الرئيسية / منتخبات / تغطية / الالحاد بين ادونيس الشاعر ونيتشه المتمرد – رحلة شقاء المفاهيم

الالحاد بين ادونيس الشاعر ونيتشه المتمرد – رحلة شقاء المفاهيم

بقلم محمد بصري  القنادسة بشار الجزائر

“لدي  خوف رهيب في  أن يتم اعلاني مقدسا..لا اريد أن اكون قديسا، بل حتى مهرجا” 1 نيتشه Ecce Homo ،Why I Am Deestiny

الالحاد هو ضرب من الاتقان البشري لفكرة الهروب من النصانية. ظاهرة انطولوجية، واجتهاد ايديولوجي مهمته  تدمير عالم الاديان كما انه  انكارية انسانية مفرطة للتجلي الالهي. هو إيمان معكوس أو احد اعتى المقاربات الايمانية التي تعتنق فكرة العدمية الروحية او بالأحرى توتر وقلق روحي   بدون افق عقدي أو عقائدي تصديقي. الايمانية الالحادية ليست نشازا فلسفيا او ثقافيا او مذهبا يساريا وليست افراطا يمينيا، هي نوع من الاعتراض اليائس على الخطاب الديني، تجهم حداثي من مواقف راديكالية دينية  كما يقول دانيال بورستين::
قم بكل واجباتك ولا تتوقع أي مكافأة لا قبل الموت ولا بعده2. يعتبر البعض  الالحاد توجها عدميا، بتصور نتشوي “نيتشه فريدريك “الوريث اللاميتافيزيقي لفكرة استئصال التصورات الصنمية من التراث الفلسفي التاريخي العالمي. اجتثاث فكرة الله من الضمير الانساني وفق الكتابات الشذرية كما هي عند نيتشه الذي اعلن “فكرة موت الاله” او حتى انهيار فكرة القبوع والمكوث في العالم الاخر كما يراه موريس بلانشو22maurice blanchot سبتمبر 1907 – 20 فبراير 2003) في كتاباته المتوترة او رفض لفكرة الايمان في ادب الفاجعة في الفلسفات العدمية التي تحيل العلاقة بين الذات الانسانية والهنالك جحيما  ودجلا مؤقتا ورغبة في تطهير النفس .هي ايمانية غير متوقعة او نموذج تقويضي للنزعة الفردية في الاعتناق الاخلاقي لفكرة الخلاص في الهنالك.او كما يعتقد بتطويقه انطولوجيا ورسم حدود فكرية ومذهبية  تجعله نسقا لا يعدو كونه مجرد قناعة شخصية فقط. يصرح فتحي المسكيني في احدى  ندواته الممتعة “ان الشعوب المؤمنة هي تُحوّل هويتها الدينية الايمانية الى آخرة يومية الى انتظارات يومية وجلوس في الاخرة. وترقُب  ليوم القيامة  اعتبارا من كون فكرة الموت زمن فاصل مؤقت بين عالمين” بما يشبه التوجس الغيبي .

يقول فتحي المسكيني قارئا هيدغر “كل المساحات  التي ناقشها كانط ومن بعده دريدا حول مساحة السيبليم الرائع والجليل هي المساحة التي يتحرك فيها النبي، هيدغر سماها مساحة  المقدس وهي التي انسحب منها نمط  التأليه او القدرة على التأله في افق الانسانية” وكأن شاعرية الفلاسفة حسب المسكيني فتحت الابواب امام نبوات جديدة كما هو الحال مع “فرادة النبي في تصور جبران خليل جبران” النبي الذي يأخذ مكان الاله.

نيتشه العدمي الشرير نبي الحداثة ومبشرها الابدي. قلما راهن على التبشير بالإلحاد فمعوله الهرمسي الذي يمتد الى تعاليم النبي الفارسي  زرادشت ، كانت وبالاً على القيم الجاهزة .نيتشه المتهم بالإلحاد لم يكن إلا آخر الرجال الذين ادعوا النبوة والخلاص الثيولوجي، قد يبدو ملحدًا عظيما تتشبث به الدوائر الالحادية والظهرانية لكنه حاول تسقيف فكرة الدين. هو احد مالكي سر انطولوجيا الثيولوجيا الغامضة كما يقول روي جاكسون roy jakson . الافراط في الانسانية هو ما دعاه لإعلان العداء السخيف على  المسيحية واستبدالها بدين انساني جوهره الروح الحرة للإنسان المتمرد او الفنان الموهوب .

“أو كما في الآونة الاخيرة مع ايريك هيلر E.Heller، الذي يقول عنه :”إنه (أي نيتشه.)ومن خلال نسيج روحه وعقله، واحد من أشد الطبائع الدينية راديكالية التي قد انتجها القرن التاسع عشر”.3

نبوءة نيتشه تتجاوز الحدود المرئية للدين هو مجرد ضخ دماء جديدة في  التعاليم الدينية وتحويلها الى قيم اخلاقية عالمية معلمنة.غرابة الخبل والانكارية النتشوية للطهارة الاورشوفيكية هو عدم تخلصه من تلك المقارنات التاريخية الثنائية الفجة فهو يبدو كقاض سوفسطائي مرتش وهو يحاكم المسيح المصلوب بمقارنته بديوزينوس كما تقدمه الاسطورة اليونانية بطلا مقدسا قاهرا للإلهة يأمر رعاياه بالرذيلة ليخلصهم من شرورهم، في الوقت الذي وهب المسيح ذاته المؤلهة كقربان ابدي للخلاص والرحمة. البراءة الدينية الشفقة الفضيلة والتسامح كلمات رفيعة تتوارى خلفها قيم دينية مرضية كما يرى نيتشه في كتابه “عدو المسيح” لا تقل فضاعة عن تراجيديا القتل العنيف الذي تعرض له معارضو المحافل اليسوعية بما فيها مجازر التطهير الديني إبان العصر الاسود لمحاكم التفتيش.

نيتشه المسيحي المخلص لثقافته الحداثية والتنويرية لم يكن الا مبشرا بانسانية خارج دوائر الميتافيزيقا. اعلان شرف حول تأسيس لقيم دينية انسانية جديدة.

ادونيس الصوفي الملحد :

الالحاد الصوفي الذي يتلقف وجوده من افكار الشاعر السوري ادونيس علي أحمد سعيد المولود بيناير  1930 هو نموذج الثورة الهرمسية في الثقافة العربية والعالمية الراهنة،اذ انه لم تكن الطريق معبدة دائما لدوي الطموحات المذهبية المفارقة والثائرة .

ادونيس يملك قدرة رهيبة على الاقناع فكره يتسلل بعفوية وهدوء  وسلاسة الى محاوريه، رغم الادعائية العظمى بالنفور من الأديان، شاعريته وفلسفته هي عبور تراثي، يستشرف الحداثة بواقعية ماضوية. افكاره الثورية والسياسية تبدأ من دك الحصون الفولاذية للتراث وتقويضها الى شذرات وفصوص ناطقة بالحلم الهرمسي العرفاني .”تخلو صوفيتي من المحتوى الديني،ان الله، بمعناه الديني، لم يعد يتكلم ، وإن اللامرئي قيل مرة واحدة والى الابد ، غير ان اللا مرئي، في صوفيتي يتكلم على نحو لا نهائي، فكل مبدع إذن انما هو متنبيء، وعلى نحو نهائي.لهذا ليس في صوفيتي فرق بين الكائن الانساني وبين ما يسمى الله ” 4

يبدو هنا ادونيس مولعا بنيتشه او بالأحرى عرابا لأفكاره الجريئة. لم يسبق لمثقف عربي ان تنصل من التقاليد الميتافيزيقية وأعلن فكرة الخلاص الصوفي باستعلائية طوباوية بمثل ما فعل الشاعر ادونيس. هذا الاختراق المهول لسبحانية المقدس والارتقاء الصعب للتحدي الانطولوجي لا يعدو كونه مغامرة تراجيدية تُقدس الرفض اكثر منه المتعالي والرائع والجليل. انت تستبدل الهًا بوثن جديد اسمه الانسانية المفرطة. أُمثولة افول الاصنام ليست إلا وجدا دراميا وشاعرية عدمية جديدة.  الواقع انه لا يمكنك ان تصرح بإعلان حرب على الدوغما وأنت تستبدلها بدوغما جديدة.

سهولة اختراق التراث عند ادونيس  تنبجس  من مساءلة المفاهيم الثابتة والارثوذوكسية واللامرئية. الحلول او الاتحاد الصوفي هو اشراق جديد يتمتع فيه الجسد الادونيسي  بانزياح عجيب فهو يتخلى عن الاتحاد بعوالم الميتافيزيقا لان العلاقة بين الاجسام علاقة تشيؤية مادية، تتقصى الروح في استمرارها الانسانوي. العلاقة بين البشر تتغذى على العنف الديني.الوثنية الجديدة هي التماهي مع فكرة الله في مصادرة البشر حق بعضهم البعض في الحياة. الاقصاء والارهاب الاعمى التافه  والحرب بالنسبة لادونيس هي كلها  الشجرة التي تختفي وراءها  غابة الاديان لذا فالإيمان بالنسبة له هو افلاس حداثي ووصنمية جديدة ترعى العنف.

الرفض الديني الادونيسي يشبه حالة التيهان الهوميروسي في التواريخ الهلينية كما لو كان استحضارا لمرحلة التفكير ما قبل الديني، حين تنكّر الاباء الاولون المؤسسون للفكر الفلسفي  للعقائد الاغريقية وانقسموا حول انفسهم في تفسير الكون . عهود جديدة وهو ما يشبه علموية راديكالية مشبعة بالتصوف تقود نزعات الشك اللايقيني من التدين والايمان.

لا يمكن ان تكون الادونيسية والنتشوية على مسافة واحدة من الرمي الانطولوجي. نيتشه لم يكن كارها للمسيح الاله بل لممثليه  من رجال الدين والكهنوت الذين شوهوا صورة ابن مريم العذراء في المخيال البشري وأحالوها الى رماد اخلاقي قاتم . الاحتقار البغيض كما يرى “روي جاكسون ” في كتابه “نيتشه والاسلام ” وجهه فريدريك نيتشه لبولس القديس النبي  كاتب الوحي الالهي وريث اليسوعية، “بولوس المشؤوم dysangelist ، من الاغريقية angelos،..في حين أن dysangelist  هو من الذي يجلب الشؤم..5

الهوية غير المكتملة هي استباحة للتراكمات العقدية والقداسية التي  جبل عليها العقل المقدس، التصوف الالحادي ضرب من الربط غير المقنن بين مترادفات متناقضة غير متجانسة لا تحتكم لنظريات الانساق. هو دعابة شعرية اكثر منها  انفجارا للحكمة المشرقية القادمة من اروقة الاسكندرية وحدائق بابل و قصور كسرى المعمدة بتعاليم زرادشت والمانوية.

المفاهيم والافكار طيور تجيد الترحال لكنها لا تتقن فن العبودية، انها لا تختار الاقفاص الذهبية بل تنتقي  اعشاشها بدقة متناهية وحكمة متعالية.

عمتم مساء ايها الفلاسفة.

المراجع

  1. جاكسون روي نيتشه والاسلام   ترجمة حمود حمود  مؤمنون بلا حدود ص 77
  2. نفس المرجع ص80
  3.  محمد بودواهي  عظماء قالوا في الالحاد الحوار المتمدن س ساعة التصفح 10
  4. الهوية غير المكتملة الابداع الدين السياسة والجنس بالتعاون مه شونتال شواف تعريب حسن عودة دار بدايات ط 1 السنة 2005 صفحة 7.
  5. روي جاكسون “نيتشه والاسلام ” ص 81.

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *