الرئيسية / منتخبات / أنشطة / استشكال مفهوم العلم بصيغة غير صيغته الإسلامي

استشكال مفهوم العلم بصيغة غير صيغته الإسلامي


عبد الفتاح الحفوف

عبد الفتاح الحفوف –  أستاذ باحث  

مما لا شك فيه أن تاريخ العلم و العلوم لعبت دورا مهما في رسم معالم واضحة عن تطور الأفكار العلمية، و خاصة في ما يتعلق بالتطور الاجتماعي ، مما يؤدي الى فهم أعمق للمواضيع النظرية ، وهذا يكشف الصراع القائم بين الإنسان والعالم الطبيعي من جهة والعالم الذاتي من جهة ثانية، بغية السيطرة على القوانين المتحكمة في التاريخ البشري، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. لكن الإشكال المطروح هو أن مفهوم العلم سيعرف  إن صح التعبير ركود/تأخرا خصوصا في ما يمكننا أن نصطلح عليه بالفكر الإسلامي خاصة عندما سينتقل مفهوم العلم  من مجال تداولي معين الى مجال غريب عنه كليا.

إن الصراع القائم بين العلم كعلم والفكر الميتافيزيقي، ربما من بين الإشكالات التي كتبت فيها الكثير من عصر النهضة خاصة مع بيكون مرورا بديكارت وكانط وغيرهما في العصر الحديث الى حدود القرن والواحد والعشرون ، ما يهمنا في هذه الورقة هو كيف انتقل مفهوم العلم كمفهوم  من التصور اليوناني الى التصور الإسلامي؟ وعلى أي أساس قَبِل هذا الأخير مفهوم العلم بصيغة غير صيغته الإسلامية.

يبدو أن المتأمل في  موضوع تاريخ العلم سيجعله يستنتج مفارقة كلما تقدم في البحث عن تاريخ هذا العلم، إذ  يحمل في طياته معنيين؛ المعنى الأول يظهر  بين العلم كعلم طبيعي أو ما يمكن أن نطلق عليه بالطبيعيات، والمعنى الثاني يتجلى في كونه علم نظري أو الإلهيات،وهو الأمر الذي يجعلنا نستحضر  التقسيم الذي وضعه الفيلسوف اليوناني أرسطو بين العلوم النظرية ( الفيزياء، الرياضيات، الميتافيزيقا) وبين العلوم العملية         ( الأخلاق، السياسة، الدين).

إن هذه المفارقة تجعلنا نفهم أن دلالة كل من الميتافيزيقا والعلم أو بين الطبيعيات والإلهيات لا تحمل نفس المعنى الذي يفهم منها اليوم. فالميتافيزيقا كانوا ينظرون إليها كعلم، بل هي أشرف العلوم باللغة الأرسطية. فكيف يمكن إذا إعادة الاعتبار للعلم ورفعه الى مقام /حضرة الميتافيزيقا؟

إن بادئ ذي بدء لا نريد من طرح سؤلنا البحث عن الفصل بين الأمرين، أي بين العلم والميتافيزيقا، ولا بهدف استعراض تاريخ العلم نفسه، لأن هذه الورقة لا تستحمل ” تأريخ التاريخ ” بل هدفنا هو استشكال سؤال العلم في بيئة غير بيئته.

لا ننكر أن الانسانية عرفت تقدما ملموسا في شتى المجالات، إلا أن تطورها تطور نابع من مبدأ     ” كلما أخطأنا كلما تعلمنا معنى الخطأ ” لكن تاريخ الانسانية منذ البدء هو تاريخ متشبث بالعقيدة و الانحياز أو (الدوجما) على اعتبار أن الإنسان بتشبثه بتلك القناعات والأفكار  التي يعتقد على أنها صادقة /صحيحة هو دائما على أجل استعداد للموت / للحياة 1 من أجلها.

 وهذا ما يمكن أن يوضحه لنا تاريخ العلم، بل العلم الحديث منذ عصر النهضة مع بيكون الذي دشن الحركة الدينية أو شبيه دينية ، لانه هو المبشر بالعقيدة العلمانية للعلم2 أليس هو الذي أحل اسم الطبيعة محل الرب باعتبارها حاضرة في كل الأشياء، وكانت مهمة العلم هو تحديد طبيعة كل شيء.

لقد قطع العلم طريقا شاقا وطويلا حيث انتقل / ارتحل من الأشياء العادية الى قوانين كلية. في البداية غمر الجهل / الظلام حيز الوجود، وجعل اللا معنى واللغة أحد تجليات الغموض. هكذا نرى العلم يبدأ من المجهول إنها البداية قبل البدء. وكأننا داخل دائرة بلا بداية ولا نهاية. إلا أن  التطور كان نتيجة التعارض بيه وبين الميتافيزيقا، فكان حينا من الدهر أن  رأى فيه العديد من الناس على أن الميتافيزيقا انتهت واختفت الى الأبد. أولم يسخر منها هيوم ؟

ما نعنيه هنا بالميتافيزيقا – حرفيا ما بعد الطبيعة – هو اقتحام ما لا يمكن إنجازه بشكل كاف باللغة في حد ذاتها، وبشكل أدق محاولة بلوغ الأشياء التي يحملها العلم في سياقه ولكنه لا يستطيع في حد ذاته أن يبلغنا بأمرها. 3  يتضح إذا على أن العلم يجب أن يكون من المفروض كونا موضوعيا/ منفصلا ومستقلا عن الملاحظ، أي يمكن استكشافه عن طريق البحث العلمي وربما هو نفس الدفاع الذي قام به كارل بوبر ( الدفاع عن العلم والعقلانية) لأن العلم يحاول دائما أن يكون آية من آيات العقلانية ، إذ لا يضمحه انحياز ذاتي عقائدي أو سياسي، فالاهتمام بالعلم هو أن ترى ما هو واقع هناك (الموضوعية) بدل ما نتوقع أو نتأمل أن نجده وهو التوجه الذي سلكه الفكر الإسلامي تحت ذريعة أن التأويل هو العلم، يقول الله تعالى في سورة يوسف ” قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذالكما مما علمي ربي…” 4 يقول شيفلر في جامعة هارفارد واصفا العلم ” بأنه نسق عام ، محكوم بالنطق والواقعية التجريبية…والتي تعبر عنها قوانين الطبيعة” 5 إلا أن هذا الوصف قد يكون مرفوضا ليس في ما كان عليه العلم سابقا وإنما ما وصل إليه العلم الآن من استنتاج. أن علاقة العلم بالقوانين العلميةهو أن القوانين الطبيعية في حد ذاتها ليست تفسيرا لظواهر الطبيعة أو كما جاء على لسان فتغنشتين ” من أخطر الأوهام التي على العلماء التخلص منها وهم الاعتقاد بأن العلم يعلل ويبرر ويفسر ويتشبث بالقوانين العلمية كما لو كانت فوق الطبيعة؛في حين أن العلم لا يقدم سوى أوصاف الظواهر ولا يقدم لنا بأي حال وسائل تفسيرها”6.

إن انتقال مفهوم العلم من مجال تداولي الى مجال أخر سيؤثر /سيغير لا محال ترتيب الأوراق، سواء على مستوى الموضوع أو المنهج. وهذا الانتقال يمكن أن نستشفه من خلال الصراع القائم أو الذي كان بارزا في وقت ما تحت إشكالية نظرية الفيض ” كيف يمكن للواحد أن يصدر عنه الكثرة…الخ ”

وقد كانت لي صدفة مع  كتاب “جدل الطبيعيات والإلهيات “7 لمحمد مزوز إذ يبرز فيه علاقة العلم بالواحد على اعتبار أن هذا الأخير كان هو المفهوم الواضح/ الرائج في الثقافة الإسلامية قبل دخول مفهوم العلم .

العلم في الثقافة الإسلامية :

يبين محمد مزوز بأن الثقافة الإسلامية لم يرد فيها مفهوم العلم بالمعنى الكلمة الذي نفهمها اليوم به، وإنما ذكر بشكل يتخذ معنى مخالف للمعرفة العلمية القائمة على التجريب والتفسير وصياغة القوانين8(ص19)أي بمعاني (سجالية ، تعجيزية، إفحام الخصم وإظهار قصوره . وهذا ناتج على أن القرآن ليس مطالبا بتعريف العلم مادام ليس من مقدور الوعي العربي قبول دلالة المفهوم غير الدلالة الأصلية التي يعرفونها (العلم بالمعنى الغيبي). وما يفسر ارتباط العلم بالظواهر الطبيعة  وهو النظر إليها كعبرة ، أي كدلالة على وجود قوة خفية متحكمة وهذا يبرز في ذات الوقت علاقة الله بالعالم، وهو ما سيطرح فيما بعد إشكالية الاتصال والانفصال  ( موضوع المتكلمين ) إما أن تكون علاقة اتصال ( التثليث المسيحي ) وإما علاقة الانفصال مما سيؤدي الى ظهور مفهوم الواحد.الذي لا يقبل الانقسام،  وهذا الواحد لا يمكن معرفة صياغته إلا بجوار العلم بالغيب.

يتضح لمحمد مزوز على أن المسلم بعد انقطاع الرسالات وتوقف الوحي سيضطر الى العودة الى القرآن والسنة ، على اعتبار أنه العلم الذي يلزم الاهتداء به في حياة الناس. وهو علم مكتملا، أي معطى ولا يبنى، ومنهما، أي من القرآن والسنة بدأ استنباط الأحكام الشرعية، فأصبح مفهوم العلم يعني المعرفة بالإحكام وطرق استنباطها ولم يعد يعنى المعرفة بأمور الغيب (ظهور علم التفسير والحديث الفقه…الخ ).

بالنسبة المتكلمين يطلقون مفهوم العلم على أمرين:

  1. علم الله وهو ليس علما استدلاليا أو اضطراريا
  2. علم الخلق وقد يكون علما ضروريا ( الحس / الحدس)ويشترك فيه العامة أو علما نظريا (أي الاستدلال ويكون خاص بالعلماء)

هذا يعني أن مفهوم العلم مزال كمرآة مجلوة بلغة المتصوفة. فالواحد لا يمكن البحث في ذاته وصفاته لانه واحد لا يقبل الانقسام فيصير كالمعدوم المقابل للموجود. مع المتكلمين سيطرح المعدوم مشكل هل هو شيء أم لا ؟ لكن إجابة أهل السنة والأشاعرة ” أن المعلوم ليس شيئا ،ولكنه يُعلم كعلمنا بقيام الساعة، وهي لم تحدث بعد. 9

لا نريد الخوض في نقاش لا يمكننا الخروج منه، لأنه ليس من مهمتنا هنا. بقدر ما يهمنا أن نستنتج على أن العلم في الثقافة الإسلامية  لم يقبل التصور التجريبي العلمي في بيئته بل تشبت بالغائب في تفسيراته لكلام الله والرسول .إن العلم الطبيعي جديد عليها فقد ترعرع و اكتملت هيئته في الثقافة اليونانية قبل أن ينتقل بالصيغة الأرسطية الى أحضانها.

العلم في الثقافة اليونانية :

إن التفكير الفلسفي و العلمي على الخصوص لدى اليونان يتميز بكونه لم يكن مقتصرا على رجال الكهنوت ولا يتمتع بحرية نسبية ، وأنه علم اتجه الى فهم الطبيعة  وفهم الروابط بين ظواهرها، وقد كان هذا عندما انفصل العقل (اللكوس) عن الأسطورة (الميتوس) وبدأ البحث عن التفسير المعقلن للوجود وأصله، فاعتمد الحكماء على مفهوم الواحد بالصيغة الطبيعية  لتفسير أصل الوجود والذي يمكن أن يكون أحد الأسطقسات الأربعة.

يقول محمد مزوز  ” إن غياب العقل في فهم العالم ، يفسح المجال أمام التصورات الغيبية ( الأسطورية، السحرية، الدينية…) وهذا ما يفسر ظهور المذاهب الروحية التي تشبع رغبة الإنسان في المعرفة…”10 فغياب منطق واضح لفهم قوانين الطبيعة  يؤدي بنا الى الاستعانة باللا علم إن صح هذا اللفظ في إشباع ما لا يمكن فهمه، ولنتذكر كانط عندما قال في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب ” نقد العقل الخالص”  ” كان لزاما علي هدم المعرفة لإفساح المجال للإيمان” وهذا إن دل على شيء إنما يدل على مفهوم العلم لم يلقى ترحيبا خصوصا الانحطاط الذي عرفه العلم بعد ظهور مذاهب دينية كالفيثاغورية التي اعتمدت على العدد والأفلاطونية التي جعلت العلم تذكرا.

يتضح إذا على أن العلم مع اليونان جعل الواحد يهتم بالطبيعة، لكن مع العلوم الإسلامية كان الواحد في صيغته الإلهية، فكان الأول منشغلا بإقامة فصل بينه وبين الشريعة إلا أن الثاني عمل على تأكيد العلاقة وإقامة جسور الاتصال بينه وبين الشريعة.

نخلص في الأخير الى القول على أن تاريخ العلم لا يجب أن يقتصر على دراسة الأفكار تاريخيا بقدر ما يجب ربطه بالتاريخ البشري باعتباره جزءا منه، ذلك التاريخ الذي ينعكس في صراع الإنسان ككائن اجتماعي بطبعه. فالاشتغال بالعلم عميلة اجتماعية مشروطة بالتعاون مع الآخرين . والعلم ظاهرة معقدة لا يمكن أن يعزى تطوره الى عامل منفرد واحد.

  1. أسطورة الإطار، كارل بوبر، عالم المعرفة292 ، ترجمة يمنى طريف الخولي،ص109
  2. المرجع نفسه، ص 110
  3. فلسفة الكوانتم، رولان أومنيس ،عالم المعرفة350،  ترجمة يمنى طريف الخولي، ص 307
  4. سورة يوسف، الآية36
  5. أنثوية العلم،ليندا حين شيفرد،عالم المعرفة306،  ترجمة يمنى طريف الخولي،ص153
  6. دروس الابستيمولوجيا،عبد السلام بنعبد العالي و سالم يفوت،ط3،2001،ص827
  7. جدل الطبيعيات والإلهيات بين ابن رشد وابن سينا ،محمد مزوز،ط1،2017،ص19
  8. 8)    المرجع نفسه،ص 19
  9. المرجع نفسه،ص30
  10. المرجع نفسه،ص38

شاهد أيضاً

ميشيلا مارزانو: العنف والكرامة – مفارقات الجنسانية

ترجمة: خالد جبور ملاحظة: هذه الترجمة أنجزها الصديق خالد جبور خصيصا لموقع كوة من اجل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *