الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / ابـن رشـد والفـكـر الحـر والمـرأة

ابـن رشـد والفـكـر الحـر والمـرأة


عقيل يوسف عيدان[

عقيل يوسف عيدان[1]

يستدعي الجمعُ بين الفيلسوف والعالِم العربي أبي الوليد ابن رشد (1126-1198) وبين الفكر الحر التساؤلَ عن الوجاهة الراهنة لأفكار هذا الفيلسوف في المجتمعات العربية. وبالتالي، ينطرح السؤال: أين تكمن أهميةُ ابن رشد اليوم في خصوص مثقفين عرب يقيمون داخل البلاد العربية وخارجها ويدعون إلى تحرر الفكر وإلى تحرير المجتمع والإنسان من مختلف القيود الاجتماعية والسياسية والدينية، ليس فقط في بلدانهم، بل في العالم أجمع؟

إذا عدنا إلى كتب التاريخ وجدنا أنه ما من فيلسوف عربي لاقى فكرُه المصيرَ الذي لاقاه فكرُ ابن رشد، حتى صار موضع جدل ورفض وقبول على حدٍّ سواء. ففيما أهمل الشرقُ العربي كتاباتِ ابن رشد قرونًا عدة، اهتمت بها أوروبا اللاتينية اهتمامًا عظيمًا، وصارت “الرشدية” مذهبًا فكريًّا ساد أوروبا في القرون الوسطى وعصر النهضة، فكان له أتباعٌ ومناوئون على حدٍّ سواء، ولعب دورًا كبيرًا، ليس في مجال الفلسفة النظرية وحسب، بل وفي تطوير النظريات السياسية والاجتماعية أيضًا.

والمعروف أن اسم ابن رشد اقترن باسم أرسطو؛ ولكن اسمه كان أيضًا رمزًا للزندقة ولازدواجية الحقيقة. وفي هذا أسيء فهمُه بقدر ما عُظِّم. كما أن آثاره أضحت موضع تفاعُل حضاريٍّ، تلاقى فيه الشرق والغرب والعرب واليهود والأوروبيون، بحيث ترسَّختْ ظاهرةٌ حضاريةٌ ما أحوجنا اليوم إلى مثلها!

ربما كان أول ما يخطر في البال، حين نتكلم عن “تحرر” فكر ابن رشد، هو تحرره من أثر التقليد الديني ومحاولته التوفيق بين الدين والفلسفة من دون التضحية بشيء من أصول كلٍّ منهما[2]. وقد قاد تمسك ابن رشد بالحكمة والشريعة على حدٍّ سواء إلى الظن بأنه اعتقد بوجود حقيقتين: حقيقة الدين وحقيقة الفلسفة – وهذا برأيي خطأ: فابن رشد لم يعتقد إلا بوجود الحقيقة الواحدة التي يجتهد في اكتشافها العقلُ البشري المتعاطي العلمَ ويكشف عنها الوحيُ الإلهي للأنبياء فيضمِّنونها كتبَهم.

لقد اعتقد ابن رشد بحقيقة واحدة ومسالك مختلفة إليها. وإيمانه بتعدد الطرق التي تفضي إلى الحقيقة هو أساس حرية الفكر لديه. ذلك أن الأديان والفلسفات والعلوم دروبٌ مختلفة إلى الحقيقة الواحدة: “والحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.” وهذا، لعمري، موقف رائع يعلِّم احترام الآخر وقبوله كما هو من غير تحفُّظ!

انطلاقًا من وحدة الحقيقة، تنكَّر ابن رشد لرفض دراسة العلوم، مهما كان مصدرها، وقال بالاستفادة من إنجازات الفكر، بصرف النظر عما إذا كان المفكر “وثنيًّا” أو يدين بدين آخر. فالمعيار الوحيد الذي أخذ به هو صحة المعرفة، فلم يعتبر أن مصدرها سببٌ للانتقاص منها دون فحص. وهذا، في تقديري، انفتاحٌ حضاري نحن الآن في أمسِّ الحاجة إليه لبناء ثقافة عربية جديرة بأن يكون لها مكانٌ لائق في مجتمع حضارات العالم.

إن الروح “الرشدية” لا تقبل التضاد الشائع اليوم لدى كثير من المثقفين العرب الذين يعيشون على ثنائية الشرق والغرب. ذلك أن هذه الروح تؤمن بأن الحقيقة تتجلَّى في الشرق والغرب معًا، وأن الحق يميَّز من الباطل نتيجة الدراسة والاختبار والتمحيص.

وبالعودة إلى موضوع ابن رشد والمرأة، نرى أن ابن رشد، في قضية حقوق المرأة ومساواتها بالرجل حصرًا، قال قولاً سبق به عصره. فقد تحدث ابن رشد عن المرأة في كتاب جوامع سياسة أفلاطون، وهو من كُتُبه المفقود أصلها العربي، وَصَلَنا عنه تلخيصٌ للمفكر الفرنسي إرنست رينان (1823-1892) في كتابه ابن رشد والرشدية. ورأي ابن رشد في المرأة هو رأي المعاصرين من غلاة أنصارها، نقتبسه بنصِّه كما أورده رينان مترجَمًا من اللاتينية إلى الفرنسية[3]:

“تختلف النساء عن الرجال في الدرجة، لا في الطبع. وهن أهل لفعل جميع ما يفعل الرجال من حرب وفلسفة ونحوهما، ولكن على درجة دون درجتهم، ويفقنهم في بعض الأحيان، كما في الموسيقى، وذلك مع أن كمال هذه الصناعة هو التلحين من رجل والغناء من امرأة. ويدل مثال بعض أمصار إفريقية على استعدادهن الشديد للحرب؛ وليس من الممتنع وصولُهن إلى الحكم في الجمهورية [يشير إلى “جمهورية” أفلاطون]. أوَلا يُرى أن إناث الكلاب تحرس القطيع كما تحرسه الذكور؟”

كتاب جوامع سياسة أفلاطون [والكلام الآن لرينان] هو شرح ابن رشد على جمهورية أفلاطون، ثبَّت فيه أفكارَه الخاصة به، كما كان يفعل دائمًا في شروحه على أرسطو. وهو في حديثه عن المرأة يخالف أساتذته الإغريق والمسلمين معًا، فينكر الفرقَ الطبيعي بين الرجل والمرأة، ويساويها مع الرجل في الكفاءات الذهنية والعملية، ويرى أن وصول المرأة إلى رئاسة الدولة هو من الأمور الطبيعية الممكنة؛ وفي هذا ردٌّ على حديث “لن يفلح قوم وَلُّوا أمرَهم امرأة”. ولا تقل كفاءةُ المرأة عن الرجل، حتى في الحروب.

أما في خصوص المثال الذي يشير إليه من بعض البلدان “الإفريقية”، فهذا الاسم كان يُطلَق على جزء من بلاد المغرب يحوم حول تونس، إذ لم يكن التقسيم إلى قارات متبعًا عند الجغرافيين. ويتخذ ابن رشد من حالة إناث الكلاب دليلاً طبيعيًّا على صلوح المرأة للرئاسة. فالطبيعة عنده تعمل بقانون واحد في الحيوان والإنسان؛ ويتطابق فعلُها فيما يخص هذه المسألة من جهة أن الأنوثة ظاهرة طبيعية تفعل في نطاق مجتمعي.

إن ابن رشد، في النص السابق الذي أورَدَه رينان في كتابه، يعلن أن النساء والرجال نوع واحد، وأنه لا فرقَ بين الرجل والمرأة في الغاية الإنسانية. الفرق الوحيد الذي يراه هو في احتمال الكدِّ الجسماني الذي يقدر عليه الرجلُ أكثر من المرأة، في حين أن النساء أكثر حذقًا في أعمال أخرى، كفنِّ الموسيقى مثلاً. وبما أنه لا فرق بين المرأة والرجل في الطبع الإنساني، وَجَبَ على النساء أن ينلن التربيةَ نفسها التي يحظى بها الرجال وأن يشاركنَهم سائر الأعمال، حتى الحرب والرئاسة!

إن النضال من أجل تحسين وضع النساء، وبالتالي من أجل تحسين الوضع الاجتماعي في العالم العربي بأسره، هو نضال إنساني أراده ابن رشد. وكل مَن يساهم في هذا النضال، منفتحًا على الحضارات والثقافات الأخرى في العالم، معترِفًا بوحدة الحقيقة، يقتفي آثاره في سبيل تحرير الفكر وبناء مجتمع راقٍ وإنسان أرقى.

*** *** ***


[1] باحث وكاتب كويتي. إيميله: ayemh@yahoo.com.

[2] راجع كتابه فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال.

[3] لغة ترجمة عادل زعيتر إلى العربية ليست قريبة من لغة ابن رشد. وقد حاول المفكر المرحوم هادي العلوي (1932-1998) تقريبَها جهد الإمكان بالتصرف في عبارات المترجمين.

شاهد أيضاً

فؤاد العروي : لماذا تفلت منا جائزة نوبل كل سنة؟*

سعيد بوخليط ترجمة : سعيد بوخليط  يكمن الإبستيمي(النظام المعرفي/المترجم) الذي يقود بصفة عامة نحو وجهة نوبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *