الرئيسية / منشورات / مجلات / أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

محمد شوقي الزين

محمد شوقي الزين

لكل ظاهرة عتبة مبدئية تُقاس بها، كدرجة سيلسوس بالنسبة للحرارة وسُلَّم ريشتر بالنسبة للهزة الأرضية. تزخر الحياة اليومية بأفعال وممارسات عتبتها المبدئية هي «المشي». المشي هو المقياس الذي تتحدَّد به السلوكيات البشرية في رواحها وإيابها، في مختلف نشاطاتها وأغراضها اليومية. للمشي منطق خاص يفلت من التكهُّن، لأنه سليل قصدٍ قابل للتعديل في أيَّة لحظة. يمكن الذهاب يمينًا أو شِمالاً، التباطؤ في الوتيرة أو الإسراع في الهرولة، الذهاب نحو المتجر أو العدول عن ذلك بالعروج على السينما. المشي سلوك عفوي وغير متوقَّع، وإن كان له منطق عملي يُدبِّره بتحديد الغاية التي يصبو إليها سلفاً واختيار الوسائل الكفيلة للتوصُّل بهذه الغاية.
1
يقول أندري لوروا غوران: «لم تكن بداية التطوُّر البشري في الدماغ، بل في القَدَم». عرف الإنسان البدائي هذه العتبة المبدئية في المشي تحت مسمَّى «الصيَّاد الجامع للثمرات». كانت هذه الوظيفة هي فجر البشرية في ضمان العيش والاحتفاظ بمقوّمات الحياة. المشي قصدية فاعلة، تشتغل لحظة بلحظة، وتجني النتائج فورًا. فلأن المشي يسبق الدماغ في الطبيعة البشرية، كان هنالك الكوجيتو القائل «أنا أمشي، إذن أنا أفكّر». يُقدِّم المشي مجالاً خصبًا للتفكير والتخييل؛ فضاء مفتوح على لانهائية الحركة وسط نهائية مضادَّات الحركة من عوائق الأشياء المنتصبة من بنايات ومركبات ومعالم. كان العديد من الكُتَّاب الرومانسيين، عندما يشتدُّ بهم الحال وتطول الفكرة عن الانبجاس، يغادرون مكان إقامتهم ويتوغَّلون في الغابة، يمشون لساعات وساعات، ويرجعون ببهجة خاصة هي الظفر بالأمر الذي كان يراودهم وعاق الفكرة عن الميلاد. يسبق المشيُ إذن الدماغ في الدرجة.
يُصدِّق ذلك قول الكاتب الفرنسي من القرن السادس عشر ميشال مونتاني «لا يندفع فكري ما لم تهزُّه قدماي». يحمل المشي جسد الفكر، وهو بالمقارنة معه، كالبنية التحتية بالمقارنة مع البنية الفوقية. كل تقدُّم حضاري وصل إلى التفكير المعقَّد بالآليات المنطقية والتقنية، إنما كان سبباً في إمكانه العتبة المبدئية في الحركة، على اعتبار أن المشي هو حركة أوَّلية. لنتأمَّل مثلاً في الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر التي لم تكن ممكنة دون ابتكار السكة الحديدية، التي كانت تعني حركة الأشخاص والبضائع، وبشكل أعم التوسُّع الحضاري والتجاري. هناك شيء في الحضارة يمشي أو يدبُّ، أيًّا كانت صيغته، سواء أكان أقدام البشر أم العجلات المطاطية للسيَّارات أم العجلات الحديدية للقطارات. الحركة هي مقياس الحضارة، وخصوصاً الحركة السريعة، لأن الحضارة تُقاس اليوم بالسرعة الفائقة على مستوى وسائل النقل والمواصلات، وعلى صعيد المبادلات التجارية والسيولة المالية.
2
نموذج السرعة البادي على جبين الحضارة المعاصرة يُضادُّه المشي، الذي يريد أن يكون بطيئاً ومتمعِّناً. المشي نقيض السرعة، لأن غايته في ذاته (التنزُّه في الغابة أو الحديقة)، والسرعة غايتها في غيرها، لأجل منفعة أو مصلحة. تستند مقوّمات الحضارة المعاصرة كلها إلى بداهة السرعة، لأن الاستثمار الاقتصادي والتنافس التجاري والربح المالي تُعطي ذلك. من لا يفقه جوهر السرعة لا يُتاجر، إذا كان غرضه الربح الوفير وفي ظرف وجيز. أما المشي فيتطلب التريُّث ويفتح الإنسان على التأمُّل وأن يأخذ وقته في اعتبار الأشياء وتدبُّر العالم. إذا كان المشي هو الذاكرة الأصلية للبشرية ومفتاح الفكر، نفهم لماذا لا تتيح السرعة التفكير الهادئ والرصين، بل القبول الفوري لمعلَّبات الاستهلاك الاقتصادي والأيديولوجي. ليس الماشي كالمهرول، لأن الأول يضبط خطواته وينظر بتمعُّن، بينما يسترسل الثاني في الحركة. الدليل على ذلك، في أيام التخفيض في السلع، بما يمليه منطق الاستهلاك، ينتظر الأفراد أمام أبواب المتاجر والمحلات بفارغ الصبر، ويندفعون ككومة واحدة لحظة فتحها.
لا تتيح الهرولة التفكير، لأنها سعي نحو غرضٍ مسطَّر مسبقاً، يتمُّ الظفر به لحظة العثور عليه. في الصورة المضادَّة للهرولة، يُقدِّم شارل بودلير صورة المستكِّع (le flâneur) الذي هو نموذج الفنَّان الذي يأخذ الوقت في النظر إلى الأشكال ويبتكر شكلاً يماثلها أو يتميَّز عنها، ونموذج المفكِّر الذي يلج في عُمق الأشياء لينظر إليها بعين التمييز بين حدودها وخصائصها. ما يضعه بودلير مسلَّمةً هو أن المتسكِّع يربط علاقة ألفة وغرابة مع الأشياء، بل يُحوِّل الغرابة إلى ألفة، ويجعل المشي همزة وصل بين الداخل الأليف وهو المسكن الذي يقيم فيه والخارج الغريب وهو العالم بأشيائه وأشخاصه. بنوعٍ من الربط العجيب الذي يُحققه المشي، يُصبح الغريبُ أليفاً، ومن ثمَّ يتسكَّع الفنَّان أو المفكِّر في عالمٍ يعدُّه مسكناً له وحقلاً لاختبار أفكاره والاشتغال على ذاته. المشي هو اعتناق أشياء العالم؛ رابطة تتخطى العلاقة المعرفية بين الذات والموضوع نحو العلاقة الأخلاقية والجمالية في الإقامة في العالم.
3
بمجاوزة العلاقة المعرفية بين الذات والموضوع، التي تقتضي تنظيماً وتصنيفاً تبرزه الجداول والأرقام والتفسيرات، يفتح المشي الأنا المتسكِّع على نظام الخيال والسيرة. أن نمشي هو أن نضاعف الرؤية، الرؤية الحسيَّة في إدراك الأشياء، والرؤية العقلية في تقدير هذه الأشياء. لكن أكثر من مجرَّد نظر آلي ينتهي بالتمييز بين ظواهر العالم ووضعها في سلالم المعرفة، يتيح المشي النظر بعين الخيال والنظر إلى الأنا بعين السيرة الذاتية. من اعترافات أغسطين إلى دريدا مروراً بجان جاك روسو، كل اعتراف هو كتابة في السيرة الذاتية بناءً على مقياس الفكرة النبيهة وهو المشي. يقول نيتشه: «فقط الأفكار التي تنبع من المشي لها قيمة». تجد الأفكار الفلسفية والابتكارات الفنية والروائع الأدبية جذورها المتينة والمحصَّنة في المشي، الذي يتعدَّى مجرَّد المسيرة نحو كتابة السيرة. لأن المشي يُقحم الذات في العالم الذي تتبوَّأ مقعدها فيه.
ثم إن المشي الذي يتيح التفكير الهادئ والرصين، يسمح بالعودة إلى الذات في نوعٍ من التخييل والاستبطان. مسوِّغ ذلك أن الكلمة «تفكير» (reflection) تفيد كذلك «الانعكاس». المشي بما هو مسيرة هو أيضاً كتابة السيرة بنوعٍ من عودة الذات إلى ذاتها تأمُّلاً واستبطاناً، أي العودة إلى أصولها الطبيعية والوجودية. المشي فعل فردي، من نظام المتوحِّد المنعزل، وهنا يلتقي المتسكِّع بذاته ويشقُّ فيها أنهاراً من الخواطر والتأمُّلات، وهذا دأب الفنَّان والمفكِّر. في المدينة أو الغابة، يُقدِّم المشي سلوك المتوحِّد الذي يشقُّ طريقه فيما هو يشقُّ في ذاته أخاديد الأفكار. يرى ذاته فيما هو يرى خارج ذاته، وعلى غرار العقل الفعَّال لدى فلاسفة العصر الوسيط، يتوصَّل بالشُعلة الوهَّاجة التي تنبع منها الحياة؛ يرى أصل الأشياء قبل فصلها المعرفي؛ ينظر إلى ذاته من معين النظر في مضايف ذاته وهو العالم.
4
المشي إجراء تداولي، يتمُّ في ظرفٍ ومكانٍ ومن لدن أنا متسكِّع. هو إذن «كوجيتو» بأتمّ معنى الكلمة، أي مفتاح التفكير من لدن فردٍ يقول «أنا»، ويعي المؤشّرات التداولية التي يترجَّل في حدودها. يقول ألكسندر لاكروا: «تريد أن تعرف أين أنت، ومن ثمَّ من أنت؟ سِر على غير هُدى انطلاقاً من بيتك». تُقدِّم هذه العبارة أساسيات فلسفة المشي، وهي أن المشي يستدل على هوية الأنا انطلاقاً من المكان الذي يوجد فيه. تقسيم العمل، التقسيم الطبقي، الأحياء البورجوازية أو الشعبية هي كلها هويَّات الأفراد من حيث انتماؤهم إلى فئة أو طبقة. يُحدِّد المكان هوية المتمكِّن من المكان. لكن لا يهمُّ الفئة أو الطبقة ما دام المتسكِع لا هوية له في المدينة أو الغابة. فهو يسير على غير هدى (drift)، يُعدِّل من مساره بانزياحٍ شبيه بالانزياح الجليدي أو القاري، لأن المشي قصدية متقطِّعة وقابلة للقفزات والطفرات. يتوجَّه المتسكِّع نحو العالم ليجد وجهه فيه أيضاً، أي ذاته: «وجه الشيء حقيقته وذاته» (ابن عربي).
تقول الكلمة «توجُّه» فحوى هوية الماشي. فيما هو يتوجَّه نحو مكانٍ معلوم، يجد وجهه في كل مكان يجوبه. بل حتى التسكُّع بلا وجهة معلومة وبلا غاية مسطَّرة هو اللقاء بذاته والتعرُّف على ذاته انطلاقاً من العالم بأشيائه وأشخاصه. ثمة بلاغة في المشي، مثلما هناك سيرة في المسيرة. يخطُّ المتسكِّع شيئًا بقَدَمه يُقرأ على التو؛ وبالوتيرة نفسها أو بالإيقاع نفسه، يكتب شيئًا على الورقة من قبيل فكرة أصيلة (المفكِّر) أو عبقرية نافذة (الفنَّان): «كل كاتبٍ هو سائر» (ميشال سير). الخطوات المنتظمة هي نظير التأمُّلات الغائرة في الوجود التي تنتج عنها روائع فنية وبدائع فكرية وسردية. لذا يأتي المشي على شاكلة الفكرة المهيَّأة للميلاد، مشياً هادئاً ومتَّزناً، يُوفِّر للحواس حمولة المكان. كان سقراط المتسكِّع يعرف قيمة هذا المشي بالتهيئة الرصينة للفكرة التي ينتظر ميلادها السَّعيد، ملخصاً جوهر فلسفته، التي هي فلسفة المشي بامتياز، «اعرف نفسك بنفسك»! وحده المشي يُوفِّر للأنا سعادة معرفة الذات.

“أنا أمشي، إذن أنا أفكر”، في العدد الجديد من مجلة “الإمارات الثقافية” (عدد 83، أكتوبر/تشرين الأول 2019).

شاهد أيضاً

الانفتاح الهوياتي للمغاربة كبديل عقلاني في عالم متعدد

سعيد السلماني مما لا شك فيه أن الفلسفة اليوم باتت ضرورية في ظل التحديات الراهنة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *