الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / هيغل وابن عربي تفسير أم تَعقلٌ الواقع

هيغل وابن عربي تفسير أم تَعقلٌ الواقع


عبد الفتاح الحفوف    

بقلم: ذ عبد الفتاح الحفوف    

من الصعب جدا أن نكون  أشد إلماما ، بل من شبه المستحيل الجمع بين رجلين عظيمين، كالعلامة محيي الدين ابن عربي ( 1165/1240) الذي جمع بين مختلف علوم زمانه  (الفتوحات المكية)، والفيلسوف الألماني هيغل ( 1770/ 1831) الذي أسدل الستار كأخر ممثل فوق خشبة الفلسفة الحديثة، ليكون بالمقابل بداية ومنطلق الفكر المعاصر. 

و حتى لا نصادر على المطلوب، سيظهر للقارئ المتتبع لمسارهما الفلسفي/ الفكري. أنهما مجالين متباعدين متقاربين،( هذا ما يسمى بالجمع بين المتناقضين).التباعد في الزمن والفكر وطريقة التفلسف، والتقارب على مستوى جعل الكل واحدا شاملا لوجوده. فإذا كان الأول يعتبر الكل واحدا (وحدة الوجود) فإن الثاني جعل الكل هو مجموع أجزاءه (الفكرة الشاملة الروح المطلقة  = الواقع ) سيتضح جليا أن  كلاهما ينطلقان من اللامنطلق/ اللانقطة، أي ” انتفاء مسالة لكل بداية نهاية ”  و محاولة تعويضها  بمسالة أقرب إلى الفكر الهيغلي والمتصوف ابن عربي وهي مسألة ” بداية النهاية ” على اعتبار انه ليس هنا منطق بالمعنى المتسلسل للإحداث/ للأفكار يتحكم في الأمر.وبشكل أدق يجب العمل لا على المألوف والعادي بل التفكير في الواقع خارج الواقع .

إن السؤال الذي يؤطر هذا المقال ، وهو سؤال الكيف ؟  كيف يمكن قلب ما وصل إليه مجتمعنا  من اللاقيم  ؟ و إلى أي حد يمكن إعادة ما كان ولم يعد ؟  قد نعلن كبدية أولى أن المتأمل اليوم في مجرى التاريخ يلاحظ تغيرات سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية…الخ . وهو الأمر سيفرض على الواقع  منطق خاص لتفسيره، منطق قد يجد له منطلق يغيره ، وهو الأمر الذي سيبرز مع هيغل، أو منطق التبرير والتفسير  يتكيف بطريقة مع من يتحكم في مجرى التاريخ كما هو الأمر مع ابن عربي. وبما أن هيغل ظروفه تشبه ما نمر به اليوم ، فقد يكون لدينا نموذج فكريا نقتدي به، خاصة  ومعه اكتملت الفلسفة الحديثة بل ومعه بدأت الفلسفة المعاصرة . من هذا المنطلق نحن مع هيغل في قلب تاريخ العالم على حد سواء1 .فهم/ تعقل الواقع المعاصر على  حساب الماضي.

لقد أصبح المجتمع إلى حدود اليوم، مجتمعا متناقضا بكل ما يحمله هذا المفهوم من معنى. وغرضنا بالأساس هو فهم المجتمع في قيمه وسلوكا ته  ومدى تجلياته وتأثر قيمه بسلوك الفرد داخل المجتمع، على اعتبار أننا أخذنا مجالين مختلفين إلى حد ما ، الصراعات الفكرية في زمن ابن عربي والصراعات التدميرية والغزوات في زمن هيغل . وهذا يساعدنا في فهم تكيفيها مع مجريات/ تغيرات الواقع.  فكيف إذا انتقل المتصوف من ما هو مادي إلى ما هو مجرد بواسطة التجلي؟ بل كيف انتقل هيغل  كأحد  ممثل الفلسفة المثالية من العقل إلى الواقع دون تأثير هذا الأخير؟ الشيء الذي تبرزه قولته  ” كل ما هو عقلي واقعي ، وكل ما هو واقعي عقلي “.

فالحديث عن فلسفة هيغل هو حديث عن الجمع/ التركيب بين القضية ونقيض القضية أو كما يحلوا له بتسميتها  بالروح المطلقة أو الفكرة المطلقة ــ لا يهمنا هنا تأصيل فلسفة هيغل ــ  كما لا يمكن الحديث عن فلسفة محيي الدين ابن عربي بدون الحديث عن جمع الموجودات في الكل / أي وحدة الوجود . إن الغوص في هذه المغامرة أشبه بنزول أدام من سعادة أبدية إلى شقاء لا عودة بعدها إلا على مستوى الفكر. وأننا نؤمن  ” أن الحاجة إلى الهروب تقودنا إلى صميم الفلسفة، وتسمح لنا بحل / تجديد مشكلة قديمة…” 2 وبالتالي إذا كان الواقع كتجلي من تجليات الفكر قبل أن يكون  واقعا، فكيف تم تحويل الفكر الى واقع ؟

تجليات فكر هيغلي وصوفي  في واقعنا :

قد لا نختلف على أن  الفيلسوف الألماني هيغل أعظم فيلسوف وأكثرهم تعقيدا، بحيث يصعب تعقب فلسفته، و المتأمل فيها لن يدرك موقعه كذات تبحث عن خط مستقيم تتعقب فيه البداية والنهاية. وهذا أمر مستحيل في فلسفته.  فكل بداية هي نهاية، بل وكل نهاية هي بداية. لهذا نَصفٌ  فلسفته ب ” بداية النهاية “.

هيغل جعل  الفكرة الشاملة هي الواقع في تجلياتها، والفكرة الشاملة تتخللها ثلاثية متلازمة، أكاد أصفها بأنها هي الله ، بحيث تبحث عن كيفية التجلي في الموجودات  (المنطق ، الطبيعة، الروح المطلق المتمثل في الفن والدين والفلسفة …) قلنا بأن هيغل يريد أن يفهم العالم لكن بالعقل الكوني cosmic mind  لا بالعقل الإنساني. لكن هل هذا العقل المطلق  / الكلي هو الله ؟ وقد يكون ممكنا،  لكن هيغل يترجم هذا إلى سرد للتاريخ البشري (العالم الشرقي) فكيف تم هذا الانتقال من العالم الذاتي إلى المادي ثم إلى الموضوعي ؟ إنه يتحدث بلغة التجلي كما سنلاحظ عند ابن عربي، وسيعتبر هيغل أن العالم بما هو مادي مجرد تجلِ للعقل المطلق، فمثلا رغم وجود الشيء فهو ليس حقيقي لانه مرتبط بجوهر الشيء. نقول الظل موجود لكنه ليس حقيقى دائما مادام مرتبط بوجود حامله . هدف هيغل هنا هو إعطاء تفسير لوصف حركية العقل المطلق (الله) ولنتأمل كيف ـــ  ليس بمعنى الكيفية التي كان عليها ـــ كان الله لوحده قبل أن يخلق شيئا يشبهه ويختلف عنه ( لقد خلق أدام على صورته) أي أن الله أعقل نفسه وبتعقله فاض عنه عقل أخر …إلخ (أنظر الفارابي – نظرية الفيض) الغرض من هذا التعقل هو أن عندما يتأمل العقل نفسه يضع حدا /تعريفا يفصله عن شيء أخر. لذلك فإدراك / تعقل العقل لذاته أنتج الأنا في مقابل الأخرoutroui هذا التفسير يشبه ما وصل إليه العلامة  محيي الدين ابن عربي عندما كانت مشيئة الله أن يرى نفسه في العالم ” لما شاء الحق سبحانه من حيت أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء، يرى أعيانها، وإن شئت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله،…وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوَى لا روح فيه فكان له المرآة غير مجلوة (غامضة)…فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة…” 3 مع هيغل العقل أنتج ضده وهو اللاعقل / المادة ، وعن طريق هذا الجدل dialectic  سينشأ  عالم الروح المطلقة. وقد نترجم هذه المعادلة ب المنطق (الفكرة أو الأطروحة في مقابل الطبيعة أو نقيض الأطروحة = الروح المطلقة.

إننا نتفق مع هيغل أن الواقع / العالم لا حاجة لنا في تفسيره بقدر ما يهمنا تعقله /فهمه. لأنه في غياب فعل التعقل تتلاشى إمكانية التفسير، يستطيع هيغل إذن أن يكون نموذجا لتعقيل الواقع أي تحويل الواقع الى فكر من أجل القضاء على الفصم الذي تقاسي منه مجتمعاتنا. يقول هيغل في هذا الصدد ” إن الفرد  في حد ذاته  ليس له من الموضوعية ولا من الحقيقة ولا من الأخلاق إلا بمقدر ما هو عضو في الدولة “فالي أي حد يمكننا  اليوم أن نتخلص من هذه الانعزالية التي يرفضها المجتمع فقط ظاهريا ؟ إن مشكلة الجوع مثلا لا تحل بإعطاء الرغيف بل بوعي الجائع أثاء موضعه في الوجود، ولا تحل مشكلة الفقر بالمعونات إذا لم يكن الفقر كإحدى لحظات الوجود المتغير. هذا يحيل على أن هيغل يبحث عن المعنى ونكون نحن في حاجة الى أن نعيش في عالم يحكمه الفكر ويكون دليله هو الواقع العيني. وهو الأمر الذي تشبت به المتصوفة في عالم الممكنات. لكن ظهورهم في الواقع كان نتيجة أسباب وعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية هي التي أدت الى ظهور هؤلاء المتصوفة، وهذا مما لاشك فيه قد يساعدنا في إعادة الاعتبار ليس في فشل المتصوف على مسرح الأحداث التي لم يجد لها الإنسان تفسيرا علميا يحاكي واقعه، بل في إعادة الثقة للإنسان  سواء في علاقته مع ذاته أو مع الآخرين . خصوصا أن الإنسان في عصرنا نهبته التقنية، بل وفقدته الثقة بكل تجلياتها .

لو عدنا الى زمن ابن عربي لا أقررنا انه زمن  يشبه واقعنا بشكل أو بآخر على مستوى المخرجات لا الوسائل، صراع الأفكار والإيديولوجيات في مقابل قبر الأفكار وصراع الملذات في مجتمعنا .( غياب حرية الإنسان في التعبير عن ذاته، غياب أساسيات العيش …الخ ) فموت الحلاج والبسطامي وغيرهما من أصحاب فكر ونظر ثاقب، هو كتجلي لما يقع باسم الدين والإله (التاريخ الدائري عند هيغل). فالإنسان أناني ولو أدرك ما له وما عليه لتعقل ذاته وبالتالي الوجود. يقول ابن عربي « لا تحسب أنك جرم صغير وفيك أنطوى العالم”. فالإنسان يحاول أن يتحايل على الوجود ونسي انه هو الوجود ذاته. و لا يمكن أن نفهم هذه الثنائية الله / الإنسان إلا في الإنسان ذاته. أو ما يسميه  ابن عربي  بالإنسان الأعلى.هذا الأخير هو أكمل الموجودات معرفة / أي تعقل بالله. لِمَ لا وهو الكلمة الفاصلة الجامعة.

أحالات:

  1. حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، ط4 1990، ص 206
  2. ايمانويل ليفيناس، الزمان والأخر، ترجمة جلال بدلة، ط1 2014، ص 13
  3. محيي الدين ابن عربي، فصوص الحكم، ص 48
  4. هيغل، أصول  فلسفة الحق،ترجمة إمام عبد الفتاح إمام ،  ج1 ،ط 1996 ص 250
  5. الحقيقة المحمدية ، شرح مشكلات الفتوحات المكية ،ط1 1999 ، ص 63

شاهد أيضاً

إدغار موران: الاحساس بالجمال

ترجمة وتقديم: كمال بومنير إدغار موران Edgar Morin فيلسوف فرنسي معاصر، ولد في مدينة باريس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *