الرئيسية / ترجمة / أفلاطون: أول منظِّري علم التربية

أفلاطون: أول منظِّري علم التربية

ترجمة: ليلى الصوَّاف

الحلقة الأولى من سلسلة كبار مفكري علم التربية

جورج مينوا: مؤرخ ومؤلف كتاب كبار علماء التربية، من سقراط إلى المدرسين على الإنترنت، منشورات أوديبر، 2006

يقول أفلاطون “يلزمنا خمسون عاماً لصنع إنسان” مازجاً بذلك بين الكلاسيكية وبين حداثة مذهلة. وضع هذا الفيلسوف اليوناني في أكاديميته برنامج دراسة دسم مخصص للطبقة المخملية في المدينة.

في أثينا وفي النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد وُلِد علم التربية ليلبي احتياجات النظام السياسي الديمقراطي للمدينة: يتعلق الأمر بتكوين مواطنين قادرين على إدارة الشؤون العامة. حدثت، في سبيل تلبية هذه الحاجة النفعية، مواجهة بين تصورين: الأول تصور السفسطائيين المهنيين المأجورين مثل بروتاغوراس (485-411 ق. م.) الذي كان يرى أن الهدف من التعليم ليس بلوغ حقيقة افتراضية، وإنما “معرفة كيف يكون المرء أكثر فاعلية عبر أفعاله وخطاباته” أي، بمعنى آخر، اكتساب فن الإقناع من خلال البلاغة لأن “الإنسان هو معيار كل شيء“؛ وتصور أفلاطون الأرستقراطي الذي، بعد عدة تجارب سياسية سيئة، افتتح في حديقة الأكاديمية في أثينا، حوالي عام 387،  ما يشبه مدرسة عليا ومركز أبحاث مارس فيها التعليم وألف عدة كتب على شكل حوارات أهمها كتاب الجمهورية الذي يصف فيه المجتمع المثالي والذي يحتوي على عرض لنظام تربوي حقيقي.

مدراء – فلاسفة للمدينة الفاضلة

على عكس السفسطائيين، آمن أفلاطون (427-347 ق. م.) بوجود الحقيقة والواقع السامي والمطلق الموجود في عالم الأفكار المقدَّس، وبأن هدف التربية اكتشافها. وهي لا تنفصل عن الخير والجمال، وعليه لا يمكن فصل التعليم الفكري عن الأخلاق وعلم الجمال. إذاً، يتعلق الأمر بتكوين رجال فاضلين ذوي فكر مستقيم ليصبحوا مدراء – فلاسفة للمدينة الفاضلة.

إنه نظام انتقائي جداً يُعنى بأفضل العقول فقط، ومثاليته لا علاقة لها بالديمقراطية: فالنظام الذي يتطلع إليه هو أرستقراطية يقودها “حرَّاس” جرى تكوينهم عبر دراسة طويلة زاهدة.

طوباوية أفلاطون مذهلة في العديد من الجوانب، فهي تحتوي على أفكار حديثة جداً وأخرى رجعية جداً توفر الحجج للمربين من كل المشارب. مع ذلك، لا يقصي هذا الموالي المتعصب لانتقاء العقول “الكريمة الأصل” النساء: “كل النساء اللواتي منحتهن طبيعتهن القدرة على ذلك“، سيتلقين نفس التعليم الذي يتلقاه الرجال.

كان أفلاطون يعلِّم في الأكاديمية، على طريقة سقراط، أي على شكل حوار، حلقة من الطلاب المريدين تربطهم الصداقة وحتى الحب المثلي أحياناً والذي يشكل، بحسب قوله “كياناً  أكثر ترابطاً“، بين المعلم والتلميذ. تكاد الحوارات الأفلاطونية تخلو من الأفلاطونيات وهو ما يجب ترميمه في إطار الثقافة الإغريقية الكلاسيكية. وعلى عكس السفسطائيين الذين كانوا ينادون بالتعليم الفردي ذي الطابع التربوي التأديبي، رأى أفلاطون أن الدولة يجب أن تضطلع بالتعليم، في المدينة الفاضلة، وأن تكون مسؤولة عن تكوين المواطنين.

البحث عن الحقيقة

برنامج الدراسة كثيف قبل الرسالة، الأمر الذي سيعجب كثيراً إنسانني القرن السادس عشر، إلا أنه غير واقعي أبداً، وهنا أيضاً يمزج أفلاطون أفكاراً مدهشة بحداثتها مع تصورات رجعية. يبدأ كل شيء بتعلم الأساسيات قبل عمر 7 سنوات. يكون عقل التلميذ في هذا السن قابلاً للتشكيل، “ ويمتص كل الإنطباعات التي نسعى لتخزينها فيه“. يجب الاستفادة من ذلك لإكسابه العادات الجيدة وتطوير عقله وجسمه بشكل منسجم عبر الموسيقا والرقص والغناء الجماعي والرياضة بإدارة مدربين مأجورين من الدولة. يوصي أفلاطون، الحداثي هنا، بممارسة الألعاب التربوية في ما يشبه رياض الأطفال، وباستخدام مناهج نشطة، أبطأ ولكن أجدى يصفها بأنها “الانعطاف الكبير” أو “الحلقة الواسعة“. يجب، في هذا العمر المبكر،  استبعاد الحكايات الأسطورية والخيالية والتصورات تماماً، أي كل ما نسميه “حكايات الجنيات الطيبة”، وكل تلك القصص الخيالية “التي ندين بها لهوميروس وهيزيود وبقية الشعراء، لأنهم، ولا شك في ذلك، من أبدع هذه الحكايات الكاذبة من أجل البشر فأصبحوا ومازالوا يدينون لهم بها“.

تُثقل هذه الخيالات الأدمغة الشابة بقصص لا فائدة ولا عبرة أخلاقية فيها، فهي تطري الأهواء وتحط من قدر الآلهة والعظماء وتُشغِل عما يجب أن يكون الهدف الأكبر للتربية: البحث عن الحقيقة.

في عمر 10 سنوات تبدأ الدراسات الأدبية ودراسة الرياضيات التي منحها أفلاطون أهمية كبرى: عندما يعتاد الطلاب على التجريد والمنطق، يتحضرون جيداً للتأمل الفلسفي كما تسمح هاتان المادتان بانتقاء “أفضل الطبائع” التي لا يستطيع غيرها الوصول إلى الماورائيات.

اعتباراً من عمر 18 عاماً يبدأ التشديد على التأهيل البدني والعسكري، فالمواطن الجيد يجب أن يكون قادراً على الدفاع عن المدينة. تلي ذلك عشر سنوات من دراسة العلوم والرياضيات السامية، وخمس سنوات من دراسة الجدلية، وخمس عشرة سنة من التدريب على الشؤون العامة. باختصار “يلزمنا خمسون عاماً لصنع إنسان“، كما كتب أفلاطون، ما أن ينهي المرء الدراسة حتى يصبح في سن التقاعد، أو كما يقول أراغون “فات أوان تعلم كيفية العيش“. بشكل ما يمكن اعتبار نظام أفلاطون إرهاصاً للتكوين المستمر، إنها فكرة ساحرة بالنسبة لعلماء التربية المعاصرين، وبالمقابل، لا يعجبهم أبداً التركيز على الانتقائية والاختيار من خلال الرياضيات.

سقراط وفلسفة القبالة

شغل سقراط(470-399 ق. م.) مكانة هامة في تاريخ التربية. بداية لأنه كان يؤكد أنه لا يعرف شيئاً وهذا بحد ذاته تناقض بالنسبة لمربٍّ “أنت أعلم البشر بما أنك تعرف أنك لا تعرف شيئاً“، كما قال له عرَّاف دِلفي، وعليه فلا شيء لديه لينقله للآخرين. يرى سقراط أن كل شخص يتمتع بالمعرفة في داخله كما تحمل المرأة طفلها في أحشائها. أما دور المربي فيشبه دور القابلة أي: توليد العقول وإخراج الحقيقة التي يحملها كل واحد في داخله (كانت فِنِرات والدة سقراط تعمل قابلة). وهذا هو فن القبالة (باليونانية مايوتيك، فن التوليد الذي ترعاه الإلهة مايا). هذا ما قاله أفلاطون على لسان سقراط في كتابه  التياتيت: “تمنحني (فلسفة) القبالة التي أمارسها كل صفات القابلات… فمن يترددون علي يبدون، في البداية، جاهلين، إنهم لم يتعلموا مني شيئاً قط، وإنما اكتشفوا عدداً من الأشياء ولدوها بأنفسهم.” يقوم فن التوليد عند سقراط على الحوار وطرح الأسئلة كي يقود الطالب إلى اكتشاف الحقيقة. لكن يمكننا القول، لإكمال التشبيه، أنه كثيراً ما كان يواجه إجهاضات فقد كانت أسئلته تعتمد على السخرية ولا تجد صدى في ذهن محادثيه الذين يكتشفون أن ما يعتقدونه ليس سوى وهم. قطعاً، كان الهدف الوحيد للتعليم السقراطي اكتشاف الذات، حسب العبارة التي ينسبها للعراف: “إعرف نفسك بنفسك.”

لم تتسامح السلطات مع هذه التربية الثورية فحكمت على سقراط بالإعدام بتهمة إفساد الشباب”، لكنه بقي مثالاً  لكل المجددين والناشطين في تاريخ علم التربية.   

شاهد أيضاً

ميشال فوكو و حفريات المعرفة

بقلم : أسامة البحري تاريخ الفكر حسب فوكو هو تاريخ يصعب حصره في خصائص و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *