الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / لله وليس للجماعة

لله وليس للجماعة


هناء السعيد


بقلم / هناء السعيد… ( مصر)

كنت أظن أن الناس جميعاً مثلي يرون الدين لله ، وليس للجماعة ، 2013 رفيق في الدراسة قال لي( أنا مع جماعتي في ميدان رابعة لأن الدين لو ضاع هضيع يا هناء !! )

ما دخل الدين ، الشأن سياسي بحت ، وما معني ضياع الدين ، هو أختار نموذج في “التدين” ويدافع عنه ، جعله هويته ، هو النمط ، والنمط متورط سياسياً ومجتمعيا،وعليه رأي دينه الذي أختاره ينهار ، وربط ضياعه بضياع نفسه.. كان لا يدرك معني الهوية.

الهوية ليست وجه واحد، مكون واحد ، عنصر واحد ، هي مزيج بين كل التداخلات، فأنت دينك ، ووطنك، وجنسك وجنسيتك، ولغتك، .. إلخ
لا يمكن أن تختزل لبعد واحد ، وهي ليست متكاملة تتسلمها عند ميلادك ، فهي قابلة للحذف والإضافة ، نعم.. فالإنسان المحلي مضي عهده ، كلنا لاجئين ، قد تتبدل أوطاننا ، ونتحدث بلغة أخري، قد تثبت علي دينك وقد تصبأ، قد وقد.
لكننا أعتدنا أن ننحاز للجزء الذي نراه عرضة للخطورة في هويتنا..

ومن هنا يظهر “التطرف”.. وتظهر لعنة ” الإنتماء” .
تطالبك الجماعة بصون كيانهم المختصر المحتضر ، يطالبوك بالممنوع قبل المسموح لدفع الخطر الذي يتجسد في كل آخر ومختلف، إذ من لم يكن معهم فهو عليهم .
فتشعر بالدونية ، التي جزء كبير منها بكسب يديك ، لما أستسلمت لتصديق أن كلك هو الجزء العليل، فعندما تذهب لأراضي التقدم تظهر الحساسيات ، قد لا يكون بسبب اختلاف الدين واللغة ، بقدر ما هو أختلاف الحقبة الزمنية ، البدائي في زمن ما بعد الحداثة، يود أن يثبت وجوده ، بعمل إرهابي، بالغلو في إظهار الفرق خاصةً في الأمور الظاهرة ،في الملبس في التكلف في التأكيد علي الإعتزاز بما تركته وراءك ، وكأنك أنتهيت وأكتملت ولا يمكن أن تكتسب إنتماءا آخر !!

هل الدين ساهم في التطرف ، هل وراء ذلك نص مقدس ؟!
إذا كان للدين مساهمة هنا فهو مساهمة الضحية ، المجني عليه ، حيث تم إقتطاع نصوصه، تم السطو عليها بتأويل فاسد ، تم عدم مراعاة ظرفها وتاريخيتها ، الأزمة كانت مع نظرتنا نحن للنصوص ، النظرة المقدسة لتفاسيرها والإجتهادات الأولي لها.
لم يكن التطرف الأوحد في التاريخ باسم الدين ، “النازية” دليل ، وهو دليل أيضاً أن لا يوجد معتقد كتب عليه العنف للنهاية ، ومعتقد متسامح إلي الأبد ، هي مرحلة قابلة للتخطي وللتغيير.
فالدين قابل لأن نحدثه فهما ، المتدين هو الذي لا يقبل التطوير ويرضي أن يبقي في محله ، ولو ضاق صدره أن خيره صار يأتيه ممن يلعنه ” ويكفره” ، فما عليه إلا أن يبعث أمواته من قبورهم ، ليستر عورته بأمجادهم ، ويداوي وجع فشله بترتيل إبداعاتهم ، حول حاضره إلي ماضي كي لا يساهم في الحضور !!
ومن ينظر إليهم بإعجاب تارة ، وبحقد تارة وبحسرة تارة أخري ، جزء كبير من سبقهم كان وراءه مراجعة نظرتهم لمعتقاداتهم وثوابتهم وحسم الموقف مع ما يصلح الأن وما لم ولن يعد يصلح.

لقد تأخرنا..
عندما لم نواجه مشكلاتنا، ظننا أن أختراعنا لأي فكرة والإعتقاد الجازم أنها الحل كفيل أن يكون جسرنا للعبور لبر الأمان ، لكننا الأن في عصر إنهيار الجسور ، وزوال مفعول المسكنات ، وبتنا وجها لوجه مع كل ما حولنا وجهنا عنه لقرون.

علينا أنا وأنتم أن نعترف..
بأننا أبناء هذا الزمن أكثر مما نحن أبناء والدينا..
وكما أنه علينا واجب بتوقير وتقدير ماضينا، علينا إلتزام تجاه حاضرنا ، والذي أثق أننا ضيعناه.
لدينا كل الوسائل المتطورة الأن، و التي يمكن إن أحسنا إستخدامها ستكون صوتنا ” السوي ” المعتدل الذي يصل للعالم لنبرهن به عن وجودنا وهويتنا ،و ليست الحنجرة الهوسية أو الشعاراتية.

وكما قال أمين معلوف ( العالم ملك الذين يريدون أن يجدوا فيه موقعاً أكثر من أي وقت مضى ، وملك للذين يسعون إلى إستيعاب القواعد الجديدة للعبة مهما كانت محيرة ، لخدمة مصالحهم.. )

فالدين ، يا من كنت رفيقي ، لم تخدمه الإنتماءات بقدر ما استخدمته ، الحكاية في الكل يا من توهمت ضياع دينك بضياع جماعتك ، الحقيقة نحن من نضيع لا الأديان ، فالأمم القوية المثقفة المتمكنة المتحضرة لا يمكن المساس بإيمانهم ، الكل مرة أخرى ، أما من يلخص إنسانيته لركن ، فالركن باقي فيمن يشاركوك فيه ، لكنك أنت من تفقد كلك بزعم الدفاع عن روحانياتك التي ما نالت من إنتماؤك غير إستعدادك للقتل والقتال في سبيل الجماعة لا في سبيل الله ، الدين لله وليس للجماعة.

شاهد أيضاً

فؤاد العروي : لماذا تفلت منا جائزة نوبل كل سنة؟*

سعيد بوخليط ترجمة : سعيد بوخليط  يكمن الإبستيمي(النظام المعرفي/المترجم) الذي يقود بصفة عامة نحو وجهة نوبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *