الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / ميشيلا مارزانو: العنف والكرامة – مفارقات الجنسانية

ميشيلا مارزانو: العنف والكرامة – مفارقات الجنسانية

ترجمة: خالد جبور

ملاحظة: هذه الترجمة أنجزها الصديق خالد جبور خصيصا لموقع كوة من اجل اطلاع القارئ العربي على جديد الفلسفة النسوية المعاصرة، فله كل التقدير والشكر.

يمتد تأثير الجنسانية ليشمل كل مناحي وجود الكائن البشري؛ علاقته بالعالم وبالحياة، ثم ارتباطه بالآخر، فالغريزة الجنسية هي مجموع الاندفاعات الحيوية التي تستحِثُّ الوجود وتُدِبُّ فيه الحيوية وتَبُثُّ فيه الحياة، لتلعب دورا محوريا في رسم السمات الأساسية للارتباط بالآخر من جهة، وفي تحديد ماهية وطبيعة العلاقة التي تجمع بين الإنسان وذاته من جهة أخرى. مع العلم أن هذه الدوافع تستمرُّ في لعب هذه الأدوار المحورية حتى وإن تَمَّ كَبْتُها أو تَحْويلُها – بلغة التحليل النفسي-. 

إن الجنسانية، حسب تعبير ميرلوبونتي، هي” اختبار ملْزِم للجميع، إذ أنه يشمل الشرط الإنساني في أكثر لحظات استقلاليته وتبعيته تعميما”؛ فبالجنسانية وتحديدا في تجربة الرغبة، يغدو الفرد في مواجهة دائمة متَّسِعة النطاق، إذ تتجاوز تجربة التبعية، لتصير مواجهة للاستقلالية عَيْنِها. فرغم كون الفرد دائم التبعية للآخر ولٱاستجابته، فإنه يسعى للسيطرة على هذا الآخر بواسطة رغبته، الشيء  الذي يُحَوٍّلُ هذا الأخير إلى موضوع بمقدوره الاستغناء عنه، وباستطاعته تركه والأفول عنه دون ضرر، وبلا أي شعور بالخسارة. وهكذا ففي كل علاقة جنسية، يُعْتَبَرُ كل طرف من الطرفين موضوعا للآخر. 

الرغبة التي تدفع إلى الالتقاء بالأخر والارتباط به، تجد في غيرية هذا الآخر الجذرية، وفي كرامته الجوهرية، حاجزا لا يمكن تخطيه بأي حال من الأحوال؛ فالآخر يزيل النقاب عمَّا ينقصنا، ويجبرنا في الآن ذاته، بحضوره الذي لا يمكن رفضه ولا نكرانه، على التخلي عن فكرة امتلاكه امتلاكا مطلقا.

فإلى ماذا يؤدي هذا الوضع؟ وهل تخضع الرغبة بشكل منهجي لمنطق الربح والخسارة، إذا ما افترضنا استحالة الالتقاء المتكافئ بين طرفين يصبح ضروريا تَحَوُّلُ أحدهما إلى شيء، إذا ما رغِب به الطرف الآخر، كما يدعي جون بول سارتر في ” الوجود والعدم”؟ 

وهل يمكن التسليم بموقف كانط الذي اعتبر الجنسانية في جوهرها، نقيض لكرامة الإنسان؟ وما الذي نعنيه بالكرامة؟

الجذور الكانطية للكرامة الإنسانية

         مِنَ المَعْلوم أن مفهوم الكرامة، من وِجهة نظر فلسفية، يحيل إلى فكرة أن ” شيئا خالصا لا يعود إلاَّ للكائن البشري فقط لأنه كذلك”، وتنبثق جذور هذه الفكرة من أعمال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، حيث نرى أن الجزء الأكبر من متنه الفلسفي يتمركز حول التمييز بين “ما له ثمن” (الأشياء)، و “ما له كرامة” ( الأشخاص). ففي كتابه الموسوم ب ” أسس ميتافيزيقا الأخلاق’’ على سبيل المثال لا الحصر، نجد الفيلسوف يقابل  بين قيمتين مختلفتين؛ الكرامة باعتبارها قيمة خاصة وثابتة لا تُمْنَحُ إلاَّ للأشخاص، وقيمة أخرى متقلبة وهي ما نسميه “الثمن” وهو قيمة اعتيادية تُمنح للأشياء المادية وللمشاريع ذات الطابع النفعي، وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم والتمييز بين القيمتين (الثابتة والمُتحولة) أدَّى إلى استقلال كرامة الشخص، ليس فقط عن موقعه الاجتماعي وشعبيته، وإنما أيضا عن نفعيته.

          فخلافا للأشياء المادية التي نستطيع منحها ثمنا مشروطا، قابلا للتغيير بِتغيُّرِ نفعيتها وبِتَقَلُّبِ أحوال سوق المبادلات، لا يمكن تحديد ثمن للأشخاص؛ لأن كرامة الشخص غير قابلة للمقارنة والمقايضة، ويستحيل قياسها، عكس ما هو قابل للقياس وبالتالي للتعويض “إن الكائنات العاقلة تسمى أشخاصا، لأن طبيعتها تجعلها، منذ البداية، تتعَيَّنُ كغايات في ذاتها، أي ككائنات لا يُمكِن أن تُسْتَعمل باعتبارها مجرد وسائل، بل كمحط احترام وتقدير”، وبالتالي فلا يُمكن اعتبارهم وحسرهم في كونهم موضوعا للذة لا غير.

وبذلك فإن الإنسان، حسب نفس الفيلسوف، هو الأصل والمعيار الأساسي للأخلاق، الأمر الذي لا يمكن أن يُبَلْوَرَ إلا على صيغة قوانين ذات طابع كوني. فالموضوع الأخلاقي، لا يُمْكِن أن ينظر إلى ذاته كذات مستقلة ذات كرامة، إلا إذا اعتبر نفسه فاعلا عقلانيا، ساعيا وراء كل ما هو كوني، يُنتِج قوانينه الخاصة، ويتحرَّرُ إذ ذاك من قوانين الطبيعية ومن القوانين الإلهية، لكنه عوض ذلك، يُخْضِعُ نفسه ويلزِمُها بالعقل التشريعي بحيث أن ممارسة الحرية تقتضي وضع واحترام ثلة من الوجبات، سواء تعلق الأمر بارتباطنا بالأخر أو في علاقتنا مع ذواتنا.

عندما نقوم بفعل ما أخلاقياً، فإننا لا نقوم به ابتغاء تلبية رغباتنا، بل نُقْدِمُ عليه على أساس أنه فعل ” يجب أن يُفْعَل” إذ يقول كانط: “إن الإرادة مستقلة استقلالا تاما عن الشروط العملية، إنها إرادة خالصة، مُحَدَّدَةُ فقط بواسطة القانون الأخلاقي”. فللإنسان حرية داخلية لا تتجلى في استطاعته القيام بكل ما يُريد، وإنما تتمظهر في قدرته على وضع  مجموعة من القوانين التي يُلْزِمُ بها نفسه: ” إن الإنسان ككائن عاقل يوجد كغاية في ذاته، وليس كمجرد أداة يمكن لأي إرادة أن تستعملها لصالحها. يَتَعَيَّنُ دوما اعتبار الإنسان غاية في حد ذاته، في كل أفعاله؛ في الأفعال التي تعنيه كما في تلك الموجَّهة نحو كائنات أخرى عاقلة “.

في الاحترام، يعترف الإنسان ويرضخ لأمر ليس غريب عنه، وغير مفروض عليه بواسطة قيد أو شرط يوجهان سلوكه من الخارج، ففي هذه التجربة، يُعْتَبَرُ الآخر صورة تنعكس من خلالها الذات مع كل ما تحمله من عيوب ونقصان، إذ في الإنسان، أي إنسان، أرى صورة النقصان وعدم الكمال الذي يُمكن أن يكون محدوديتي ونقصي.

إن الاختلاف الجوهري بين الشخص والشيء، هو ما يُمكِّن من جعل الحرية الفردية والاستقلالية  في مكانة لا يُسْتَهان بها، وبالتالي يسمح ببلورة وتحديد أخلاق جنسية morale sexuelle ترتكز في بنائها على وهم التوافق المتبادل بين مختلف الشركاء.

لكن ورغم ذلك، فإنَّ موقف كانط يبقى موقفا إشكاليا بامتياز وعلى عدة مستويات، خصوصا إذا ما تم التعمُّق فيه وبلوغ أقصى حدوده، فعلى سبيل المثال، لا يُمكن غض الطرف عن أقواله الصارمة ومواقفه الراديكالية حول الجنسانية؛ حيث أنه  لم يتوانى عن الإلحاح على اعتبار الزواج، للرجل وللمرأة على حد سواء، الوسيلة الوحيدة الكفيلة بضمان استمتاع أحدهما بالآخر، دون الدنو نحو التدهور والخراب، ومن هنا نخلص إلى أن كانط انحسر في دائرة الزواج باعتباره حلاَّ قانونيا لمعضلة تشمل الجميع دون استثناء، شريطة اعتبار الزواج عقدا يجمع الطرفين معا، إلزاميا وبصفة رسمية شفافة، لكن فيلسوفنا يلزم الصمت حول طبيعة الارتباط (العلاقة الجنسية)، وحول الجسد الراغب والجسد المرغوب فيه، و لم ينبس ببنت شفة حول هذه الأمور ذات الأهمية الكبرى، والتي لا تخلو من صعوبات وتعقيد. لكن، والحق يُقال، إذا اقتصرنا على تأملات كانط وملاحظاته العامة حول الفرق بين الثمن والكرامة، دون الذهاب بعيدا في تصوره الفلسفي حول الجنسانية، نكتشف مسارا مرسوما للبحث والتنقيب وتمحيص العلاقة بين الجنسانية والعنف والكرامة.

إن الاختلاف الجوهري بين الشخص والشيء، هو ما يُمكِّن من جعل الحرية الفردية والاستقلالية  في مكانة لا يُسْتَهان بها، وبالتالي يسمح ببلورة وتحديد أخلاق جنسية morale sexuelle ترتكز في بنائها على وهم التوافق المتبادل بين مختلف الشركاء.

العلاقات الجنسية وَ وَضٔعَنَةُ الآخر 

لا أحد يستطيع إنكار وجود شكل من أشكال وَضْعَنَة الآخر objectivation de l’autreفي كل علاقة جنسية، إذا يكفي أن يكون الآخر موضوعا  للّذة حتى يتم تشييئه، فيصير في خضم هذه العلاقة مجرد شيء هشِّ وعارِ ومستسلم للمداعبات والقُبَلِ ومنتظرا لتودد الآخر، راضخا مستكينا تحت قبضته. 

لكن هذا لا يعني أنَّ الشخص يغدو مجرد شيء ما إن نرغب به، لأن كل موضوع للذة يمكن إن يكون ذاتا راغبة. 

إنَّ كثرةَ أشكال الوَضْعَنَة واختلافها، يؤدي إلى الكثير من سوء الفهم، وبالتالي يجب تحليل السياق وتمحيص الظروف الداخلية حيث تَتِمُّ العلاقة، من أجل معرفة ما إذا تمَّ الأخذ بعين الاعتبار وجود الآخر موضوع اللذة، كجسد لكن كذات راغبة أيضا، أم أنَّه فقط سُخِّرَ كأداة لتلبية الرغبة. 

والحال أنَّ وضعنة الآخر وتشييئه تختلف اختلافا جوهريا على الوضعنة التي تحترمه باعتباره شخصا؛ ففي الحالة الأولى، يتعلق الأمر بإضفاءٍ للطابع المادي على الشخص، أي جعله شيئا، أمَّا في الحالة الثانية، فيُمْكَنُ الحديث عن عملية تجسُّدٍ لذات هذا الشخص. 

إن اعتبار شخص ما موضوعا للذةٍ لا يجعل منه بطريقة حتمية شيئا كباقي الأشياء، فحتى في الجانب اللغوي وإذا ما قرأنا في المعاجم وبحثنا عن الاختلاف بين الموضوع والشيء، نجد أن العبارتين لا تتعديان كونهما مرادفين، ففي كلِّ معجم، يُحيل الشيء (chose) إلى ” كل شيء صلب ذي تأثير على الحواس” أما الموضوع (objet) فيعني شيء صلب ذو وحدة واستقلالية، يستجيب لغرض معين”، بالإضافة إلى أن نفس العبارة قد تحيل إلى الكائن الذي نُوَجِّه تجاهه إحساسا ما، وما تميل نحوه غرائزنا، وإرادتنا، ومجهوداتنا بل وحتى أفعالنا، وهنا يكمن الاختلاف الجوهري؛ بحيث أن الشيء لا يتعدى كونه وحدة مادية، جامدة ومتوفرة بشكل تام”.

والحال أنَّ وضعنة الآخر وتشييئه تختلف اختلافا جوهريا على الوضعنة التي تحترمه باعتباره شخصا؛ ففي الحالة الأولى، يتعلق الأمر بإضفاءٍ للطابع المادي على الشخص، أي جعله شيئا، أمَّا في الحالة الثانية، فيُمْكَنُ الحديث عن عملية تجسُّدٍ لذات هذا الشخص. 

فأي معنى يكتسبه الموضوع في إطار العلاقة الجنسية؟

في الحقيقة، تكتسي العلاقة الجنسية في هذا السياق طابعا شديد التعقيد الأمر الذي يتجلى بوضوح من خلال موقف سيغموند فرويد، الذي ذهب إلى حد اعتبار، وبشكل منهجي،  العلاقة الجنسية استمرارية للعلاقة التي عاشها الفرد مع والديه في ماضيه السحيق، وخاصة عندما كانت سعادته تكْمُن وتنحصر في الاندماج مع الأم وتذويب الذات في ذاتها؛ وبذلك نستنتج أن النمو، إذا ما قاربناه من هذه الزاوية، هو سيرورة اكتساب هوية منفصلة خصوصا عن الأم، وبالتالي التخلِّي عن الاندماج المذكور أعلاه، الأمر الذي يؤدّي إلى ولادة شعور بالفقدان ورغبة في إعادة البحث، بوسائل مختلفة، لاسترجاع الموضوع المفقود، ومن هذا المُنْطَلَقِ نفسِّر كيف أنّ الفرد، في العلاقة الجنسية، يُظْهِرُ في الآن ذاته ضُعفه وقوّته: رغبته في إيجاد واسترجاع الموضوع المفقود وحاجته إلى التحكم فيه وٱامتلاكه ومنع أُفولِه.

إن الجنسانية موضوع لا يمكن أن يكون، بأي شكل من الأشكال، موضوعا يكتسي طابع الهدوء والبساطة، موضوعا ينحو منحى خطيا، إذ أن الجنسانية دائما ما تقتضي رغبات وحاجات، تثير شهوات واندفاعات، ومخاوف وحرمان، وتُسبِّب تخيُّلات وانكسارات. 

إن تخطي حدود الجسد واجتياز الحواجز الفاصلة بين ال “أنا” و ال ” انت”، يجعل الفرد في حالة تَدَبْدُبٍ مستمر وتأرجح دائم بين ميولات تجُرُّ نحو الاندماج والانصهار واندفاعات تدفع في اتجاه التدمير والفناء؛ فالرغبة في أحد ما تعني دائما الذهاب والإياب والنؤوس بين التَّحكُّم في هذا الآخر والحيلولة دون السقوط في حالة الفقدان، سواء تعلق الأمر بفقدان موضوع الرغبة أو بفقدان الذات الراغبة لذاتها، وبالتالي، فَما إن نعرض أنفسنا للآخر، فإننا نسمح له برؤيتنا، إذ نقدم له صورة بدون مؤثرات، صورة تعكس ذاتنا، وقوتها، وهشاشة وضعيتها، الأمر الذي قد يدفعنا إلى التسليم بالخلاصة القائلة بأن كل علاقة من هذا النوع تؤدِّي إلى حالة استلاب إذ نضع، في خضم هذه العلاقة حريتنا بين يدي الآخر مع وجود إمكانية إنكار رغبتنا، أو اعتبارنا بدورنا مجرد وسائل. 

وبالتالي فإذا كان الآخر شخصا وموضوعا في الوقت نفسه، ذاتاً وجسداً، فما الذي يتبقى، في هذه الحالة من كرامة الإنسان؟ وهل يُمكِن رسم خط التقاء وتحديد مجال مشترك بين الرغبة والعنف؟ 

رهـانـات الـرغبة الـجِنسـية 

عندما نرغب في أحد ما فإننا لا نفعل ذلك ونحن مُتَمَوْقِعون خارج نطاق رغبتنا، فهذه الأخيرة تُساوٍمُنا؛ إذ أن كل واحد منا متواطئ مع رغبته التي تُمكِّننا من الوعي بكينونتنا كأجسـاد “être un corps”، وهكذا فإن وَضْعنَة الآخر لا يُمكِن أن تنحْصَر في كونها مجرَّدَ نوع من أنواع ” الوسائلية” (اعتبار الآخر وسيلة) إذ بإمكاننا امتلاك الآخر دون نكران طابع التبادل والتشارك الذي يطبع عملية التملك تلك. 

إنَّ الشخص المرغوب فيه، كما يشرح ليفيناس، ليس آخرا كالخبز الذي نَأْكُـل، أو البلد الذي نَسْكُنُ، أو المنظر الطبيعي الذي نتأملُّ، ففي كل هذه الحالات، تستطيع الأنا أن تغذي نفسها، بل وأكثر من ذلك، تستطيع بلوغ الإشباع، لكن عندما يكون أحد الأشخاص مرغوبا به، فإنه كموضوع للرغبة يكون قابلا للانتزاع وسليما منه في الآن ذات؛ ” فالمُؤَنَّث  Féminin قابل للتملك، ولكنه في نفس الوقت في منأى من القبض عليه، حتى أثناء الارتباط أثناء اللذة والمتعة. 

ولهذا يُمكِن القول أن الجنسانية مرآة الشرط البشري، تعكس صورة الإنسان مع كل ما يحمل من تناقضات؛ فمن جهة، تُعْتَبر الجنسانية تمظهرا للرغبة؛ الرغبة في الذهاب نحو الآخر وتَمَلُّكِه، ومن جهة آخرى، فهي مجال خِصبٌ  للهجر والإحباط. ففي الاستمتاع الجنسي تَمَظهرٌ لنقاط ضعف الإنسان، وفي نفس الوقت، انفتاح على البُعد الخلاَّق لتجربة الالتقاء بالآخر والارتباط به، وعندما يكْشِف الجسد عن نفسه، وعلى طبيعته، فإنَّ المثالية التي تتغنَّى بها النفس تخرص وتستَتِر: إنَّ الذات، عند الالتقاء الجسدي، تتأرجحُ بين التَّفكك والتِّيه وإعادة تركيب وبناء الأنا، إذ أن الأمر يتعلَّق باستسلامِ لسلطان المتعة الذي لا يُـجابهَ، وإعادة المسك بزمام التحكُّم، وإبعاد للعقل ولملكة الحكم مع توجيه الجهود نحو إعادة ٱاجتياح حدود أصقاع الجسد والفضاءات النفسية العميقة التي لا تطفو على السطح إلا من خلال الجنسانية.­­


إنَّ الالتقاء بالآخر يعني مشاهدته ورؤيته، لكن هذا لا يتسنى إلا إذا سمحنا له بمشاهدتنا ورؤيتنا، إذ يجعل الكلام والحركات هذا الالتقاء ممكنا، فنُقدِّم أنفسنا له كما تجعل تقديمه لنفسه لنا ممكنا؛ إنً المداعبة والقُبل تجعلنا عُراة في حضرة الآخر، فالمداعبة تلمس الأشياء دائمة الأفول، والقبلة تبحث عمَّا يستعصي عن الوصف وتُعبِرُ عنه، فهي لا تسعى إلى التملُّك ولا تهدف إلى الكشف: إن الجنسانية هي التعبير الأوضح عن خروج الذات وابتعادها عن منطق السيطرة والرضوخ؛ فأَن أرى الآخر وألمسه، فهذا يعني أن أقبل الشرط القائل بأنني أنا أيضا عرضة للرؤية واللمس من طرف الآخر. 

          وبالإضافة إلى ذلك فإن الآخر، بِعُرْيِه، يظهر أمام عُرْي ذواتنا ويتحداه بانكشافه وبتنازله، وبالتالي يجعل فرصة لقياه ممكنة، في إطار علاقة تبقى مستحيلة إذا لم يتحقق شرط الاعتراف بقيمة الآخر، وعدم غض الطرف عنها، وطمسها. 

ومن هنا يمكن القول أن الجنسانية فضاء التناقضات بامتياز: فتجربة السَّلب والحرمان هي تجربة استلاب، بحيث نستلب في هذه التجربة ما ليس قابلا للاستلاب، أي الجسد والخصوصية، يعني الذات، لكن، ورغم ذلك، فإن عدم قابلية الشخص للاستلاب تتمظهر بوضوح من خلال حالة الاستلاب التي يعيشها في خضم العلاقة الجنسية. إن التدبدب بين النكوص والإيناع، والتأرجح بين الكبت والإشباع، يمكنان الأنا من الانبلاج والبزوغ، حتى في فترات الفقدان الأشد استبدادا، عندما نتنازل على الاحتفاظ بوحدتنا الداخلية، ونتخلى على ممارسة السيطرة على الآخر، حيث نكتشف أصالة لا مثيل لها، أصالة هوية مدعومة بالرغبة، باختصار، عندما نتخلى عن السيطرة ونقبل المجازفات ومخاطر التورط والهجر، نكسِبُ إمكانية استعادة ذواتنا في إيماءاتها الأصيلة وتمظهرها الخالص.

يؤكد حضور الآخر حضورنا ويسلط الضوء عليه أكثر فأكثر ويُمكِّننا بالتالي من الرقي إلى درجة الذات sujet عبر وساطة الجسد، ولهذا فإن الأخذ والعطاء، خصوصا في العلاقة الجنسية، يشكلان الشيء عينه، في حركة تَعَاقُبٍ ودَوَرانٍ لا متناهية بين التملك وعدمه. وجدير بالذكر أن شيئا ما يبقى في منأى عن الإشباع بحيث تبقى الرغبة به قائمة رغم امتلاكنا للعديد من الأشياء المتعلقة بالآخر.

إنَّ الشخص المرغوب فيه، كما يشرح ليفيناس، ليس آخرا كالخبز الذي نَأْكُـل، أو البلد الذي نَسْكُنُ، أو المنظر الطبيعي الذي نتأملُّ، ففي كل هذه الحالات، تستطيع الأنا أن تغذي نفسها، بل وأكثر من ذلك، تستطيع بلوغ الإشباع، لكن عندما يكون أحد الأشخاص مرغوبا به، فإنه كموضوع للرغبة يكون قابلا للانتزاع وسليما منه في الآن ذات؛ ” فالمُؤَنَّث  Féminin قابل للتملك، ولكنه في نفس الوقت في منأى من القبض عليه، حتى أثناء الارتباط أثناء اللذة والمتعة. 

إن الخلل والغياب في تجربة الاستمتاع لهو أمر بديهي لا جدال فيه، لكن هذا لا يعني أن حدود موضوع الرغبة وحدود جسده تُمسَح وتُلغى ويُنكَر وجودها، رغم وضعها موضع ٱاختبار، بل وحتى تجاوزها من حين لآخر. صحيح أننا نبحث عن سبل للذهاب بعيدا عن حدودنا، لكن، ورغم ٱاستبداد هذه الرغبة في تجاوز الحدود، فنحن لا نكاد نجتازها حتى نعود أدراجنا؛ فالرغبة ترمي بنا خارج ذواتنا، لكننا نبقى داخل النطاق الذي يرسمه جسدنا بالتقائه مع جسد الآخر. 

وفي النهاية، لا بد من التأكيد على وجوب عودة الذات إلى نفسها، بعد لحظة الإمتاع-الاستمتاع، وضرورة إعادة بناء الأنا، وتثبيت العتبات، وتحديد الحدود التي تأبى إلا أن تحمي هذه الذات من الانعراج إلى الهاوية والسقوط في مستنقع الانحراف.

           تعتبر الروابط والعلاقات التي توجد بين العنف والحنان تجليا لمظهرٍ من مظاهر الجنسانية الأشد تعقيدا، وما يزيد هذا التعقيد هو المشكل الذي تطرحه مكانة الشهوات في إطار الجنسانية، والحال أن كل علاقة جنسية -وهذا أمر بديهي- لا تخلو من الشهوات والعنف (ما نسميه غالبا ” عنف الشهوات). فكل فرد، عندما تستبد به الرغبة، يدخل في حالة كَرٍّ و فَرٍّ بين الرغبة في تملُّكِ الآخر والاستغناء عن ذاته، فتراه يذهب ويجيء بين الحاجة إلى السيطرة على الآخر وجعل نفسه عرضة للسيطرة، ما يعني أنه يجد نفسه في حالة أشبه بحالة فائض من الشهوات والعنف الذي تولده هذه الأخيرة. 

ومع ذلك فإن الاعتراف بالعنف الضمني الذي تتضمنه الشهوة لا يعني، في المقام الأول، أن العنف مصدر للإثارة ومنبع للرغبة، كما أن الرغبة التي قد تدفعنا إلى تملك الآخر وإخضاعه واحتجازه داخل حدود عالمنا الخاص، لا تعني بالبث المطلق طمس ذات الآخر واعتباره مجرد أداة في متناول أيدينا. ففي التجربة الجنسية، تكتشف الذات الجوانب الغير قابلة للتقليد في هويتها كما تكتشف في الآن ذاته، التوازن المتقلب بين الرغبة في الإتحاد مع الآخر، والرغبة المنبثقة من الاندفاع والشهوة والميل نحو تدميره والسيطرة عليه بتحريض من ” غريزة الموت”.

إن الالتقاء بالآخر يعني الانفتاح عليه، وهذا الانفتاح لا يصبح ممكنا إلا إذا احتُرِم شرط أخذ ما يُعطى، مع عدم وضع الآخر في وضعية إجبار، أي عدم انتزاع أي شيء منه بطريقة قسرية، أما العنف، فهو الشاهد الأبرز والتجلي الأوضح لاستلاب الآخر ونكران وجوده كذات، الأمر الذي يجعل حتى ٱمكانية الالتقاء به مستحيلة. 

ومن جهة أخرى، وبما أن الحاجة موصوفة ومتميزة بطابع الضرورة، بالتمثل والاستهلاك، فإن الرغبة، على عكس ذلك، لا تبدأ إلا عندما يكون الإشباع غير مُتَصَوَّر، وعندما يكون موضوع الرغبة في منأى عن ٱاستهلاكنا له. 

إن المطلب الأساسي للحاجة هو الاستجابة لها وتلبيتها، الشيء الذي لا يتسنى إلا باستهلاك موضوع هذه الحاجة؛ فالجوع، على سبيل المثال، باعتباره حاجة إلى التغذية، يختفي بمجرد استهلاك غذاء ما: الموضوع – الغذاء والحاجة – الجوع، يلغي أحدهما الآخر، وبالتالي فإننا نخلص إلى أن الرغبة تجعل الأشياء التي نحتاج إليها – التي نفتقدها- في مرتبة أدنى بالمقارنة مع نفعيتها واستعمالاتها الممكنة، لدرجة أنها تصبح مُخْتَزَلَة في المتعة التي يمكن ٱاستخلاصها منها. 

وخلاصة القول، إنَّ كلُّ ما قيل إلى حد الآن كفيل بتبيان وتوضيح كيف أن سلب غَيْرِيَّة الآخر، في الرغبة الجنسية، أمر مستحيل، لأنها رغبة تعترف بكون الآخر أسمى وأكثر قيمة من مجرد وسيلة نستعملها على هوانا، ولا مجرد شيء نستطيع امتلاكه: إن الآخر هو ما لا نُكونُه نحن، هو من يُحيل ويشير إلى فراغنا بسبب الحرمان، وهو من يُقَدِّم نفسه في صورة الشخص القادر الذي بدونه لن يُملأ هذا الفراغ: إن الآخر لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال وسيلة نبتغي بها تحقيق الكمال، إذ أن عيبنا الأساسي عيب أنطولوجي بامتياز، بيد أن الآخر يبقى دائما في مرتبة أعلى وأبعد من قابلية التملك. 

وفي الأخير، لا بد من الإشارة إلى  أن الرغبة التي تدفع إلى الالتقاء بالأخر والارتباط به، تجد في غيرية هذا الآخر الجذرية، وفي كرامته الجوهرية، حاجزا لا يمكن تخطيه بأي حال من الأحوال؛ فالآخر يزيل النقاب عمَّا ينقصنا، ويجبرنا في الآن ذاته، بحضوره الذي لا يمكن رفضه ولا نكرانه، على التخلي عن فكرة امتلاكه امتلاكا مطلقا. 

لائحة المصادر والمراجع

J.-P. Sartre, L’Être et le néant, Paris, Gallimard, 1943

P. Ricœur, in J.-F. de Raymond, Les Enjeux des droits de l’homme, Paris, Larousse, 1988.

E. Kant, Critique de la raison pratique (1788), Paris, Flammarion, 2003.

E. Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs (1785), in Œuvre philosophiques, t. II, Paris, Gallimard, 1985.

Cf. Thomas E. Hill, Dignity and Practical Reason in Kant’s Moral Theory, Ithaca, Cornell University Press, 1992.

J.-P. Fussler, « Introduction », in Emmanuel Kant, Critique de la raison pratique

A. Renaut, Kant aujourd’hui, Paris, Aubier, 1997.

S. Freud, De la technique psychanalytique, Paris, PUF, 1953.

E. Levinas, Totalité et Infini (1971), Paris, Livres de Poche, 1990.

D. H. Lawrence, Pornographie et Obscénité (1929), Paris, Mille et une Nuits, 2001.

F. Perrier, « Séminaire sur l’amour 1970-1971 », La Chaussée d’Antin (1978), Paris, Albin Michel, 1994.

شاهد أيضاً

ترجمة المصطلحات الفلسفية الجزء 2

نور الدين البودلالي   بقلم: Siobhan Brownlie ترجمة: نورالدين البودلالي تعقد التمييز: المصطلحات التقنية والقاموس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *