الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / دولوز والمفهوم

دولوز والمفهوم

  أسامة البحري

كلنا نعلم أن الفلسفة كانت موجودة مع أول إنسان وجد على الوجود ، و لكنها ستظهر بشكلها الإبستيميه مع الفلسفة الطبيعية ” طاليس المالطي ، انكسمندرس الخ ، و ستتطور هذه الحكمة إلى أن يظهر لنا سقراط و أفلاطون و أرسطو ، لتصبح لنا مع سقراط و أفلاطون هي عبارة عن مفهوم ملموس و هو محبة الحكمة ، و لكن مع أرسطو ستوضع معالم محبة الحكمة هذه ، محاولا بناء أسس متينة بمفهوم المنطق ، و سيستمر هذا التراكم المفاهيمي  بمهاد أو الأسس المتينة للفلسفة إلى أن يقف بأيدي الأفلاطونية الجديدة ، متعطلا بفلسفة القرون الوسطى الدينية “الفلسفة الإيسكولائية ، الفلسفة المدرسية ” من القديس أوغسطين ، إلى القرن السادس عشر ، هنا سيظهر فرنسيس بيكون الذي سيضع مفاهيمه بفعل إحياء فكرة أفلاطون حول الكهف ، و من بعد بيكون ستستمر النظريات و المفاهيم ” كككوجيطو ديكارت ، الله الجديد عن اسبينوزا ، المونادات لايبنتس ، الافكار البسيطة عند لوك الخ ”  مشكلة ضربة قوية من جهة إلى الكنيسة و فكرها ، و خلق جهاز مفاهيمي فلسفي غني من جهة أخرى ، و هذا الرد فعل حول سلطة الدين هو من جعل من هذا الجهاز المفاهيمي يستمر و يتطور إلى أن تنفصل بالقرن 19 إلى علوم و تتحدد بعصرنا بحقل الإبستيمولوجية ، و هذا المسار المفاهيمي و المليء بالانفصالات و التعرجات حسب دولوز و ميشال فوكو ، هو من جعل دولوز ينعته بحقل تكوين المفاهيم و جعل فوكو أيضا ينعته بحقل تكوين الخطابات ، إذن فكيف نظر دولوز إلى الفلسفة ؟

 من خلال ما سلمنا به آنفا ، حول تاريخ الفكر الذي تراكم بفعل المفاهيم و بفعل نقد المفاهيم ، الذي كان يسمى محبة الحكمة فقط ، جاء دولوز، بعمله “ماهي الفلسفة ؟” المتأثر بالفكر النيتشوي ليقلب هذا المفهوم من محبة الحكمة إلى فن تكوين و إبداع و صنع للمفاهيم ، و لكن هذه المفاهيم حسب دولوز  ، تتطلب شخصية مفهومية ، و هذه الشخصية المفهومية يجب أن تكون محبة للحكمة ” أي قادرة على التفكير و على التنقيب المعرفي بتعبير فوكو ” ، و لهذا يرى دولوز بأن هذا الشخص هو أيضا مفهوم كلياني متشظ ، كما سنرى مع المفاهيم ذاتها ، و لكي يعزز دولوز طرحه استعان بنيتشه الذي يرى أنه لا يجب أخذ المفاهيم و الإكتفاء بصقلها و إعادة بريقها ، بل يجب بناءها ، و لهذا يخاطب دولوز الباحثين و اللابحثين ، بأنه لا توجد سماء للمفاهيم ، بل يجب ابتكارها أو بالأحرى إبداعها ، و لن تكون أي شيء إذا لم تحمل توقيع مبدعيها كمفهوم الهابيتوس عند بورديو أو مفهوم الكوجيطو عند ديكارت ، و يتقدم دولوز من خلال هذا العرض الإبستيميه – ماكرو – فيزيائي ، منقلا إلى ميكرو – فيزياء معرفة المفهوم ، مسلما بأن المفهوم ، لا يمكن أن يتكون إلا فوق مسطح ، و هذا المسطح حسب فهي هو المجال أو الحقل ، كحقل السوسيولوجية مثلا  ، فمثلا مفهوم القهر عند دوركهايم ، لم يكن سيوجد بمعزل عن مسطح السوسيولوجية ، و يتقدم دولوز مرة أخرى مسلما بأن للمفهوم مكونات كثيرة ، و لا وجود لمفهوم أحادي يمتلك مكونا واحدا ، فمثلا مفهوم الوضعية عند كونت ليس مفهوما ناتجا عن مكون أو بعد واحد ، لأنه يستحيل أن يوجد مفهوم من بعد واحد أو مكون واحد ، لنأخذ أيضا على سبيل مثال مفهوم التفكر المنهجي الذي سيبنيه أو سيكونه بيار بورديو بالقسم الثاني و الثالث بعمله حرفة عالم الإجتماع ، ليس مفهوما ناتجا عن مكون  واحد ، بل له مكونات و أبعاد كثيرة يستحيل ان نختزلها أو نحصرها ، لأن حتى المكون أو البعد كنا سنرى هو لا متناهي ، فمثلا مفهوم التفكر المنهجي هو انعكاس بتعبيرنا ، أو هو تدفق حسب تعبير أفلوطين لمكونات عديدة ، كالقطع المنهجي و أبعاده اللامتناهية  و التنبه المنهجي اللامتناهية  ، و لهذا فلا وجود لمفهوم بمعزل عن مكونات ، و حتى المفاهيم الكلية بتعبير دولوز ، أو البديهيات بتعبير ديكارت أو المقولات بتعبير أرسطو ك ” الجوهر ، الكمية ، الكيفية ، الإضافة ، المكان ، الزمان ، الوضع ، الفعل ، الإنفعال ” وجب حسب دولوز أن تخرج إلى عالم يشرحها ” التأمل / التفكير / التواصل ” أي حسب فهمي يجب إسقاط الوجود عليها لنستطيع فهمها ، و بذلك ستصبح لها مكونات أو أبعاد ، كمفهوم الجوهر مثلا ، لا يمكن فهمه إلا إذا قلبنا العلاقة التي نراها اتجاهه بكونه مبدأ لا أبعاد له أو لا مكونات له  ، و ذلك بإقحام العالم المحسوس بأكمله أمامه ، لكي نستطيع حسب دولوز التواصل بفعله و طبعا من خلال التأمل و التفكير الذي بفعلها نستطيع قلب ما نراه أمام ما لا نراه ، فمثلا العقل العادي يسلم بأن مفهوم المبدأ أو الجوهر لا أبعاد كونته ، و بما أننا على عالم مادي نرى الإمتدادات التي تتمخض عن المبادئ و الجواهر و لهذا سلم دولوز بالتأمل و التفكير ، لأنه بفعل التأمل و التتبع لهذه الإمتدادت ، نندفع إلى التفكير الذي يكونه الخيال المنطقي و الذي بفعله نستطيع جعل هذه الإمتدادات للمبادئ ، تحدثنا و تشكل لنا الشكل الابستيميه للمكونات ، مما يجعلنا بفعل هذه العملية قد خلقنا مكونات للمبدأ من خلال تتبعنا لا متداداته ، يجعلنا نتواصل بهذه المفاهيم الكلية بتعبير دولوز ،  فالمفهوم إذن حسب دولوز هو كل لكنه كل متشظ ، كما رأينا مع مفهوم التفكر المنهجي لدى بورديو الذي هو مفهوم تتداخل فيه العديد من المفاهيم كالقطع المنهجي و أبعاده و التنبه المنهجي و أبعاده ، و لهذا يرى دولوز بأن داخل كل مفهوم مركبات ، مثلا مفهوم : شرطة الملفوظات عند ميشال فوكو به العديد من المركبات من بينها : الخطاب المنظم ، التنشئة الإجتماعية الخ ، و كل مركب حسب دولوز يصبح أيضا مفهوم له مركبات ، كمفهوم الخطاب المنظم مثلا ، يصبح أيضا مفهوم له مركبات و تبقى العملية هكذا متقدمة نحو اللامتناهي ، و من خاصية المفهوم هو جعل مركباته المتعددة غير منفصلة  بداخله ، لأنها تكون غير متجانسة و متمايزة ، فمثلا مفهوم إعادة الإنتاج عند بيير بورديو ، سنجده يتكون من العديد من المركبات المتمايزة ، كمفهوم الهابيتوس أو التطبيع الإجتماعي ، و مفهوم العنف الرمزي و مفهوم التميز أو الإختلاف و مفهوم الحقل ، و لهذا فالمفهوم هو كل ، لكنه كل متشظ و يرى دولوز أن كل مركب له ناحية متجاورة مع المركب الآخر ، فمثلا مفهوم الهابيوس عند بورديو الذي هو مركب من مركبات إعادة الإنتاج له علاقة تجاور بالمركب الآخر و هو العنف الرمزي و له علاقة أيضا بمركب التميز أو الإختلاف ، و يسمي دولوز هذه العملية باللاانفصالية ، و يتقدم دولوز ابستيميه – ميكرو – فيزيائيا ، بقضية المفهوم هذه ليقر بأن داخل كل مفهوم نقطة إلتقاء أو تراكم لمركباته الخاصة ، و هذه النقطة المفهومية لا تتوقف عن الانتقال بين المركبات ، و حسب فهمي هذه النقطة المفهومية هي وعي الشخص المفهومي بتعبير دولوز أو العقل المفكر بتعبيرنا ، لأنه بفعل الإستمرارية ” استمرارية التفكير و استمرارية مقارعة النصوص المنطقية ” تتحرك هذه النقطة المفهومية بين المركبات ، و لهذا يسلم دولوز بأنه لا يوجد ثابت أو متغير داخل المفهوم ، لأن المفهوم ينقل لنا الحدث و الماهية ، بمعنى و حسب فهمي أن المفهوم بمركباته و بكليته المتشظية ما يوجد به هي نسخات عن العمليات التجريدية و الفكرية  و الفهمية التي يقوم بها العقل ، فمثلا مفهوم الهابيتوس لدى بورديو لم يكن ، سيوجد لو لم يقم بعمليات عقلية كالفهم و التحليل و التجريد ، و لهذا فالعقل الذي يعمل بهذه الخاصية الإنسانية ، تجعل من تلك النقطة المفهومية حسب دولوز في عملية مستمرة و لا متناهية ، فعمل هذه النقطة كما يرى دولوز ، هو التحليق بسرعة لا متناهية و نقل هذه المركبات داخلها لتكون مفهوما ، فالمفهوم إذن حسب دولوز هي مساحات و أحجام مطلقة ، فهو مطلق من حيث هو كل ، و لكنه نسبي بالنسبة للمسطح الذي يتعين فوقه كالفلسفة أو كالعلم الممتد منها كلسوسيولوجية أو كالأنثربولوجية مثلا و نسبي بالنسبة لمركباته التي عرضناها الآن

شاهد أيضاً

اللسانيات و أثرها في تقويض القراءات الحرفية

رمضان بن رمضان إن تجسير العلاقة بين العقل و الدين أو بين الحكمة و الشّريعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *