الرئيسية / منتخبات / عامة / لماذا أخفق محمد أركون في الردّ على سلمان رشدي؟ النبّوة بين الارتجالية والسقوط الروائي إلى الاستعلاء والإخفاق الاكاديمي

لماذا أخفق محمد أركون في الردّ على سلمان رشدي؟ النبّوة بين الارتجالية والسقوط الروائي إلى الاستعلاء والإخفاق الاكاديمي

محمد بصري

بقلم:  محمد بصري  بشار الجزائر

الغريب في المسألة أن محمد أركون 1928- 2010 الناقد الابستيمولوجي  والمفكر الجزائري، الذي  يحظى بمكانة  ثقافية أزمية في العالم العربي والاسلامي، بدءا من التخوين الفكري والاتهام الايديولوجي الممزوج بعوالق الردّة والتكفير القادمين من ثقافة التصنيفات الاقصائية التراثية السخيفة، اُعتبر فقيها شبه اسلاموي يبشر بالتعاليم القرآنية والسنن النبوية في الكوليج ذي فرانس، وأروقة السوربون. نعتته دوائر اكاديمية بقسيس يلبس جبّة فقيه وحذرت منه لوموند Le monde   الجريدة اليسارية الاكثر صيتا وذيوعا في الاوساط المثقفة الفرنسية، بعد حوار أجراه  معها سنة 1989. وُصف ايضا بالراديكالي الذي تخلى عن عمامته ليتستّر وراء ربطة عنق باريسية ومعطف فرنسي بعد أن شن هجوما فكريا ونقديا لاذعا على سلمان رشدي متهما، إياه بإستغلال المساحات الحقوقية لازدراء اكبر شخصية محورية في تاريخ الديانات، ألا وهو النبي “محمد” عليه الصلاة والسلام. هي مقابلة شبيهة بالاستثمار الصحفي السخيف في أعراض وشرف  الفلاسفة وفي شخوصهم الفكري سماها “رون هالبير” في كتابه  العقل الاسلامي امام التراث-“بالمقابلة غير الناجحة ” يرى هذا الاخير نقلا عن  الصحيفة الباريسية الشهيرة  le monde “(( ارفض القبليّات السهلة المختزلة القائلة بأنه يحق للكاتب أن يقول كل شيء ويكتب كل شيء. لقد اقترف سلمان رشدي أكثر من عمل طائش. إن شخص النبي مقدّس لدى المسلمين، ويجب احترامه لذلك، حتى في الاعمال الادبية  المتخيلة وحتى عندنا يعبّر عن وضع سياسي معيّن. ان هذا الكتاب مرتبط بالمصير السياسي للمسلمين الهنود والباكستانيين)) 1.لم يتوقف المشهد الدرامي العاصف  عند هذا فقط فأركون الشخصية الليبرالية والتنويرية متهم بالزندقة والغواية اللائكية عند التيارات السلفية الاسلاموية وهو صاحب شطحات لادينية  مُشبعة بالردة عند المسيحيين.إذن تفرّق العقل الاركوني بين ثلاثة متاريس فكرية قهرية وصلبة .بين الدعاوى الارثودوكسية وأخرى حداثية مثقلة بالمفاهيم العالقة بين الكنيسة والتنوير الغربي وثالثة اسلامية حرفية وتكفيرية .مصيدة حداثية نصبها لنفسه وهو يريد العبور الى أطروحات  موضوعاتية علموية الغرض منها تهدئة الحوار والسجال الديني الدائر حول اسلامياته التطبيقية.لكنه لم ينفك ويسلم من هذا التوتر الاكاديمي المحموم بأسئلة السفسطة الصحفية، إلا بإعلان التوبة والغفران الاكاديمي سنة 1994 عندما قدّم إفادة فكرية، بما يشبه التنصل من اتهاماته “لسلمان رشدي” بانه كانت مجرّد سقطة حوارية تم تعمّد التجديف في أفكاره وانه ليس ضد قراءة الرواية الموبوءة اللعينة “آيات شيطانية “،بل دعى صراحة وشجاعة الى  إنزالها في  الاوساط العربية والإسلامية، من منطق التسامح والتحرر القيمي المسبق وهروبا من لعنة الدوغما المسّيجة.((اتمنى ان يكون كتاب “الايات الشيطانية” في متناول جميع المسلمين كي يفكروا بطريقة عصرية في الوضع المعرفي للوحي))2. اركون كان قبلها قد قدّم نفسه كحلقة حوار وتسامح حداثية تذيب جبال الصقيع والجليد الهائلة بين الديانات السماوية والإبراهيمية لكن وفق سقف اكاديمي ترونسونتندالي يرى في الدين نمطا تبجيليا يخلقُ معضلات وأزمات قاعدية للعلمانية التي اعلنت البراءة التامة من العقائد، منذ تولي الخلاص البروستتاني تلطيف الاجواء الحداثية بين الندّين العصيين عن التلاقي ،اللائكية السياسية والدين.اي منذ سنوات السبعينات  تخلى اركون عن مهمة داعية اسلاموي  في أتون العصف الاكاديمي .لان مهمة التبرير لا تعدو كونها شاعرية صوفية وحميمية عقدية  تطيع  النصوص اكثر منها تخليدا لمفارقة النقد والشك الفلسفيين في الكيفيات التي تجّلت وانكشفت بها  هاته النصوص.

المأزق الاركوني في تنزيل فكرة النبي الى الدوائر الاكاديمية الغربية:

لم يكن إنسحابا جبانا أبداه اركون وهو يتردد بين القفز فوق ثقافة حقوقية علمانية معولمة وتاريخية  تجبره مبدئيا، على النضال من اجل منظومة فكرية حرة وواعية وعابرة للارثوكسيات المتطرفة، وبين حنينية نوستالجية وفيّة   للخلفيات الثقافية الاسلامية  والعربية الامازيغية. كان بإمكان فكرة “النبي” ان تنقد فلسفة اركون النصية بعد سجاله ضد سلمان رشدي، ربما الاستعارات التفكيكية التي نقلها عن مواطنه جاك دريدا jackues derrida في المسافة بين العقل والنص والوحي جعلته الاكثر ترددا اكاديميا بين من يشتغلون على النصوص المقدسة والخطيرة. ربما كان عليه أن يتخذ مسافة مقدسة ومعلمنة بينه وبين فكرة النبي والوحي خاصة وان رؤية العالم والأشياء والكون، لا تتأتى إلا وفق افق ورؤيا نبوية، فكل جماليات العالم وسحره وبهائه نتلقفها من خلال تلك الوساطة العجيبة التي يتضمنها استشعار الرائع والجليل كما يرى عالم الانتروبولوجيا “كليفورد كريتز” حيث يتبدى نظام الانساق والدلالات والألفاظ وماصدقاتها، اي ان عالم الكلمات والأشياء تسبح في سياج نوراني ابتدعته ثقافة النبوات، تلك العلاقة اللامرئية بين السماء والأرض او على الأقل هذا ما تؤمن به الشعوب المتدينة، خاصة الابراهيمية. يبدو سلمان رشدي كروائي مغرور في عوالم الادب وكاتب سخيف وعديم القيمة في الادبيات الاسلامية هو الكاتب الاكثر تعاسة في عالم الادب. رغم المبيعات الخرافية والمداخيل الهائلة  لكتبه ورواياته بداية من السرد المجنون لقصة مبتدعة وساذجة  هي “ايات شيطانية” ونهاية برواية “تنهيدة المغربي الاخيرة”حيث تختزن ابتسامته الساخرة والحقيرة كمدا عاطفيا وبؤسا اكاديميا وشفقة ادبية . يمنكنك ان تخذل الانبياء لكن لا تستطيع استباحة شخوصهم. لان لعنة اللامرئي الميتافيزيقي ستفتح عليك جحيما انطولوجيا ابديا وتاريخانيا لا يتوقف افُوله إلا في عتبات القيامة.

مفهوم الزحزحة والخلخلة التي مارسها اركون على الوحي بالفصل بين الخطاب النبوي وشخصية محمد “ص” اعتبرها مقاربة ابستمولوجية  لاستحضار واستجلاء  الدلالات الشرعية والتشريعية ومعرفة عمقها التكويني في التأسيس للظاهرة القرآنية هو منهج حداثي تنويري  . وهو ذاته الحفر الاركيولوجي في الدين الذي مارسه دريدا  Derrida وهو يتعقب جنيالوجيا “المشحانية” كأصل يجمع العقائد التوراتية والانجيلية.تطويق دلالة “النبي” اكاديميا كان عملا ضبابيا من الناحية المنهجية والمعرفية وانتكاسة تراثية، لأنه افقدها طابعها الثقافي والسوسيوثقافي. اسماء الانبياء جليلة قداسية وهي منغلقة ايديولوجيا لا يمكن للحداثة أن تخترقها .رغم دقة  وجدة الادوات والوسائل الابستيمولوجية والفيلولوجية .”تحت اسمائنا يرقد نبي” كما يقول فتحي المسكيني .3 بل إن اسم محمد اصبح ضرورة حداثية تتجدد مع افق كل تنويرعربي .الادب الابداعي المعاصر بتعبير الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني يعيد ترتيب فكرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كغاية خلاصية لكينونة الانسان.3

لا يمكن أن نميز بين ذواتنا الميتافيزيقية في فضاء الملة الابراهيمية وبين التراث الحداثي الذي سيتحول حتما الى ركام فلسفي في افق المتخيل القادم المستقبلي .ونحن نقارب فرادة النبي وحدوده الانطولوجية العالقة بين ضفتين الناسوت واللاهوت.لا يمكن قتل شخصية النبي والاجهاز عليه في الثقافة العربية الاسلامية. هو بالأحرى وهم بطولي اكاديمي وفلسفي  وخيم العواقب. الاله المأزوم في الادبيات اليسوعية ليس هو الاله التوحيدي عند المسلمين.النبي الاله الاب والروح في المسيحية ليس هو الحقيقة المحمدية في التراث الثقافي الاسلامي.حاول الفارابي وابن سينا تبرير الحدث الاعظم للنبوات بتوفير الشروط الطبيعية كتكوين “للنبي” اي ان النبوة  ظاهرة طبيعية لإنقاذ مركزها من الشطط الكلامي والاتهام الوثني لكنه لم يستطع نقلها من التوتر الصنمي الى المجال الايقوني. لان المسيحية وهي تفكر في نبوة المسيح حوّلتها الى بؤرة صنمية مع أن  الايمان الكاثوليكي صادق وهو يفكر  بالإيقونة Icone .

قد يكون رشدي سلمان نجح روائيا في تصدير قصته  للتحرر الغربي المحموم بفكرة السخرية من القداسي والجليل، لكنه أخفق ثقافيا واجتماعيا وعقديا وهو يبشر بآياته الشيطانية في اختراق بذيء غير مسبوق لحياة النبي عليه السلام .وذات الحكم القيمي بالنسبة لمحمد اركون الذي نجح حداثيا وأكاديميا في توفير قراءة مبدئية للوحي والنبوة والنص المبجّل لكنه اخفق في عملية النقل الثقافي والفلسفي المفاهيمي الى  التراث الاسلامي وكما لو كانت تعوزه الاليات البيداغوجية لفهم الشروط الثقافية العربية والإسلامية لعملية التبليغ انه بذلك تحرك داخل مخيال عظيم من العواطف والشجون والالام اليدينة والصوفية العميقة .

اضاع اركون الانتصار لفكره عندما تحوّل من الجهد الدفاعي عن فكرة النبي التي خذلها سلمان وإلتف حول المقولات النبوية بتحويلها الى مواضعات ميتافيزيقية مثقلة بالارثوذوكسية والدوغما ليحيلها  الى ساحة اشتغال ابستيمولوجي بنيوي تفكيكي ليس إلا .

اركون العلماني في مواجهة الالة النصية الفقهية:

كيف يمكن لرجل ان يتلقى كل هذه الصدود والصعوبات الى حد المكائد الايديولوجية والمذهبية من الشرق والغرب ويصمد صمودا اسطوريا.والواقع انك عندما  تعاند وتتمترس بأفكارك ردحا طويلا من الزمن بغية اثبات الهوية الاساسية لصدقية ما تقوله وتؤسس له وان تراهن  لموضعة اطاريحك في اتون تضاغط فكري عالمي معولم مشحون بالايديلوجيا والقراءات القاصرة  لهو اشد انواع المقاومة الفكرية الكبيرة التي لا تعترف إلا بقوة الدليل وثبات الرأي والبرهان وعمق الترسانة الحجاجية.

اركون ابن دشرة “تاوريرت ميمون” القبائلية التي لم ترى الشهرة والبريق الثقافي الا في كتاباته ومؤلفاته “Humanisme et Islam. Combats et proposition . حيث يشير الى ان انتقاله الى مدينة تموشنت الجزائرية مرورا بوهران  في الغرب  وتعليمه المبّكر اعطاه فرصة تعلم اللغة العربية و قراءة نصوص القرآن والتعرف على سور وحفظ اجزاء من التنزيل الكريم..

الدوائر التفسيرية جعلت النص مغلقا امام آلة الحسم الدوغمائية اعتبارا من كونه “الة كسولة ” machinne paresseuse   بمفهوم امبرتو ايكو Emberto eco لان انبثاقية اي نص تتجلى في تمتعه بالانفتاح على القراءات حسب الهيرميونطيقا المعاصرة، تمنعه القداسي لا يلغي اجتهادية البشر التي تنبع من سطوة المعنى ولحظات القبض على الرمز والدلالات التي تعد صفة لصيقة بالعقل التأسيسي العربي. مقابل النص الكسول هناك عقل كسول مجاني اعتباطي ولا واقعي يؤسس رهاناته التفسيرية على سميائيات تقليدية يتم اختصارها في المُتخيل التراثي، عقدية اقرب الى الايديولوجيا الفقهية منه الى الفهم المتعدد للنص.لان المدونات الفقهية العتيقة اختلقت دوائر مذهبية دينية تعتمد التراتبية الفقهية، كما تلتمس صدقية النصوص في تواترها التاريخي ونظامها البياني واللغوي ولذا هي اتجاهات بلاغية تتوسم نصاعة اللفظ وبريق البيان القويم، بالتالي هي تعاني ازمة ابستيمولوجية حادة ومنهجية انزعاجية وتربصية امام كل فهم جديد للنص هذا ما يعتقده اركون.

نستذكر هنا العارف بالله وصاحب اكبر مذهب فقهي اسلامي على الاطلاق “الامام مالك “كان يقول في تنبيهاته “هناك اشخاص استغيث بهم الغمام لكني لا اطلب منهم حديثا”

التحليل التاريخاني الذي قدمه البروفيسور محمد اركون حاول تنميط الدولة العلمانية والدولة الدينية باعتبارهما فضاءات ومؤسسات تقع تحت اختلاجات وسلط متعددة الخطابات والمفاهيم، ان المدينة العلمانية مفتوحة تتقبل الاخر وتعرض شخوصها للمفكر الباحث وتمنحه وسائله التفكيكية من قدرات فيلولوجية وعلموية وتاريخية وانتربولوجية لقراءة النصوص بعقل منبثق يعي ايقاع السيرورات بتزامن محكم . بالمقابل العقل الديني اختزالي وانتقائي ويقع تحت عبودية السلطة التدينية وسرمدية النصوص وعوائق الحسم النهائي الحرفي المسّيج لصالح التفسير الدغمائي وهو ما يُوهن القراءات ويفرض عليها رقابة مقيتة.ما اعتقده ان الانتصار للعلمانية والعلمنة والمناهج الاسقاطية والتطبيقة قهر المدينة الدينية التي تسبح في عذوبة النصوص وتشريعاتها وأعاد اشكالية تأصيل التأصيل لان المسيحية واللاهوت خرجا منهزمين امام القراء المتعصبين من التاريخانيين والمستشرقين واللاادريين وسقطت اخر القلاع الدلالية للمدافعين عن الاقانيم المسيحة وأفكارها المرهبنة امام تحريض هذا العقل المنبثق على اقتحام المقدس الديني ستطول به المعركة لان اليات الدفاع والصمود كثيرة وصلبة وبنيوية تغطيها سحابة كبيرة من الانفاق المعرفي التقليدي والطويل .ليس شللا للأذهان وتقييد تكبيلي للعقل كما يراها اركون بل مناعة معرفية وقوة بلاغية استمدها النص الديني الاسلامي عبر حركته الميتافيزيقة والفوقية والإلهية تحطمت على ابوابها كل المعاول والأقلام والفؤوس التي تزعمت حركة النقد والتفكيك .لان العقل الاكاديمي انتج وهما جديدا وتكبرا مقيتا ومركزية غربية  واهية تعطي نفسها وهم الالتفاف على كل شيء لكن للأسف بأدوات تقليدية وبالاستعانة بعلوم طالها الصدأ التاريخي وتسرّب هذا الصدأ الى الذهنية العلموية الاكاديمية .ما وقع فيه اركون هو اصولية جديدة تتخلى عن العباءة الدينية وتلبس العباءة العلمانية بل ربطة العنق الفرنسية..

عمتم مساء ايها الفلاسفة..Haut du formulaire

المراجــــــــــــــــــــــــــــع :

  1. رون هالبير، العقل الاسلامي امام تراث عصر الانوار في الغرب، جهود الفلسفية لمحمد اركون ترجمه جمال شحيد الاهالي . ص 13
  2. نفس المرجع ص 15
  3. 3-    فتحي المسكيني  مداخلة .ندوة “فكرة النبي في الفكر المعاصر . مؤسسة مؤمنون بلا حدود ساعة التصفح 10و 30 بتاريخ 20/10/2019

شاهد أيضاً

فؤاد العروي : لماذا تفلت منا جائزة نوبل كل سنة؟*

سعيد بوخليط ترجمة : سعيد بوخليط  يكمن الإبستيمي(النظام المعرفي/المترجم) الذي يقود بصفة عامة نحو وجهة نوبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *