يمكن أن يثير فينا هذا الانفعال. وكما أنّ الثقافة تظهر –بطبيعة الحال-من خلال الثقافات المختلفة فقط، واللغة من خلال اللغات المختلفة، وتتجسد الموسيقى أيضا من خلال مختلف الأشكال الموسيقية، فإنّ الجمال أيضا لا يظهر للانفعال الجمالي إلا بكيفيات متباينة عبر ثقافات خاصة ومتميزة، بل وحتى لدى أفراد متميزين أيضا. والحالُ أنّ الجمال المعترف به متعلقٌ –كما هو معلومٌ-بمعيار ثقافي وذوق خاص. لذلك، كان بمقدورنا القول إنه لم يكن من الممكن حقا أن تُستحسن وتُقدّر الأعمال الفنية التي أنجزها كل من بابلو بيكاسو Pablo Picasso وفاسيلي كاندنسكي Wassily Kandinsky قبل حلول القرن العشرين. وهذا ما أشار إليه وبيّنه من قبلُ بليز باسكال Blaise Pascal في كتابه الموسوم ﺑ “خطابات في انفعالات الحب” حينما قال بهذا الصدد: “من المعلوم أنّ الموضة نفسها والبلد هما اللذان يحدّدان –من دون شك-ما نسميه بالجمال”. لذلك يجب علينا أن نتساءل عما إذا كان من الممكن أن نجد قانونا أو نموذجا مثاليا أو معيارا مشتركا بين كل أنواع الجمال؟ وإلى أي مدى يمكننا أن نعثر على جمال كوني متضمن في الجمالات الخاصة ؟ وهل يصح القول إنّ كل نوع من أنواع الجمال المتعلق بثقافة خاصة ومتميزة لا شيء يجمعها بالجمالات الأخرى ؟ من المعلوم أنّ إحساسنا بالجمال وانفعالنا الجمالي لا تثيرهما الأعمال الفنية فقط بل قد تثيرهما رؤيتنا لمنظر طبيعي ما أو سماعنا زقزقة عندليب أو رؤيتنا عدو فرس سريع أو ألوان فراشة. وهذا يعني أنّ إحساسنا بالجمال عام وشامل. ضمن هذا السياق يقول المفكر الأمريكي رالف والدو إيمرسون Ralph Waldo Emerson: “كل إنسان شاعر، حتى يكون منفتحا على سحر الطبيعة.” والحقُ أنّ هذه العبارة واضحة جدا لأنّ للانفعال الجمالي -الذي لا ينحصر في الأعمال الفنية فقط ولا في الشعر بطبيعة الحال-طابع شاعري في سحره بكل تأكيد؛ إنّ هذه الجبال والبحار والسماوات والورود والحيوانات جميلةٌ بالنسبة لنا في كل وقت. وهذا ما أشار إليه الفيلسوف الأمريكي جورج سانتيانا Georges Santayana بقوله: “الجمالُ هو تلك المتعة المدركة من حيث هو صفة للشيء”. أو بعبارة مؤرخ الفن السويسري هينريش فولفين Heinrich Wölfflin الذي أكد أنّ “الجمال يكمن في عين المشاهد”.

المصدر:
Edgar Morin, Sur l’esthétique. Paris, Les éditions Robert Laffont, 2016, pp 13-14.

شاهد أيضاً

ميشال فوكو و حفريات المعرفة

بقلم : أسامة البحري تاريخ الفكر حسب فوكو هو تاريخ يصعب حصره في خصائص و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *