الرئيسية / منتخبات / أنشطة / الفلسفة والإرهاب والمقدس. هل اخفقت المناهج في إرساء ثقافة الخلاص من التطرف؟

الفلسفة والإرهاب والمقدس. هل اخفقت المناهج في إرساء ثقافة الخلاص من التطرف؟

محمد بصري

بقلم  بصري محمد  القنادسة بشار الجزائر     

كان ردّ  سقراط على  زوجته المشاكسة،  الجاهلة،  بعد ان سكبت فوق رأسه دلوا من الماء الآسن الكريه “كم من مطر خفيف غلب رياحا عاتية” 1.سقراط هو الرجل الشجاع الذي قنّن علاقة المشاكسة والتضاغط بين العقل والجهل المؤسس.

يبدو أن  خيبة النصوص الغاضبة التي صدح بها مثقفو ومفكرو العالم العربي والتي كانت تعبيرا عن وجع  قهري دفين وعميق في الثقافة الدينية العربية والاسلامية ، واحدى تجلياتها المأساوية،  هو مجرد عرفان وتوجس قلق خفي  لا يقل خذلانا عن التقاعس التربوي والمنهاجي الذي غرقت فيه المناهج العربية عبر عقود تاريخية ليست بالقصيرة. كل مرة كان يهتز  الضمير العالمي بفاجعة ارهابية من صنع كائنات بشرية متطرفة كانت حراب النقد توجه للفكر الفلسفي و مناهج المدرسة.، وكأن الادوار المنوطة بالفكر النقدي مطالبة بإصلاح الاعطاب

و الانفاق المظلمة  في الثقافة والعقل الانسانيين العربيين أو الى اصلاح  متجاوز يخوض في الراهن الديني محاولة منه تبيئته مع الحداثة  و مستجداتها وتعقيداتها.هناك انزعاج غير منطقي وحالم يتخذ موقفا سلبيا  من  الاصلاح الديني  هذا الاخير عبر التأريخ له في فضاءات السوسيولوجيا والحركات الشعبية والنخبوية كان مكلفا جدا. كل نشاط ديني  اجتهادي داخل الانساق الدينية كان خطرا دينيا على العهود القديمة .عادة الذين يقدمون انفسهم حراسا لوثائق والنصوص هم يسبحون في تيار جارف حرفي  لا يؤمن بالأخر هم  يؤسسون لصنمية جديدة  بل هم اوثان جديدة تُكرس مبدأ النخاسة والسخرة العقدية. . هي الوثنية الجديدة التي ترتكز على نصوص او بالأحرى قراءات شوفينية ذاتوية محضة للنص.

صراع الشر والخير يتأتى ويتأجج وسط  ندين مختلفين ثقافيا واجتماعيا .هو صراع الاسس الأنظمة هو نزاع اسطوري قديم يقارب  صراع  الاخوين السماويين  زيوس  اله السماء في الاسطورة اليونانية وهاديس اله الارض السفلية و اله الجحيم..هو نزاع يتغذى على اللاوعي الاسطوري في المخيال البشري. حرب الهة الخير الفرعونية “اوزيريس ” مع شقيقه “ست” كان في اصله سلطويا سياسيا.

المؤلم ان يصبح التطرف مفخرة  يختال بين عوالم الاتيقا كونه يرسم حدودا لامرئية بين الخير والشر. بل  الادهى ان يصبح له نسيج نسقي من المفاهيم ان ينتقل الارهاب من كونه سلوك فردي ونزعة عدوانية  الى سلوك معولم يتم التأسيس له نصيا. الخطر كله هو مأسسة العنف وتحويله الى واقع موضوعي له مرجعية  ووجود.أن يجد ذرائعه في النصوص والقراءات المفلسة للتراث. كان بالإمكان تدارس وتحليل وقراءة سسويثقافية  لتجارب  تاريخية دامية لاعتراض امكانية حدوثها لكن الخبرة المنهجية التي تُنتج وسائل وكيفيات كثيرا ما تنحرف عن اهدافها الغائية لتصيب اهدافا لا علاقة لها بوعي  الكائن العربي المستلب تاريخيا.الانتقائية والتواطؤية السياسية والارتجالية وسرعة التنفيذ في المناهج أغفلت ترميم العقل العربي والإسلامي الذي وقع في مصيدة التطرف، إنه عقل مجاني  يعيد انتاج أزماته  بصورة الية اعتباطية . عقل لا يملك اليات صحيحة لقراءة التاريخ.

يعتقد المفكر الراحل الفلسطيني “ادوارد السعيد” ان جذور  الغيظ الإسلامي” التي قام بالتفاف حولها برنارد لويس وهو غارق في مركزية غربية تنظر الى العالم العربي الاسلامي من خلف شرفة الاستعلاء الايديولوجي .وكأن الاسلام كعقيدة عمّق مشكلات الهوية . الكينونات المغلقة كانت سببا في عدم التعافي التاريخي من الطيش العنيف الذي يرتد في اسسه الى رواسب فكرية وثقافية اهما فشل هيرميونطيقي لوضع مفمهة  دقيقة للنص المقدس. الازمات الهوياتية ترتد في بداياتها الى كُتل الاحقاد التي تنشأ تحت مفهوم الخيرية وهو الاضطراب العقدي الذي أعاق فكرة الفهم الدقيق للاصطفائية فتحولت الى شبه اثنيات دينية كما هو الحال عند الديانة اليهودية القديمة الاولى كما يشير “علي حرب” في كتابه “الارهاب وصناعة الطاغية”. ارثودوكسية النقاء الديني والعفة التبجيلية  تعيش تحت افق اوهام القبيلة والعشيرة وكثيرا ما تم  الاستثمار في نزعات ذات طابع فئوي ومناطقي ولغوي لتصدير فكرة التفرد بالقوامة الاممية. حتى تحولت بحمولاتها الراديكالية الى توجهات فكرية ومذهبية وفلسفية .وكلها تصب في الجذور المغذية للإقصاء والإرهاب.

طرح المفكر الالماني   هابر ماس  Jürgen Habermas  سؤالا تقنيا : هل الارهاب عيب في التواصل؟ 1 ليعدل  من تصوراته التواصلية المأسورة بأحكام الحداثة السائلة ، لان سقوط البرجين الاسطوريين وضع العالم  بأطيافه الحضارية والثقافية امام سؤال اخلاقي جديد؟ هل التراث الثقافي الكوني والاتيقي والمعرفي كاف لترويض الذات البشرية حتى تتحرر من نوازعها الحيوانية ؟ قوة الصدمة في 11 ايلول الاسود، اعادت السؤال الاخلاقي الى دهشته الاولى امام لاأردية كبرى اخترقت حجب التصورات الفكرية والأوساط الاكاديمية والدوائر الدينية ؟ هل يمكن للتاريخ كمؤسسة  ان يفسح مجالا للصدمة التي أصيبت بها الحداثة في عمقها المدني والعمراني وهي تستفيق على انفجارات كبيرة مذهلة في المدن الامريكية الكبرى؟ ليجيب هابرماس ان التاريخ الفعّال هو الذي يمكنه ان  يروي احداثا جساما بحجم كارثة 11 سبتمبر، خاصة وان امريكا مركز الحداثة الغربية لملمت جراحها منذ نهاية الحرب العالمة الثانية، خصيصا بعد هجوم “بيرل هاربر ” المباغت والعاصف.قناعة الغرب هو انه يملك ماضيا جليلا وحضورا كسموبلوتيقيا يقينيا محسوما لصالحه. خطاب هابرماس اللبيرالي  كان من اجل تجذير المركزية وإعادة صياغة العلاقة مع الاخر .علاقة مفهمة وحدود مسكونة بالأنا البسماركي. بحيت يجب ان نفصل في علاقاتنا العقلية مع الاخر فصلا راديكاليا لكن في ذات الوقت يجب ان نستثمر في حضور الاخر “الغرباء” الذي قد يتحولون الى آلات قاتلة مبرمجة ايديولوجيا ودينيا.

المدرسة والمنهاج والإرهاب

العنف هو تجميع لعواطف قاتلة تنصهر فيها انفعالات تتراوح بين الديمومة وردود الافعال المؤقتة،  هو سليل الكراهية ونتاجها الأزمي يستبد بالشخصية ليتداخل مع سلوكات اخرى كالغضب والغيرة والحسد  ليكون في الاخير خلاصة سوداوية هي  الارهاب. باعتباره منتوجا سلبيا بامتياز وهو حالة سوسيولوجية سرعان ما تندرج في خانة الايديولوجيا بحيت يتم تطويعه لاهوتيا وسياسيا .المرجعية  الاكثر تأثيرا على العقل الاخلاقي هي ان يجد هذا الارهاب مسوغاته في اللاهوت السياسي . الخطورة التكوينية للعنف والإرهاب كما يعتقد الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني انه عندما يتحول التطرف الى مشروعية سياسية والية من اليات الدولة الدينية. او انه يبشر بنمط دولة وهمية تعيش في الماضي وتستشرف المستقبل ببدائية مأساوية. .

الى وقت قريب كانت تتهم الاجيال المنهاجية التربوية العربية والمدارس الدينية بما في ذلك المجاميع الفقهية بأنها دكاكين العنف،  حيث هي  مجالات رخوة لتنشيط غرائزية عنفية تتشرب أصولها من تعاليم مقدسة ودينية وحرفية.الاصولية التربوية كانت  سببا في انتاج الكائن الانتحاري الجهادي الذي يرى في القتل خلاصا وجوديا ومقدسا من الشرور التي تحيط بعالم الحداثة المدنسة.الانسان الديني  القداسي الاخلاقي من حقه تخليص البشر وتقويم البشرية قيميا وأخلاقيا..في البداية كانت حوادث القتل التافه سياسية وحزبية وأصولية طالت كل العالم العربي الاسلامي وأغرقته في  فتنة حمى الدماء المجانية في العماء والعدمية الانطولوجية .حيث بات الانسان العربي كائنا مغتربا يعيش لحظة غير مؤنسة تقع بين العدم والوجود.حالة انهيار انطولوجي غير مسبوقة تاريخيا تسببت فيها الكائنات الميتافيزيقية التي تعيش مرحلة ما بعد الموت وهي في حالتها الوجودية، وهو تناقض أسس لمعضلة تقويض كل القيم التربوية التي تروم تنشئة انسان معتدل في قوامه البشري. بعد احداث فرنسا مسرح  “باتكلان” Bataclan  نوفمبر 2015 واحداث الجريدة الساخرة شارلي ايبدو يناير 2015 تبين ان الظاهرة الارهابية العنفية لا يمكن تطويقها منهجيا او تربويا لأنها تستمد جذورها من قلق “هووي” وتناقض ثقافي. تعانيه الطبقات الهشة اجتماعيا لان جينيالوجيا مفهوم “terror » ” ارتبطت بالفئات المقهورة اجتماعيا والتي كانت يوما ما حطبا للثورة الفرنسية التي اسست للجمهورية الاولى بعد احداث 1789.مناهج فرنسا العدالة والحرية والمجتمع المدني انتجت في الاخير كائنات انتحارية في القرن الواحد وعشرين. بقع زيت اسود في بركة ماء حضارية متألقة. الانتحاريون فرنسيون درسوا في المدارس الديكارتية وتشربوا تعاليم روسوrousseau وديدرو Denis Diderot  ولا مونتانييMichel la montaigne.

بهذا يتم تبرئة التربية لاستعادة مكانتها، بعد اتهام المناهج بالتطرف ليتحول هذا المفهوم الكريه والمشئوم الى دزاين جديد يخترق الوجود البشري .هي حالة بشرية ما قبل الانسانية حيث يفقد الكائن العاقل توازنه الانطولوجي وتعبث به شروط قهرية فيتحول الى حيوان عابث  عبثي و عدمي يعيش التناقض بين علم مدنس وأخر مقدس.

الذي يقتل باسم النصوص لا يلتفت الى تكوينه البيداغوجي. عادة الفئات التي كانت تعاني من التسرب والهدر المدرسي هي الاكثر فاعلية في اجهزة التطرف وهي التي لم تتلقى تعليما وتكوينيا قاعديا اساسيا وأصيلا  وبالتالي لا يمكن تلويث المدرسة  بتهم من عيار تشاؤمي يغرقها في اوحال الاقصاء الهمجي والعنفي.

الجرائم سواء كانت متجدرة دينيا او إجتماعيا او حتى ذات نزوعي إثني أو مذهبي تقليدي هي بقع سوداء تنوجد في مناطق غير منظمة لا يمكن تسييجها داخل العقل. لأنها ضد منطق العقل .وثوقية الخلاص الوثني هي من أسهمت في انفجار الارهاب والتطرف بعدما كان يفتش عن ذاته في الطائفة والهوية وفي  ملاذات تأويلية نصية. عادة الحروب الدينية المقدسة بدأت طائفية وانتهت سياسية مدنسة. هي خيارت سياسية تريد تحرير مواقفها الانطولوجية انطلاقا من النص الديني. لا يمكن الحاقها بنزوع سكولائي لأنه ظلم تاريخي للمدرسة. لا يمكن تعطيل المباديء البيداغوجية التي تنشدها الفلسفة، التي لم تكن يوما على وفاق مع الدين وإجبارها على تحرير اعتراف تاريخي بتوريطها في التنصل من مهامها الاصلية  بتعديل الجانب الغرائزي والحيواني لصالح العقل. هذه المادة لا تلعب دور رجل المطافئ هي لا تزيل نيران الباطل والكراهية والغضب السلبي والحقد بموجب شرائط وقواعد سلوكية بالقدر ما تضع نماذج تكوينية في المساءلة والمحاججة  لفهم الكيفيات التي تتركب منها المفاهيم والأفكار والمذاهب.

نكسة العلاقة بين الفلسفة والمقدس والدين  تجد بداياتها في الانتقام والثأر التاريخي  من الفلاسفة  تحت ظلال الملل الابراهيمية .منذ اعتناق الاوغسطينية للمسيحية بدأت  التشنجات العصبية اللامبررة بين تيار يحتفظ لذاته بحق النقد والشك والاستفزاز وبين أخر يعتد بقداسة وبنبل ما يعتقد فيه او به. لعل اميرة الفكر الفلسفي هيباتيا Ὑπατία |Hypatía| (350 /370 المتوفية 415 م) كانت حالة نادرة في الاضطهاد السكولائي حيث نُكل بها قتلا وسحلا في الشوارع بسبب ايمانها ولاادريتها النابعة من تصورها للحياة والكون. المؤسف تاريخيا ان التهم كانت اوغسطينية معتقة بعوارض النصوص المسيحية.هذا الاعتراض المخزي ضد الفلسفة وضد الانوثة المتفلسفة شكل عارا ثقافيا يلاحق كل المحافل الدينية التي تتوجس خيفة من السؤال. محافل لاتساؤلية تؤمن بوجوب الاجابة وكراهة السؤال النقدي. هيباتيا عروس الفكر الحر وعالمة الرياضيات  المثقفة الافلاطونية  حتى النخاع سقطت شهيدة للرأي تحت جنازير العنف الفكري أُتهمت بالوثنية والتجديف في العقائد وهي ذاتها تهمة سقراط معلم الفلسفة الاول.

لا يمكن ترويض النصوص المدرسية بما يشبه الإخصاء السكولائي لصالح نماذج قيمية اخلاقية بغية رسم حدود السلوك النبيل.لان منظومة التربية العامة  تحتكم الى تشابك مصلحي ونسيج ثقافي محكم، يبدأ من إرساء لعقل فاعل يجد جدواه في  الحوار بين الدين والفلسفة بين العقل والنص. القراءة المعقلنة للنصوص الثابثة هي من يعيق خروج العنف من قمقمه الاسطوري.

نحن نؤسس للمأساة للترجيديا، لهيباتيا جديدة في العلاقة بين المباديء المدرسية وزراعة العنف. العنف هو طالب نجيب في فضاء الجهل والرذيلة الطائفية .والتعصب الديني  وسلط البابوية الرعناء التي تسكن الرؤوس.اجتثاث هذا الخبل يبدأ من عملية التأسيس الواعي لفكرة الحقوق والمجتمع المدني في المناهج وليس في توسل كئيب لحرب مفتعلة بين التعصب العنفي والتكلس السكولائي .عمتم مساء جمهور الفلاسفة.

المراجع

1 – ماري لومونييه – رولا لانسون الفلاسفة و الحب ترجمة دينا منذور التنوير ط اولى ص 16

2- جيوفانا بورادوري  الفلسفة في زمن الارهاب حوارات مع هابرماس وجاك دريدا ترجمة خلدون النبواني ص 97 .

3- علي المحمداوي الفلسفة والارهاب سرد في الجريمة المنظمة ضد العقل. تقديم ادريس هاني .منشورات ضفاف.

شاهد أيضاً

ما بعد الحداثة

يزيد بدر يزيد بدر – السعودية     البداية بوصفها شيئًا أوليًا لا يشتق من غيره هي وضع لافتراض معين، أو هي الافتراض نفسه، وهكذا يبدو كما لو كان من المستحيل أنتكون هناك بدايةً على الإطلاق. هيغل/ موسوعة العلوم الفلسفية. من أجل الكتابة عن ما صار يسمى “ما بعد الحداثة” فلابد من التذكير أولًا بأن المهمة شاقة من جهة أنها تستدعي إنقلابًا في طريقة رؤيتناللعالم كما أنها بطريقة ما تُذكرنا بأن الألفة الشديدة هي أبعد ما يكون عن البساطة والإدراك السريع، فحسب ما أراه في هذه الفلسفات(وإن كان لا يمكن وضعها في قالب واحد إلا على سبيل التجويز البيداغوجي) هو التالي:  إنها لا تزمع “إكتشاف” شيء ما ولا حتى”إختراع” أمر ما وما بين الإكتشاف والإختراع جدل طويل ليس هنا مقام البت فيه. إنما أقصى ما نستطيع قوله أن “ما بعد الحداثة” تقتربمن ذاك المفهوم الذي ذكره هايدغر في(الكينونة والزمان) أي الكينونة تحت اليد وهو ما سأتي على ذكره بعد أن أفصّل في إشكالية التسمية(وإن كان النحت وتغيير الدلالة لا يخلو من ضرب من الأمثَلة الفلسفية أو بعبارة ما بعد حداثية راسب ميتافزيقي عندما ندرك بأن التشديدعلى التسمية يعني الإقرار ضمنًا بأن العلامة تعكس الواقع أو الطبيعة الخ) فالإشكال يقع تحديدًا في لفظ “بعد” فحين نعي بأن هذه الموجةالفلسفية ظهرت إبان صعود الفلسفات التي وجهت سهامها لنقد الحداثة فرانكفورت نموذجًا وكذلك ظهرت بعد أن تَصيرت الحداثة إنشغالًاكونيًا واعيًا أي بكلمة أخرى : مع أوج الحداثة. فيظهر مما تقدم أن عبارة “بعد” توحي بالتجاوز والبعدية فهو ظرف يفهم من خلال أضافتهللحداثة فهذه الفلسفات إذن لاحقة وتالية للحداثة وهنا لب المشكلة في هذا المصطلح، فالبعدية توهم “بالتجاوز” ومن هنا جاء الخلط وسوءالفهم الشائع بين الحداثة وما بعد الحداثة حتى ترى الكثير يصرخون بأن ما بعد الحداثة ليست إلا حداثة وأن هذه الأخيرة قادرة علىإستيعابها وهي مشروع لم يكتمل ولن يكتمل أبداً. إذن هل هناك بديل لا يوهم بهذه البعدية؟ فضلًا عن ما ذكرناه آنفًا عن كون البديل ونحتالمصطلحات فيه من الإشكاليات الميتافزيقية لا يتوفر مصطلح ناجز وإن توفر لن يحل مكان ما عم وساد وهنا طرفة المصطلحات عند النظرإليها بوصفها نتاجًا إجتماعيًا لها سياق وحمولة عمومية يصعب إنتشالها بلمح البصر. يبقى السؤال قائمًا وهو مشروع : إذن ما هي ما بعدالحداثة؟ وإن لم تكن تجاوزًا فماذا تكون ؟ إن هذا السؤال هو بشكل ما يقول : ماذا يعني النقد لدى هذه الفلسفات إن لم يكن تجاوز أو بناءما هو جديد الخ ؟ إن عصرًا نقديًا دشنه كانط في مشروعه الشهير يفترض طريقة وحيدة للنقد وكذلك آليات التفكير، فمثلًا النقد المحض ينبهكانط إلى أنه ليس سلبيًا أي فقط يزمع بيان حدود العقل بل هو إيجابي من حيث أنه يمهد الطريق للعقل العملي والفصل بين العلم والإيمانبحيث يقوم الأول على الملاحظة والتجربة وحدسي الزمان والمكان بينما الثاني لا يتتطلب ذلك فالإيمان أمر يتعلق بالضمير والتسليم والإختباروهذا جوهر الإيمان. إلا أن النقد ما بعد الحداثي لا يسير على هذه الطريقة وحتى أوضح وأقرب مفهوم النقد الما بعد حداثي فعلي أنأستعين بإستعارة أرسطوية وأخرى هايدغرية عمقها فاتيمو(وإن كان في الإستعارات الكثير من المخاطرة كما بينا جونسون ولايكوف)  يبين لنا أرسطو مفهوم الحركة في عدة من مؤلفاته ومن أهمها(السماع الطبيعي) ثلاثة أشكال النمو والنقصان والإستحالة والنقلة، ومايهمني هنا هو حركة الإستحالة فهي تعني الإنتقال من الحرارة إلى البرودة كما في المعدن مثلًا عندما نضعه تحت نار تستعر ثمنخرجه، فالصورة التي تظهر هنا هو بقاء المادة على ما هي عليه أي الحديد إلا أن التغير يحصل في البرودة والسخونة وإن جاز ليلقلت بلغة أرسطوية أيضًا تغير في العرض لا الجوهر، كذلك النقد ما بعد الحداثي فهو يشير إلى ما هو موجود سلفًا ولكن طرأ عليهبعض التغييرات كالأَمثَلة كما أصطاد دريدا في تأريخ الميتافزيقا مفهوم الحضور وهيمنة الصوت على الكتابة.يُقدم لنا فاتيمو في كتابه الرائع(نهاية الحداثة) قراءة “نقدية لكل الحجج الكلاسيكية التي قُدمت ضد ما بعد الحداثة ومن أشهرها أنهاداخلة في صيرورة الحداثة، وأن النقد بذاته واقع في مقولتي “الجديد” و “التطور” وهي مقولات حداثية بإمتياز(سوف نعود لهذهالمقولات فيما بعد) يستخدم فاتيمو على هدي نيتشه وهايدغر مقولتي “التعافي” و “المرض” مما يعني أن النقد ما بعد الحداثي ليسإلا تشخيصًا لمرض موجود ومحاولة التعافي منه دون تركه خلف الظهر لذلك يقول فيما نصه : ليست الميتافيزيقا[كما يقول هايدغر] شيئًا نستطيع وضعه جانبًا كرأي ولا يمكن تركها خلف الأكتاف كمذهب انتهى الإيمان بع(فاتيمو،٢٠١٤،ص١٩٩)مما يعني أنها نقديسعى إلى وضع الأصبع على الأمراض دون الوقوع في مقولات من قبيل التجاوز والتطور والجديد، وسوف أبين فيما بعد بأكثروضوحًا هذه المسألة كما ذكرت سابقًا من خلال مفهوم الكينونة-تحت-اليد ولكن الآن حسبنا أن نعي ماهية النقد المابعد حداثي وإلىماذا يصبو. ومن الطريف أن هذا المفهوم الذي أعتمده فاتيمو بناءً على نصوص عدة لنيتشه وهايدغر وجدت صدىً له قريب فيمؤلفات ماركس وتحديدًا في مقالته(إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) : إن الحزب يعتقد أنه يستطيع نفي الفلسفة لمجرد أنيدير لها ظهره ويغرب عنها وجهه مغمغمًا ضدها بعض الجمل الغاضبة الساذجة، ان ضيق افقه هو الذي يجعله لا يعتبر الفلسفة منميدان الواقع الألماني او أن يذهب إلى إفتراضها دون الممارسة الألمانية والنظريات التي تستخدمها، تريدوننا ان ننطلق من بذورالواقع الحية ولكنكم تنسون أن بذرة الشعب الألماني الحية لم تنم إلى حد الآن إلا تحت جمجمته وبكلمة إنكم لا تستطيعون إلغاءالفلسفة إلا بتحقيقها.(٩-ماركس-إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) مما يعني أنك لا تستطيع أن “تدير ظهرك” فكل ما هنالكهو ما تحمله معك ، وهذا ما يقودنا إلى مقولة الجديد والتي تتبناها الحداثة بشدة ولكن قبل ذلك نسأل مما قد طرحناه من قبل : كيفيفيدنا المقام الإنطولوجي البدئي عند هايدغر في إستيعاب هذا الأمر جيدًا؟ أي كيف نفهم “طبيعة” النقد المابعد حداثي بوصفه”إشارة” وإستنطاق لما هو مُتكلم أصلا إلا أنه يقبع في الظلام، الأمر أشبه(وهنا إستعارة أخرى) بالدوافع المكبوتة بحيث أنها كامنةفي ذواتنا ولكننا لا نشعر بها مما يعني أن الأمر لا يبحث في الوجود واللاوجود بل فيما ينكشف في النور وفيما يحتجب في الظلمة.الكينونة تحت اليد وفي كيفية الإلتفات بعد الألفة : الكينونة تحت اليد لفظ إشكالي في ترجمته فهل الأقرب إلى الدلالة الهايدغرية في at أو تحت under، ولكننا لسنا هنا في مقام توضيح ذلكولكن بالجملة فنحن نختار “تحت”على “في”وقد يتضح ذلك بعد الإسهاب في بيان ماذا يعني هايدغر بهذا المقام الذي للكينونة، ولا يغيب عنبالنا أن القصد هنا هو بيان ما للنقد المابعد حداثي من معاني ممكنة تقترب مما ذكرنا أو تبتعد. على كلا من المهم ولن أطيل في ذلك أن نفهم فلسفة هايدغر بوصفها نقدًا لثنائية الذات والموضوع، وبلغة أخرى نقدًا للذاتوية الحديثة والتيتؤرخ عادةً مع ديكارت{وهذه العودة إلى ديكارت فيها الكثير من التبسيط فالأمر يعود إلى ما قبل ذلك بكثير} المهم أن العلاقة بين الإنسانوالعالم تتشكل من خلال ذات أو وعي وعالم أو موضوع وهنا قطبين يحدث التناحر بينهم أيهم له الأسبقية وما إلى ذلك، إلا أن هايدغر يبين لنافي تحليلاته الإنطولوجية منذ بداية كتابه(الكينونة والزمان) بأن الكينونة في يوميتها هي من تؤصل لعلاقة أصلية لهذا الكائن الذي يطلق عليهدازاين، فكيف يكون ذلك؟ العالم يظهر لنا في البداية بوصفه كينونة تحت اليد أي أدوات هنا وهناك قابلة للإستعمال، المطرقة والساعة والمنزلوالسيارة والطريق واللافتات الخ ومن سمات هذه الأدوات طابع الإحالة والتخفي، بمعنى أن المطرقة تحيل إلى المسمار وهذا الأخير يحيل إلىالخشب والخشب بدوره يحيل إلى البيت وهكذا ولكن الأهم أن الأدوات والتي لها نمط كَون تحت اليد لا نقيم معها علاقة حضور كما يفعلالفيزيائي عندما يدرس ظاهرة الصوت أو الضوء وغيره، بل كون يحتجب لا نسائله نظريا ولا عمليًا، وما يهمني هنا أنه يملك طبيعة الإختفاءوالإحتجاب بوصفه أداة تستخدم لا نلاحظها ما لم يحدث لها شيء يعترضها كأن تُكسر إذا كنا نتحدث عن مطرقة مثلًا، عندها تظهر لناوتفتح عالمًا، وتملك طابع ما يسميه هايدغر “لفت نظر” فهذه الإلتفاتة حين تعاند الأداة وتجبرنا على النظر والإلتفات، ما يهمني هنا وهو غايةهذا التخريج هو التالي : إن فاتيمو قال بأن النقد الما بعد حداثي لا يريد التجاوز بل التعافي من مرض ما إلا أنه لم يفسر لنا كيف يكون بقاءهذه “الأفكار” ممكنًا والمراد من ترسيخ هذا الأمر يتبين أكثر حين نصل إلى نقد مقولة الجديد التي تبشر بها الحداثة بإستمرار . الخلاصةأن “الشيء” موجود كما في الأداة إلا أنه يحتجب ويختفي وما النقد المابعد حداثي إلا كسر لهذه الألفة، وهنا يقترب النقد من الفن حين نفهمهذا الأخير بوصفه نزع الألفة كما تحدث هايدغر أيضًا عن حذاء الفلاح في لوحة فان غوخ . إلى هنا نكون قد بينا بعض الشيء مفهومالنقد(إن جاز تسميته نقد) لفلسفات ما بعد الحداثة، وتبين لنا بأنه ضربٌ من الإشارة إلى ما هو موجود سلفًا كأن يفسر المحلل النفسي حلمًالمريض ما فينقله من مرحلة عدم وعيه به إلى وعيه. بذلك نكون أحتفظنا بأن “الأفكار” لا يمكن تجاوزها وأستطعنا كذلك أن نبين لماذا و كيفيكون وجودها ممكنًا على مر العصور. الحداثة وما بعد الحداثة :  بدون شك إن للحداثة معاني متعددة، وهناك ضروب من التفرقة يقيمها بعض الباحثين بين الحداثة والتحديث وما إلى ذلك. ما يهمني هنا هومحاولة تحديد مجموعة من السمات البارزة التي تميز حداثة العصر الذي نعيشه{وذلك من مبدأ أن العصور كلها تمر بما نطلق عليه حداثة}وهناك سمتين بارزتين سوف نظهرهما أوًلا قبل أن نخرج بتحديد يفي بما أعنيه بالحداثة ومن ثم ما بعد الحداثة{لأننا لا نسلم بطوباوية الحدالجامع المانع} وهاتين السمتين هما العلم والإصلاح الديني{علي أن أذكر بأن قراءة التأريخ مكللة دائمًا بالإختزالية فكوني أبرز العلموالإصلاح لا يعني تهميش العامل الإقتصادي مثلًا والإجتماعي الخ}وحتى نبلغ هذا الأمر سوف أسير وفق هذه المحاور: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *