الرئيسية / ترجمة / كليمون روسي : لا وجود لوصفة سحرية من أجل التصالح مع الذات”

كليمون روسي : لا وجود لوصفة سحرية من أجل التصالح مع الذات”

ترجمة : يوسف اسحيردة

مقدمة المترجم : كليمون روسي، فيلسوف فرنسي توفي سنة 2018 عن سن يناهز 78 عاما. عُرف بشنه لحرب ضروس ضد الأوهام التي نحب عادة أن نختبئ وراءها، ومناداته، على خطى معلمه نيتشه، بقبول الواقع كما هو دون سعي إلى تغييره. في هذا الحوار الذي أجراه في 2010 مع مجلة psychologie  ، يؤكد صاحب ” الواقع ونسخته” بأنه من غير المفيد “البحث عن أنآنا السري” حتى نشعر بالتصالح مع ذواتنا، لأن هذا الأنا غير موجود. في نظره، هناك بعض أشخاص يملكون ميلا فطريا نحو السعادة، والبعض الآخر لا يملكونه….هو يملكه. لنكتشف هذا الفكر الخارج عن المألوف :

– المجلة : ما معنى أن يكون المرء متصالحا مع نفسه؟

كليمون روسي : معناه أن “لا يخرج عن جلده”، أن يكون سعيدا، ألا يطرح الكثير من الأسئلة حول نفسه وتصرفاته. هذه الحالة تشير إلى استعداد مسبق، “طبيعة”. قد يحدث أن يكون بمقدور البعض التصالح مع ذواتهم، وليس بمقدور البعض الآخر. لا وجود لوصفة سحرية من أجل التصالح مع الذات، فنحن لا ننجح عادة إلا فيما لا ينهكنا تفكيره وانجازه. عادة ما يكون الفشل حليف الخطط المدبرة جيدا. رمياتنا المخططة، المقصودة، تنتهي غالبا بكرات في الشباك أو خارجها. التفكير عدو النجاح، وقت الفعل. وحدها التلقائية تجعل المرء يقوم بأفعال تحقق له الشعور بالرضا عن النفس. وهذا ليس بالأمر النادر. فإذا نظرنا من حولنا، في محيطنا، قد نعثر على العديد من الأشخاص الذين نجحوا في الأمر. طبعا، فالأدب المعاصر يمدنا بالمئات من النصوص التي لا ينفك أصاحبها يتحدثون عن شقائهم، لكن، لا أعتقد إطلاقا أنها حالة الأغلبية منا.    

– المجلة : ليكن. لكن علاقاتنا، بيئتنا، كلها أمور قد تؤثر على إحساسنا بالتصالح مع ذاتنا أو لا، أليس كذلك؟

كليمون روسي :  لا، الشعور بالسلام الداخلي يستدعي معرفة العيش داخل حديقتنا الخاصة، دون الاهتمام بالآخرين. يجب معرف تذوق هذه الحالة، دون البحث، بالضرورة، على تعميم فائدتها حتى تشمل الآخرين، كما يوصي بذلك البوذيون.  ليس من السهل اتخاذ هذا الموقف، لأنه عادة ما يُتهم بالأنانية. طبعا، فعندما يكون باستطاعتنا المساعدة والقيام بشيء ما من أجل شخص في محنة، عدم فعل أي شيء يظل تصرفا مرفوضا. لكني سأقول بأن الأنانية تعتبر ميزة حسنة بطريقة ما: لننظر إلى عدد ” خُدام الإنسانية” الذين قتلوا ملايينا من البشر. عدم الاكتراث بالآخرين، عدم السعي إلى إفادتهم أو حتى إزعاجهم، قد يكون أمرا محمودا. صحيح أني لا أشعر بامتلاك روح كروح الأب بيار، لكني أفضل ذلك على رغبة عنيفة  في جعل الآخرين  سعداء. ما يعني في نهاية التحليل، رغبة في نقل اضطراباتنا العصبية.  

– المجلة : نحن لا نملك إذا أي سيطرة على حالة “الانسجام الداخلي” الخاصة بنا وبالآخرين؟

كليمون روسي : بكل تأكيد. الأمر محبط بعض الشيء.  لكن ليس في كليته. شعور المرء بأنه منسجم مع نفسه، يُعتبر ملكة يجب معرفة تقبلها. وعلى هذه النقطة بالذات يمكن التصرف، فعلى عكس ما قد نتخيله، ليس ذلك بالشيء الهين تحمله.  الشعور بالذنب والخوف الخاطئ من أنانية مفرطة، قد يقود البعض إلى رفض فرح العيش الذي ورثوه. ” من السهل على المرء ابتلاع جرعات من المصائب على ابتلاع جرعات  من الّأفراح”، هذا ما قاله الفيلسوف الاسباني بلتزار جراسيان دي مورليس. فبمقدورنا ضم القبضات، جمع قوانا ضد الظروف السيئة والمشاكل. في المقابل، تستطيع “جرعات جيدة من الّأفراح” تضليلنا. الحب، الثراء، النجاح، كلها أمورا يصعب أحيانا تحملها مقارنة مع المحن. إنه ” الخوف من الفوز” الذي يورده البعض في حديثهم عن أولئك الأبطال الذين يمضون في “التمعن” ويخسرون مباراة، في حين كانت كل الحظوظ إلى جانبهم من أجل تحقيق الانتصار.

– المجلة : لكن البطل يعرف ما الذي يريده: الفوز بالمقابلة. وإذا، أنا، لم أعرف ما الذي أريده، أليس من واجبي أن أنكب على أناي الباطني من أجل أخذ المسار الصحيح، ذلك الذي سيجعلني متصالحا مع ذاتي؟      

كليمون روسي : هذا سؤال خاطئ، لأنه لا وجود لأناً باطني هو بمثابة مفتاح لشخصيتنا ويختبئ خلف أنآنا اليومي، الاجتماعي. وبالتالي، فلا أعتقد أنه من الواجب الانطلاق للبحث عنه على أمل إيجاده عندنا – أو عند الآخرين، علاوة على ذلك. أحيانا نسمع هذه الجملة: ” أحب أن أعرفك بعمق”. لكن، هل فعلا نملك عمقا، “أناً سريا”؟ لا، إنه مجرد شبح، خدعة، طيف يسكننا دون جدوى. الرغبة في مراقبته، القبض عليه، مباغتته، هي محاولة محكوم عليها بالفشل. نحن، فقط وبكل بساطة، عبارة عن أناً “ظرفي”، نتاج لقاءات، صدف تركت أثرها داخلنا وجعلت منا كائنات مبرقشة، قطع مجمعة، مميزة وفريدة في نفس الوقت. هذا الأنا الاجتماعي، وليس الخاص، الواقعي للغاية،  قادر  تماما على اتخاذ قرارات هي الأحسن بالنسبة لنا – دون ما حاجة إلى البحث عنها داخل أناً خاص ومستتر.

– مجلة : واللاوعي، ألا يوجد في نظركم؟

كليمون روسي : بلى، لكنه ليس أنآنا السري، أناً قد يوجد في أعماقنا ويتميز بالاستقلالية. هويتنا تتشكل دائما في علاقة مع الآخر. لاوعينا، النزوات التي تحركنا، كلها أمور تأتي من الخارج، بسبب بحثتنا عن تقليد واستنساخ رغبات أبائنا أو أولئك الذين نعتبرهم قدوة لنا. وإذا حدث وذهبت يوما إلى زيارة طبيب نفسي قصد معرفة ما الذي تريده، فالخطأ يكمن في السؤال نفسه الذي طرحته: ” في العمق، ماذا أريد؟” أفضل العوالم ليس هو العالم الذي تتحقق فيه كل رغباتنا، بل هو العالم الذي نرغب فيه بشيء ما. الرغبة، هي الحياة. أهم مصدر للشقاء، هو الافتقاد لنية، لرغبة محددة. الشخص المتخاصم مع ذاته غالبا ما يكون إنسانا ضعيفة الإرادة ومتخاذلا : ” غدا سأمارس المبارزة بالسيف؛ بعد غد، التسلق…” وبكل تأكيد، لا شيء من هذا يحدث: إذا كنت تجهل ما الذي تريده، فلن تحصل عليه أبدا! ” لا تُوجد سوى طريقة وحيدة من أجل حب النساء، (….) وهي معانقتهن. (….) كل ما تبقى، صداقة، احترام، انجذاب فكري دون حب، لا يعدو أن يكون مجرد شبح، وشبح عديم الشفقة أيضا؛ لأن الأشباح وحدها تفتقد للشفقة: مع الحقائق، يمكن دائما التأقلم”، هذا ما كتبه الأديب هنري دو مونتيرلان. غياب تصالح مع الذات أو رغبة محددة، فعلية، يظل غصنا أعوجا لا مجال لتقويمه. وهذا أمر لا يُصلحه التقدم في العمر.  

– المجلة : كلام لا يسر…

كليمون روسي : بلى. غالبا ما تحدث المعجزات. الصدفة تظهر. وعندها يجب التشبث بالعصا الممدودة. البعض يكونون على استعداد ويعرفون كيف ينقضون ويستغلون الفرصة المتاحة. البعض الآخر، لسوء الحظ، يملكون عبقرية تجعلهم يتفننون في رفض كل ما من شأنه جعلهم بخير ويختارون إيذاء أنفسهم، لأنهم، في المعاناة فقط، يصرخون، يشعرون بوجودهم، وخاصة، يمكنهم إزعاج محيطهم بتعاستهم. ما يعني مجرد تعويض ضئيل على المستوى الذهني. مهما يكن من أمر، اطمئن : لا شيء بخير. لنتحلى بالقوة.    

من أرشيف المترجم:

كليمون روسي: اعرف نفسك بنفسك، ترجمة يوسف اسحيردة

3 فبراير 2019 ترجمةفلاسفةنصوص 0

كليمون روسي ترجمة يوسف اسحيردة ما يجهله الكثيرون، هو أن عبارة “اعرف نفسك بنفسك” لا تعود لسقراط، كما يحاول أفلاطون إقناعنا في حوار ” دفاع سقراط”. هذا الشعار، وبالإغريقية يُعرف ب “Gnothi seautom”، كان مكتوبا على واجهة معبد أبولو في ديلفي. لهذا يجب النظر إلى هذه العبارة باعتبارها مشابهة لتلك …أكمل القراءة »

الفلسفة كنمط للعيش عند سقراط، ترجمة يوسف اسحيردة

25 يناير 2019 ترجمةفلاسفةمقالات 0

إذا كانت الفلسفة تعني بالنسبة للقدماء نمطا من العيش، فسقراط هو فيلسوف بدون منازع باعتباره يتقمص هذا التعريف إلى حد التماهي. فهو لم يمض معظم حياته في التفلسف من أجل تحسين حياته فحسب، ولكنه دفع حياته ثمنا لتصوره هذا.أكمل القراءة »

يوسف اسحيردة: العيش الحكيم

24 يناير 2019 أخرىمقالات 0

بغية حصر مجال اشتغال الفلسفة، قام كانط بطرح ثلاثة أسئلة أساسية : ماذا يمكنني أن أعلم؟ ماذا عليّ أن أفعل؟ ما الذي يحق لي أن آمله؟ غير أن الفلسفة الحديثة، وإن كانت قد أوفت السؤالين الأول والثاني حقهما، فقد أهملت السؤال الثالث والأهم. ليست مهمة الفلسفة، على الأقل عند القدماء الإغريق، هي وضع المناهج وتشييد الأنظمة، بقدر ما هي مساعدتنا على العيش، وعلى مواجهة الخوف الأكبر: العدم. “لم تكن قيمة القول الفلسفي في كونه تبريرا مجردا لنظرية، وإنما هي ما يتولد عنه من مفعول، فلم تكن وظيفته لتكمن في أن يُطلع على معلومةinformer، وإنما في أن يُكوًن المتلقي ويمرّنه former” (الفلسفة فنا للعيش، عبد سلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر). غير أن إهمال هذا البعد العلاجي للفلسفة، منذ كتب الروماني بوثيوس “عزاء الفلسفة”، ستكون له عواقب وخيمة على نظرة العامة إلى الفلسفة والفلاسفة.أكمل القراءة »

منطق الإرهاب، ترجمة يوسف اسحيردة

17 يناير 2019 ترجمةفلاسفة 0

لا يجب علينا تحميل الأديان أكثر من طاقتها. الديانات لا تحتكر لوحدها العنف، الذوغمائية والتعصب. الأجدر بنا أن نفكر قليلا في الدروس المستقاة من تاريخها الطويل والمؤلم: بوسعنا فعل الشر أيضا في سبيل الخير، وحتى أن نسمح، عن طيب خاطر، بأسوأ السيناريوهات، في سبيل خير، من المفترض، أنه مطلق…الأنانية، رغم أنها الأكثر انتشار، فهي لا تشكل مصدر خوف إذا ما قورنت بالتعصب. قليلون هم من يقدمون على القتل بدافع مصالح شخصية. في نهاية المطاف، ما الذي سيجنيه المرء من ارتكاب المجازر؟أكمل القراءة »

ما الأديان؟

‏6 أيام مضت ترجمةمفاهيممقالات 0

بقلم جان فرانسوا دورتييه (Jean François Dortier) : عالم اجتماع فرنسي، مدير مجلة “علوم إنسانية”. نشر عشرات المقالات والمؤلفات، منها: “فلسفات عصرنا” (2000)، و”قاموس العلوم الإنسانية” (2004)، و”اللغة” (2010)، و “الإنسان: هذا الحيوان الغريب” (2012). ترجمة : يوسف اسحيردة : باحث ومترجم مغربي، مهتم بالشأن الديني والفلسفي، حاصل على شهادة …أكمل القراءة »

حوار: التنوير والاصلاح الديني

7 يونيو 2019 جرائدحواراتعامة 0

حوار مع يوسف أسحيردة أعده : عبد الحق الخراز – عبد الحق الخراز : اشتهرت، مؤخرا، على الفايسبوك، بتقديم قراءات و تلاخيص للكتب التي تقرؤها، منها ما قد نشر على بعض الجرائد الورقية المغربية. حدثنا عن هذه التجربة. – يوسف اسحيردة : قبل أن نتحدث عن كتاباتي حول الكتب التي …أكمل القراءة »

العلم والفلسفة: قصة حب من خمسة فصول

30 مايو 2019 ترجمةمفاهيممقالات 0

بقلم Jean François Dortier ترجمة يوسف اسحيردة ابتدأ الأمر بعلاقة انصهارية بين الفلسفة والعلم. لكن الثنائي، سرعان ما تشاجر حتى وصل إلى الطلاق. منذ عهد ليس بالبعيد، التقى العشاق القدامى وشرعوا في حوار خجول. الفصل الأول : ثنائي منسجم ولد العلم والفلسفة في نفس المهد. طاليس، مؤسس المدرسة الأيونية، كان …أكمل القراءة »

ترجمة: متمرد في تاريخ الفلسفة

18 مايو 2019 ترجمةعامةفلاسفة 0

ترجمة يوسف اسحيردة عنوان المقال الأصلي : un iconoclaste dans la philosophieعنوان المقال مترجما : متمرد في تاريخ الفلسفة في مدينة جونيف، تحتفظ مؤسسة مارثن بودمير (على اسم أحد الأشخاص المهووسين بجمع الكتب القديمة) بكنز ثمين لطبعة نادرة من كتاب “العالم إرادة وتمثلا “، معدة خصيصا لشوبنهاور، وفيها يلاحظ المرء …أكمل القراءة »

أسئلةُ الأطفالِ: شغفٌ فلسفيٌّ

11 مايو 2019 الفلسفة للأطفالبصغة المؤنثمقالات 0

سامي عبد العال حصري كوة  حين يتساءل الأطفالُ لا ينتجون معرفة، لكنهم يضعون ما نعرفه قيدَ الانكشاف والمفاجأة. هم كائنات انسانية مُذهلةٌ، بالغةُ الإحساسِ، دائمةُ الشغفِ. فالمواقف تُظهر الطفلَ موجوداً مختلفاً وإنْ كُنتَ أباه. وربما يأخذك إلى المراجعة الجذرية لما تعتنق من أفكارٍ. أنتَ عندئذ لستَ إلاَّ ” لاصقاً ثقافياً …أكمل القراءة »

ترجمة: العودة إلى الفلسفات القديمة

5 مايو 2019 ترجمةمقالات 0

لوك فيري ترجمة يوسف اسحيردة نشهد اليوم عودة قوية لكل من علم النفس الايجابي ونظريات التنمية البشرية إلى الحِكم القديمة، لا سيما البوذية والرواقية باعتبارها نماذج من فلسفات السعادة. فلكي نتحدث عن السعادة الحقيقية، لابد من توفر شرطين أساسين سبق وأن تطرقت إليهما الفلسفات القديمة بإفاضة : يجب،أولا، أن يكون …أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

العلاقة بين العقل والجسد في فلسفة العقل

 اسماعيل دحماني  اسماعيل دحماني ابتدأت فلسفة العقل فعليا بأعمال ديكارت أي في القرن 17، حيث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *