الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / محاكمة جسد: الجسد الأنثوي بين مطرقة النص الفقهي والقانوني

محاكمة جسد: الجسد الأنثوي بين مطرقة النص الفقهي والقانوني

جواد أيت سليمان

جواد أيت سليمان

“لدى المجتمع إحساس بأن وجود المرأة كائن داخل فرجها”

     لقد ظل “مفهوم الجسد” في الثقافة العربية- الاسلامية مغيبا ومهمشا وحبيس رؤية ضيقة نسجتها مجموعة من النصوص المؤسِّسة للوعي الاسلامي، بحيث لم يتجاوز الحديث عن الجسد دائرة الوظائف والأدوار الايمانية-الثوابية الملزمة للفرد( الوظيفة الجنسية/العاطفية/ العملية…) باعتباره بناءا أو وحدة تحيلنا بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الرؤى والقوى الاجتماعية التي تعمل على تشكيله ورسم حدوده وصياغة معانيه، وهذا ما يفسر تراجع حضور الجسد كمجال خصب في المؤلفات الأدبية والفلسفية الحديثة في العالم العربي- الاسلامي وبقائه محصورا تحت ثقل الموروث الثقافوي-الماضوي ورؤاه الميتافيزيقية للحياة والوجود والعالم الى يومنا هذا، مما خلق أزمة مجتمعية  سواء في المجتمعات الشرقية أو المغاربية تندد باستفحال الرقابة الرمزية على الجسد الأنثوي على الخصوص وإفراغه من محتواه الفاعل الخلاق وعزله عن ممارسة أنشطته الوظيفية المتعددة.

    إن الاستلاب الثقافي الذي يعاني منه الجسد (الأنثوي) يعبر عن الاختلال الذي يضرب في العمق مسار الحرية ويعيق مسلسل التحديث الذي نأمل في تحققه على المدى القريب سواء على : مستوى الحرية الفردية/ احترام الخصوصية/ الملكية الخاصة للجسد/ رمزية البكارة في مجتمع مغلق/مفتوح، جَعل المجتمعات الشرقية او المغاربية تكافح من أجل إعادة صياغة شاملة للقوانين والدساتير التي تعكس رؤية متقادمة من سطوة القراءات الأبويَّة للتراث لكي تحاول أن تجعل من هذا الاخير عامل تقدم وتطور لا عامل تخلف وركود.. إن الهاجس الأول لكتابة هذا المقال هو الوقوف عند تصور العقل العربي- الاسلامي للجسد ومدى امتداد تلك النظرة الى حاضرنا وأيضا سعيا إلى تعرية تلك المناطق المظلمة التي حيكت حول الجسد الانثوي على الخصوص وتمثلات المجتمع له وكيفيات حضوره وتجليه في ثقافتنا المغاربية ، بما يتصل أيضا للتصدي لمجموعة من القرارات والاحكام القانونية التي تمثل جزءا من هذا الاستلاب الثقافي والاجتماعي.

     على الرغم من الكتابات النسوية العديدة في العالم العربي- الاسلامي التي كانت ولا تزال تندد بأزمة الهوية المجتمعية  التي ارتبطت باتساع الهوة في جانب الحريات والحقوق الفردية والمساواة بين الجنسين في مجموعة من الامتيازات كالميراث والتعليم والحرية الفردية(…) لا تزال الهيمنة الذكورية الكلاسيكية في التعامل مع قضايا حرية الانثى في امتلاك جسدها والتصرف فيه بحرية، تتبع نفس المسار التي خطته البنية الابستيمية للثقافة العربية- الاسلامية منذ القديم في رؤيتها للجسد الانثوي ودلالاته الرمزية وتاريخيته، فما هي الروابط التي تجمع بين القراءة الفقهية الذكورية- البطريكية والنص القانوني في تهميش واقصاء الجسد الانثوي ؟

     لقد تحددث صورة الجسد في النصوص الاسلامية المبكرة المؤسسة للوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي العربي باعتباره مخلوقا لله وهي فكرة تجد جذورها الاولى في التراث العبري والمسيحي بعده، لذلك عملت القراءة التراثية على تقنين صارم لمجال اشتغال الجسد (الانثوي) لتتلاءم مع الصورة الروحانية المثلى للمؤمن، إنه مجرد صورة تعبر عن الخالق المصور، وهذا ما يفسر في الحقيقة غياب تصور اسلامي واضح للجسد، إن أغلب الاشارات المخصصة للجسد في الإسلام كما يقول مالك شيبل “تتعلق بالجسد الجزئي على حساب كليته فالعالم المسلم لا يهتم سوى بالقلب أو اليد أو العين او بالعضو الجنسي[i] يتعلق الأمر هنا بتعامل عملي مع أعضاء الجسد يهدف في النهاية الى بلورة سلوك عملي- ايماني، على اعتبار أن الجسد مجال الغرائز والشهوات التي يكون مصرها نابعا سواء من العضو الذكري للذكر و البكارة عند الانثى لذلك ينبغي كبتها وكبحها عبر منحها إطارا ايمانيا خالصا يعلو فوق حاجات الجسد الغريزية عبر “روحنتها” او كما يسميه نيتشه العمل على روحنة النزوة وتجاهل متطلباتها الذاتية، وشحنها بقواعد قيمية- جزائية تتوافق مع النظام العقدي للمؤمن.

      لقد بقي الجسد ضمن المنظومة الاسلامية جسدا متخيلا أكثر منه واقعيا، جسدا ثقافيا يتبلور ضمن كليشيهات وشكليات تتمحور في صلب المقدس في كل تمظهراته الرمزية والحسية والفنية(…) وبذلك ليس الجسد سوى الصورة التي تعكس شفافية المسوغات الايمانية والتي يكون يكون الوعي الايماني للمسلم محددها في علاقته بذاته، نظام يحتكر فاعلية الجسد لصالح المقدس مغيبا كل الاشارات التواصلية التي تسمح ببناء فضاء عام يؤسس لقيم الانفتاح والتفاعل الاجتماعي، وهو ما يتجسد في تحذير الانثى من صيغ التواصل الانساني كالصوت العالي/الحركة/ النبرة التي قد تدع الجنس الاخر يقع ضحية اغواء جنسي ونتيجة لهذا عملت الاداب الفقهية على تقنين حركة الجسد وفرض رقابة رمزية عليه تمخض عنها وجود “تمييز وجودي” تعبر عنه تلك المسلكيات التي تمارس في حق الذات الانثوية على جميع المستويات، “فالانتقال من أنموذج الانثى الموؤودة في الجاهلية إلى أنموذج الانثى المملوكة من قبل المنظومتين الابوية والدينية لا يشي بتحولات على مستوى وعي المجتمع للمرأة فمن طبائع الثقافة الذكورية عدم تحمل الوجود الانثوي ومن الضروري لهذه الثقافة أن يكون التأنيث قصيا ووهميا لكي تظل الانوثة مجازا ومادة للخيال.”[ii]

       تمَكّن الخطاب الديني من تحديد ماهية الانثى وأدوارها المجتمعية مستعينا في ذلك بالكثير من المرويات الميثولوجية و الحديثية( نسبة الى الحديث) وعبر احتقار تأويل النصوص المؤصّلة للوعي الاجتماعي والثقافي لصالح تأويلات ذكورية للنص المقدس- كما تسميه ريتا فرج- يتجلى هذا الحضور القوي للقراءة الاحادية في الكثير من الايات والأحاديث النبوية، كما يظهر ذلك جليا في النص القراني “الرجال قوامون على النساء“/ “وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم“(…) لقد فسح النص القراني الباب أمام تفسيرات عديدة كتفسير الطبري والبيضاوي بالاضافة إلى تفسير “عباس محمود العقاد” الأديب المعاصر الذي احتفظ كسابقيه بظاهر النص مؤكدا في ذلك على مركزية الذكر وقوامته العقلية والجسدية وهامشية الانثى ووجوب الطاعة المطلقة للزوج.

نتج عن مبدأ الطاعة التي كرسته المدونات الفقهية أهمية تأكيد طاعة المرأة لزوجتها وخضوعها له حتى أنها قرنت طاعتها لزوجها بطاعتها لله(…) بالاضافة إلى جملة من الاحاديث التي يعتمد عليها الخطاب الأبوي- البطريكي في تبرير قوامة الذكر نذكر منها على سبيل المثال: ” النساء حبائل الشيطان”/ “شاوروهن وخالفوهن”/لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة” وهو الحديث الذي بينت فاطمة المرنيسي تهافته وعدم صحته في كتابها الموسوم ب”الحريم السياسي: النبي والنساء”

        القراءة الأحادية للنص الديني أعطت مكانة مقدسة للذكر/ الأب/ الزوج/ تسربت تحت ثقل دينامية الشروط الثقافية الى النص القانوني الذي يعتبر شيئا جديدا وحديثا في المجتمع المشرقي/ المغاربي من حيث انتسابه للزمن المعاصر مما حدا به أن يكون نسخة مصغرة عن المخيال الرمزي للمجتمع، يعمل على تكريس نظرة بطريكية موحدة عن الذات الانثوية على مستوى وجودها كأنثى أو نضالها من أجل حقوقها الطبيعية والسياسية: حق الملكية الفردية للجسد/ حق الاجهاض/ المساواة في الميراث/ مبدأ الطاعة/ مشكلة الطلاق الرجعي باعتباره إحدى صور التأديب الشرعي والقانوني، وهو ضغط يمارس ضد المرأة لتعرف حدودها وواجبتها وتحترم الطاعة التي توليها للزوج(…) والدليل على ذلك “إخضاع الذات الانثوية لرقابة رمزية ومادية من قبل العائلة والحي والقبيلة التي تنتمي إليها، وهذه الرقابة تأخد أشكالا متداخلة من رقابة جسد الانثى قبل الحيض وبعده، إلى شحن الجسد نفسه بمقومات الأنوثة المستلبة، ومن الرقابة على التصرفات والافعال والكلمات الى ملاحقة المرأة بالمفاهيم التي تتبناها المجتمعات العربية، المرأة بهذا المعنى محرم عليها التصرف بجسدها، ولشدة الرقابة العائلية والمجتمعية التي تخضع لها تزداد عندها حالات الكبت الجنسي..”[iii]  فهل تعتبر النصوص القانونية محايدة في التعامل مع الذات الانثوية أم أنها شكل أخر من أشكال السلطة الدينية والثقافية المفروضة على الوجود الانثوي ؟

       تقزيم الجسد الانثوي وتقنين خصوصيته والتضييق على حريته جعل النص القانوني يميل إلى التحالف مع النص الفقهي متجاهلا كل أساليب التمييز التي تمارس في حق الجسد الأنثوي، مثل رفض “حق الاجهاض” عبر أحكام وبنود قانونية تجد أساسها التشريعي في المدونة الفقهية- الابوية التي تختزل الجسد الانثوي في بعد واحد هو بعد “الشرف” كتيمة قوية يسعى النظام الابوي في شخص ( العائلة/الطائفة/ القانون..) على ضمان صيانته وحمايته وتركيز الرقابة عليه لأنه هو الذي يُحدد ضمن هذا الاعتبار هوية المجتمع واهتماماته ومصالحه إلى درجة تكون فيها الحرية الفردية التي يدّعي القانون حمايتها مجرد “استيهام متخيل”. إنه مشكل تأسيسي- تأصيلي يتجذر في ظل ثقافة متمركزة حول الثابت من أصولها وتعيد إنتاج الأصولية بشكل متكرر، إلى درجة يبدو معها النص القانوني ضعيفا أمام قوى عليا تتجاوزه وتتحكم فيه من الخلف، هذا التناقض الأساسي القائم بين البنى الأولية والبنى الحديثة سيبقى حائلا دون إمكانية قيام الوعي الصحيح في مخيلة المجتمع العربي- الاسلامي، لأن هذا النظام كما يرى هشام شرابي ” ليس نظاما تقليديا بالمعنى التراثي، كما أنه ليس معاصرا بالمعنى الحداثوي، بل هو خليط غير متمازج من القديم والحديث، من التراثي والمعاصر، نظام غريب يختلف عن أي نظام أخر”[iv]

       لقد تحوّل وأد الانثى أثناء البداوة العربية الى وأدها ثقافيا ووضعها في زاوية معزولة، وقد ساهم  النص القانوني في تقعيد هذه الوصاية وفي إرساء هامشية الجسد الانثوي ونفيه لصالح غيره، “أي أن وجودها (الانثى)غير كائن بذاته وإنما بغيره، إذ ليس لها وجود مستقل لأنها تُعرّف بالنسبة للرجل ولأنها كائن بغيره فلا يمكن في إطار الأوضاع التقليدية أن تعي ذاتها، إنها المثال الانموذي للإغتراب”[v] اغتراب على مستوى الجسد بشحن “البكارة” بمختلف الرؤى التقليدية الميثولوجية وجعلها عنوان الشرف بامتياز وإغتراب اخر على مستوى نطاق الأسرة والمجتمع، ليس للانوثة من وظيفة إلا تأكيد تفوق الذكر وتثبيت هيمنته وجوديا وثقافيا وسياسيا، فهل يستطيع الجسد أن يحيا ويستمر ويولد من جديد في مجتمع أبوي لكي يسمح لما هو أنثوي بالبروز والابداع؟


[i] – فريد الزاهي، الجسد والصورة والمقدس في الاسلام، ص 31.

[ii] – ريتا فرج، امرأة الفقهاء وامرأة الحداثة، ص 182.

[iii] – ريتا فرج، نفس المرجعغ السابق، ص 181.

[iv] – هشام شرابي، النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع، ص 15.

[v]– سعيدة خالد، “المرأة العربية كائن بغير ذاته” مجلة مواقف، العدد 12 ص 91.

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *