الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / سيغموند فرويد .. جينيالوجي الرغبة وكليم اللاشعور

سيغموند فرويد .. جينيالوجي الرغبة وكليم اللاشعور

يوسف عدنان

بقلم: يوسف عدنان *

” إن مشوار الكشف عن ماهية اللاشعور قد دشّن حقيقة بفضل هموم فرويد، لكن لم ينتهي معه شغف الإحاطة بخوافي النفس البشرية”. “يوسف عدنان “

كلمة افتتاحية

     تتعالى الأصوات الناكرة للفضل والمستنكرة للمُكتشف كُلّما ذكر اسم التحليل النفسي بوصفه مشتلاّ للغموض وباعث للإغواء ومنقوش بلغة يشملها فيض غزير من الغموض والإبهام، وهكذا يتشكل مشهد عتوم، تملأه الضوضاء، يُخطأ ويخطّأ ذات الحين أي فهم سديد بجدوى هذا الفن في التأويل أو العلم المشكوك في أمره إلى حدّ الساعة، بفعل المقاومة، ذلك الميكانيزم النفسي اللاشعوري الذي اعتبره فرويد نفسه عدوا أبديا وشرسا للتحليل النفسي. لهذه الأسباب وغيرها كثير لا ينحصر، التزمنا منذ مدّة خلت بالبحث والكشف والإبداع في هذا المجال المعرفي المنسّي والموؤد خاصة لدى المجتمعات الإسلامية – العربية، نظرا لتعلّقها الشديد بالمسلمات الدينية والشعوبية، الراكنة إلى “التقليدوغمائية” والتي تضرب أطنانها في أمشاج الموروث الثقافي، متخوفة من الخوض والاستبصار ببواطن الحياة النفسية الجنسية وكلّ معرفة قد تنقاد صوب “مملكة اللاشعور ” بهدف إثبات وجدوه ونشاطه ومستطاعه العلاجي وعطائه الفسيفسائي على كافة الميادين والأصعدة.

العرض

لا يزال العالم الذي نحيا فيه يرتجف فزعا أو تقديرا عند سماع اسم المحلل النفسي المرموق سيغموند فرويد، ذلك الرجل الاستثنائي الذي جعل من حياته المديدة قصة مشوّقة ليست بطويلة أو قصيرة، مُعظمها واقعي وباقيها خيالي كما يحلو للبعض الادعاء والسهر على ترويجه. لكن ما جدوى البحث والتربّص بحياة المبدعين وهُم في قبورهم، بدل مؤانسة انتاجاتهم الفكرية -وتلمّس آثارها تثميرا واجتهادا-التي لم تستطع أن تُقبرها دوامة العصور والتآكل المطّرد للبراديغمات المعرفية، إضافة إلى المستجدات التي يعصف بها العقل البشري في شتى فروع علم النفس، مغلّبة كفّة الإنسان النيورولوجي على نظيره الأنتروبولوجي – وذلك بإيعاز من طرف صراع السياسات العلمية.

” لم يكن فرويد مجرّد فاتح لمبحث التحليل النفسي – كما راق له دوما نعث نفسه – وإنما منقّب ومترصّد بارع للتشكيلات الجينيالوجية للرغبة، حتى صحّ تلقيبه ب: جينيالوجي الرغبة وكليم اللاشعور. “

نحن هنا بصدد شخصية أيقونية فريدة من نوعها لم تساكن يوما ألاعيب الحقيقة بالمعنى الفوكوي للكلمة، رافضة للمصطنع/الشكلي، وباحثة بجرأة عزّ نظيرها عن الأصول والينابيع التي تنسلّ منها فتائل الحياة النفسية اللاشعورية، بهدف تقزيم أو حتى التقليص من بُعد المسافة التي تفصل الذات عن نفسها، مصداقا لمقولة فريديريك نتشه السيكولوجي الأول بشهادة فرويد نفسه، حيث يقول فيلسوف النفس: “إن أبعد الناس منك هو نفسك” {1}.

لم يكن فرويد مجرّد فاتح لمبحث التحليل النفسي – كما راق له دوما نعث نفسه – وإنما منقّب ومترصّد بارع للتشكيلات الجينيالوجية للرغبة، حتى صحّ تلقيبه ب: جينيالوجي الرغبة وكليم اللاشعور. إذ سعى طوال مشواره الحافل بالإصدارات الرصينة والابتكار على مستوى الطرائق العلاجية للحالات المرضية، النزول بالمعنى من المسطحات الفوقية إلى الطبقات الأكثر إيغالا وتجذرا في النظيمة النفسية {2}، بشقيها الليبيدي – النزوي والحضاري – الثقافي، دون إهماله الجانب الثيولوجي الذي كان أول مستوحى ومشتلّ بالنسبة له للغوص في أعماق النفس البشرية، معلنا تجديدا للاهوت الصوفي اليهودي الكابالي {3}.

لقد التزم ضيفنا في هذه السطور بوضعية المشاهد لكرنفال الطبيعة البشرية، راجيا بكلّ صبر وأناة أن تطيع نفسه إرادته المُشتعلة ومراده المحموم، بينما يترك لمن في السماء أحقّية الحكم على ما خلص إليه في منتهى مشواره، لا معاتبته عن الخطوات التي يحدوها طوعا أو كرها كل إنسان عظيم نحو بلوغ القمة. وقد أقحمنا هذا التوضيح العجول عمدا حتى نشوش عن تلك الوصمة التي تفتتح أي نقاش أو استفسار يدور حول شخص فرويد، مختزلة مساره البهيج في أطروحتين: أوّلها الإلحاد وثانيها الإباحية أو اللاأخلاقية، متناسية لا ناسية أن التحليل النفسي قد دشّن ميلاد حركة فكرية مازالت تنبض وتثمر مع مختلف التجديدات التي لحقتها.

مما لا جدال فيه أن المكتشف الفرويدي – نقصد اكتشاف اللاشعور وميكانيزماته-قد أحدث تصدعا في نظرية الوعي كما أقامها الفلاسفة، تهاوت معه أشدّ الابستيمولوجيات تمنطقا واتساقا، لأنه وبالمختصر المفيد قد أعاد تصميم فلسفة جديدة للمعنى. ذلك أن البناء النفسي لم يعد يوقف أعمدته على تربة الوعي، وإنما على العلاقة الثلاثية التي يقيمها الأنا مع الهو وأيضا الأنا الأعلى. مما سيوفر معنى بديلا لدور كل من الشعور واللاشعور في حياة الإنسان.

لقد حثّنا فرويد أن نولي انتباهنا للمشاعر والأفعال التي نعتقد أنها لا معنى لها {أي تلك التي تحتل حسب فهمنا المبسط درجة الصفر من المعنى} مثيرا مواجهة محمومة مع أنفسنا الأكثر بدائية. فبعد فرويد وكشوفاته الصادمة والمقلقة، لم يكن من السهل تجنّب مسؤولية السلوك اللاشعوري ومدى سلطته على حياتنا المشطورة بين قسط هيّنِ من الحقيقة وسواد أعظم يحتّله الوهم.

 .. صراحة ما فعله فرويد، هو بناء نظام كامل من التفسير إلى جانب التأويل طبعا، يتغيى إظهار المعنى الحقيقي للفعل، الذي يبدو أن لا معنى له إطلاقا، شيء ما يمرّ على أطراف الأصابع، شيء ما يتدفق من أجسادنا أو عاداتنا، شيء لم نعره أدنى اهتمام، وجد فيه فرويد المفتاح لما نريده حقا. وسواء نرفض التحليل النفسي أو نتقبله عن مضض، فهو يظل خطوة مبني عليها القرن العشرين وما تلاه. وحتى نمضي قدما في بسط وتفهيم مادة التحليل النفسي، نقول أن هذا الأخير هو لغة داخل اللغة، أو بمعنى أكثر استيضاحا، هو تفسير وتأويل للغة الرغبة وبُناها المُطلسمة. وهو ما ندُّلل عليه من خلال التقابلات التالية:

الكبت / الإخفاء

الكلام الصامت / الصمت المتكلم

الاستماع / الإنصات

النفي / الإنكار

الحضور / الغياب

الاستيهام / الحقيقة المواربة

الحلم / التفريغ

الخصاء / العمى {النفسي لا البصري}

المدلول / الدال

الاستمتاع / الألم

العرض / الموضوع

فمنذ نشأة التحليل النفسي لم يستطع هذا الأخير هضم واستساغة مجموعة من الثنائيات التي كانت تعيش في وئام وتماثل في حاضنة الإرث الفلسفي، ومن أهمها رفضه الراديكالي ذلك التطابق الواهم بين ما هو عقلي وما هو نفساني، على خلفية اعتبار أن الحياة النفسية سبّاقة من حيث الأصول النشوئية على الحياة العقلية والتي أتاحت ميلاد الأنا واكتماله الوعيوي لدى الإنسان. هكذا حاول فرويد، بكل ما أوتي من معرفة يشهد لها بالتبحر والتمكن أن يجعل السبق للأنا في تشكيل الشخصية، بدل التسليم بمركزية ما للوعي، ذلك الجزء الأخير الذي نمى واستقل عن مصدره الأولي.

راجع مقال تحت عنوان: “حتى لا ننسى فرويد .. جينيالوجي الرغبة وكليم اللاشعور “.

لن ندعي بتاتا بأن فرويد قد أحاط كليا بنظيمة الاقتصاد النفسي، “فاللاشعور” الذي يُعتبر النواة الصلبة للحياة الباطنية لكلّ منا، قد شهد بعد ممات فرويد وحتى أثناء حياته، تشكيلات متنوعة أبانت عن تراكيبها وانبناءاتها تُلة من المحللين النفسانيين من قبيل: ميلاني كلاين، كارل أبراهام، ماريا توروك، كارل غوستاف يونغ، فرنسواز دولتو وغيرهم. وها نحن نشهد في عصرنا الحالي تنظيرات وأطروحات تجاوزت الإرث التحليلي النفسي الذي تقاسمته مجموعة من المدراس في هذا التخصص، لعلّ أهمها مقاربات المحلل النفسي الفرنسي شارل ميلمان حول الاقتصاد النفسي الجديد {5}، فهو يعتبر أن الليبرالية الاقتصادية أدت إلى إنتاج “إنسان جديد” لم يعد اقتصاده النفسي متمحورا حول الموضوع المفقود وتمثلاته، وهذا هو الأساس المحدد للرغبة، وإنما غدا هذا الاقتصاد منتظما من خلال تمثل موضوع قابل للإشباع، وبتحقيق المتعة. يتعلق الأمر بطفرة جعلتنا ننتقل من اقتصاد منظم بواسطة الكبت، إلى اقتصاد منظم على أساس استعرائية المتعة، انتقل بموجبه الإنسان على العموم اليوم من الرغبة إلى المتعة. هذا هو العنوان الذي يختصر المعاناة النفسية لإنسان الحداثة، الذي تخلّص من الخضوع للآخر، لكنه سقط في خضوع أكبر هو الخضوع لموضوعات الاستهلاك {6}.

بالرغم من المد والجزر الذي لحق مسار التحليل النفسي، يظلّ فرويد من الأوائل اللذين شملهم نداء الاستغاثة المُنبعث من دفائن النفس. فهو لم يمارس تأثيرا بالغا على السيكولوجيين وحسب، وإنما لحق مفعول أفكاره الفلاسفة كذلك، وآمنو ولو بتحفظ على أن الوعي غير قادر على تقديم صورة حقيقية وشفافة عن الذات والعالم. حتى أن الخيط الناظم لفلسفة ما بعد الحداثة قد حيك من حبال الأورغانون الفرويدي {نقصد باللفظ الموظف “أورغانون”، منطق اللامنطق أو عقلنة الموضوع، الذي أحله فرويد}. فقد تنامت لديهم الحاجة الملحاحة للخروج عن الذات، والكف عن الاعتقاد في التطابق المزعوم بين الذات والواقع، ونقاء الهوية. يقول في هذا الصدد، مارتن هايدغر فيلسوف الكينونة بامتياز: ” إن التحليل النفسي ما فتأ يرينا أن الذات هي ما لا نحسه وما لا نستشعره”.

ونشير في خواتم هذا المقال – في جزءه الأول – بثلاث كتب على الأقل، أبانت بما فيه الكفاية، وبكل حس موضوعي يخلو من الصنمية أو التقديس لشخص فرويد، عن عبقرية الرجل والتزامه وجرأته، وتضحيته اللامشروطة في سبيل غرس علم التحليل النفسي في قارة العلوم الإنسانية، وهي: كتاب “مهمة فرويد، تحليل لشخصيته وتأثيره {إريك فروم}، وفصل من كتاب طريّ تحت عنوان “فرويد وأتباعه” {بول روزان} ، وأيضا مؤلف فرويد في زمانه وفي زماننا لصاحبته {اليزابيت رودينسكو}، أما هذا المؤلف الأخير فقد تصدى بشكل نوعي لمجموعة من الادعاءات التي لطخت سمعة فرويد وسفّلت التحليل النفسي والتي احتواها كتاب هانزج أيزينيك المعنون ب “انهيار امبراطورية فرويد وسقوطها”.

يتبع

  باحث متخصص في التحليل النفسي والفلسفة النفساني*

هوامش:

  1. أما هذا البعد المشار إليه، الذي يفترضه نيتشه بين الذات ونفسها، فلا يجوز قياسه بلغة المسافة حتى لا نخون المعنى المراد استيضاحه. إذ الأمر يُفهم على نحو معكوس تماما. أي افتراض أنه لا توجد مسافة ما بين الذات ونفسها. بلغة تحليلية نفسية يمكن القول أن هذه اللامسافة بين الذات ونفسها، توجد على نفس خطوط التوازي، إذ لا يوجد تباعد حتى نقرأه بقياس المسافة، وإنما الأمر متعلق بإلتفاف الذات حول نفسها، شيئا من توسيع حقل الرؤيا.
  2. إن فرويد بردّه البنى الفوقية إلى بنى تحتية {الغريزة أو غريزية}، أجهد نفسه ليبين أنه لا يوجد في الحياة الإنسانية ما هو “دنيئ” ولا ما هو “منحط”. لا يمكن أن نذهب بعيدا في اعتماد تفسير يستند على ما هو مُنحط. بمعنى، لا توجد هناك درجة الصفر من المعنى، لكل حادث أو رمز أو استيهام أو حلم أو حتى زلّة ما، نصيب من الصحة والمعقولية ومن ثمة حاجتنا إلى فعل التأويل واستيضاح المعاني والدلالات المخبوءة خلف ستار الوعي. راجع مقالنا: “التحليل النفسي ومحنة المعنى في العالم المعاصر”.
  3. راجع مقال تحت عنوان: الفرويدية، لا منهجية التأويل وإشكالية رموز الليبيدو.
  4. راجع الشريط الوثائقي حول حياة فرويد {تفسير الاحلام لسيجموند فرويد أعظم علماء النفس}، https://www.youtube.com/watch?v=gmUSTiJ8KsA.
  5. La nouvelle économie psychique ; La façon de penser et de jouir aujourd’hui ; Par Charles Melman ; Éditeur ERES, 2010, 240 pages.

شاهد أيضاً

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – الباريسيا أو القول الصريح الصادق والحر- (المقالة الأولى)

بقلم: ادريس شرود “لم يبق لنا على الأقل إذن باعتبارنا محكومين إلا  أن نؤكد بالطبع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *