المنهج العلمي


أسامة البحري

بقلم أسامة البحري

الفصل الأول : إشكالية العلمية

الحفريات أمام حفريات المعرفة :

إذا ما عدنا إلى علم الحفريات ، سنجده يعرف بأنه ” العلم الذي يبحث في صور الأحياء التي عمرت الأرض خلال العصور الأولى ، و كل ما يتعلق بها من حيث التركيب الآلي و التقسيم الوضعي ، و صلاتها النسبية ، و تسلسلها ، و حالات وجودها و الظروف التي أحاطت بها ، و استيطانها و توزعها على بقاع الأرض خلال كل العصور التي تكونت فيها الطبقات الجيولوجية ، و علاقة ذلك بنظريات التطور العضوي و الكوني ، التي يحتمل أن يكون لها صلة بهذه المباحث 1 ” ، فمن خلال العديد من التنقيبا الأركيولوجية ، تمكن الجنس البشري من إدراك العديد من خفايا التاريخ ، كالحيوانات العليا ” كالمموث و ذي القرن ” ، التي وجدت محتفظة بكامل تكوينها لانطمارها في بقاع جليدية منذ عصور جيولوجية في القدم، و كذلك العديد من الهوام و الحشرات و العناكب و النباتات ، التي وجدت محاصرة من ظروف إيكولوجية أو بيئية ساهمت في الحفاظ عليها طوال هذه الأعصر من غير تغيير تكويني او كيماوي ، و لكن هما يستحجر لا يبلغ مرتبة ” الحفريات ” ، لأنه إما يتحول إلى مادة كربونية أو إما يتحلل جزئيا و إما يتلاشى و إما يتحجر ، لهذا هناك فرق بين ما يعثر عليه بالجليد و بين ما يتواجد بالحجارة ، و هذه البقايا التي يعثر عليها في طبقات الأرض ، فإنها تؤهل للدراسة البيولوجية لأجل معرفة  علاقتها بالصور التي انقرضت أو التي لا زالت تعمر بقعة من بقاع الأرض في هذا العصر ، و ما أثار انتباهي بين منهج الحفريات و البيولوجية ، و هي أن منهج علم الحفريات يتعدى حدوده كما يسلم بعض المؤرخون ، فيصبح الباحث في الحفريات لا يقف عند حد العلم بالأوصاف الظاهرة أو الخصوصيات المجهرية ، بل تحقق طفرة من أعلى هذا الحد لتقف على التراكيب التشريحية ، كأمثال ” كوفييه ” و ” أوين ” و ” هكسلي ” و ” فون ميير ” و ” ريو تمييه ” و ” مارش ” و ” كوب ” و ” أوزيورن” و غيرهم من الباحثين ، حيث استطاعوا التوصل إلى حقائق مبهرة ، أقحمت بعالم البيولوجية ، فمثلا نجد مع ” كوفيه ” في أبحاثه حول الحفريات و الحيوان ، أنها حققت ثورة خطيرة ، فقد كان أول من اكتشف قاعدة ” تبادل التغايرات في النشوء ” بحيث أنه سلم بأن تغير أي عضو من الأعضاء مهما كان ضئيلا ، فإن العضو المرتبط به يتغير في كيفه و كمه ، و من بعد هذا التسليم الخطير ، طبقه على الحيوانات الفقارية ، و كان هذا الطرح بمثابة انفجار بيولوجي للباحثين المهتمين بالبيولوجية ، فقد كان صادقا و يصدق دائما ، و من بعد هذه الثورات الحفرية ، تم أخيرا تقسيم علم الحفريات إلى قسمين منفصلين اولهما : علم الحفريات الحيوانية ، و ثانيهما : علم الحفريات النباتية ، و لكن رغم ذلك لازال هناك تداخل بين علم الحفريات و علمي الحيوان و النبات ، فمثلا في صدد ” الإنقلاب الجنيني ” نجد أن ” كوفييه ” قد وضع قواعد طبيعية في تقسيم العالم العضوي من خلال الإلتجاء إلى المشابهات الظاهرة بين صور العضويات ، ثم من بعدها قام علم الإنقلاب الجنيني بوضع فرع علمي لهذا العلم أو النظريات التي كانت ناتجة عن باحثين في الحفريات ، فحولت النظريات التي تخص باحثين بعلم الحفريات ، لتصبح فرعا علميا يخص علما آخر و لا علاقة له بعلم الحفريات ، و هذا ما نجده بباقي العلوم : كعلم النفس و علم الإجتماع الخ ، سرقات تاريخانية و تبديل هوياتي لبعض الأبحاث ، بلا اكتراث للجهود و بلا احترام ، و هذا ما تهتم به حفريات المعرفة ماكرو فيزيائيا ، و هي ” رصد نمط جديد من المعقولية 2 ” ، كما يقول فوكو ، من خلال التناقضات الكامنة بالخط التاريخي للمعرفة ، بمعمى آخر تفجير العتبات الإبستيمولوجية التي وصفها باشلار و التي كما يقول ميشال فوكو :” تقطع الطريق أمام التراكم اللامحدود للمعرفة ، و توقف نموها البطيء و تزج بها داخل زمن جديد ، و تفصلها عن مصدرها الإختباري و دوافعها الأصلية 3″ ، فهذه العتبات التي غالبا لا تظهر الجانب الحقيقي كما نراه الآن في المفارقة البديهية بين علم الحفريات و البيولوجية ، العقل الإنساني مطالب بتعريتها ، لنجعل من فكرة المنهج هو قوانين توضع و تجمع و تفصل علما : ديماغوجية أو فكرة مسرطنة ، إذن فالمشكل حسب ما ذكرناه و حسب ميشال فوكو أيضا هو كما يوقول ” ليس مشكل التراث و الآثار ، و إنما مشكل الفصل و الحد 7 ” ، أي ذلك التجديد الذي يجدد بمعزل عن جهد التجديد ، فمثلا بتاريخ المعرفة نجد أن النظريات التي عالجت قياس الأرض و مسح الحقول أقحمت و عنونت بعلم الهندسة و ما جاء وراء هذه النظريات يخالف المنظور و المناهج المعتمدة لأن فصل المعرفة المتدفقة كما سماها فوكو بوضع حد و فاصل و قطيعة ، و هذا ما وقع للنظريات التي عالجت الفنون المعمارية و الحربية التي عنونت بعلم الميكانيكا و أصبحت خاضعة هي و ما يليها إلى منهج موضوع و قل ذلك على النظريات التي عالجت الصحة البشرية و التربية الحيوانية التي أقحمت تحت لواء علم الأحياء و كذلك نظريات صناعات المعادن و الصباغة التي سميت بنظريات علم الكيمياء ، و نظريات مشكلات إدارة البيوت و التنظيم السياسي التي أقحمت تحت اسم علم الإقتصاد ، كل هذا يعني لنا فكرة واحدة هي أن تاريخ المعرفة أيضا حامل لأيديولوجيات بمعناها الماركسي ، التي يجب الوقوف عليها بدل غض الطرف عنها ، لأن ما تخفيه هو سبب في ديماغوجية التفكير المعاصر و في اللاتنظيم و اللاتحديد و اللامبالاة ، فكيف أصبحت نظريات الحفريات خاضعة لسلطة علم الحيوان أو علم النبات ، رغم أنها تكتب منفصلة عن أي نظرة برغماتية و عن أي تداخل ، فحينما كان يفكر ” كوفييه ” لفك شيفرات غامضة بعالم الوجود من خلال ما يجده و من خلال ما يتوصل إليه بعقله ، لم يكن يدرك أن نظرياته سيعمل التاريخ على تشويهها بفعل انصهارها الساخن لعقول لا تعلم ما هو العقل ، و أكلها من طرف علوم تدعي العلمية كما وقع لنظريات الحفريات مع الجيولوجيا ايضا ، و كما يقع بين السيكولوجيا و السوسيولوجية في كتابة كارل بوبر مثلا ، فهو كما يقول : ” إشتهاء السلطة فكرة إجتماعية بلا ريب ، و لكنها أيضا فكرة سيكولوجية 5 ” بمعنى أن هذه النقطة تختلف باختلاف المنظورات و لكن ما يزعجني و هو أن هذه المنظورات مقيدة بحد و تحاول قدرما استطاعت أن تحافظ على خط منهجي واحد ليجعلها متمايزة عن غيرها ، و هذا التمايز أو هذا النفور أو الحد ، قد أهمل مساحات طويلة بين منهج علمي  و آخر ، قد تتمخض منه معارف أنطلوجية أفظل من ما نراه الآن ، و غالبا الفيلسوف أو المفكر المتحرر هو الوحيد الذي يتفقد هذه المساحات المهملة التي أهملها ، مفهوم ” الإنفصال” بتعبير ميشال فوكو ، فهل العلمية ترتبط بالمنهج العلمي الموحد ؟ أم هي درجات و قواعد وجدت مع الوجود ؟ و هل حقا بالأنطلوجية مفاتيح للحقيقة ؟

إبستيمولوجية العقل الخالص :

تنقسم موضوعات الفلسفة كما يثفق مؤرخوا العلوم ، إلى ثلاثة أقسام ، أولها الأنطلوجية : التي سنختصرها في قولة أرسطو :  “البحث في الوجود بما هو موجود ” أي دراسة ما هو فينومينولوجي بكل أبعاده ليحيلنا على ما هو لا مرئي و ميتافيزيقي ، فإذا كانت إذن بتاريخ الفكر : الطبيعيات تدرس المتغيرات ” كهيرقليطس و أنكساغوراس و أنكسمندرس و بارمنيدس الخ ” ، و الرياضيات تدرس الوجود كمقدار و كم ، فإن الأنطلوجية تتناول الوجود ككل ، و تحاول الحفر و التنقيب للوصول إلى القوانين الجوهرية و العلل ” كفهم أصل الكون مثلا ، و ثانيا  نظرية المعرفة  التي تتمثل مباشرة في أربع نزعات : النزعة العقلية التي حللناها بشكل أركيولوجي بالبحوث الآنفة ، التي تنتصر لفكرة الفطرية التي تكلمنا عنها ، التي تعني من منظورنا التحركات الفطرية و الطاقية الموجودة بالنيورونات أو الخلايا العصبية التي تجعل من العقل مستعدا للوصول إلى المعرفة اليقينية  ، إضافة إلى ذلك النزعة الحسية و التجريبية التي  تقر بأن العقل هو عبارة عن صفحة بيضاء ، و المعرفة تتمخض عن الحواس التي تملأ هذه الصفحة البيضاء بالأفكار البسيطة كما يقر” جون لوك ” أي الأفكار الأولية ، و نفس هذه الأفكار نجدها مع ديفيد هيوم أيضا ، و هذه المعرفة إذن التي إما تكون نتاج العقل أو الحواس أو بهما معا ، تنقسم إلى مذهبين : الأولى و هي النزعة الدغمائية أو الوثوقية التي تسلم باليقين المطلق و الثانية النزعة النقدية التي تقر بأن المعرفة محدودة في حدود الحواس ” كالكانطية مثلا ” و ثالثا نجد الأكسيولوجية و هي الموضوعات التي يتناولها علم الجمال ، علم المنطق ، علم الأخلاق ، و من خلال هذه المقاربات يتبين لنا الإلتحام البديهي بين الفلسفة و الإبستيمولوجية ، رغم أن الكثير من الباحثين حاولوا الفصل بينهم من خلال تفسيرات ماكرو فيزيائية لا تحمل عمقا نظريا  ميكرو فيزيائيا  ، فتفسيرهم للإبستيمولوجية نفى دور العقل و أعلى من قيمة ” قاعدة الإثباث أو النسخ ” و من التقنية التي توهموا بأنها بفعل مساعدتها أصبحت هي أيضا من لا نتاج العقل و بدأ ينظر لها من المقدسات ، بدل ما كانت عليه حينما كانت عبارة عن أفكار داخل الدماغ ، إمتد صانعها من العديد من الأشكال الموجودة بالوجود ليجعلها مرئية كأداة للوصول إلى شظايا الحقيقة العلمية ، لأن الحقيقة العلمية للأسف لم يفهم معناها بالعمق الموجود بأغوار لغتها ، لأن مشكلة الباحثين كانت تتعلق أساسا بشغف التطور و القطيعة الإبستيمولوجية ، و من بين ما تمخض عن هذه القطيعة مع بداية هذا القرن هو انحصار الإبستيمولوجية بيد المعرفة العلمية كما تدعي و إقصاء المعرفة العامية التي فسرت بأنها لا علمية و هذا به نوع من الماكرو فيزياء  و الهروب عن التبرير و اللاوقوف على علاقة المعرفة العلمية بالعامية ، و تفسيرها  بهل هي علاقة إتصال كما سنبين أم هي علاقة إنفصال كما فسروها هم ماكرو فيزيائيا و أصبحت مع السيرورة التاريخانية حقيقة علمية ، فهل فعلا المعرفة العلمية هي نتاج الرجل الناضج فقط ، و ما هو أصلا النضج الجسدي الذي مال إليه كلود برنار ، هل هو نضج العقل الذي يوجهه ، و هل العقل بدرجاته التي سنعرضها الآن ، منطقيا سنحصرها أولا بجسد الرجل و ثانيا بسنه ، و هل مثلا عمر التسعين كفيل بأن يجسد لنا العلمية ، و ماذا سنقول عن العديد من المفكرين المشاكسين بتاريخ الفكر كميشال فوكو و تشومسكي و بورديو و جان بول سارتر الخ الذين ظهروا بإزعاجهم العلمي في سن الشباب ، و غالبا ما كانوا يعترفون بأن معرفتهم الميكرو فيزياىية كانت سابقة بالمراهقة و بدأت تتعقد و تصعد نحو الميكرو فيزياء ، إذن ما هي العلمية بمعناها العقلي المحض و الخالص و المكشوف ؟

كخلاصة للمقال السابق ، يمكننا القول بأن العقل كنتاج إحكام لجواهر أساسية للتفكير : كالخيال ، إلتحام الحاضر و الماضي و الإمتداد من خلالهم إلى المستقبل و المهيئات التي توجد أو وجدت مع الأنطلوجية في صور محكمة الشكل ،  التي تحاكي تحركات الخلايا العصبية التي بفعلها يتحقق التفكير العادي و المعقد ، فالعلاقة بينهم إذن هي علاقة إلتحام بمعنى أنها عبارة عن كل ملتحم مع بعضه البعض، و لا وجود لعلاقة إنفصال بين الأنطلوجية و العقل و إبستيمولوجيته ، و بالنسبة للإبستيمولوجية الميكرو فيزيائية المعقدة هي نتاج إلتحام العقل مع الطبيعة و كذلك  المعرفة الماكرو فيزياىية أو العامية أيضا هي نتاج بعض الإلتحامات الطفيفة مع الطبيعة ، و كما سنبينيما بعد ، خلايا الدماغ أو النيورونات تشكل مع بعضها خطاطات ، هذه الخطاطات لا تكون نتاج لا المختبر و لا مناهج العلوم الإنسانية و لا أي منبهات سلطوية أخرى ، بل تكون نتاج الأنطلوجية أو الوجود التي يجد العقل بها دافع إسترجاع ذلك التوازن أو ما ينعث بالخطاب الشائع : الراحة النفسية ، فمن خلاله يتعقد التفكير أو بطريقة أخرى ترتفع درجة وعي العقل ، لأن بفعل هذه العلاقة التوازنية التي أفترض أنها علاقة فطرية ، لأنه لا يوجد عقل إنساني لا يميل إلى مشاهد الطبيعية أو الطبيعة بشكل عام بمائها و أرضها ،  فبهذه العلاقة بالذات التي لا يكترث إليها العديد من الباحثين يولد العقل أو يوجد العقل ، لأن العقل له درجات يمر منها ، أولها الدرجة الدنيا التي يكون فيها العقل تابعا و خاضعا لسلطة الثقافة ، و و قد يستمر العقل في درجته هذه لأنه للأسف العقل به خاصية الثقة في ما فسر أمامه من طرف أشكال جسدية ، معنوية يتوهم أن ما يخبرونه به ، هو حقيقة مطلقة و لا يحق تكذيبها ، و الدرجة الثانية ، هي المافوق دنيا : و بهذه الدرجة يتحقق الإصطدام مع الوجود بأشكاله و إيقاعاته و ألوانه و هنا يتمخض فهم سطحي للوجود ، و هذا الفهم السطحي يدفع غريزة تعطشنا إلى المعرفة إلى الدخول إلى أولى درجات التحرر ، و بهذه الدرجة يعود العقل ذاته إلى ماضيه و تقع علاقة إحتكاك بين أشكال الأنطلوجية التي تهيء العقل لهذا الآحتكاك  مع ماضيه ، بمعنى أن ديماغوجية السلطة بدول العالم الثالث مثلا ، التي تتمثل في شرطة الملفوظات ” حشومة . عيب ” و في تهميش العقل بيولوجيا و عقليا ، لن يحد بثاثا من علاقة العقل بالطبيعة التي هي  علاقة إصطدام طبيعية و إنفجار للنظرة العلمية و المعرفة العلمية أيضا و لكن للأسف حينما يهمش العقل بيولوجيا و ذهنيا يصبح هذا الإصدام الفطري مع الطبيعة  بعيد ، لأن العقل الذي سيصدم بإيقاعات الطبيعية التي لا تحصى ينجرف مع إعادة بناء ذاته المهمشة ، و حينما ينجرف مع ذاته بلا تكوين تكون عودته إلى العقل الذي يتركه مع الطبيعة بعيدا و هنا يستوجب تدخل العقول التي اصطدمت مع الطبيعة أو الوجود ، و لكن غالبا ما يصطدم العديد بالطبيعة ، لأن عقولنا مهيئة لتصطدم مع الطبية لأجل التحرر ، فبهذه الدرجة بالذات و هي درجة الإصطدام مع أشكال الطبيعة التي تعيد إحياء نشاط الدماغ الحر الذي وجدنا به في بدايتنا ، تقع قاعدة الإستدارة المقوسة التي كما سبق و سلمنا تنفصل الأنا الحرة ، الناقدة ببطئ عن الأنا الماضوية لتحقيق مسافة مع هذا الماضي ووضع حق مشروع للأنا الحرة في انتقاد و الحفر في هذا الماضي الذي غالبا ما يكون مقدسا ، إذن فبهذه الدرجة يبدأ الإنفصال عن الأنا الماضوبة ببطئ ، بفعل الإلتحام مع إيقاعات الوجود سواء الصورية  بكل أبعادها أو الموسيقية أو الموسيقية الصورية التي تعطينا إلتحام قوي يتمخض عنه إيقاعات في اشكال أخرى ، و التي نراها قد أصبحت متاحة مع السماعات ، و ثالثا : الدرجة المتوسطة : و هنا يتحرر العقل كليا أي ينفصل عن الماضي و يحافظ على مسافة الإنفصال بينه و بين الماضي  ، ثم ينظم ذلك الماضي بعد أن يحلل رئيسياته كفكرة الكون و ابعادها مثلا ، ثم الدرجة المافوق متوسطة التي تتمثل في الوقوف على ما يتمخض عن الرئيسيات كسلوكات الفرد الداخلية و الخارجية و العلاقة بينهم و ما كعلاقة المجتمع أو الثقافة بسلوكاتي مثلا ، ولكن مع تحليلها تحليلا علميا ، و بهذه الدرجة بالضبط يوجد العقل أو يولد العقل من خلال علاقة تراكمية في خط أفقي يتداخل فيه مجموع الإيقاعات الطبيعية مع الخط العقلي الذي يتقدم إلى الأمام مشكلا ألاف الإستدارات إلى الأمام هذه الإستدارات هي عبارة عن إستدارة العقل من نقطة ماضويةإلى نقطة حاضراتية مشكلا من خلالها قفزة إلى الأمام أي إلى المستقبل و هذه القفزة  تدفع بالعقل مرة أخرى إلى تحقيق إستدارة مرة أخرى بين الحاضر و الماضي و هكذا ، و ما أريد الوقوف عليه هو أن كل تقدم هو في الأصل تحقيق إنتصارات عقلية أي الإنتقال من درجة إلى درجة أخرى أفقيا محققا خطا من الإستدارات العقلية إلى اللامتناهي و هذه الإنتصارات هي الأعياد الحقيقة للعقل ، و الدرجة العليا : تتمثل في ترثيب و إحكام الجسد للعقل و الماضي للعقل بطريقة أيضا منطقية تكون نتاج الدرجات السابقة ، و هنا يكمن الإختلاف بين عقل و آخر ، باختلاف الماضي و باختلاف الأنواع الإيقاعية الطبيعية التي كونت العقل ، فقد نجد عقلا مدمنا لمستهلكات تدمر العقل رغم أنه بالدرجة العليا ” كفرويد الذي تعاطى  الكوكايين من أجل اختباره لنفسيته لأجل خدمة البشرية ، و كالعديد من الأنثربولوجيين أيضا  الذين أقحموا ذواتهم في أبشع المخاطر ” وأيضا  قد نجد العقل الذي يضع الحدود و قد نجد العقل الذي يضع الحدود في نقط معينة و يكسر الحدود في نقط  ، المهم هو أن الماضي فقط ليس هو من يحدد نظرة العقل ، بل الإيقاعات ايضا لها دخل كبير في تحديد نظرة العقل إلى ماضيه و تحدد الكييفية العقلية التي سيحلل بها هذا الماضي ، و من بين الإيقاعات نجد ” الإيقاع الموسيقي  و الصوتي و الإيقاع الصوري أو الشكلي و الإيقاع الخيالي الذي يكون نتاج العقل حينما يفكر في أمور مستقبلية كالنجاح  ، الحب الخ و إيقاع تفكير الأغيار أي ذبذبات عقولهم او من منظورنا تحركات خلاياه العصبية الشخصية  و إيقاع الروائح أيضا كرائحة التراب ، رائحة الليمون و من بين المؤثرات الأساسية في العقل بشكل كبير هو مؤثر الصورة أو الشكل : كشكل الحائط و شكل السحاب و أشكال الحيوانات و النباتات و الشلالات الخ، كل هذا و أكثر عبارة عن إيقاعات  ، للأسف كل عقل يستحيل أن يكتسب كل إيقاعات الوجود ، و لكن كل عقل يكتسب العديد من الإيقاعات و غالبا ما ينحاز العقل إلى إيقاع واحد بالبداية كالإيقاع الصوتي من بعد يتدرج نحو الإيقاعات الأخرى و هذا لا يعني أنه ينهي كل درجة إيقاعية كدرجة الإيقاع الصوتي الموسيقي ، لأن كل درجة هي لامتناهية بفعل إمتداد الأنطلوجيةو تطورها ، و لكن ما يهمنا الآن و هو أن هذه الإيقاعات تدفع إيقاعات العقل الغريزية و الفطرية إلى التحرك و هذا التحرك يكون تحركا يتداخل فيه الوزن الإيقاعي لكل إيقاع تم إكتسابه ، و لهذا قلت آنفا أن الذبذبة العقلية الفطرية التي توجد بإيقاع خاص من ناحية الكل النيوروني أو الكل الإيقاعي للخلايا العصبية ، تتداخل معها الإيقاعات الأنطلوجية التي يكتسبها العقل لتشكل إيقاعات وتحركات و نشاطات خاصة تختلف عن باقي التحركات الأخرى للعقول الأخرى  تشبه إلى حد ما خاصية بصمة الأصابع، و ما يفعله هذا التداخل الإيقاعي مع بعضه هو الإمتداد ، بمعنى مبسط أن الذبذبة الدماغية مع تداخل ذبذبات إيقاعات الطبيعية ” سواء الصورية أو الصوتية الخ ” تصبح شحنة واحدة تحرك الخلايا العصبية لكي تلتقي مع بعضها لأجل تحقيق تواصلات هذه التواصلات أو التحركات تختلف باختلاف الحجم الإيقاعي للذبذبة العصبية أو الشحنة العصبية ، و لهذا ينتصر دائما المتأمل المفكر الذي يبطئ الوجود ليكتسب العديد من الإيقاعات و الذي لا يوجد بالدرجة العليا للعقل بل الدرجة المافوق العليا ، فما يميزه عن باقي كل الدرجات الآنفة و هو أنه يعيش في حياة بطيئة ، هذه الحياة البطيئة ما يميز عقلها الذي جعلها بخياله هكذا هي سبب علميته الميكرو فيزيائية المعقدة بالنسبة للدرجات الأخرى ، لأنه يكتسب إيقاعات أكثر من ما يكتسبه العقل في الدرجات الآنفة ، و مادامت الشحنة لها التحام مع مئات الإيقاعات فإن تحركها سيكون في سرعة ضوئية و له لون عقلي يميزه و يجعله واضحا حينما يود العقل التذكر و الإمتداد ، بمعنى آخر أنه حينما تلتقي الخلايا العصبية لتتواصل بينها ترسم خطاطات دماغية ، هذه الخطاطات عبارة عن أشكال فيزيائية معقدة يستحيل أن تجدها بالعالم الخارجي لأنه التحام العالم الخارجي بكل أبعاده مع العالمي الداخلي للدماغ مما يجعل هذا التحرك هو خطاطة معقدة كأن أفهم ما هو المفهوم مثلا ، من ماذا يتكون هل هو ذرة أم ذبذبة صوتية و إذا كان ذبذبة فما علاقته بالمعنى و إذا كانت الذبذبة معنى كما يوجد بباقي المجتمعات  فهل ذلك الغشاء اللغوي الذي يختلف عن باقي المجتمعات هو أيضا ذبذبة فونيمية، و إذا كان المعنى ليس ذبذبة فونيمية بل هو ذبذبة عقلية توجد داخل الدماغ  و الغشاء اللغوي ذبذبة تكتسب من خارج الدماغ ، فلماذا هذه المعاني تتأثر بالذبذبة الفونيمية التي هي خارجية عن العقل و كيف أن ببعض الأحيان نكتسب معاني خارجية من خلال الفونيم ، هكذا مثلا تتشكل الخطاطة تكون عبارة عن اتصالات معقدة لا يمكن أن نمثلها في شكل هرمي أو مستطيل الشكل أو دائري الشكل ، المهم هو أننا توصلنا إلى أنها خطاطة قد نتوصل في بحث قادم إلى شكلها ، وما يهمنا الآن هو أن ما يميز هذه الدرجة المافوق عليا و هو قدرة عقولها على ملاحمة الخطاطات مع بعضها كرثق خطاطة فهم اللغة مع خطاطة الإيقاع الصوتي و حينما تلتحم خطاطة مع خطاطة يقع الإمتداد الحقيقي و المعقد ، و تتشكل صورة ذهنية جد معقدة كما أفعل الآن مع الخلايا العصبية ، فالمعرفة العلمية إذن لا ترتبط بثاثا بالتقنية ، بل التقنية هي عبارة عن مؤشر بسيط ، فمثلا لن يفيدني إكتشاف أن الخلية العصبية لا تنقسم و أن الموصلات هي التي تنقل داخلها المعلومات ، و لكن ما سيفيدني هو الربط النظري المعقد الذي ينحاز نحو درجة من الدرجات التي قسمناها الآن  ، بمعنى أن نتيجة الربط أو نتيجة المنهج هي من ستفيدعقلي إما في الإنتقال إلى الدرجات العقلية أو في فهم منابع التحليل و الكيفيات ، لأنني حينما أقرأ رواية أو عمل نظري علمي فأنا لا أكتسب المعارف بل أكتسب ما يهم العقل و هو الذبذبات العقلية أيضا ، لأن ذبذباتي بمعزل عن الكل الإيقاعي هي ضعيفة ، فما يهيء العقل إلى الوصول إلى الميكرو فيزياء هو ما يغذي به شحنات خلاياه من ذبذبات الوجود بما فيهم ذبذبات عقول الأغيار ، فالعلم إذن من منظورنا لم يبقى ظاهرة إجتماعية بل هو حق طبيعي ،  و نتائج العلوم ليست هي السابقة بل درجات العقل التي ستفهم و تحلل و تربط إيقاعايا المحصلة الجامدة للتقنية العلمية كما يدعون هي السابقة ، و طبعا من ما لا شك فيه هذا الفكر الذي ننحته إيقاعيا يخالف تهصب العقول على التقنية ، لأن درجة هذا التحليل تنصر و تنحاز إلى العقل ، و هي على ثقة بأنه يستطيع الوصول إلى ما هو معقد عن ما تكتشفه الآلة الجامدة و واصفها الجامد أيضا ، إذن فالعقول إذن تتكون من خلال الإصطدام الطبيعي و الطبيعة مكونة من مجتمعات كما نعلم ، هذه المجتمعات تتميز بنباتاتهاو  بحيواناتها و بأصواتها ، مما يجعل إيقاعات الأشكال و الأصوات مختلفة ، و لكن الميزة التي توجد بالتلفاز و بالعالم الإفتراضي و هو جعل الأشكال الكليانية للطبيعة و الأصوات مقتربة للعقول ، و هذا يعني أننا نثفق مع تصور بورديو الذي يقر بأن ” النشاط العلمي هو نشاط إجتماعي و أن البناء العلمي هو بناء إجتماعي . ص 112  أسباب عملية” ، و لكننا نؤيد بشكل كبير تصور ميشال فوكو حول الفكر حينما أقر بأن ” الفكر لا ينبغي أن نبحث عنه فقط في الصياغات النظرية كتلك الخاصة بالفلسفة أو العلم ، إنما من الممكن بل و يجب تحليله في كل طريقة للتكلم أو الفعل أو السلوك التي يظهر فيها الفرد و يظهر بصفته ذاتا تتعلم ، أو ذاتا أخلاقية أو قضائية ، أو ذاتا تعي نفسها و الآخرين. تاريخ الجنسانية . المقدمة ”  فما العلم من منظور تاريخ الفكر و ما علاقته بالطبيعة و خصوصا بالصورة التي سلمنا أنها من الإيقاعات الأساسية للعقل ؟

 2 : تاريخ الفكر و المنهج العلمي :

 سننطلق كمنطلق من قولة للمفكرالمعاصر زكرياء إبراهيم : ” إن العلم هو ضرب من المعرفة التي يحصلها الإنسان عن العالم الخارجي ” فإذا ما عدنا الى ” بارمنيدس” سنجده يقر بان ” الأشياء واحد في العقل كثير في الحس ” و هذا يعني أن الحواس تلتقي فيما بينها لتشكل لنا كلا كما سبق و سلمنا و التي يتم التنسيق بينها ، عن طريق الجدل الصاعد كما نعته افلاطون و الذي يعني القوة الباطنة الموجودة داخل العقل ، التي تصب في مجرى ما سلمنا به حول الفطرية التي توجد مع العقل و هي الهيجان العقلي أو دافع جهد الفعل أو محرك النيورون بتعبير علم الأعصاب  ، الذي ينسق بين المكتسبات ليشكل لنا كلا حسيا أو الواحد في العقل كما نعته بارمنيدس ، فكلنا نتفق الآن على أن الهيجان العقلي لا دخل له في التمنطق ، لان ما ينتظره من تفسيرات لغوية هي من ستحدد نظرته الابستيمولوجية حول الوجود ، فحينما نتكلم عن الانسان فنحن نتكلم عن تاريخ اجتماعي لبيئة معينة يهيمن على العقل و يحدد النوعية النظرية التي سيحضى بها بمساره الأنطوإجتماعي ، فإذا ما عدنا إلى أفلاطون سنجده يعيد التفكير المنطقي الذي يعتمد على الصور الكليانية التي اكتسبها الفرد و التي كما سلمنا تحمل معاني نصفية : إلى ما قبل الوجود ، أي أن العقل يشاهد الوقائع صحبة الآلهة قبل أن تصبح مرئية بالأنطلوجية ، و هنا تكمن مثالية الطرح الأفلاطوني  ، و لكن في نفس مجرى هذا الطرح يضع أفلاطون إشكالا خطيرا يصب في مجرى بحثنا ، و الذي حاول من خلاله أن يناقش نقطة أساسية بتاريخ العقل و هي الفطرية العقلية : هل المهندس يوجد فطريا مهندسا و هل الشاعر و الفيلسوف و الفنان يوجدون بميول فطري نحو الفن او الشعر أو التفكير الخ  ، و الخطير ان أفلاطون بهذه النقطة ذكر ما سلمنا به نحن  ، و لكنه للأسف أعاد الدافع الى عالم المثل ، فقد عزز طرحه بمثال خطير و هو مثال الهندسة ، فأقر بأنه “إذا سألنا فتى لم يتلق الهندسة نجده يجيب عن الأسئلة إجابة محكمة و يستخرج من نفسه مبادئ هذا العلم ، لأنه سبق و تعرف عليها قرب الآلهة ” ،  و في هذا الصدد سلمنا نحن بأن الفرد حينما يوجد ، يشاهد مجموعة من المشاهد بدون تبريرات أو بدون تعليقات لغوية ، كأن يرى في صدد المثال الأفلاطوني منزلا يبنى أمامه ، و في هذا التسلسل الصوري الذي سيراماثلا أمامه سيكتسب صوريا : قوانين هندسية ، و لهذا فأي عقل يعي القوانين أو الدوافع التي تقوم بالدينامية في أي قضية أنطلوجية : صوريا أي مرئيا بالعين المجردة ، و لهذا يمكن لأي فرد التكلم و التعرف بكل سهولة على  مواضيع وجودية تحيل الى مواضيع ميتافيزيقية ، و الدافع أو السبب: هو ما خزنه من الصور ، و لكن المجرى الذي يرج العقل و يجعله اما مفكرا او لا مفكرا ، منبعه الأساسي متمخض عن النوعية اللغوية التبريرية التي تعاملت مع العقل ، و هذا التعامل لن نحصره طبعا في الواحد ، بل هو مجموعة من الأبعاد الاجتماعية المؤسساتية و اللامؤسساتية التي وجد فيها الفرد ، و العلاقة إذن بين العقل و ما ينتظره من تبريرات لغوية ، ثقافية ،  تشبه علاقة المحمولات بالمقولات الأرسطية ، فالمقولات كما هو متعارف وجودها سابق ، أما ” القاطيغورياس ” بتعبير أرسطو التي تعني الإضافة و الإسناد ، فهي من منظورنا تتحدد وفق النوعية الإبستيمولوجية للمحيط الإجتماعي الذي وجد فيه الفرد ، فالمقولات الأرسطية مثلا : الجوهر ، الكمية ، الكيفية ، المكان ، الزمان ، الوضع ، الملك ، الفعل و الانفعال : هي مبادئ جوهرية أو قوانين رئيسية منها تكونت الأنطلوجية ،  فهي وجدت مع الوجود و كل عقل له حق طبيعي في رؤيتها مرئيا ، أي صوريا ، و في هذا الصدد يقر أرسطو بأن “الهيولى ” بتعبيره أي المادة الأولى أو المبادئ و الجواهر الأولى متحدة مع الصور ، و لذلك قال في مقالة للطبيعة : ” الطبيعة هي الصورة ” بمعنى أن الصور تحمل لنا قوانين في تسلسلها ، فمشهد الإنتحار مثلا يمر من صور متسلسلة ، اولها الوقوف الثابت للفرد الذي يعبر عن صراع بين العقل ، أي صراع بين الماضي و الحاضر و المستقبل ، من بعدها يدفع الفرد بأناه الى السقوط من بعدها يرتطم بالأرض ، فهذا التسلسل الصوري إذن ، الذي يعطينا مشهدا صوريا ابستيمولوجيا ، يجعلنا نخلص الى أن الابستيمولوجية لا تنحصر أو لا توجد بالتفسيرات اللغوية فقط ، بل هي متواجدة بالتسلسل الصوري أولا ، أي أن التسلسل الصوري هو دافع و محرك التفسير اللغوي ، و بمعزل عن التسلسلات الصورية لن يكون هنالك تفسير لغوي منطقي و غني بالقوانين أو الجواهر بتعبير أرسطو  ، لأنه كما سلمنا في الجزء الأول من هذا البحث : التفسير اللغوي هو معنى نصفي يتمم المشهد الصوري الذي هو المعنى الرئيسي و الأولي ، و هذا يحيلنا إلى أن كل عقل مكتمل في ربطه بالحواس أي مكتمل في نشاطه العقلب ، له حق أنطلوجي في التفلسف و التفكير ، لأنه حينما يوجد مكتملا يلتحق مباشرة بالنقطة الكبرى التي تجمع العقل الإنساني ، و لكن الإلتحاق الحق يرتبط بالتأمل و تعقب التسلسلات الصورية ، و بهذا الحق الأنطلوجي الذي يتمتع به كل عقل ، تقع أولى التحركات العقلية للإبحار بالوجود ، فهنا بالذات يولد العقل أو يوجد العقل من خلال علاقة ثلاثية دائمة التحرك و الدينامية ، تبتدأ من الحواس الأربعة تحت زعامة الحس البصري  ثم تلتحم مع المشهد الصوري المتسلسل لقضية معينة ثم تلتحم مع تفسير لغوي ، من بعدها يضفى لهذا الكل الملتحم احساس مرتبط بالحواس الأربعة فيصبح احساسا مضخما ، ملتحم مع المشهد الصوري و التفسير اللغوي ، فحينما نتذكر موقفا ماضويا معينا مثلا ، يسيطر علينا شعور مضخم ، متلاحم مع الأجزاء الرئيسية للمشهد الصوري و التفسير اللغوي ، فكما المشهد الصوري أو الصورة الكليانية تمر من أجزاء متسلسلة إما طبيعيا كالنمو و إما ما فوق الطبيعي كالأعمال الإبداعية ، كذلك اللغة أيضا تمر من أجزاء متسلسلة إما ثقافيا اي المسلمات و إما إبداعيا اي إبداع رموز معنوية عقلية متطورة من خلال المعاني اللغوية التي سبقتها ، و هذا كله يمر أمام العقل فيراه صوريا ليكتسب كما سلمنا آنفا مشاهد صورية أو صور كليانية ، لكل قضية تحمل قوانين و علل للمعلولات ، و هذه القوانين تحمل أو تنقل  كما سلمنا آنفا عن طريق الهيجان العقلي او محرك الخلايا العصبية الموجود فطريا داخل كل نصف من المخ في علاقات ميكرو فيزيائية ، سنبينها في مابعد و هذا ما يعززه أرسطو في مقالته حول التحليل بأن ” المقدمات الأولية التي تسمى علوما متعارفة مثل مبادئ عدم التناقض و العلية ،  لا تدخل عادة في القياس بل يتمشى القياس بموجبها دون ذكرها : أي إنها مقدمات بالقوة لا بالفعل و هي ليست غريزية في العقل لكن العقل يكتسبها بالحدس فتبدو كالغريزية” بمعنى أن العقل حينما يكتسب الصور الكليانية فهو لا يعي بأنه يكتسب قوانين : إما فيزيائية أو سيكولوجية الخ ، لكن حينما تأتي المطابقة أي مطابقة الصور الكليانية بالتفسيرات اللغوية أو الأفكار اللغوية التي تبرهن و تبرر من خلال التسلسل الصوري ، يحس الفرد بأنه سبق و تعرف على القانون الذي يبرهن و يفسر أمامه لغويا  ، و هذا ما يعززه فرانسيس بيكون أيضا ، القرن 16 في كتابه الأورغانون الجديد ، الذي ينزع لنا أيضا الستار عن الحقيقة المتلبسة التي تربط بين الصور و ما يوجد داخلها من قوانين تحرك العقل و تجعل منه غاية في ذاته بتعبير كانط ، فالعلاقة بين الطبائع البسيطة حسب بيكون و الصور هي علاقة تلاحم ، و الطبائع البسيطة هذه هي الجواهر أو المبادئ الأولية : كالحرارة ، البرودة ، الكثافة ، الجاذبية ، الألوان ، و لهذا فقد أقر  ” بأنه لكي نفهم الطبائع البسيطة لا بد من ان نكتشف صورها 2 ” بمعنى أنه رغم أننا نشاهد القوانين الإيكولوجية و السوسيولوجية و الإبستيمولوجية و اللغوية و الأنثربولوجية صوريا ، في تسلسلات تحقق لنا حصيلة مشهدية : توجد داخلها بسبب التسلسل المنطقي  الطبيعي و الإبداعي : قوانين تميل إلى قضية أنطلوجية : إما اجتماعية او داخلية فردية او فنية الخ  ، إلا أننا بسبب اللاكتمال المعنوي يتلهف عقلنا إلى إكمال المشهد الصوري من خلال القوانين المنطقية ، الطبيعية الموجودة داخل المشهد الصوري الكلياني ، و هنا نقع في مشكلة التفسير التي ، للأسف إما تفسر لغويا من خلال المنهج المنطقي الموجود مسبقا داخل التسلسل الصوري ، و إما تفسر لغويا بالمسلمات التي لا تخدم مصلحة العقل  ، بل تخدم مصلحة قوة حاكمة ذاتية التفكير  ، إذن فحسب فرانسيس بيكون أيضا : “الصورة هي القانون”

و بسبب القوانين الصورية المعطاة طبيعيا أو إبداعيا من خلال الأولى ، يمكننا التسليم الآن بأنه لا يوجد إنسان لا عاقل ، فهناك إذن الفئة التي تتمم المسار المنطقي الطبيعي الذي يوجد داخل عقولهم بلاوعي منهم ، و ذلك بتفسير المشاهد الصورية الكليانية بالمنطق اللغوي كما هو متواجد بالتسلسل الصوري الطبيعي، ثم هناك الفئة التي تهين العقل حينما تفسر التسلسلات الصورية بأشكال و بارواح لا وجود لها و لا علاقة لها بالمشهد الصوري ، كأن يفسر سقوط جسم معين بروح شريرة او يفسر  المرض بصفات بشرية غير موجودة ” كالعين الثاقبة ” أو كتفسير كل السلوكات بالقدر ، هذه في الأصل تصبح داخل العقل من أبشع الأمراض المعرفية التي تسرطن التفكير و تنتشل عن الهوية العقلية : الهيجان العقلي او محرك الخلايا العصبية حركته النشيطة  ، فاي عقل مكتمل النشاط هو مفكر بطبعه ، لكن المعيقات الإجتماعية هي التي تجعل منه عقلا خاليا من المنطق ، و النقطة التي لا أتفق مع بيكون فيها هي أن التجربة أساس معرفة القوانين الطبيعية  ، و هنا يمكننا القول بأن التجربة يعيشها العقل كل ثانية و بهذه التجارب الحقة تمرر القوانين الصورية و الصور الكليانية  كقوانين ملموسة يتم معالجتها داخل الدماغ بطريقة ميكرو فيزيائية أفضل من التجربة ،   فالتجارب إذن ضعيفة كل الضعف أمام عملية العقل الفردية التي يمكن أن يقوم بها العقل في الشارع أو في الحمام او في السجن ، و تتثمل في عملية تبطيئ المشهد الصوري الكلياني  كمشهد الإنتحار مثلا ، و تفسير كل مقطع من المشهد الصوري الكلياني ، باللغة المنطقية اي برموز لغوية متعارف عليها عند الكل الإجتماعي لكن بمعاني ناتجة عن التسلسل الصوري اي لا يجب أن تخرج عن حدود ما يقع خارجيا بالتسلسل الصوري لكي يستطيع العقل الذي يفسر ان ينتقل إلى التسلسل الداخلي الفردي الذي دفع بالتسلسل الخارجي المرئي إلى الظهور ، و هنا نكون قد توصلنا إلى فكرة أساسية  هي علاقة الخارجي بالداخلي ، اي أننا حينما نستطيع أن نحافظ على الكل الصوري و أن نسبر أغوار كل مقطع من هذا المشهد الكلي الخارجي نستطيع بفعله و بفعل الإسقاط و المماثلة أن نجعل من التسلسل الداخلي الذي دفع بالفرد للإنتحار مرئيا ، كالقفزة مثلا هل بها تردد ، هل ليس بها تردد ، هل وقف كثيرا ام قفز في لحظة وقوفه ، يكون هناك اختلاف باختلاف الطريقة و التحركات التي خاضها الفرد كتجربة و التي نحللها الآن كمشهد صوري كلياني يتكون من اجزاء صورية  خارجية السلوك تدفعنا الى فهم السلوكات الداخلية ، و طبعا لن نهمل الإطلاع على ماضي الفرد الذي سيساعد كل عقل على ادراك بعض الثغرات الإنسانية التي تؤدي إلى دوافع انحرافية ، و لهذا يمكننا القول بأن التجربة هي كالسؤال عن ماضي الفرد ، هي  جزء من أجزاء المعرفة و لكن اللبنات الأساسية للمعرفة هي المشهد الصوري الكلياني و التفسير اللغوي لأجزاء المشهد ، و بمعزل عن اللبنة الأولى و الثانية يكون من الصعب على العقل التوصل إلى معرفة منطقية ، ثابتة ، لأن المعرفة حسب ما شرعنا في تفسيره توجد أولا بالتسلسل الصوري ، الناتج عن المنطق الطبيعي أو عن المنطق الإبداعي ، الذي يقودنا مباشرة إلى الدوافع التي دفعت بالتسلسل الطبيعي إلى الظهور فهي علاقة متصلة ببعضها أنطلوجيا و منفصلة مرئيا أي أمام العقل و حواسه ، فما يظهر لنا هو التسلسل الصوري المرئي لمشهد انطلوجي معين  و لكن دوافع كل جزء من هذا التسلسل الصوري المرئي لا تظهر مرئيا ، مثلا كدوافع ممراسة الجنس أو دوافع القتل ، لن تظهر لنا و لكن تظهر لأي عقل نتاجات الدوافع التي تمر في تسلسل صوري منطقي ، مثال : القتل المتعمد ، فمشهد القتل أمامنا يمر من أجزاء صورية ليقف عند حد  ، مشكلا كلا صوريا  ، و بتتبعنا لكل مقطع  لهذا المشهد الصوري الكلياني داخل عقولنا ستفتح لنا العوامل الخارجية : طريقة القتل و التحركات الفيزيلوجية و الكلام مثلا ، باب التفكير الفردي لمرتكب الجريمة ، اي أنها ستنقلنا من مشاهد خارجية إلى دوافعها اللامرئية و اللاواقعية الداخلية و سيبدأ التفسير لغويا من خلال أجزاء المشهد الصوري ، فتحرك القاتل مثلا بكل ثقة إلى الأمام ليس هو توثر القاتل و عودته إلى الوراء و بهذا التسلسل الصوري الطبيعي الذي يحمل بكل جزء شيفرة قانونية قابلة للملاحمة مع الصور التي تتسلسل في منطق طبيعي مشكلة معنى نصفي  ، يبتدأ من نقطة و ينتهي في نقطة منطقية التكوين هي من الأساسيات ، كسقوط ذات المنتحر لن تصعد إلى الأعلى و تعود إلى مكانها ، بل سترتطم مع الأرض ، و في هذا التسلسل الصوري  الطبيعي المنطقي  ، يسهل على العقل المترقب تكوين خلفية علائقية بين نقطة بداية المشهد الصوري و بين نهايته التي تحيل إلى بعد خلفي سيفسر لغويا ليكتمل المعنى ، و لكن هذا التفسير اللغوي يجب أن ينحصر في التسلسل الصوري اي يجب أن لا يبتعد عن المشهد الصوري الكلي ، الذي هو نتاج المنطق الطبيعي ، فمادام المترقب لم يلاحظ روحا شريرة دفعت بالمنتحر إلى السقوط ، فوجب عليه أن يحترم المشهد الصوري الكلياني و أن يبطئ و  يدقق النظر في المقاطع قدر ما استطاع كما هي لكي يستطيع تأويل الدوافع و جعلها مرئية و قادرة على الإستيعاب ، و هذا ما يعززه ديكارت في القاعدة الثالثة من الجزء الثاني من كتابه : مقال في المنهج ، بقوله : ” يجب أن أرتب أفكاري ، فأبدأ بالأمور الأكثر بساطة و أيسرها معرفة ، حتى أصل شيئا فشيئا ، أو بالتدريج ، إلى معرفة أكثرها تعقيدا 4″  فالمعرفة الأكثر تعقيدا حسب منظورنا تأتي من خلال الوقوف التام على المشاهد الصورية الكليانية ، كل ظاهرة تمر من تسلسلات صورية و كل موقف يمر من تسلسلات صورية تحمل قوانين إما فيزيائية أو سوسيولوجية أو أنثربولوجية الخ ، بحسب النقطة الوجودية التي ترتبط معها  ، و مهمة العقل المراقب و المهتم بالمعرفة هو تبطيء المشهد الكلياني و الحفر في كل جزء من المشهد و خصوصا الأولي و الأخير و النظر إليه جيدا من الناحية الميكرو أي من القرب ثم النظر إليه من الماكرو أي علاقته بالمحيط ،  لكي تدفعنا مباشرة إلى وصف ما وقع  داخليا عن طريق اللغة أي إخراج ما يمكن أن يدفع بالفرد إلى تحقيق ذلك المشهد مرئيا لغويا  ، كظاهرة التحرش الجنسي مثلا ، لا يكننا تفسير ما يقع للفتاة و للشواد من الاقتراب اليهم و عرض اسثمارة عليهم ، بل يمكن  تفسير المشاهد الكليانية للتحرش الجنسي بالنظر عن قرب و النظر من الماكرو أي الحفر أيضا في نوعية تفكير المحيط ااذي لفظ فيه الأفراد الذين يتحرشون يوميا ، فكما قلنا المشهد الصوري مكون من قوانين و هذه القوانين أو الدوافع هي كل ناتج عن المحيط السوسيولوجي الذي ترعرع داخله العقل ، و مهمة هذه القوانين الصورية هو إدراجنا إلى ما ورائها أي دوافعها لنصفها و لنفسرها بطريقة منطقية تجعلنا قادرين على الوصول إلى نقطة حل ، و كل هذا يقع لغويا تحت لواء التسلسل الصوري ، فحينما نشاهد فردا يتحرش بفتاة بطريقة وحشية ، فنحن لا نرى تربيته و لا تفكيره و لكن تسلسل المشهد بكل ما يحمله من تحركات فيزيولوجية و درجات الصوت و تحركات اليدين يحيلنا إلى مشاكل تربوية و إلى رغبات لم يستطع هذا الفرد تحقيقها و بهذا يصبح المشهد كرد فعل على مثيرات لا واقعية و لا واعية لم يتقبلها هذا الفرد كعقل له الحق في تحقيق رغبات أنطلوجية ، و لهذا تصبح القيود لا قيمة لها  بالنسبة له أمام حرارة جرح غريزي ، و بهذا يمكننا القول أن المشهد الصوري الكلياني ، هو بمثابة هدية أنطلوجية قابلة للحفر و دافع للمعرفة  ، فأي عقل مكتمل النشاط بالوجود له الحق في رؤية التسلسلات الصورية الكليانية و اكتساب المعنى النصفي الذي يدفعنا بفعل التفسير اللغوي الذي ينتج ايضا من خلال الأولى معنى نصفيا قابلا للإلتحام مع المشهد الصوري ليعطينا في نهاية المطاف : قانونا أنطلوجي و إبستيمولوجي ، و هذا ما يعززه ديكارت حينما رأى بأن ” الأطفال الصغار لا يولدون مزودين بأفكار فطرية ، و لكن مزودين بسهولة إكتسابها  ” بمعنى أن العقل سواء في الثقافة المنطقية أو اللامنطقية كما سبق و سلمنا ، يحتوي على  الهيجان العقلي الفطري  الذي ينسق بين ما يكتسبه من حواس ليشكل كلا حسيا مكون من مشهد صوري كلي أي من قوانين جوهرية تكمن داخل التسلسل الصوري الذي يعطينا مشهدا  و من تفسير لغوي متلاحم يتشكل من رموز لغوية تحمل معاني إما منطقية أو لا منطقية متلاحمة مع إحساس يصبح إحساسا مضخما ، هذا الإحساس المضخم الذي لم أتكلم عنه مسبقا ،  يكون له علاقة وطيدة باللحظة الأولى للمشهد ، فمثلا الفرد المتورط بعملية قتل ، حينما يقبض عليه سيخلق عقله إحساسا يتماشى مع نوعية الموقف الذي تورط فيه ، فإذا كان لا يخدم مصلحة العقل و الذات ، فإن هذه الخلاصة التي يتوصل إليها العقل و هي عدم الوصول إلى نفعية بهذا الموقف المعاش ، الذي هو القتل أو الورطة في مهمة معينة أو الرسوب في الامتحانات مثلا ،  يضفي العقل إحساسا يشبه الإحساس الذي يضفى على حصيلة موقف يخدم مصلحة العقل و الذات كالنجاح بالامتحانات مثلا   ، فالفرق بين الإحساس الجيد و السيء ليس نتاج الإحساس في حد ذاته ، بل هو نتاج حصيلة الموقف المعاش ، مجيبا على سؤال :  هل يخدم مصلحة العقل و الذات أم يورطهما ؟ ، و الإحساس بالموقف الأول هو مثيله بالموقف الثاني ، أي أن الإحساس الذي يضفيه العقل لا دخل له في المشهد الصوري المعاش ، مثل الإنتحار مثلا ، فهذا الإحساس الذي يلتحم مع المشهد الصوري المتسلسل لموقف لا يخدم مصلحة العقل و الذات كالإنتحار ،  هو نفسه الإحساس الذي يلتحم مع مشهد صوري متسلسل يخدم مصلحة العقل و الذات كممارسة الجنس مثلا أو السباحة أو الأكل ، و لكن الفرق بين الأول و الثاني يكمن في نوعية الحصيلة الكلية للمشهد  ، الذي يجعل من العقل يكون نظرة سلبية حول المشهد الصوري الذي لا يخدم مصلحة الذات و يضفي معه إحساس نتوهم نحن أنه يتحدد بهذا الإحساس ، مثل الخوف من ظاهرة معينة ” كالسرطان ” في الحقيقة ذلك الشعور و هو شعور الخوف ليس هو المحدد للمشهد الصوري للموت بالسرطان ، بل هذا الموت أو وقوف العقل و أعضائه عن العمل بسبب السرطان هو المحدد لهذا الإحساس لأن المشهد الصوري يسبق التفسير اللغوي و يسبق الإحساس الذي يتلاحم مع المشهد الصوري ، فالإحساس المضخم الذي يوهمنا عقلنا حينما نتذكر موقفا ماضويا أنه أساس المشهد الكلياني  ، في الحقيقة هو عكس ما نتحسسه عقليا ، أي أن المشهد الكلياني هو سابق على ذلك الإحساس ، فحينما نتذكر مثلا موقفا فشلنا به فإن الإحساس المتلاحم مع هذا الموقف الصوري ، يسيطر علينا أكثر من التسلسل الصوري ، و لذلك نسمع أن الإنسان يتحدث عن أحاسيسه أكثر من ما وقع بالمشهد الصوري الذي هو دافع هذا الإحساس ، لأنه يستحيل أن يتمخض إحساس بمعزل عن مشهد صوري ، و من خلال ما ذكرناه يمكننا أن نخلص إلى نقطة أساسية هي : أن التسلسلات الصورية التي تشكل مواقف أنطلوجية : اجتماعية / لغوية / فردية ، داخلية ..، وجودها سابق على أي متمخض سواء عنها كالتفسيرات اللغوية أو الإحساس الذي يتطابق معها ليصبح إحساسا مضخما ، فالذي يجب أن يدرس دراسة حفرية في اي نقطة أنطلوجبة ينفرد بها أي علم من العلوم المنفصلة عن الفلسفة ، هو التلسلسل الصوري الذي ينتهي بنقطة و يبتدأ من نقطة ، و غالبا النقطة الأولى تكون عبارة عن مبدأ أولي أو عن جوهر أنطلوجي هو جزء من أجزاء الكينونة الوجودية ، و النقطة الأخيرة تكون عبارة عن نقطة إنتهاء أو عجز النقطة الأولى عن تقديم أي جديد بمسارها الصوري المتسلسل ، مثلا كظاهرة الجنون ، بمشهد معين لمجنون في حالة الضرب ، نلاحظ أن المجنون سينطلق بمشهده الصوري من اللاختيار ، أي أنه لا يختار الضحية بل كل من يتمخض عنه سلوك يهدد لا نشاط عقله الحر ، سيصبح بالنسبة له كائن يهدد وجوده ، كحمل اليد بشكل مسرع و في حد يفوق الرأس ، هنا المثلوث عقليا لا يحلل بل يجيب عن ما تمظهر أمامه في نفس اللحظة بدون تحليل ، أي مثير و استجابة ذاتية بدون تحليل  ، فهذا المفهوم الإنساني و هو التحليل هو ما يميز العقل البشري على الحيواني ، فهذا المقطع الأول من مشهد ضرب المجنون لإنسان بالشارع ، هو نقطة بداية المشهد و هو الكفيل بأن يفتح للمراقب أو المحلل في أي مجال كان ، سواء بمجال ماكرو فيزياء المعرفة  أو مييكرو فيزياء المعرفة باب الإطلاع على الظاهرة و فهمها ، و لكن ما يميز منهج البحث بالأولى و هي وصف ما يقع بكل مقطع من المشهد الكلي ، طريقة وقوف المجنون أمام الضحية و كيفية الكلام و كيفية التحرك و كيفية الضرب و هل كان هناك هروب أم لا ، على عكس الثانية التي يختص بها المفكر لا الباحث ، و هي الإطلاع على المشهد الصوري كقوانين يمكن تعريتها و تحليلها بالرموز اللغوية بدل وصفها ، فالأولى إذن تستعمل اللغة كوصف ، و لغة الوصف جوفاء لأنها تعيد لنا الصور بقالب لغوي و هذا ما نجده بالثقافات اللامنطقية كدول العالم الثالث  ، أما الثانية فتكلم الصور أي أنها تحلل الصور بطريقة حفرية تجعل من القوانين الكامنة داخلها مرئية و قابلة للفهم ، و هذا ما نجده لدى الثقافات المنطقية المهتمة بالعقل و التحليل ، فهذا التحليل إذن الذي هو عبارة عن استدارة مقوسة إلى الأمام تقف على نقطة الحاضر و تستدير محققة اتصال مع الماضي ، بمعنى أن المجنون في مشهده الذي خاضه كتجربة ، حينما حملت الضحية يدها بسرعة و في مسافة تحطم حاوجز احترام حرية الآخر ، كانت مثيرا لذلك الهجيان العقلي الموجود بداخل عقل المجنون او المثلوث عقليا الذي لا يستدير بنشاط بين النصفين من المخ محققا إستدارات مقوسة بين ما سيخدم موقف هذا الحاضر إنطلاقا من ما وجد بنقط ماضوية تتماشى مع هذا السلوك الحاضراتي ، بمعنى أن نوعية المثير هي التي تحدد للهيجان العقلي النوعية التي سيجعلها تعمل بفعل استدارات مقوسة  من الناحية الماكرو ، التي تعني من الناحية الميكرو : إنتقال الشحنات الكهربائية  أو الهيجان العقلي من خلال  المحاور العصبية، لأجل الجمع بين ما يوجد داخل الخلايا العصبية من إجابات  عقلية تجيب على الإشكال المطروح أمامه بصفته منسقا و مسؤولا عن العقل ككل ، و هذا الجمع يقع في علاقة دائرية تجمع بين ما يوجد من انواع إبستيمولوجية ، سواء اجتماعية ، أو لغوية ، أو داخلية فردية  ، محققا بها التحاما مع الحاضر ليستجيب استجابة عقلية تمكنه من الإسقاط و المماثلة لمشاهدة أناه مكان الأنا الأخرى ، مجيبا عن سؤال : هل سأتقبلها كذات عاقلة مكان هذه الأنا العاقلة التي تشبهني في الإكتساب العقلي و تختلف عني ، باختلاف هيجانها العقلي أو جهد الفعل الدماغي ،  و هذا كله يقع في نصف دقيقة من الزمن ، و لكن الإشكال المطروح و هو أن المجنون يفقد هيجانه العقلي الذي يعبر عن نشاط عقل الإنسان و حيوته في دينامية تجمع بين الخلايا العصبية محققة آلاف جهود فعل ، محققة بفعلها أيضا سلوكات عقلانية في فترة وجيزة من الزمن ، و لكن محرك الخلايا العصبية لدى المجنون قد فسد بسبب صدمة أو تفكير حاد أدى به إلى بدل جهد يفوق الحدود التي تؤطر حدوده كمسؤول عن خدمة أنطلوجية ، و بهذا فإن الاستجابة ستكون استجابة غريزية متمخضة عن غريزة البقاء لا أكثر كالحيوانات ، لهذا يجب إستبعاد المجنون عن دائرة الهيجانات العقلية النشيطة ، و هنا بهذا التحليل يتبين لنا مرة أخرى كيف استطعنا أن نجعل من المشهد الكلي الصوري ، يتحدث عن خفاياه و عن القوانين التي تكمن بأغواره ، و هذا هو المنهج الحق الذي أزعم بأنه نتاج العقل الخالص ، لأن التفسير السالف للايبنتس حول “المونادات الجرداء ، الغامضة ” أو ” الوحدات الغامضة ” لن نفسرها كما فسرت من قبل ، على أننا داخل دوامة غامضة ، بل سنسلم بأن هذه ” المونادات ”  توجد داخل المشاهد الصورية ، و ما دمنا نمتلك مفاتيح أنطلوجية و هي الصور المرتبطة منطقيا ، التي تشكل لنا مشاهد صورية كليانية بفعل آستجابة الهيجان العقلي ،  فالمونادات سهلة التمظهر أمام المترقب الذي يحلل الصور في ضوء تسلسلها و علاقتها مع بعضها البعض ، ثم  الموضع الذي يتضح أنه من الناحية الماكرو له وجه صوري واحد ، و لكن في الأصل  ما يهمنا كمترقبين و كحفارين للمعرفة هو الوجه الثاني الذي يشبه جذور الشجرة و الذي يغدي التسلسلات الصورية و يجعلها ممتدة ، كما نجد بالقتل المتسلسل ، فمشهد القتل الأول لم ينتهي بل دفع بالمشاهد الأخرى أي مشاهد القتل إلى التمخض ، و هذا يفسر لنا بأن الدوافع اللامرئية أو الجذور تتغذى من تربة الماضي ، و لهذا فمهمة المفكر لا الباحث ،  هي مشاهدة المشهد الصوري كقوانين يمكن إزالة الستار الذي يساعد العقل على إزالته بفعل دوافع فطرية توجد به مع وصفها ماكرو فيزيائيا و الحفر بهذا الستار الصلب  لأجل تحليل القوانين و ربطها  بالرموز اللغوية ، فبالأولى إذن نستعمل اللغة كوصف ، و لغة الوصف جوفاء لأنها تعيد لنا الصور بقالب لغوي و هذا ما نجده حاضرا بالثقافات اللامنطقية كدول العالم الثالث  ، أما الثانية فتكلم الصور أي أنها تحلل الصور بطريقة حفرية تجعل من القوانين الكامنة داخلها مرئية و قابلة للفهم ، و هذا ما نجده لدى الثقافات المنطقية المهتمة بالعقل و التحليل ، فهذا التحليل إذن الذي هو عبارة عن استدارة مقوسة إلى الأمام تقف على نقطة الحاضر و تستدير محققة اتصال مع الماضي ، بمعنى أن المجنون في مشهده الذي خاضه كتجربة ، حينما حملت الضحية يدها بسرعة و في مسافة تحطم حاوجز احترام حرية الآخر ، كانت مثيرا لذلك الهجيان العقلي الموجود بداخل عقل المجنون او المثلوث عقليا الذي لا يستدير بنشاط بين النصفين من المخ محققا إستدارات مقوسة بين ما سيخدم موقف هذا الحاضر إطلاقا من ما وجد بنقط ماضوية تتماشى مع هذا السلوك الحضاراتي ، بمعنى أن نوعية المثير هي التي تحدد للهيجان العقلي النوعية التي سيجعلها تعمل بفعل استدارات مقوسة  من الناحية الماكرو ، التي تعني من الناحية الميكرو : إنتقال جهد الفعل من خلال  المحور العصبي ، لأجل الجمع بين ما يوجد داخل الخلايا العصبية من إجابات  عقلية تجيب على الإشكال المطروح أمامه بصفته منسقا و مسؤولا عن العقل ككل ، و هذا الجمع يقع في علاقة دائرية تجمع بين ما يوجد من انواع إبستيمولوجية ، سواء اجتماعية ، أو لغوية ، أو داخلية فردية  ، محققا بها التحاما مع الحاضر ليستجيب استجابة عقلية تمكنه من الأسقاط و المماثلة لمشاهدة أناه مكان الأنا الأخرى ، مجيبا عن سؤال : هل سأتقبلها كذات عاقلة مكان هذه الأنا العاقلة التي تشبهني في الإكتساب العقلي و تختلف عني ، باختلاف هيجانها العقلي أو جهد الفعل الدماغي ،  و هذا كله يقع في نصف دقيقة من الزمن ، و لكن الإشكال المطروح و هو أن المجنون يفقد هيجانه العقلي الذي يعبر عن الإنسان نشاطه و حيوته في الإنتقال بسبب فساده بصدمة أو تفكير حاد أدى به إلى بدل جهد يفوق الحدود التي تؤطر حدوده كمسؤول عن خدمة أنطلوجية ، و بهذا فإن الاستجابة ستكون استجابة غريزية متمخضة عن غريزة البقاء ، لهذا يجب إستبعاد المجنون عن دائرة الهيجانات العقلية النشيطة ، و هنا بهذا التحليل يتبين لنا مرة أخرى كيف استطعنا أن نجعل من المشهد الكلي الصوري ، يتحدث عن خفاياه و عن القوانين التي تكمن بأغواره ، و هذا هو المنهج الحق الذي أزعم بأنه نتاج العقل الخالص ، فمشهد القتل الأول لدى القاتل لم ينتهي بهذا المشهد الصوري بل دفع بالمشاهد الأخرى أي مشاهد القتل المتسلسلة  إلى التمخض ، و هذا يفسر أن الدوافع اللامرئية أو جذور المشاهد الصورية الجديدة ، إن كانت في موضعها الجيد أي في تربتها الماضوية الجيدة التي تتكون من مشاهد صورية متلاحمة مع تفسيرات ابستيميه تعود لجماعة معينة، أدت إلى  تمخض تفسيرات هوياتية تعود للعقل ذاته ، منطلقا من الماضي في امتداد قد أصف مساره في ما بعد  لكن ما يهمنا الآن و هو أنه امتداد يمتد من المعارف السابقة التي تتكون من المشاهد الصورية الملتحمة مع تفسيرات لغوية أو المشاهد الصورية اللاملتحمة مع اللغة ، إلى مشاهد جديدة تفسر بتفسير سابق ، أي أن القانون الذي عرضناه آنفا يقلب ، يصبح التفسير اللغوي سابق على المشهد أو قل أنه يصبح هو سيد المشهد الصوري و هو الذي سيخلقه ، بفعل تبريرات تعود إلى العقل ذاته ، فمشهد القتل بالأول كان نتاج صراع داخلي بين ماضي العقل المكون من مشاهد صورية لم يتقيلها : كالعنف مثلا ، فحينما نسأل أخطر مجرمي القتل المتسلسل عن عملهم الإجرامي المستسل سنجدهم يعيدوننا إلى مشاهد صورية ماضوية  بتربيتهم ، لا نمطية : كالعنف المتكرر مثلا ، و المشكل المطروح أمامنا كمترقبين للمعرفة و هو أن المشاهد التي لا تفسر تصبح أمام العقل أداة استفهام ، حتى و إن أراد أن يفسرها فلن يستطيع إن كانت درجة لا نمطيتها أكبر حدة ، كمعاملة الطفل كشيء مثلا ، و تعذيبه بطرق لا تبريرية ، يصبح العقل في دوامة المقارنة بالتربية التي عاشها الأفراد و بتربيته المليئة بالمشاهد اللانمطية ، و اللامفسرة منطقيا ، فلذلك نجد أن معظم المجرمين الذين يقتلون قتلا متسلسلا ، يلومون التربية اللامنطقية لوالديهم ، و لذلك نجد مثلا بسجل مجرمي القتل المتسلسل أن أول مشهد قتل يمارسونه يبتدأ بالأم و الأب ثم يتسلسل في مشاهد قتل أخرى  قد تصل إلى 40 قتيلا ، و معظم الضحايا يكونون في صلة بعمر الأم و الأب ، أي أن الصراع الداخلي مع الماضي يبقى محاصرا في جذور التربة الماضوية ، هذه الجذور التي تتوهم أنها تحل مسائل الماضي ، هي في الأصل لم تكن تعلم أنها ضحية أيضا للطريقة التي اتخذتها في علاج هذه التربة التي تتكون من مشاهد صورية لا نمطية ، و لا مفسرة منطقيا ، و ما يهمنا الآن هو ما العلاقة بين المشهد الصوري الأول الذي انفرد بالمثيرات الماضوية التي تتشكل من الأم أو الأب أو مثير كان سببا في صراع ماضوي بين المشاهد ااصورية اللانمطية و اللامفسرة منطقيا بضحايا لا صلة بينهم و بين ماضي القاتل ، فإذا ما عدنا إلى مفهوم الإمتداد المعرفي ، فأول ما سيتبادر إلى أذهاننا و هو أن المعرفة تمتد و من خلال ما سلمنا به آنفا : المعرفة تتكون من مشاهد صورية و تفسيرات لغوية و هذا التفسير اللغوي قد يكون خارجيا أي نتاج الغير الثقافوي ، أي الأنا التي وجدت معي بمجتمع يمتلك رموزا لغوية و شيفرات معنوية حول الوجود ، ثم هناك التفسير اللغوي الذاتي الناتج عن العقل ذاته ، و في صدد امتداد المشاهد الصورية أي امتداد المشهد من قتل مثير الماضي و هي الأم إلى 39 مرأة في نفس سن الأم ، يتبين لنا ببداهة أن المشهد الصوري وحده غير قادر على الإمتداد بل إن العقل برر و فسر تفسيرا أصبح منطقيا بالنسبة له و حقيقيا و هو أن المرأة في السن كذا يجب أن تموت لأسباب ماضوية تخص هذا العقل الذي لم يحضى بترير منطقي لتلك المشاهد الصورية اللانمطية التي عاشها ، إذن فامتداد المشهد الصوري يعود إلى نقطة التبرير اللغوي داخل العقل  ، و لكن أمامنا كمترقبين للمعرفة نرى العكس ، نرى المشاهد بمعزل عن ذلك التبرير العقلي للفرد الذي استجاب لمثيرات ماضوية ، فالذي يهمنا كمترقبين هو خلاصة التبرير العقلي الذي أدى بالمشاهد الصورية إلى التمخض و إلى الإمتداد ، و طبعا لن أنعت هذا التبرير العقلي بعقدة نفسية أو اجتماعية كما يفعل علم النفس و علم الإجتماع بل سننعته أنه ، رد فعل لهفوات سوسيولوجية يجب أن تتغير وأن تتحطم ، خصوصا بمرحلة تربية الطفل ، و ذلك بوضع حق مشروع للعقل المثقف بالمراقبة المنطقية المستمرة ،  و أنا متأكد أن العديد من المثقفين و المفكرين الذين يتقنون المراقبة التحليلة المنطقية ،  كل واحد بمنهجه المنطقي مستعد   لتغييير أساس التربية اللامنطقية ، و ستكون نتائج تحليلاتهم الإجتماعية أفضل من باحثين ينفردون بالإحصاء و يصفون الحالة البرية و البحرية و الجوية للمجتمع ، مبتعدين كل البعد عن المنهج التحليلي الذي لا يدرس بالجامعات و الذي لا يوجد بأي جامعة ، لأنه حسب الطرح الآنف يتبين لنا أن كل عقل له هيجانه العقلي الخاص بهو  الذي يتحرك وفق امتدادات خاصة بالعقل ذاته مشكلة بالعالم الخارجي : الذكاء كما يسمونه ، الذي يبتدأ في البداية منفردا بجزء عقلي معين من حواسه ، إما حاسة السمع التي تعطينا الذكاء الموسيقي و ما شابهه ، و إما الذكاء الاجتماعي الذي يرتبط بقوة الملاحظة و الفهم الداخلي و الخارجي للسلوكات  الخ ، و مع التجارب التي تحتكم الى المشاهد الصورية و التفسيرات اللغوية في مرحلة الإكتساب ، تلعب التفسيرات اللغوية و ما يساندها من خواص إنسانية عقلية كالنبرة الصوتية و الملامح و الحركات دورا اساسيا في توجيه العقل ، إما إلى اللامنطق أو المنطق و هنا نقع في علاقة أنثربولوجية اجتماعية تستند على مفاهيم لا أعلم لماذا لازالت قائمة إلى حد الآن كالعرقية و القومية ، و التمايز الثقافي ، هل لأن الدراسات تحافظ على الصورة من الماكرو خوفا من تخطي أفكار تم تجاوزها ، أم إن وهم الحفاظ لعب بعقول الأنثربولوجيين و السوسيولوجيين و العلو التي تدعي أنها حقة ، علما أن المفكر كحفار للمعرفة هو ليس بمحافظ و لم يكن يوما ما بتاريخ الفكر ، يسلم أمره لمفهوم الحفاظ ، منهج كل مفكر يبتدأ من نقطة أساسية و هي الشك في مصداقية كل المفاهيم التي تحمل معاني معينة و تحطيمها بالحفر ، لتتضح معانيها ببداهة ثم إعادة بنائها لا كما كانت بنفس العلاقات التي ربطت فيما بينها ، بل ربطها بعلاقة منطقية متطابقة مع الواقع المعاش ، و يجب أن تكون لها علاقة وطيدة أيضا بين الناحية الماكرو ابشتيميه ثم ناخية ميكرو فيزياء المعرفة ، و يجب أن تتوجه حفريات المعرفة التي تخص المفكر كلها نحو الناحية الماكرو ابستيميه أي المشاهد الصورية الكليانية  للظاهرة ، لكي تتمخض خلاصات ميكرو فيزيائية لغوية منطقية و قابلة للتطبيق  للفهم من طرف الأغيار ، و في قضية عدم وجود المشهد أمام المحلل ، تقلب العلاقة المنهجية للتحليل ، فتبتدأ من ناحية ميكرو فيزياء المعرفة أي من التفسيرات اللغوية لنستطيع تكوين مشهد صوري ذهني ، كالبحث عن ماضي المجرم أو البحث عن كل علاقة صغيرة يمكن من خلالها القبض على المجرم من الوهلة الأولى ، كالحمض النووي الذي تم اكتشافه بأشعة أكس خلال الثمانينيات من القرن 20 عل  أيدي واتس و فرانسيس كريك ، الذي سيمكننا من التعرف على هوية المجرم بكل سهولة لكي يعيد لنا مشاهد الجريمة بمسرح الجرينة ، لأن شيفرات خلاصات السلوكات و اللاسلوكات المرئية توجد بشكل أكبر بالمشهد الكلياتي الصوري الذي يحمل جزيئات معنوية لامرئية تتشكل في شكل سلوكات من خلال علاقات عقلية ، إما تكون صراعا بين الماضي و الحاضر و إما تكون نقدا للماضي للتطلع لحاضر مستقبلي و مادامت العلاقت داخل الدماغ في معادلات حسابية لا مرئية و لا محسوسة بشكل ثابت ،فإن السلوكات لا تنتهي لأن قوانين الرياضات تخدمها داخل الدماغ بلا وعي منا ، فالعلاقات الرياضية الموجودة داخل الدماغ فطريا التي تقوم بها التشابكات و التحركات الضوئية لجهد الفعل أو الهجيان العقلي داخل الدماغ أكثر تطورا و أكبر تعقيدا عن العلاقات الرياضية التي نراها بالعالم الخارجي التي أصبحت ظاهرة تمييز بين العقل العلمي و العقل اللاعلمي ، و هذا التصور بمثابة نقد لدوغمالوجية أساتذة العلوم ، لأن في الأصل كما أثبتنا لا فرق بين العقول إلا في التفسيرات اللغوية و ما يصاحبها كالنبرة الصوتية “الفونيمية ”  أو الجهز العروضي ثم الملامح  و السلوكات التي تعاملت مع المشاهد الصورية بالعالم الخارجي التي يراها الطفل كمسلسل ينتظر منه أن يغذي ذاكرته ، و لكن للأسف خلاصات هذه السلوكات هي من ستحدد نظرته إلى الوجود كعقل ، لأن العقل أو بالتحديد الهيجان العقلي يررثبها و ينظمها لا كالتسلسل الهيومي ، بل يلاحم كل مشهد صوري كلياني متلاحم مع تفسير لغوي مع شبيهه ، ليسهل على الهيجان العقلي أو جهد الفعل التنسيق بين كل كل حسي مكون من مشهد صوري و تغسير لغوي و إحساسا مضخم مع شبيه له و قد يفوق هذا التنسيق 20 كل حسي متناسقة فيما بسنها لتدفع بكل استنتاجي حسي للتمخض ، و هذا هو قانون الإمتداد الذي سلف و ذكرته بطريقة ماكؤو فسزيائية ، فهذا الإمتداد الذي يشبه إنقسام الخلايا هو قانون رياضي فطري يقوم به جهد الفعل أو الهيجان العقلي لن نقر أن تحركاته غريزية لكي لا نسقط في الآلية ، بل هو يشتغل بالتحرك الأنطلوجي الدائم و و ذلك بفعل مشاهدة المشاهد الصورية ثم الإنتقال إلى منهج التفكير المحض الذي يتمثل في : الإستدارة المقوسة التي هبعبارة عن قاعدة أساسية بمنهج كل مفكر و هي التي تعبر عن الإنسلاخ المطلق عن الماضي كله لكي يستعيد جهد الفعل  أو الهيجان العقاي حريته التامة في تبطيء المشاهد ، لأنه إن لم ينسلخ عن الماضي بفعل الإستدارة المقوسة التي عبارة عن خروج الأنا عن الأنا الماضوية ثم الدخول بأنا قاظرة على تفكيك الماضي ، لن يستطيع العقل تبطيء المشاهد الصورية الكلينية و تثبيتها بطريقة منطقية قادرة على مراقبة كل قان ن متواجد بكل جزء من المشهد الصوري الكليني لكي يستطيع تحليلها و تفسيرها بلغة منطقية ، و لغةالمنطق هذه هي اللغة الأصلية الإنسانية أو هوية طبيعة الإنسان اللغوية الحقيقية ، لأن اللغة طوال هذه الفترة الممتدة زمنيا تطوررت بتطور القدرات العقلية و ذلك بفعل التعامل المنطقي للعقول المنطقية مع العقول التي في طرو نموها و ذلك باستعمال الرموز اللغوية كأداة لتفسير و تحليل قوانين المشاهد الصورية المتسلسلة في شكل قوانين رياضية و فيزيائية الخ ، و لكن داخل الجماعات التي لا تعترف بالتطور و بالعقل ، كدول العالم الثالث و جامعاتها نجد أن التفسير اللغوي ليس تفسيرا كما يدعون بل إنه وصف سطحي ماكرو ابستيميه ، فقوانين ميكرو فيزياء المعرفة هي بقبضة الهيجان العقلي و لكن يجب على الكل العقلي الذي يلتحم بداخله مجموع الحواس بكل أبعادها ، أن تحقق قطيعة مع الماضي لتتحقق القاعدة الأولى و هي الإستدارة المقوسة على الأنا ذاتها ، لأن العقل المنطقي هو الوحيد ، القادر على تحليل المشاهد الصورية الكلينية التي هي عبارة عن انعكاسات لقوانين رياضية مرتبطة بشكل منطقي مع نقطة إيكولوجية مما يجعلها منفردة بقضية أنطلوجية أساسية لتطور الإنسان و الإنسانية ، كنقطة الإجتماعي و الداخلي الذي ينعتونه بالنفسي ، و هذا التصور يتناسق تماما مع تصور “فيثاغورس” الذي أعاد الوجود ككل إلى أعداد ، بقوله “كل شيء عدد 6″ و هذا التصور يبين لنا بأن عالم العقل و ما يترثب عنه من سلوكات كلها تحتكم إلى دافع فطري وجد غريزيا بأغوار جهد الفعل أو الهيجان العقلي ، فمادام هو المنسق بين الخلايا العصبية أو” النيورونات 6″ بتحركات و ذكاء حاد في ملاحمة بين كل كل حسي مع شبيهه ليقع السلوك إما ” الهابيتوسي ” الذي يرتبط بالماضي أو ” الإمتدادي ” الذي يعتمد على العقل ذاته ، مشكلا سلوكات صورية متسلسلة بشكل منطقي رياضي لا دخل للعقل ككل في التفكير المعقد الذي يدفع بالهيجان العقلي إلى التنسيق بين المكتسبات لأجل بلوغ استجابة لمثير خارجي في قضية أنطلوحية معينة ، و هذا من بين الإشكال العويص للهوية اابشرية ، هل أنا الذي أنسق بين المكتسبات بقواعد رياضية أبذل فيها مجهودا أم أن الهيجان العقلي يوجد ببرمجة تماما كالتي تتواجد بجسد الحيوان من قوانين فيزيائية و رياضية و اجتماعية الخ ، و إذا كان الحيوان ككل قانوني في شتى مجالات الماكرو أنطلوجي لايتحدى شكله الخارجي  أو بمعنى آخر الحيوان ككل قانوني أنطلوجي ينحصر بالخارج ، و لكن ما يميزنا نحن و هو أن هذا الكل القلنوني الذي لا يتعدى إطار الجسد أو قل أنه ككل قانوني متدفق يقف في حدود الجسد ، نحن نجد أن الطريقة التي وجدنا بها عكس الطريقة التي وجد بها الحيوان ، فنحن ذلك الكل القانوني الذي يتمخض عن الحيوان بضورته الخارجية لأنه  كما قلنا هو منحصر داخل صورته الكليانية المكونة من القوانين في شتى نقطها الأنطلوجية ما يميزنا عن الحيوانات و هو أن هذه القولنين الكلية التي تتمخض في صورتها الخارجتية ، نحن تتواجد داخل عقولنا و هذه هي المفارقة بين الإنسان و الحيولن و هي أن الأول الكل القانوني خارجي أي أنه هو الكل ، أما الثاني و هو الإنسان هذا الكل وجد داخل دماغه و الهيجان العقلي الذي هو عبارة عن الطاقة التي تدفع بالخلايا العصبية إلى التنسيق فيما بينها بتلك الأرتباطات التي تتحقق بالإلتقاءات بين جذور الخلايا العصبية أو شجيرات النيورونات ،  لذلك نجد أن قشرتنا الدماغية أكبر حجما في تلافيفها  ، إذن فمن خلال ما سلف يمكننا القول : بأن العلاقات الرياضية المعقدة و الأشكال و كل ما هو ميكرو فيزيائي قياسي ، يكون متاحا غريزيا للهجيان العقلي الذي يحرك الخلايا العصبية لتحقيق جهود فعل يتحقق من خلالها السلوك في أي نقطة أنطلوجية : سواء الإجتماعية بكل أبعادها أو الميتفيزيقة التي توجد بالإمتداد الذي عرضنا ملامحه ، أي امتداد الهيجان العقلي من نسق ماكرو فيزيائي  إلى نسق معقد ، فلهذا بالضبط يكون من السهل اكتساب قوانين صورية كالعلاقة الأرسطية : ” كل الناس فانون ، سقراط إنسان ، إذن سقراط فان ” ، فمشهد الفناء هذا ، قاعدة رياضية ، أنطلوجية موجودة بالمشهد أولا من خلال السلوكات التي لا يعي بها الفرد وعيا حقيقيا اي ثابتا و  محكما  , و عمل اللغة كما سلمنا آنفا هي تحليل الصور أي إخراج القوانين الموجودة داخل أغوار المشاهد الصورية ، لتصبح لغة ” سيمانطيقية ” بتعبير أرسطو ، أي حاملة للمنطق ، و بمعزل عن المشاهد الصورية التي يتسلسل داخلها المنطق بكل قواعده المعقدة ، بالنسبة لي يستحيل التمنطق باللغة ، لأن اللغة هي في الأصل كانت وسيلة لترثيب المشاهد الصورية عقليا ، و لكنها الآن أصبحت تحلل ثم ترثب ، و لكن هذا التحليل و الترثيب طبعا لن نجده بثقافات اللامنطق

         الفصل الثاني : نقد المنهج العلمي

1 : منهج العقل المفكر

إذا ما عدنا إلى علم المناهج ، سنجده يعني العلم الذي يحفر و يبحث في منهج العلماء أو منهج التأمل ، و بأواخر القرن الماضي نجد مثلا مع كلود برنار الذي نفى دور تحليل  المفكر ، أن الفكر كنتاج عقلي لا قيمة له أمام تجربة المجرب الحق ، و أن تكوين المناهج ليس من عمل الفيلسوف ، بل من تخصص المجرب الحق ، لأن من وجهة نظره و من منظور العديد من محاربي “المفكر “: الفيلسوف يضع منهجا عاما ، و هذا التفسير إلى حد ما هو في الأصل نقد بمعزل عن آلية النقد ، لأن الفيلسوف كعقل يحلل بطريقة ميكرو فيزيائية أي علمية ،  يضع تحركاته العقلية و التفسيرية حول القضايا الأنطلوجية التي استطاع أن يعالجها ، و في بعض الأحيان نجد أن بعض الفلاسفة كأرسطو مثلا ، قد حللوا الأنطلوجية إلى حد ما بشكل كلي و بشكل حفري ، بما فيها تخصص المجرب الحق كما سماه برنار ، ثم الإنتقال إلى الربط أو المنهج العقلي الحق وهو إظهار علاقة ميتافيزيقا الأنطلوجية بميتافيزيقا اللاهوت و هذا الربط المنطقي بين مظهر الوجود و مظهر اللاوجود يكون كفيلا ، بأن يدفع عقلا آخر إلى تحليل ميتافيزيقا الوجود من البداية بمنظور آخر يساعده على فهم ماهيته و كنهه أفضل من نتائج العلوم الحقة  ،  فمشكلة برنار هنا تكمن في تسليط الضوء على تجارب أنطلوجية بديهية المظهر و نفي ما هو لا بديهي: كمعاني اللغة مثلا ، هل يمكن أن ندرسهم بمعبده كما نعته أي المختبر ، حتى و إن شرحنا الدماغ فيستحيل أن نفهم علاقة دافع المعنى بالمعنى و بالرموز اللغوية ، إلا إذا استخدما النشاط الكلي للعقل المحض ، حينها يمكننا منطقيا أن نصل إلى العلاقة الميكرو فيزيائية التي تجمع بينهم ، لأن مشكلة برنار هنا و هي أنه كان يغفل فكرة أن هناك مختبر بالعقل يحققه الهيجان العقلي الذي يحرك الخلايا العصبية ، التي ينظمها و يلاحمها لتحقق جهود فعل ، بمعزل عن أدوات و عن التكنلوجية بشكل عام ، لأن خاصية العقل الذي يصبح محضا و خالصا ، هي أنه يكون خريج مدرسة التأمل الأنطلوجية ، على عكس المجرب الحق الذي ينحصر في خارجيات إما ثابتة اي خاضعة ” لقاعدة الإثبات ” كما نعتها أبيلارد ، و هي وضع ما كان موجودا و التقدم قليلا داخل قاعدة الإثبات ، فالأول ما يميزه هو مراقبته للعديد من القوانين صوريا ، أما الثاني فمراقبته تنحصر في معبد تجاربه اي  مراقبة الصور الكليانية داخل المختبر ، بمعنى مدقق الأول يشاهد العديد من القوانين المتسلسلة داخل المشاهد الصورية الكليانية ، و كل مشهد داخل العقل كما سبق و سلمنا يرثبه الهيجان العقلي الذي يدفع بالخلايا العصبية أو النيورونات التي تحمل هذه المشاهد إلى الاقتراب الى مثيلاتها ، و هذا الإلتحام بين شجيرات النيورون أو الخلية العصبية هو الذي يساهم في إضعاف الشحنة الكهربائية التي أطلقت عليها اسم الهيجان العقلي ، مما يؤدي إلى إبداع فكرة جديدة داخل خلية عصبية قد نقول أنها ايضا جديدة ، لأنها تحمل بأغوارها فكرة وليدة العقل ذاته ، اي أن المشاهد الصورية التي تحمل قوانين أنطلوجية معقدة ، تساعد العقل بمساندة من قدرة أساسية للإبداع وجدت مع العقل لأجل مهمة الإبداع المنطقي و هي القدرة على الخيال ؛ التي بفعلها نستطيع تفكيك الصور ببطء بعقولنا و الاقتراب و الابتعاد و الربط ، كل هذا يقع بهذه اللبنة الأساسية بعقلنا ، زد على ذلك تحويل ما هو غير ملموس كاللغة إلى صور ذهنية ، لأجل تطبيق المنهج الأركيولوجي السالف و هو التبطيء و حفر كل قطعة من المشهد الصوري ، سواء المرئي أو الذهني و الخيالي كمثال اللغة ، فحينما نريد إدراك ماهية المفهوم كما فعل دولوز مثلا ، فلن تعيننا في البداية لا اللغة و لا مختبر بنرنار ، بل سنبطئ مشهدا تجريبيا حقا ، و هذه هي التجربة الحقة بالنسبة لي ، الطبيعية و السابقة على المختبر ، فحينما نأخذ مشهدا معاشا بالنسبة لنا ، فنحن نعلم عنه الأساسيات ، و حينما ننتقل لأول قاعدة كمفكرين و هي : تبطيء المشهد الصوري الكلياني و حبذا لو كان جديدا بالذاكرة ، كحوار مثلا او جدال ، ثم نبطيئه ،بحيث يصبح كل مقطع بفعل خيالنا منفصلا  عن المقطع الذي يليه و متسلسلا إلى نقطة نهايته  ، ثم نبدأ في القاعدة الثانية و هي الحفر في كل مقطع من كل جوانبه بطريقة أركيو سوسيولوجية أو الأركيو ابستيمولوجي و  الأركيولوسوسيولوجية ، لا علاقة لها بعلم الإجتماع و علم المعرفة ،  لأنه ليس علما يخون المنهج الحقيقي الذي ظهر مع المفكرين الأوائل و مفكري عصور النهضة و التنوير و المفكرين المعاصرين الذين اتبعوا منهج العقل المحض كما سماه كانط ، فالسوسيو أركيولوجي إذن هو منهج العقل الذي انتقل من نقطة التبعية إلى نقطة التفكير ، بفعل المراحل التي عرضنا ملامحها آنفا ، فالقاعدة الثانية لكل مترقب للمعرفة هي الحفر بطريقة ميكرو فيزيائية ، و ذلك بالطريقة التي عرضناها و هي استغلال الترثيبات التي قام بها الهيجان العقلي بين الخلايا العصبية التي تحمل كليات حسية متشابهة ، كمشاهد اللغة مثلا ، لن تجد بذاكرتك : مشاهد منفصلة و محللة بطريقة أركيولوجية بحيث تجد مثلا مكونات المفاهيم أو مكونات المعاني أو ذبذبات الموسيقى كما هي  ، هذا كله يكون متلاحما داخل النيورونات ، و حينما نحلله أو نحفر في ثناياه بطريقة أركيولوجية و طبعا من بعد التبطيء ، لأنه لاوجود للتحليل بمعزل عن تبطيء المشهد ، أو المشاهد الصورية الكليانية، و من بعد التحليل الميكرو فيزيائي ، تأتي القاعدة الثالثة و هي الإطلاع على نتائج الحفر بطريقة ماكرو فيزيائية أي من أعلى المشهد ، لنعيد الإطلاع على المشهد من الأعلى  ، لنكتشف :  هل تمت هناك مكان بالمشهد لم يحفر بعد لأن المشهد ككل هو حامل لقوانين ، و كل قانون لم يستخرج يكون المعنى النصفي غير مكتملا ، فإعادة المشهد ماكرو فيزيائيا  يجب أن تأخذ من الوقت أكثر من الحفر ، لأن القوانين هي الجواب عن الإشكال و بمعزل عن الكل القانوني الذي هو نصف معنى المشهد الصوري ، يحس حفار المعرفة بجوانب الضعف حينما يفسر لغويا ، لأن اللغة كما سلمنا هي خادمة للمنطق و المنطق يوجد أولا في المشاهد الصورية ، و لكي نستخرجه يجب أن نراقب ، لأن اللغة اثناء الحفر تنقل القوانين من أغوار المشهد ، فتكون في الأول وصفية و لكن فيما بعد ، حينما توضع القوانين أمام الأركيو سوسيولوجي  أو أركيولوجي المعرفة يصبح الربط منطقيا ، فيصبح لنا تفسير علمي ، و الربط لا تنتجه لا التجربة و لا المختبر و لا القدرة الحفرية ، بل تنتجه القدرة على الخيال  و قدرة الهيجان العقلي على تنظيم النشاط العقلي الكلياني ، لتحقيق امتدادات من أغوار الخلايا العصبية لتوليد معرفة جديدة ، فحينما تفتح المقلة أو العين درجة كبيرة فإن قاعدة الامتداد تحققت ، و هذا الامتداد هو قواعد فيزيائية معقدة و قواعد رياضية ، يستحيل أن تجد مثيلها بالعالم الخارجي أو بمختبر برنار ، بل توجد بالإيقاعات الموسيقية الغامضة و بالفن التشكيلي المنطقي و بالأشكال الموجودة بالطبيعة كشكل الجبل من الماكرو و خصوصا من الميكرو اي من القرب : كشكل الحجارة بالجبل و طريقة ارتباطها مع بعضها مثلا ،  و كأشكال المنازل و أشكال القضبان الحديدية و السحاب و نمو النباتات و نمو الحيوانات ثم تحركات الانسان بكل أبعادها ، كل هذا و أكثر يشكل مفاتيح للحقيقة ، فلا وجود للحقيقة او النتائج العقلية الناتجة عن جهود معرفية خالصة ،ثابتة ، بمعزل عن قواعد الامتداد الذي يتمخض عن الربط الذي هو أيضا من القواعد الأساسية لتمخض الامتداد ، فالربط بين القوانين الميكرو فيزيائية يتمخض عنهم امتداد ، يستند على كل الحواس و على الجسد الإنساني ككل ، فالإنسان إذن مختبر سوسيوأركيولوجي أو أركيولوجي للمعرفة ، و لا منهج من العلوم يمكن أن يقوده بمعزل عن منهجه هو ، بميول هيجانه هو ، فقد نجد مثلا الهيجان العقلي الذي يبنيي نشاط عقله الكلي من خلال ذكاء فني او حب موسيقي اكتسب منه قدرته على التمنطق ، أو نجد هيجانا بنى قوته المنطقية من الاحتكاك اليومي مع التجارب الصورية أو نجد هيجانا عقليا شيد قدرته انطلاقا من المنطق السالف ، فكل عقل إذن له منهجه العلمي الخاص ، و لا وجود لعلم يجمع بين العقول في منهج معين ، إلا إذا كانت هذه العقول مريضة بالتبعية ، فكل عقل أصبح مفكرا ، بفعل تنظيم و ترثيب مكتسبات الحواس و  خاصية تبطيء المشاهد الصورية الكلية ثم الحفر ميكرو فيزيائيا و مراقبتها ماكرو فيزيائيا ، يكون له منهجه الخاص بفعل اختلاف  تحركات الهيجانات العقلية و اختلاف جهود الفعل ، و طبعا هذه القواعد تكون وليدة الاستدارة المقوسة التي تعني تحقيق مسافة مع الماضي أو خروج الانا عن الأنا الماضوية

لتستطيع الأنا الحرة ، أو الأنا الأولى ، الناقدة و العاقلة و الأركيولوجية تحليل كل ما يتمظهر أمامخا ، إما مرئيا أو ذهنيا ، و طبعا هذه الأركيوسوسيولوجية  تكون لها علاقة وطيدة مع ميتافيزيقا السماء ، فكما قلنا أن الامتداد من خلال الظواهر السوسيوأنطلوجية التي نراها صوريا و نسمعها إيقاعبا و نلمسها و نشمها تدفع بالعقل الى النشاط لكي يفهم الأبعاد اللامرئية التي تجعلها مرئية أمامنا و محسوسة ، فالظواهر إذن ليست موجودة لنفهمها فقط ، بل هي موجودة لتعذي نشاط عقولنا و بمعزل عنها يكون من المستحيل الامتداد الى معارف معقدة ، لان ما يتمظهر أمامنا يصقل أو يثبت قاعدة إما فيزيائية أو رياضية أو داخلية أو خارجية تتهلق بتحركات الهيجان العقلي او الشحنات الكهربائية التي تحرك الخلايا العصبية و التي تحقق جهود الفعل لتححق الاستجابات ، إذن فمفهوم المنهج ، تاريخانيا لم يفهم اركيولوجيا ، لأنه لم يتعرض للأسف لتبطيء و حفر عقلي خالص ، لنفهم القوانين الحقيقة التي تكمن داخله ، لأنه حسب ما سلمنا به قد نكون إلى حد ما قظ حفرنا و توسعنا بالمنهج الرباعي المسلم به علميا  للتفكير ،الذي يتكون من ” الإمبريقية و صياغة المفاهيم و التطور و التحقق 8 “

فالإمبريقية تعني الإستكشافية و ملاحظة الوقائع و إجراء التجارب ، و الثانية تعني التصور و اتنتقاء المفاهيم الملائمة التي تتيح تمثيل الواقع ، مع اختراع مبادئ ، أما الثالثة ، فتعني فحص كل المحصلات الممكنة للمبادئ ، و الرابعة : ” يشير إليها كارل بوبر حين يتحدث عن ضرورة أن تكون النظرية عرضة للتكذيب ، أي أنه يجب أن يكون من الممكن تفنيدها 9″ ، بمعنى أن بمرحلة التحقق هذه ، النظرية مجرد فرض مسلح بتنبؤاته ، و بذلك فهذا الفرض هو عرضة للتفنيد ، و هذه المبدائ التي تشكل منهجا علميا ، و التي يتفق عليا سائر العلوم  المنفصبلة عن الفلسفة ، هي نفسها القواعد التي طرحناها و التي كما سلمنا : يعتمد عليها العقل المفكر بشكل عام ، و الجميل بالعقول المفكرة و المتحررة عن قيود التبعية العلمية ، هي إضافة نقطة إبستيميه هوياتية لمنهج التفكير ، هذا المنهج الذي هو ببساطة و بدون تعقيد : ربط للقوانين التي توصل إليها أركيولوجي المعرفة ، ربطا محكما ، مكونا من كل خصائص الجسد الإنساني التي تختلف من ذات إلى أخرى كبصمة الأصابع ، فمثلا : منهج الجابري في عمله نقد العقل العربي ، ليس هو منهج جورج طرابيشي في كتابه : نقد نقد العقل العربي ، و كذلك منهج الغزالي بكتابه تهافت الفلاسفة ليس هو منهج ابن رشد بكتابه تهافت التهافت ، و حتى لدى الشعراء ، فمضامين القصائد قد تشتبه ، كما نجد في قصائد نكبة فلسطين مثلا ، و لكن الربط بين الأفكار داخل ابيات القصيدة هي ما تميز عقل الشاعر عن الآخر ، كقصائد محمود درويش و سميح القاسم مثلا ، فإذا ما قارنا بين قصيدة ” تقدموا ، لسميح القاسم ” و قصيدة  “سجل أنا عربي لمحمود درويش “، سيتبين لنا أن هناك مضمون واحد ، و لكن طريقة ربط المفاهيم مع بعضها و الامتداد من خلالها لمفاهيم أو صور شعرية تحمل دلالات و معاني ، ترتبط أشد الارتباط بتحركات الهيجان العقلي داخل الدماغ بخلاياه العصبية ، التي تحمل ما يخدم هذا الشاعر حول ميوله الشعري الخاص و  هذا هو ما بيميزبين العقلين ، فلو أن هذه الخاصية لم تكن لكانت مسرحية جان بول سارتر : الذباب أو النذم كعمله الفلسفي الوجود و العدم  ، و لكن طريقة الربط بين المفاهيم ، التي كما قلت تكون نتاج تداخل الجسد ككل ، و الجسد لا وجود ابستيميه له بمعزل عن محرك النيورونات : الهيجان العقلي ، فكل هيجان عقلي إذن ، له طريقته الخاصة في التعبير عنه ، و هذا التعبير يبدأ أولا بنسق الكليات الكسية التي يميل إلى مشاهدتها الفرد ، فمثلا الشاعر ، حينما يتأمل في القمر ، فتأمله هذا ليس هو تأمل أركيولوجي المعرفة ، فالأول يتأمل وفق نسق من الكليات الحسية التي لا يخرج عن إطارها و التي تتمثل في أبيات شعرية و في صور شعرية ، مما يجعل من نظرة هذا العقل إلى القمر نظرة شعرية ، أما الثاني فما يوجد داخل الخلايا العصبية أو النيويرونات الماضوية من أطروحات و نظريات و منطق هو من يحدد نظرته و لكن ما يميز هذا العقل عن عقل آخر أيضا بخلاياه العصبية أطروحات فلسفية و نظريات منطقية هو الهيجان العقلي ، أو محرك الخلايا العصبية التي هي عبارة عن ألاف الشحنات التي تصبح جهود فعل داخل الدماغ ، و هي من تميز عقلا عن الآخر بطريقتها في التحرك ، و هذا التحرك الذي يتغذى من ميول العقل حول نوع معين من الحواس ، كحاسة البصر مثلا ، يدفع بالعقل إلى التدرج نحو الحواس الأخرى ، مشكلا بالأخير نشاطا كليا ، يؤدي إلى الامتداد من معارف ماكرو إلى معارف ميكرو فيزيائية ، فكل عقل إذن و منهجه الخاص ، فنحن كنقط عقلية ، نلتقي بالنقطة الكبرى العقلية لنتبادل تحركات هيجانات عقولنا ، لأجل غابة واحدة و هي تحقيق طفرات إبستيمولوحية لأجل انعكاسها إيجابا على الجنس العقلاني القادم ، فالتمييز بين مناهج العلوم هي في الأصل ، أمراض عقلية تسرطن الخلايا بدل ترميمها و مساعدتها على التحرك ، و من وجهة نظري لا أحد يمكنه أن يحرك النيورونات من غير بصمة الدماغ أي الهيجان العقلي ، فكثرة مناهج العلوم هي أكبر معيق للهيجانات التي وجدت لأجل أركيولوجية المعرفة ، و تتمظهر هذه المثرة المنهجية أمام العقل باللاوعي في شكل  لا احترام لمناهج العقول الحقة ، و إذا ما عدنا إلى تاريخ الفكر ، سنجد أن أعظم الفلاسفة ، كنيتشه و كهيجدغر و أرسطو و اسبينوزا و ديكارت ، كانوا خريجي مدرسة الأنطلوجية أو الوجود ، فنيتشه مثلا ، كتب كتابه العظيم : هكذا تكلم زرادشت على أعلى  قمم الجبال، و هيدغر أيضا كان يتسكع وحيدا داخل الغابات ، و هذه الوحدة كما تسمى ، أو العزلة الأنطلوجية بتعبير ديكارت هي الوحيدة الكفيلة ، بفصل الأنا الماضوية عن الأنا الحرة التي وجدنا بها

فقاعدة الإستدارة المقوسة التي توقض الهيجان من سبات معيقات المجتمع ، لن يتدخل أي منهج علمي في تحقيقها بأغوار العقل الإنسان ، لأن كل عقل و استدارته المقوسة الخاصة به ، تختلف باختلاف الذاكرة الماضوية ، التي تتكون من مجموع المشاهد الصورية التي تحمل ملايير القوانين المعقدة ، المتلاحمة مع تفسيرات لغوية تحدد نظرة الفرد ، و غالبا ما تكون هذه التفسيرات لها علاقة أنثربولوجية ، سنعمل في فصل معين بهذا البحث في حل شيفرة العلاقة بين عرقية العقل و علاقته بما يجذب نحو هذه العرقية من افكار تتماشى مه أفكار العرقية ، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج خط مستقيم ثقافي بخص هذه العرقية ، رغم تغير الزمكان الإبستميه ، ، بمعنى آخر أن العقول بالثقافات اللامنطقية لا تمر على التوالي  كما أقر أوغست كونت ” لاهوتيا في طفولته ، ميتافيزيقيا في شبابه ، عالما طبيعيا في نضجه  10 ” ، بل نجد مثلا بدول العالم الثالث مثلا  ، تكريس محكم للقاعدة الأولى بطريقة  محكمة جيدا لكي لا تتعدى القدرة العقلية  القاعدة الثانية ، و لكن ما يهمنا الآن ، هم العقول التي عادت لطبيعهتا و لنشاطها الحر القادر على حفرنة ما يتمظهر أمامها ، للتوصل إلى دوافع التمظهر ، و طبعا كل حفرنة كما سبق و سلمنا تضع منهجها الذي يستقل عن باقي مناهج العقول ، باختلاف النوعية التحركاتية التي يحققها محرك الخلايا العصبية داخل الدماغ أو الهيجان العقلي ، فالمنهج له ارتباط وثيق بطريقة ربط النشاط الكلي للعقل لنتاجات عملية أركيولوجية المعرفة ، بمعنى آخر طريقة ربط القوانين التي توصل إليها العقل ، من خلال تجربته الأركيوابستيميه للقضابا و المواضيع التي يميل إليها ، و حتى و إن كانت نفس القضايا ، فإن طريقة الربط أو المنهج العلمي يختلف عن طريقة عقل عن الآخرفي ربطه للقوانين ، و هذا الربط  الناتج عن أركيولوجية ناتجة عن عقل خالص هو الذي يعطينا منهجا علميا يعبر عن هوية العقل ، فحينما نتكلم عن ميشال فوكو فإننا نتكلم عن مناهج علمية و ليس منهج واحد ، لأن كل كتاب أو عمل قد يستقل بمنهج خاص ، فمثلا منهج كتابه حفريات المعرفة ، ليس هو منهج كتابه المراقبة و العقاب و ليس هو منهج كتابه تاريخ الجنسانية وليس هو منهج كتابه الكلمات و الأشياء ، إذن فالمنهج هو طريقة ربط القوانين التي توصل إليها العقل ، وفق الحالة الكليانية التي تخص أركيولوجي المعرفة في نفس لحظة حفرنة الظواهر المرئية و اللامرئية  ، و الحالة الداخلية تؤثر بشكل كبير في الربط كما تؤثر الموسيقى في طريقة الربط ، لأن الربط عبارة عن ذبذبات دماغية تحققها الخلايا العصبية بفعل محركها الداخلي المكون من شحنة كهربائية و الذي لقبته بالهيجان العقلي ، فالتحركات الداخلية بأغوار الدماغ هي من تحدد الربط لأنها منها تتمخض حالة الفرد ، و هذه الحالة كما قلت سالفا تؤثر في الذبذبات الدماغية ، لأنها إيقاع كالإيقاع الموسيقي ، فحينما أبدأ في أركيولوجية مشاهد صوربة ماضوبة أو عيانية داخل عقلي ، و قربي إيقاع موسيقي يخاطب الذات ، فإن ذبذبات عقلي تتغير ، و بتغير مسارها تتغير حالتي و نشاطي العقلي ، فقد يصبح ربطي للقوانين التي توصلت إليها أشد ضعفا ، من الربط الذي قد أحققه بمعزل عن هذا الإيقاع ، و العكس صحيح أيضا ، فإن كان الإيقاع الموسيقي يخاطب العقل و يتطابق مع تحركات منطقية للخلايا العصبية ، فإن الإلتقاء بينها و تبادل المعلومات سيتضاعف وثيرة عمله مما سيؤدي إلى امتدادات أي حفريات معرفية تحيلني إلى قوانين كثيرة ، فبالأولى قد أصل إلى قانون واحد أو قانونين أما الثانية فقد أمتد إلى عشرة قوانين أو أكثر ، ثم الربط بينها بالنسبة للثانية سيكون منطقيا و في سرعة شبه ضوئية ، أما الأولى فقد لا يقع الربط لأن الخلايا العصبية تتحرك وفق إيقاع ذاتي لا يتطابق مع إيقاع العقل المجرد عن الرغبات التي تعيق على العقل التفكير بمنطقية ، إذن فالإيقاع أساس المنهج ، و لا وجود لمنهج بمعزل عن إيقاع إما يكون عقليا أو ذاتيا ، و الذاتي يشبه القانون اللاهوتي و الميتافيزيقي لكونت ، فهو درجات ذاتية تتعلق باللذة الذاتية ، على عكس الإيقاع العقلي الذي هو أيضا درجات ، و يمكننا في هذه التقطة فصل الدرجة الأولى للعقل التي بها انتقد الفكر عدة مرات  ، فبهذه الدرجة نجد أن العقول التي تغكر وفقها لا تمر من القواعد التي سبق و ذكرناها آنفا : الاستدارة المقوسة ، التبطيء ، الحفر ، النظرة الميكرو فيزيائية ، النظرة الماكرو فيزيائية ثم ربدبط القوانين بالنشاط الكلي للدماغ : الذي يختلف من عقل لآخر و الذي من خلاله يتضح ملامح منهج المفكر ، فبهذه الدرجة التي تكلمت عنها الآن و هي الدرجة الدنيا بإيقاع العقل ، و التي للأسف لا تحترم منهج الحفر الإبستيمولوجي لأننا نجدها أنها لم تمر أصلا من تجارب أنطلوجية تدفع بالعقل لتحقيق الاستدارة المقوسة ، فنجد هذه الدرجة موجودة بشكل كبير بالفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط ، و قد عرفت أيضا باسم الفلسفة المدرسية ،  فقد كانت كما يقر المؤرخون  ” عصر جهل و ظلام لا خير فيه ، و قيل في الفلسفة المدرسة أيضا : أنها كانت تعلم و تدون بلاتينية ركيكة سقيمة ، و تسرف في استخدام القياس و في المناقشة اللفظية ، و تعالج مسائل الدين لا غير ، و تخضع في ذلك للنقل دون العقل ، أي لسلطة آباء الكنيسة و سلطة أرسطو ، بغير نقد و لا تمحيص 11″ ، فهذه الدرجة من التفكير ، هي في الأصل ليست بتفكير ، فمثلا ” القديس أوغسطين 430-354 ” نجد أن منهجه الفلسفي هو صورة لحياته ، و الحياة بها عقل و ذات فعندما نجد أن النشاط العقلي سمح للذات بأن تتنافس مع العقل في أركيولوحية المعرفة ، فطبعا سنجد ماضي الذات

يسيطر على عملية أركيولوجية المعرفة لأن الذات تهزم العقل في قضية لذتها متواجدة بحدة في الماضي اي أنها لا تستطيع التخلي عن نقط كانت أساسية بالنسبة لها ، و لهذا نجد أن الباحثين الذين يسمحون للذوات بمشاركة أركيولوجية المعرفة : النقط الماضوية أو المسلمات ، نجد أن المسلمات يصبح وجودها سابق و له السلطة و الأفكار التي تليه تصبح مراقبة من طرف سلطة الفكرة الماضوية لأنها لها علاقة بالذات و الذات لها سلطة كبرى كسلطة العقل ، لأنها معين العقل و لهذا فستصبح الأفكار التي تلي المسلمات خاضعة لسلطة الماضي   ، و لكن العقل الإنساني الذي يتحكم في الذات و يعلم من هو ، يفصل بينه و بين الماضي الذاتي في عملية أركيولوحية المعرفة ، فيجعل منه أرضا للحفر بدل المعين على الأركيولوجية الإبستيميه  ، ببساطة لأنه يكون نتاج عدة تأملات و تجارب أنطلوجية تدفع به لتحقيق مسافة مع الماضي ، على عكس مدعي المعرفة الذي تتمخض أفكاره من الدرجة الدنيا من إيقاع العقل ، فهو الذي يتكلم عن المواضيع بشكل ماكرو فيزيائي ، كما نجد لدى الباحثين و الفلاسفة بالعصر الوسيط ” كالقديس أوغسطين الذي وضع المسلمات و أراد أن يحقق أركيولوجيا المعرفة ، فلم يتحقق ذلك بطريقة ميكرو فيزيائية ، كمحاولة عزله الشك عن قواعد التفكير و كإعادته المعرفة إلى النفس ، و تفسيره للإرادة بفكرة الله و تفسيره للعالم بصفات فكرة الله  و تفسيره للمجتمع بمسلمات تاريخانية : كآدم و حواء ، و هذا يبين لنا ببداهة أن وضع المسلمات الذاتية لن يتمخض عنهم سوى فلك ناتج عن هذه المسلمات و هذا ما نجده ابتداء من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر بتاريخ الفلسفة الأوروبية ، بفترة تكون الفلسفة المدرسية  ، فبالقرن العاشر بالعصور الوسطى  نشبت حروب عنيفة و خربت الكثير من المدارس ، مما أدى إلى توقف النشاط العلمي فاستمر النقل ، و هذا ما نجده أيضا بالقرن الحادي العشر  استمرارية أيضا للمسلمات أما بالقرن الثاني عشر فقد تحققت بعض الطفرات ، لكنها طفرات تحت لواء المسلمات كأعمال بررنار و جيوم دي كوتش 1140 و بير أبيلار 1142 وجلبير دي لابتوري 115و ألان دلان دي ليل 1203 ، فقد كان الجدل و المسلمات هي الحد الأقصى لعقولهم بهذه المرحلة ، و لعل السبب الذي كان وراء ذلك هو سلطة الذات و المسلمات ، و  هذا المثال الذي ذكرناه ينطبق على الباحثين ، التابعين لمنهاج العلوم الإنسانية ، فمثلا طالب علم النفس التابع لرمزية هذا العلم و كهنته ، يتيه بين منهج النزعة الشعورية الذي يلح على الملاحظة الباطنية منهاجا ، و بين منهج النزعة السلوكية الذي يلح على الملاحظة الخارجية الموضوعية منهاجا ، و بين منهج أصحاب اللاشعور الذي يلح على منهاج التحليل النفسي ، و بهذا يصبح عقل الباحث التابع مصابا بعطل ، بسبب تداخل القواعد مع بعضها و سديميتها ،  لأنه هو كعقل بعيد تماما عن العقلانية بمفهومها المنطقي و ليس بمعناها المشوه ببعض الأبحاث ، فمن القواعد الأساسية للتفكير أو الحفر الإبستيمولوحي هو إحداث مسافة مع الماضي ، هذه المسافة يكون من الصعب أن تجد دوافعها بمنهج مكتوب ، بل دوافعها الحقيقية موجودة  خارج المكتوب أي بالعالم الصوري ، لأن الإستدارة المقوسة التي رسمنا ملامحها بإحكام في بداية هذا المشروع هي قواعد فيزيائية و رياضية معقدة داخل الدماغ ، تصقل تحركاتها الموجودة فطريا مع الشحنات الكهربائية داخل الخلايا العصبية ، فتحركات الشحنات هي تحركات فيزيائية معقدة ربما لم يستطع علم الأعصاب التطلع عليها عن قرب ، و هذه التحركات الرياضية ، الحسابية و الفيزيائية للشحنات الكهرباىية داخل الخلايا العصبية أو النيورونات هي الوحيدة القادرة على إنتاج المنهج العلمي ، الذي نراه بالعالم الخارجي يتمثل في مفهوم الربط ، و هذا الربط هو المنهج ، و يختلف من ربط لآخر باختلاف درجة إيقاع وعي العقل ، فالربط المنطقي يكون خريج تجارب أنطلوجية كثيرة ، أما الربط اللامنطقي أو الوصف فيكون نتاج عقل مقيد بالمسلمات كما نجد لدى معظم الباحثين بالجامعات ، و حتى و إن كانت إضافة فستكون استبطانية ، وصفية ، أما المنهج المنطقي فهو الذي كما قلنا يكون نتاج تأملات كثيرة في المشاهد الصورية الملتحمة مع تفسيرات لغوية بالإضافة إلى الإحساس الذي يكون نتاج الحواس الأخرى كالصوت  ، و كل مشهد صوري به قوانين معقدة : كالترابط ، إيقاعات الألحان التي تنشط عملية التقاء الخلايا العصبية

هذه التأملات التي لا يكترث إليها الأفراد هي من تهيء الهجيان العقلي أو محرك الخلايا العصبية إلى تحقيق مسافة مع ما يعيق عليها الحفر الإبستيمولوجي ، و بسببها تتحق الإستدارة المقوسة أو ” القطيعة الإبستيمولوجية ” ، و بمعزل عن هذه القاعدة لن يتحقق التفكير ، لأن التفكير هو استبطان أركيولوجي ، و ليس استبطان وصفي كما نجد بأبحاث الباحثين المتخخصين بالعلوم الإنسانية ، فالعلمية إذن تتحقق هوياتيا من خلال تدرج العقل من درجات كما أقر أوغست كونت : اللاهويتية ، الميتافيزيقية ، الوضعية ، في وقت من الزمن قد يقع في فترة المراهقة كما نجد مع أعظم المفكرين المعاصرين كميشال فوكو مثلا أو بمرحلة الشباب كمل نجد مع أرسطو مثلا ، إذن فالعلمية ليست منهجا موضوع ، يعاد إنتاجه ، المنهج هو تعبير عن من أنا ؟ كعقل إنساني ، من خلال ذلك الربط الذي أقوم به ، حينما أرفو أو أرثق القوانين ، فعملية الرثق هذه لا تتحقق بيدين لإنسان آخر ، بل تتحقق بأناملي أنا ، لأعبر بهما عن نشاطي العقلي الكلياني ، لأن في مرحلة جمع القوانين التي توصلت إليها من خلال الحفر في نقطة أنطلوجية معينة ، فإن كل قوتي العقلية ، بكل أبعادها الحسية تتدخل في عملية ربط القوانين ، و في هذه المرحلة بالذات تتدخل كل القوانين التي اكتسبتها من المشاهد الصورية الطبيعية : القياس بالأشكال ،  المعادلات الرياضية بالمشاهد الصوري ، ثم الأشكال التي تتيح للخيال أن يشتغل ، كأن أرثق بين قوانين ظاهرة معينة مع قوانين لظاهرة أخرى ، ثم أجرد و أقيس و أمتد لمعرفة معقدة بفعل هذا الخيال الذي تنتجه أشكالا خاصة بالوجود و إيقاعات خاصة ، ثم السلوكات ك تحرك اليد إلى الأعلى ، تحرك اليد إلى الأسفل ، تحقيق إستدارة باليد ، الجري ، فتح العينين ، فتح الفم ، البكاء ، الضحك الخ، كل هذه قوانين محشورة بأغوار شكل أشاهده ، فيساعد الهجيان العقلي أو محرك الخلايا العصببة على تحقيق التقاءات بطرق ميكرو فيزيائية اشد تعقيدا من ما نراه بعالم الرياضيات و الفيزياء ،  زد على ذلك التفسيرات اللغوية التي تحمل معاني ثم اللغة المجردة عن المعاني ، كالنبرة الصوتية التي تشكل إيقاعات تساهم أيضا في نشاط محركات الخلايا العصبية ، و لو أننا استطعنا رؤية تلك الإيقاعات التي تلتحم مع الهجيانات العقلية أو الذبذبات الكهربائية داخل الدماغ ، سنجد كل ما خضناه من تجارب و كل ما استمعنا له ، ملتحم مع تلك الذبذبات ، و هذه الغشائات التي تكسو الذبذبات الكهربائية أو الهيجانات العقلية هي التي تميز عقلا منطقيا عن آخر لا منطقي، فالأول ستجده بأبحاثه يمر من منهج أركيولوجي ، يحفر بفعله و يضع القوانين بجانبا في دقيقة أو دقيقيتين  ، ثم ينتقل إلى عملية الربط ، فتجده يربط بين القوانين المتشابهة لتجعله يمتد إلى قانون أشد تعقيدا و القانون المعقد قد يلاحمه مع قانون معقد آخر ليجعله يمتد إلى قانون معقد و هكذا  ، و في عملية الربط هذه يضع منهجه الخاص ، الذي كما سلمنا يكون نتاج درجات إيقاعية عقلية مر منها هذا العقل  ، على عكس الثاني ، الذي لا يستطيع لا الحفر و لا الربط و لا الإمتداد ، فكل ما سيفعله هو الوصف أو السطحنة الفينومينولوجية ، فالمنهج إذن هو ربط يعبر عن هوية العقل المحض و الخالص ، و لا وجود لمنهج واحد ، إلا إذا كان إيديولوجية مكتوبة ، و هذه الإيديولوجيا التي كانت مهنجا علميا بالقرن الثامن عشر  ، “و كانت المنهج العلمي الوحيد الذي يسير عليه الفلاسفة في تحليلهم للأفكار و بحثهم  عن مصادرها 11 فكانوا يشكلون”  أنصار تلك الجماعة الفلسفية التي اقتفت آثار الفيلسوف الفرنسي كوندياك ، ” التي استبعدت الميتافيزيقا ، و حاولت إقامة العلوم الحضارية على أسس أنثربولوجية و سيكولوجية

و التي تغير معناها  ، حينما غير نابليون النظرة إلى جماعة ” الإيديولوجيين ” و ذلك بتحقيرهم أمام الشعوب ، بسبب معارضتهم لأطماعه الإستعمارية، فبهذه اللحظة ، تغير معنى الإيديولوجيا من معنى منطقي إلى معنى سلبي اجتماعي ، فأصبحت للإيديولوجيا معنى سيء تضخمت سلبيتها مع التاريخ ، و أصبحت في الذاكرة اللاواعية للعقول ، عبارة عن تأملات وهمية لا تطابق الواقع ، و هذه اللاشعورية التي تشبه ” طابو غير مفهوم ” هي عدوى إبستيمولوجية لا يتحسس العقل وجودها به و لا يتحسس العمل الذي يخدمها بلا وعي منه ، التي تتمثل في نقلها مع التاريخ : فحينما نسمع مثلا الأب التابع ، أو الأم التابعة ، يمررون أفكارا عن طريق الخطابات المسلمة لأبنائهم ، متوهمين أن أفكار الجماعة لها سلطة على أفكارهم ، فإنك ستجد هذه الخطابات هي عبارة عن إيديولوجيا ، بمعناها ” الماركسي ” أي ” التفكير الجماعي ، الذي ينبثق دائما عن مصالح اجتماعية 13 ” ، و هذه الإيديولوحيا الموجودة بين المعاني التي يغطيعها الغشاء اللغوي ، أو الرموز ، هي سبب اللاتمنطق أو اللاتحرر من قيود الغباء أو الجمود العقلي ، لأنها تحمل داخلها طاقة تجددها و تعيد إنتاجها لتستمر بلا وعي منا ، لأن المفهوم الموجود بالمحيط الإجتماعي يصبح في صورة ذلك المجتمع و يصبح له سلطة كسلطة الحاكم و قادر أيضا على التحكم في العقل  ، لهذا بالضبط كانت القاعدة الأساسية للمفكرين هي الإبتعاد عن التفسيرات اللغوية ، الحاملة للمسلمات و توجيه نقد لكل ما هو مكتوب : كمناهج العلوم مثلا ، لهذا كان المفكر الذي يؤمن بتعدد المناهج ، يؤمن عقليا بالحرية ، كروسو مثلا الذي سلم في الباب الأول من كتابه العقد الإجتماعي : ” يولد الإنسان حرا 14 ” ، فهذه الحرية هي أساس العقل و منها يتكون منهج العقل ، لأن القاعدة الأولى التي سبق و سلمنا بها ، التي اعتمد عليها معظم الفلاسفة بالعصر الكلاسيكي و بالعصر الحديث :  هي مصاحبة المشاهد الأنطلوجية أو السوسيو التي نراها كل يوم ، و لكن من زاوية نظر أخرى و هي زاوية الإنسان الحقيقي التي تتمثل في التأمل مع تبطيء المشاهد الصورية ، لأن داخل المشاهد الصورية كما سبق و سلمنا القوانين الحقة ، السابقة و القوية على باقي القوانين التي تنقلها باقي الحواس ، لأجل صقل القوانين الفطرية للنيورونات أو الخلايا العصبية ، فتحركات الخلايا العصبية إذن باللاحرية تكون تحركات مشوهة و مقيدة من قوانينها الحرة ، و اللاحرية هذه تكون نتاج الإرادة العامة للمحيط السوسيو ثقافي الذي لفظ فيه العقل ، فالخاصية الأولى إذن السابقة على قاعدة التأمل و التبطيء هي التحرر أو ما سميناه نحن بالإستدارة المقوسة أو “القطيعة الإبستيمولوجية ” بتعبير كارل بوبر ، من بعدها تأتي القواعد العقلية التي سبق وسلمنا بها ، لكن تبقى المشكلة الوهمية للنظرية العلمية القابلة أو اللاقابلة للتحقق صراع فكري طويل بتاريخ الفكر  و هنا نسقط في ما سلم به باشلار حول : التجريبية و العقلانية ، فالتجريبية تكمل العقلانية أو بتعبيره هو : ” إن أحدهما يتمم الآخر ، و إن الفكر يكون علميا عندما يأخذ مكانه في المجال الإبستيمولوجي  الذي يوجد بين النظر و العمل ، بين الرياضيات و بين التجربة15 ” و هذا التصور يخالف كل ما شرعنا آنفا في معالجته ، و هو أن العقل لا يحتاج لا الرياضيات و لا ما شابهها من العلوم التي تدعي أنها حقة ، لأن المفكر الذي انتقل من حالة إنسان تابع ، إلى إنسان لا يعيش في وجود مسرع ، أي يعيش في وجود بطيء ، يشاهد المشاهد الصورية مع تبطيئها و يستمع إلى الإيقاعات مع تمحيصها و يقرأ مع تحليل و نقد لاذغ ، هذا في هذه المرحلة يصقل القوانين الفطرية التي وجدت مع النيورونات ، بشكل يستحيل أن يصقله في عالم الرياضيات أو الفيزياء ، لأننا ما نريده كعقول ليس معادلة تعطينا نتيجة ، بل ما نحتاجه كعقول مفكرة تريد التطور الإبستيمولوجي هو قوة سرعة التقاء الخلايا العصبية في مدة وجيزة ، لتحقيق امتدادات إلى ميكرو فيزياء المعرفة أو إلى القوانين الموجودة داخل الفينومين و اللافينومين ، و هذه القوة التي تكتسبها النيورونات توجد في الأشكال الصورية و الموسيقية و اللغوية أكثر مما توجد فيما هو مستنبط من هاته القاعدة بالذات ، لأن قواعد القياس و ما شابهها تمخض  عن هذه النقطة ، أي من نقطة الموجودات و صقلها داخليا بفعل هذه الموجودات ، و لذلك نجد أن الفيلسوف الذي تخرج من مدرسة التأمل المستمر يكون أكثر إزعاجا من عقل تخرج من منهج العقلانية أو منهج التجريبية ، فبهذا مثلا توصلت إلى أن هناك هيجان عقلي يحرك الكليات الحسية و يحقق بفعلها استجابات ، قبل أن ألقي نظرة على أعمال علم الأعصاب الذي يقر بأن هناك شحنة كهربائية تولدها الخلايا العصبية  لكي تحقق جهد فعل بفعل هذا المحرك الرئيسي و هو الشحنة الكهربائية أو ما نعته أنا بالهيجان العقلي ، فكيف توصلت إليها إذن بدون مختبر ، هنا يتبين لنا إذن أن التأمل مع التبطيء هو الوحيد ، الكفيل على خلق المفكر داخلنا ، و هذا المفكر لا يوجد بأي منهج ، بقدر ما يوجد في الطريقة التي سأتبعها لكي أجعل من نيوروناتي قادرة على التحرك بسرعة و قادرة على الامتداد ، و هذه القدرة كما سبق و سلمنا تتمثل في الذبذبات التي نحولها من العالم الخارجي من شكل مثلا لجبل أو لنبات في شكل معين أو الشلال أو شكل ورقة الشجر التي تتكون من شكل فرعي ، يحاكي تحركات فطرية موجودة فطريا بأغوار الخلايا العصبية و قس على ذلك من ملايير الأشكال و الإيقاعات التي تحاكي المفكر داخلنا ، و التي تتحول إلى ذبذبات تصبح عقلية أو تصبح شحنة ذبذبية كهربائية داخل النيورونات ، فأشكال الموجودات إذن هي غذاء الخلايا العصبية أو غذاء المفكر داخلنا ، فهي ليست بقدرة سحرية كما يراها المجرب الحق كما نعته برنار الذي يضع تجربته الحقة لمفكر أو فيلسوف يقوم بعملية الربط أو التمنهج العلمي ، بل هي خاصية موجودة بوجود الصور التي تحمل في ثوبها قواعد تساعد العقل في رثق القوانين التي تحملها داخلها و تساعده أيضا في الإمتداد من خلالها إلى قوانين ميكرو فيزيائية ، كل هذا يقع بدون مختبر ، لأن مختبر العقل هو جبل أمام هضبة المختبر ،

فنحن لن نستغني عن هذه الهضبة ، و لكنها تبقى أصغر حجم أمام حجم العقل ، لأن اكتشاف القاون عن طريق المختبر ، لا يساوي شيئا أمام المختبر العقلي الذي سيعيد حفرها و ربطها بنشاطه الكلياني الذي يعتبر تدفقا بتعبير ” أفلوطين ” للماضي بكل أبعاده المعقدة على ذلك القانون الذي تم اكتشافه أو الذي يكتشفه المفكر ، لأن تجربة المختبر محدودة أمام العقل ، و مادام الإنسان المفكر يعيش مع الأسئلة التي هي أيضا جزء بسيط من الإمتداد إلى ميكرو فيزياء المعرفة ، فالإمتدادات و حفريات المعرفية تبقى حاضرة ، و لكن ما يجب أن يعرفه بعض الفلاسفة و منهم غاستون باشلار ، أن السؤال ليس هو الركيزة الأساسية للعلمية ، فحينما نعود إلى باشلار نجده يقول في هذا الصدد : ”  إذا لم يكن هناك سؤال فلا يمكن أن تكون هناك معرفة علمية ، لاشيء يسير من تلقاء ذاته ، لا شيء معطى ، كل شيء منشأ 16 “، و إذا ما عدنا إلى ما سلمنا به ، فإننا أصبحنا نعي بأن هناك عوامل خارجية تؤدي إلى صقل المبادئ الفطرية التي وجدت مع الخلايا العصبية أو النيورونات ، و هذا يعني بأن هناك علاقة أنطلوجية بين الصورة الكليانية للوجود ، التي تتشكل من أشكال متجزئة تحمل دوافع للتفكير خارجها أي بشكلها ثم القوانين أو جواهر الوجود المتواجدة داخلها ثم الإيقاعات التي تحققها باقي الحواس خصوصا سلوكيا كتحرك العين و تحرك الأصابع أو إيقاعيا سواء إيقاع الطبيعة كصوت المطر أو موسيقيا كالأغاني الملحمية   ، هذه الجواهر تكون لها علاقة وطيدة مع العقل المتكون ماكرو فيزيائيا من أربع فصوص مختلفة   : الفص الجداري ، الأخدود الجداري القفوي ، الفص القفوي الخلفي ، الأخدود الجانبي ، الفص الصدغي ، الفص الأمامي ،  الأخدود المركزي ثم  الجسم الجاسىء الذي يربط بين الفصين من المخ  ، هذه الفصوص كلها تحمل نيرونات أو خلايا عصبية ، تلتقي فيما بينها عن طريق شجيرات متواجدة على آخر المحور أي آخر جسمها ، ليشكل هذا الإتصال انتقال المعلومات ، و كما سلمت آنفا تختلف تحركات النيورونات أو الخلايا العصبية باختلاف الشحنة الكهربائية التي تتمخض من داخلها  ، و التي تحقق جهود فعل ، هذا الجهد الفعلي أو الشحنة الكهربائية التي تمتد داخل الخلية العصبية ككل ، تلتقي بحويصلات تدخل في غشاء الخلية العصبية فتندمج هذه الحويصلات مع الخلية من بعدها تصب محتوياتها من الموصل العصبي الذي جعلها تدخل أعماق هذه الخلايا التي تعالج المعلومات ، و من بين الموصلات العصبية نجد  مثلا :  الدوبامين و الأستيل كولين و السيروتينين و الأدرينالين و النور أندريالين و الجابا ، هذه الموصلات تنقل الحويصلات إلى النيورون أو الخلية العصبية ، و حينما تحقق الخلية العصبية جهد الفعل ، تنقل هذه الحويصلات الحاملة للمعلومات إلى داخلها لتصب محتوياتها ، من بعدها تتبادل المعلومات عن طريق شجيرة الخلية العصبية مع باقي الخلايا ، و ما يهمنا الآن هو تحركات الخلايا العصبية التي تختلف من عقل لآخر باختلاف الشحنات الكهربائية التي تحققها النيورونات أو الخلايا العصبية ، و هذا الإختلاف يختلف باختلاف الغذاء الذي تتناوله الخلايا العصبية من الوجود ، و طبعا لا نتكلم عن الغذاء الذي يتمثل في الأوكسجين و الكليكوز التي تنقلها خلايا الغراء إلى الخلايا العصبية ، بل نتكلم عن الغذاء الأنطلوجي الذي يجعل من الخلايا  العصبية أكثر قوة و لها القدرةعلى نقل المعلومات بطرق رياضية أكثر تعقيدا و قادرة أيضا على تحقيق امتدادات معقدة من خلال الربط الذي تحققه في تبادل المعلومات لتحقق خطاطة بين الخلايا تصيب نقطة معقدة أو ميكرو فيزيائية ، فهذه الخطاطة التي ستحققها الخلايا العصبية حينما تعالج قضية معينة من خلال تبادل المعلومات  هي التي تحقق الامتداد أو ولادة المعرفة الجديدة ، و لكن هذا الامتداد الذي هو عبارة عن خطاطات رياضية معقدة بين الخلايا العصبية لن تتمخض لا من السؤال كما صرح باشلار و لا من نتائج العلوم الحقة ، بل تكون نتاج إيقاعات الأشكال الصورية  كطريقة تشكل الحيوانات و باقي الموجودات  الطبيعية ثم الإبداعات الإنسانية كطريقة تشكل البيت و ما شابهها ، ثم  تسلسلاتها التي تحمل قوانين ابستيمولوجية ، كتسلسل بناء البيت و تسلسل القضبان بالنوافذ أو شكلها الذي يختلف باختلاف إبداع صانعها  ، ثم الإيقاعات التي تحققها الموجودات أو اللاموجودات صوتيا أو تحركيا كتساقط المطر أو جري الكلاب ثم إيقاعات الأصوات سواء الحيوانية أو الإبداعية للإنسان ، كل هذا و أكثر يصقل القدرة الفطرية التي تواجدت مع الخلايا العصبية أو النيورونات ، و هنا يتبين لنا أن علاقة العقل بالتفكير هي علاقة تسبق العقل ذاته ، أي أنها تبتدأ من نقطة خارجية ثم تصبح داخلية ، حينما يصبح الداخلي فينا ثابتا ، لأن الثبات من أوائل قواعد فصل شوائب الذات الإنسانية عن قدرة التفكير الكلياني الذي تتدخل فيه الذات ككل و ليس العقل وحده ، لكن هذا التفكير الكلياني يكون منظما عن طريق تعليمات العقل ، بحيث يكون هناك انفصال في نقط و لا انفصال في نقط ، فقبل الحفر في الفينومينولوجي أو اللافينومينولوجي تربط الخلايا العصبية بينها عن طريق تبادل المعلومات بشجيراتها ، محققة عودة إلى الماضي بمساندة من إيقاعات التجارب ككل ، من بعدها ينظم العقل الكلياني خطواته بفعل الدرجة العقلية الإيقاعية التي يقف عليها ، فإذا كان مفتقرا للعديد من التجارب الفردية  فإن نظرته كمفكر لن تتعدى درجة إيقاع تعود إلى الدرجات السفلي بالعقل ،  و بهذا فإن السؤال يكون لا قيمة له ، حينما ستكون الأفكار التي تليه عبدة للمسلمات أو الأفكار الناتجة عن اللاخطاطة العقلية التي تحققها الخلايا العصبية ، لهذا فنقطة الإبداع هي ليست نتيجة كما يراها العديد من  دعاة اللافكر ، بل هي خيط متصل من الأنطلوجية إلى الرموز اللغوية و تستمر مع اللغة إلى اللانهاية ، و هذه العلاقة تشبه علاقة الخلايا العصبية بين الأعضاء و العقل ، فما تنقله الأعضاء عبر الخلايا العصبية من ذبذبات ، سواء سلوكية أو صورية أو صوتية فهي لا متناهية و العقل الذي يكتسب هذه الذبذبات أيضا لا متناهي في تفكيره ، مادام يتغذى من النشاط الكلياني للذات ، لهذا ففكرة السؤال نصف الجواب او السؤال جوهر ، فكرة أيديولوجية و لا عقلية ، لأنه قبل السؤال الخلايا العصبية تحقق التقائات مع بعضها البعض ، هذا الالتقاء المسبق للخلايا هو الذي يجعل من العقل يعي ما يفعله ، و لكن الفرق بين عقل حقق منهج التفكير الذي عرضنا ملامحه من قبل و هو يتأمل و يفكر في جل أوقاته بمعزل عن السؤال ، كأن يفكر في نقطة اللغة : اللغة هي رموز تختلف من جماعة إلى جماعة و حاملة للفكر ، إذن فالرموز اللغوية هي عبارة عن ناقلة لجواهر معينة ، تكمن في نقط معينة ، كالمشاهد الصورية التي تمر من تسلسلات : كالإنتحار و كالقتل ، هذه الصور إذن منها ننقل القوانين ، لكن هذه القوانين لا تتمخض من عدم ، يجب على العقل أن يحقق جهدا يتمثل في أركيولوجية المعرفة كما نفعل الآن ، فحينما نحلل أو نحفر فإننا نتدرج من خطوات ابستيمولوجية تقودنا الأولى إلى الثانية و قد تقودنا الثانية إلى السابعة و الثامنة ، إذن فهذا الفعل العقلي ، الذي يقوم به العقل في كل دقيقة من أوقاته ، فإنه باللاوعي يرسم خطاطات رياضية و فيزيائية معقدة ، بمعزل عن السؤال ، و حينما يضع أمامه ظاهرة معينة ليحللها فإنه لا يحتاج السؤال ، بل يحتاج نتاجات الأشكال و الايقاعات التي ستساعده في سرعة الإمتداد فقد يلاحم خطاطة سبق و شكلها بالالتقاء بين الخلايا العصبية و الامتداد من هذه الخلايا الى نتاجات معقدة ، مشكلة خطاطة بين الخلايا أو شكل إما مثلث أو دائرة أو مستطيل أو خط مستقيم ، مع خطاطة سبق و فكر فيها حول الصور أو قضية ميتافيزيقية معينة ، يلاحمهم مع بعضهم البعض عن طريق الخيال ماما يؤدي الى الامتداد الحق و المعفد ، لأن الامتداد المهقد ليس هو ذلك الامتداد الأول الذي تحققه الخلايا العصبية ، بل هو الإمتداد الذي يحققه الإلتقاء بين خطاطة سبق و مددها العقل ، مع خطاطة أخرى سبق و مددها العقل ، كل هذا قد يقع في برهة من الوقت ، أما اللامفكر أو الباحث الذي يتبع منهجا معينا فسينحصر تحت لواء سؤال معين أو عنوان لم يسبق له أن تعرف عليه ، واصفا إياه لا أكثر ، و سيصبح بحثه عبارة عن ” الآراء التي تكلم عنها باشلار ” ذاته  ، و التي سلم بأن ” العلم يتعارض ، سواء من حيث حاجته إلى الإكتمال أو من حيث المبدأ ، مع الرأي تعارضا مطلقا 17 ” و الرأي حسب باشلار هو تفكير سيء لأنه ، لا يعبر عن هوية عقلية بل يعبر عن وصف و عن لغة جوفاء ، و هذا ما سبق و سلمنا به

2  : نقد فلسفة الرياضيات و إبستيمولوجية الفيزياء

لقد ابتدأ هذا النجاح للرياضيات ، عبر التاريخ ، مع الميكانيكا ، و بلغ أوجه مع الميكانيكا النيوتنية ، و مع الفلك الرياضي : لقد أصبح بإمكان الرياضيات ، عن طريق فرضية بسيطة ، أن تتنبأ تنبؤا دقيقا مضبوطا بتفاصيل جميع حركات الكواكب ، و لقد استمر الأمر في عصرنا هذا مع علوم الفيزياء و حتى مع العلوم البيولوجية و العلوم الإنسانية 18 ” ” و من تم ، لم تعد الرياضيات أداة فحسب ، بل أصبحت تفكير المبدع بعينه 19 ” و ” إن ما قد يفسح المجال للإعتقاد بأن الفكر العلمي يظل في الواقع هو هو عبر أعمق التصحيحات التي يحققها ، إنما يرجع إلى أن الباحثين لا يقدرون دور الرياضيات في الفكر العلمي حق قدره ، فقد كرروا بلا كلل أن الرياضيات لغة ووسيلة تعبير بسيطة ، و ألفوا اعتبارها أداة يتصرف بها عقل واع بذاته ، عقل سيد على الأفكار المحضة المتحلية بوضوح سابق للرياضيات ، و قد كان من الممكن أن تتمتع مثل هذه التجزئة بمعنى في غابر الفكر العلمي و أصله ، عندما كانت الصور الحدسية الأولى قوة إيماء تعين على تشكل النظرية ، مثال ذلك ، إذا قبلنا أن فكرة الجاذبية فكرة بسسطة واضحة ، أمكن القول إن التعبير الرياضي عن قوانين الحاذبية إنمت تدقق الأحوال الخاصة و تربط بعض النتائج ، كقانون المساحات ، و لهذه النتائج أيضا معنى واضح مباشر في الحدس الأول ، و لكن الفكر العلمي يغذو ، بكيفية ما ، أكثر انسجاما في المذاهب الجديدة التي تبتعد عن الصور الساذجة : فقد صار بعد اليوم كله حاضرا في جهده الرياضي ، و بتعبير أفضل ، غذا الجهد الرياضي هو الذي يؤلف محور الإكتشاف ، و هو وحده يتيح لنا أن نفكر في الظاهرة ، كان الأستاذ .لانجفان. يقول لنا قبل بضع سنوات : إن الحساب التانسوري يعرف الفيزياء أفضل مما يعرفها الفيزيائي نفسه 20 ” ، من خلال هذه التصورات التي تنحاز إلى الجانب الرياضي ، يمكننا التسليم بنقاط أساسية تطرح ذاتها بذاتها ، هي على النحو الآتي : هل بالضرورة يجب استعمال الأرقام ، و هل العقل حينما يحلل و يفسر المشاهد الماضوية و الحضاراتية لغويا لا يستعمل تقنيات رياضية و قياسية ؟ و هل الرباضيات تستطيع ربط القوانين مع بعضها البعض كما يفعل النشاط الكلياني للعقل بفعل اللغة ؟ و هل هناك أوجه تشابه بين التفسير الكمي و التفسير الكيفي ؟ و هل هناك اتصال ديالكتيكي بين التفكير الفيزيائي و التفكير الرياضي و بين التفكير الذي يعتمد على القواعد التي سبق و سلمنا بها ، التي يعتمد عليها المفكر في منهجه الأركيو إبستيمولوجي

المنظور السائد الآن بميدان الدراسات الإبستيمولوجية هو منظور تتوحد داخله العلوم ، و تتعاون مع بعضها البعض ، و هذا تعبير على العودة إلى المنهج الأولي للمفكر الأول و هو الفيلسوف ، فكلنا نعلم بأن الفلسفة كانت تحتضن العلوم جميعا ، و كان ينظر و لا زال ينظر إلى أن أي علم هو قسم أو فرع من فروع الفلسفة ، و هذا لا يعني أن الفلافسة لم يقوموا بمحاولة تصنيف العلوم ، بل نجد بتاريخ الفكر أن محاولات التصنيف هذه ، ابتدأت من أرسطو إلى الفرابي و من أوغست كونت إلى جان بياجي، و تتمحور هذه التصنيفات على فكرتين : تتمثل الأولى في إظهار المفارقة بين كل علم و علم آخر ، ثم الثانية التي تؤكد على تلاحم العلوم و تداخلها ، فمثلا نجد مع أرسطو : أنه ميز الفلسفة النظرية و الفلسفة العملية ، فالفلسفة النظرية تحمل بأغوارها العلوم التي تهدف إلى مجرد المعرفة  و تنقسم إلى ثلاث أنواع ، الأولى علم يطلب الوجود بما هو موجود ، و الثانية : علم يطلب المعرفة بالوجود من حيث هو عدد و مقدار أي الرياضيات ثم الثالثة : و هي علم يبتغي المعرفة من حيث هو متحرك و محسوس ، أما الفلسفة العملية من وجهة نظر أرسطو فهي تشمل علوم الإنتفاع ، كدراسة الأخلاق و الأسرة ، و هنا يتبين لنا كيف أن أرسطو الذي هو من أوائل المناطقة ، كيف لم يعلي من قيمة الرياضيلت بل ساوى بينها و بين الرياضيات و الطبيعيات ، و هذا ما سيعززه الرواقيون أيضا ، ” حينما شبهوا الحكمة بحقل ، أرضه الخصبة العلم الطبيعي ، و سياجه الجدل ، و ثماره الأخلاق ” و من بعد أرسطو بتاريخ الفكر الإسلامي ، نجد مثلا الفرابي يقسم العلوم إلى ثمانية ” علم اللسان ، علم المنطق ، علم التعاليم أي الرياضيات ، العلم الطبيعي ، العلمي الإلهي ، العلم المدني أي السياسة و الأخلاق ، علم الفقه ، علم الكلام 21 ” و هنا يتبين لنا كيف أن الفرابي جعل من المنطق سابق على الفلسفة النظرية : الرياضيات ، الطبيعيات ، الإلهيات ، لأن من وجهة نظره ” المنطق يعطي جملة القوانين التي شأنها أن تقوم العقل و تسدد الإنسان نحو طريق الصواب 22 ” و هذا التصنيف العلمي للفرابي قد استفاد منه العديد من فلاسفة الغرب بالقرون الوسطى و بداية القرون الحديثة كروجر بيكون 1224 الذي استمد منه العديد في منهجه ، لذلك كان يذكره إلى جانب اقايدس و باطليموس و القديس أوغسطين ، و قد توقف ليوجه أنظاره ككل إلى كتاب الفرابي ” إحصاء العلوم ” ، و إذا ما انتقلنا إلى فرانسيس بيكون ، 1560-1626 ، سنجده قد قسم العلوم إلى ثلاثة : الأولى تعتمد على العقل و تبحث في الانسان و الطبيعة ، و الثانية تستند على الذاكرة كالتاريخ ، و الثالثة تستند على الخيال كالموسيقى و الرسم ، و إذا ما انتقلنا إلى ديكارت الذي صنف العلوم من خلال منهجه الإستنباطي ، و نظرته إلى العلوم على أنها وحدة أو بتعبيره ” علم كلي ” ، و بإختصار كما هو متعارف لدى كل مهتم بالفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت  الذي كرس معظم جهوده بالرياضيات ، أنه شبه الفلسفة بشجرة : جذورها الميتافيزيقا و تهتم بمبادئ المعرفة ، و جذعها يتمثل في الطبيعيات التي تمكننا من فهم الكيفية التي يتركب منها العالم ، ثم فروج شجرة المعرفة هذه تتمثل في البحث في طبيعة الحيوان و النبات و الإنسان التي تدفعنا إلى التوصل إلى علوم نفيدهم بها و هي الطب ، الميكانيكا و الأخلاق ، و إذا ما انتقلنا لأشهار مصنف للعلوم في العصر الحديث : أوغست كونت الذي صنفها على الشكل الآتي : الرياضيات ، الفلك ، الفيزياء ، الكيمياء ، البيولوجيا و السوسيولوجيا ، و كما نلاحظ جعل أوغست كونت من الرياضيات على رأس القائمة ، و فسر ذلك في تفسير ضيق ، فهو يرى بأن الرياضيات أعم العلوم و أقلها تعقيدا و عليها تتوقف العلوم الأخرى و هي أول العلوم و بها يبتدئ  المتعلمون ثم تتدرج إلى أن تصل إلى علم الإجتماع الذي هو الأكثر تعقيدا ، و هذا التصور إلى حد ما أضيق في نظرته و حفريته المعرفية و يبين أيضا  على عدم تطلعه من باقي الزوايا الأنطلوجية العديدة و الشبه لامتناهية  : كالعقول التي لم تدرس الرياضيات و رغم ذلك تفكر و تنظر لما هو معقد ، و يتبين منظوره الضيق في ربطه التفكير بالسطحيات كفهم الإنسان لجسمه بالإستبطان السطحي لأنه لم يضع تحركاته كعقل يريد فهم ذاته ، فقد اقتصر البيولوجيا في فهم الإنسان و لم يضع منهجه هو أو تحليله هو و من بعدها أطلق على المنهج الإستبطاني أنه منهج عقيم ، رغم أنه شجع عليه باللاوعي ،  ثم انتقل إلى السلوكات و العادات و التقاليد و أقر بأن هذه مهمة السوسيولوحية مع استبعاده للميتافيزيقا  ، و أنا لا افهم كيف يمكن للعقل أن يحقق امتدادات إلى معارف موضوعية ، إن لم يبحر مع القوانين و مع أناه الماضوية في عالم الميتافيزيقا ، ، و من خلال هذه التصنيفات و خصوصا تصنيفات عظماء تاريخ الفكر كأرسكو يتبين لنا كيف أن الرياضيات و الفيزياء هي أجزاء من أجزاء النشاط الكلي العقلي ، و ليست مبدءا كلياني كما أقر باشلار و أوغست كونت ، لأننا لن نقول عن إختراع النار أول مرة أنه نتاج عمليات رياضية و فيزيائية للبشري في الحالة الوحشية ، الطور الأدنى ، بل سنقول كما سبق و سلمنا العلاقات الرياضية هي من بين الغرائز الأساسية و الفطرية للخلايا العصبية ، حتى العلاقات الفيزيائية ايضا تحققها تحركات الشحنلت الكهربائية بين النيورنات أو الخلايا العصبية ، فلنأخذ على سبيل المثال : العسكري بدول العالم الثالث الذي غالبا يكون بدون خلفية تعليمية ، و لكن مع ذلك يتعلم قوانين فيزياىية و داخلية  و رياضية معقدة بلا وعي منه ، و هذه الإمتدادات كما أسميه لا تحققها المعادلات الرياضية الخارجية التي يتعصب عليها معظم دعاة اللاعلم ، و لا تحققها القوانين الفيزيائية المثفق عليها بالجامعات أو بالكتب المقررة ، بل هو جهد عقلي تحققه النيورنات أو الخلايا العصبية مع بعضها البعض ، بفعل التأملات و الأعمال المثبتة او البطيئة التي يكتسب من خلالها العقل خطاطات معقدة داخل فصوص دماغه ، تتلاحم مع بعضها البعض لتحقق خطاطة معقدة بفعل تبادل المعلومات بين النيورنات ، و لذلك نجد أن العقول التي مرت من الضغوط العقلية : كالحروب و كالسجن و كالتنظير ، تكون لهم سرعة في وضع خطاطات جد معقدة ، كما نلاحظ لدى بعض السجناء الذين يحققون الفرار من السجون ، فحينما نطلع على سجلهم نجد أن معظمهم لا خلفية دراسية لديهم ، و لكن رغم ذلك يحققون فرارا بخطط معقدة ، يستحيل على المهندس ذاته تحقيقها ، و كذلك في عالم الحرب أيضا ، فكثيرا ما نسمع بالحروب بدول العالم الثالث ، الجندي الأكثر خبرة و تجربة يعلم الجنود الملتحقين ، رغم أن هذا الجندي نجد بسجله أنه يفتقر إلى  خلفية تعلمية و علمية  غنية ، و لكن قدرته على التخطيط بالحروب و وضع الحلول في مواقف صعبة هي من أهلته ليصبح معلما للحلول و الحكمة العسكرية أيضا ، و طبعا لن أتكلم عن ذلك المنهج الكمي اللاعقلاني الذي يقر بأن الجيش الجيد هو الذي ينتصر في ساحة المعارك و السجناء الجيدون هم الخاضعون للأوامر ، لأن غالبا ما يكون هذا المنهج الكمي محكما بأيديولوجية أو مسلمة ماكرو فيزيائية ، و بهذا فإننا حينما نتكلم عن هروب سجين من سجن مقيد بآلاف الحراس ، فإننا نتكلم عن قرار مصنوع من خلال عقله هو لا من منهج موضوع أو من صانع قرار يتمتع بسلطة علمية أو عملية ، فخطة الهروب أو خطة عسكري بدول العالم الثالث التي تطمح إلى الوصول إلى هدف معقد ، يمر من تشعبات فيزيائية و رياضية و ميكرو فيزيائية معقدة ، تقودنا إلى فكرة أساسية توصل إليها من قبل عالم الإجتماع الفرنسي ” كورفيتش ” و هي تكامل بين العناصر الإنسانية : كالمعطى و التصور الذهني و المباشر و غير المباشر ، و هذا يقودنا إلى تصور ديكارت و فيتاغورس الذي يقر بأن الكون كله أرقام و أن العقل يوجد فطريا بمقدرات رياضية و فيزيائية  تمكنه من سهولة اكتساب التسلسلات و الأشكال المعقدة التي تعتبر جزءا من محرك العقل ، لأن العقل كما سبق و سلمنا لا يتغذى من الرياضيات و القياس فقط ، بل كما سبق و  سلمنا أن الوجود بما هو موجود فهو عبارة عن إيقاعات سواء إبداعية أو طبيعية : كالصورية أو الموسيقية أو السلوكية ، زد على ذلك أن الأشكال الصورية تتواجد بها العلاقات الرياضية و الفيزيائية  أكثر من ما هو متواجد بالسلوكات الداخلية و مما هو متواجد  بالإيقاعات الموسيقية أو إيقاعات أصوات الموجودات ، إذن فالنقاط الأساسية التي توصلنا إليها من خلال كل ما ذكرناه آنفا و هي أن الكم و الكيف خط واحد لا منفصل عقليا ، لأن التحليل اللغوي و  العلاقات الرياضية و الفيزيائية و الميكرو فيزيائية هي عبارة عن ذبذبة واحدة داخل الخلايا العصبية ، تختلف باختلاف درجة وعي و تفكير العقل  ، و كما سبق و سلمنا تتغذى الخلايا العصبية لتجعل من قدرتها على الإمتداد و تذكر الإمتدادات أو تبادل المعلومات التي تحقق انتقالات إلى استنتاجات أو امتدادات ميكرو فيزيائية  من مكونات العالم : خصوصا سطحيات العالم أو قشرة الحياة التي تتكون من إيقاعاتها و أشكالها اللامتناهية ، هذه القشرة الحياتية التي تتمثل في الإيقاعات ، سواء إيقاعات الألوان أو إيقاعات السلوكات أو إيقاعات الأصوات منها تخلق العلمية بعقولنا بكل أجزائها سواء الرياضية أو الفيزيائية أو الميكرو فيزيائبة ، و هذا ما يعززه  ” هيرميت ” في رسالته إلى ” ستيلجز :” أعتقد أن الأعداد و دالات التحليل ليس اختيارا تحكميا من قبل عقولنا ، و أحسب أنها موجودة بصورة مستقلة عنا بنوع الضرورة نفسه التي أوجدت الأشياء في الواقع الموضوعي ، و التي نجدها ، أو نكتشفها ، بالطريقة نفسها التي يتبعها الفيزيائيون أو الكيميائيون أو البيولوجيون 23 ” ، إذن فما أود أن أخلص له من خلال كل ما ذكرته ، هو أن القواعد الرياضية أو الميكرو فيزيائية ليست هي المسيطرة على النشاط العقلي الكلياني ، كما يديعي الرياضي أو الفيزيائي بل هي جزء بسيط من النشاط الكلي ، لأنني كما سلمت أنفا حينما يحفر العقل في ظاهرة معينة أو قاعدة معينة ، فإنه لا يخضع لطريقة حفر واحدة تنحاز نحو الريضيات أو الفيزياء أو نحو اللغويات ، بل  إن العقل ككل يتشكل في شكل نقطة واحدة تتداخل فيها خلاصات مكونات الوجود التي تتحول إلى شحنات كهربائية ، تشبه الشحنة الطبيعية للخلية العصبية ، و هذه الشحنات الذبذبية لا تكون نتاج نقطة أنطلوجية واحدة : كالأشكال الفيزيائية ، و كالموضوعات الرياضية ، الخ ، بل تكون خلية واحدة مليئة بما استطاع العقل أن يحققه بعملية التبطيء ، و هذا ما يميز العقل المفكر على اللامفكر ، لأن الأول يشاهد او يستمع أو يستنشق ببطئ يمكنه من استخلاص وحدات ذلك المقطع سواء الموسيقي أو الصوري ، بطريقة تجعل من كل قوانين المقطع شبه محسوسة مما يجعل من هذا العقل له دراية بقوانين المقطع ، و هذه الدراية هي من تسهل عملية الحفر المعرفي لاستخراج القوانين مع ربطها منهجيا ، على عكس الثاني الذي يكون محاصرا بحدود السرعة التي لا تساهم في عملية الإستيعاب ، و بهذا نكون قد حاولنا أن نرد على السوسيولوجية الرياضية أو المجتمع العلمي كما يدعي ، من بين زوايا سوسيولوجيا المعرفة ، إذن فلا وجود لمنهج علمي حتمي ، يحقق من خلاله العقل العلمية ، هناك مناهج تختلف باختلاف تحركات الخلايا العصبية مع بعضها ، و هذا ما عززه كارل مانهايم ، بقوله ” الفرد وحده قادر على التفكير 24 ” ، بمعنى أن لكل عقل منهجه العلمي الخاص به ، حينما يصبح فردا ، أما حينما يكون عبدا تابعا سواء للوعي الجمعي أو لمنهج علمي كما يدعي ، فإن المنهج الحق الذي ينتظر العقل أن يحرره ليتمظهر سيظل محاصرا

شاهد أيضاً

أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين لكل ظاهرة عتبة مبدئية تُقاس بها، كدرجة سيلسوس بالنسبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *