الرئيسية / ترجمة / الفلاسفة في مواجهة الموت

الفلاسفة في مواجهة الموت

يوسف أسحيردة

الموت هو الأفق الذي لا يمكن تجاوزه لكل حياة. كيف يقارب الفلاسفة هذه الحقيقة؟ المواقف تختلف. لنرى :

-عند أفلاطون : الموت ليس سوى انفصال للروح عن الجسد.

في “محاورة فيدون”، يروي أفلاطون أحداث آخر يوم في حياة سقراط الذي حكم عليه بتجرع سم الشوكران القاتل، حيث يشرح هذا الأخير لتلامذته المحزونين على دنو أجله : ” وهل يعدو الأمر أن يكون مجرد  انفصال للروح عن الجسد؟  نموت عندما ينفصل الجسد عن الروح ويبقى وحيدا، منفردا، مع نفسه، وعندما تنفصل الروح عن الجسد وتبقى وحيدة، منفردة، مع نفسها”. روح الإنسان الخيِّر الذي يموت، تلتحق بمكان معقول. الموت يخلصنا من معانات العالم الحسي، الأمراض، الألم..ولهذا ف”الجسد هو مقبرة الروح” (محاورة كراتيل). فنحن، في حقيقة الأمر، لا ندفن سوى الجسد عند الموت. في نظر الفلاسفة الحقيقيين، الموت، كما يشرحه أفلاطون، ليس سوى تحرير للروح. 

عند الرواقيين: ” أن تتفلسف يعني أن تتعلم أن تموت”

هذا الشعار الرواقي، سيعيد مونتين استخدامه في مقالاته، كما نعرف. ماذا يعني إذن هذا الشعار؟ أن تتفلسف، يعني أن تتعلم أن تموت، أي أن تفهم الموت بما هو ليس شرا، بل ضرورة ملازمة للأشياء : ” لا تحتقر الموت، بل كن فرحا به، بما أنه من بين الأشياء التي ترغب بها الطبيعة. (…) من مصلحة الإنسان العاقل ألا يغضب بعنف ضد الموت ولا أن يستخف به، ولكن أن ينتظره مثل حادث”، كما يشرح ماركوس أوريليوس (التأملات، IX، 3). ” ما هو جيد، ليس هو أن تعيش، بل أن تعيش بشكل جيد. هذا هو السبب الذي يجعل الحكيم يعيش بقدر ما يجب عليه، وليس بقدر ما يستطيع” (سنيكا، رسائل إلى لوسيليوس، الكتاب VIII، الرسالة 70).

 الموت سيرورة طبيعية يجب تقبلها.  بما هو يتكون من العناصر الأربعة التي هي الماء، التراب، الهواء والنار، فإن الإنسان، بموته، يعود من حيث جاء.  لا يجب على المرء أن يخشى موته وموت أقاربه. من أجل ذلك، يجب الاستعداد له عن طريق تمارين روحية والتأمل. ” عليك أن تعرف جيدا، دائما، في المجمل، كم هي زائلة وبدون قيمة الأشياء البشرية، قليل من المخاط البارحة، مومياء أو رماد غدا. عليك إذن أن تقضي هذه اللحظة الضئيلة من  زمن الحياة في انسجام مع الطبيعة. غادرها راضيا مثلما تسقط زيتونة حين تبلغ النضج، مباركة الأرض التي حملتها، وشاكرة الشجرة التي منحتها النماء”.

عند أبيقور : ” الموت لا يعني لنا شيئا”             

بشكل جذري، يسعى أبيقور إلى نسف خوف الموت. ” عليك أن تتعود على فكرة أن الموت لا يعني شيئا بالنسبة لنا، لأن كل شر وكل خير يكمن في الإحساس: في حين أن الموت هو الحرمان التام من هذا الأخير (..). وهكذا، فأكثر الأوجاع مدعاة لارتعاد لا تعني شيئا بالنسبة لنا، فطالما نوجد فالموت لا يوجد، وإذا وُجد فلن نُوجد”. يبقى فقط التخلص من الرغبة في الخلود. وهذا ما يتوصل إليه الحكيم : ” الحياة بالنسبة له ليست عبئا، كما أنه لا يعتقد بأن ثمة عيب في ألا نحيا مرة أخرى. بما أننا لا نفضل دائما الأكل الأوفر، وإنما أحيانا الأجود، بالمثل، ليست المدة الأطول التي نود تحصيلها، وإنما الأجود” (رسالة إلى منسيس).

عند اسبينوزا : ” الإنسان الحر ، هو الإنسان الذي لا يشغل باله بالموت”

يسير اسبينوزا عكس  تقليد فلسفي بكامله، لم يتوقف، منذ العصور القديمة، عن التذكير بأهمية الاستعداد للموت بفضل الفلسفة. بالنسبة لاسبينوزا، جوهر كل كائن هو سعيه الدائم للحفاظ على بقائه. فتصبح الحكمة إذن ” تأملا في الحياة لا الموت” (الاطيقا IV، 67). التفكير المتواصل في الموت، لن  يقودنا سوى إلى اجترار أفكار حزينة من شأنها إضعاف قدرتنا على التصرف. لا يمكن انتظار أي شيء مفيد من هذا الاجترار. في نظر اسبينوزا، مهمة الفلسفة تكمن في جعلنا نعيش في بهجة وسرور. وبالتالي، فهو يرد على الرواقيين الذي يعتقدون بقدرة الإنسان على السيطرة بشكل تام على مشاعره.

عند شبنهاور : في الموت يكمن خلاصنا

بسبب هوسه بالمعاناة والمحنة الإنسانية، وصل الأمل بشبنهاور إلى بلورة تصور عن الوجود، أقل ما يمكن قوله عنه، أنه متشائم : “حياة الإنسان كلها ليست إلا نضالا مستميتا من أجل البقاء على قيد الحياة مع يقينه الكامل بأنه سيهزم في النهاية. وما يجعل البشر يتحملون هذه المعركة بكل ما يصاحبها من قلق، ليس هو حب الحياة، بقدر ما هو الخوف من الموت، والذي هو هناك، في الظل، يتربص، منتظرا اللحظة المناسبة من أجل الانقضاض” (العالم إرادة وتصورا). ومع ذلك، فلا يجب أن يُنظر إلى الموت بشكل سلبي. من منظور قريب من منظور بودا، يفهم شوبنهاور الموت كفعل تحريري : ” الموت هو لحظة التحرر من فردانية ضيقة وموحدة، والتي، بعيدا عن تشكيل جوهر كياننا الخاص، تمثل، بالأحرى، نوعا من الانحراف عنه”. الحكيم، إذن، هو الذي يعرف كيف يغادر الوجود دون معاناة.

-هايدغر : التفكير في “الوجود-تجاه-الموت”

يلاحظ هايدغر بأننا نميل دائما إلى الهروب من الموت، إلى تسفيهه أو إلى صرف النظر عنه. ومع ذلك، يؤكد هايدغر، فنحن “موجودات-اتجاه-الموت”. الموت مكون أساسي لوضعنا. بمجرد ما نفتح أعيننا عن العالم، نصبح كبارا بما فيه الكفاية من أجل استقبال الموت. الموت هو نواة وجودنا، وهو ما يضفي عليه معنا. الوعي بموتنا المستقبلي، قبوله بشجاعة وتبصر، هو ما يمنحنا الولوج ل “حياة حقيقية”، بعيدا عن التفاهات، سفاسف الأمور وكل ما هو بدون أهمية.


Sciences Humaines, Les grands Dossiers n°43, La philosophie un art de vivre

شاهد أيضاً

التفكير كفن للحياة أو شقاء له

     عبد الفتاح الحفوف      عبد الفتاح الحفوف إن الإنسان اعتاد طريقة العيش على المألوف،أقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *