الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / مقاربة سعيد ناشيد في قراءة النص القرآني – هل كانت مغامرة تنويرية أم وهم حداثي ؟

مقاربة سعيد ناشيد في قراءة النص القرآني – هل كانت مغامرة تنويرية أم وهم حداثي ؟

محمد بصري

 بقلم بصري محمد القنادسة الجزائر

الحداثيون وهم يدشنون  عهودا  تساؤلية جديدة   تقترب من التراث النصي والوثوقيات الدينية،  يستجمعون  رقائق من التراث المنقول وربما الشفهي الماضوي بما يشبه القراءات الابستيمية التي تُعنى بكل فصل من التاريخ، بتجزئته  الى تمفصلات وفضاءات  بما يقترب من القراءات الانشطارية حتى باتت كل حقبة لا تتفق مع الاخرى .هو تدمير للوحدة التاريخية وإعادة تفكيك الذاكرة . تسريب نزعة الشك للأمانة الشفوية يتم  بالإجهاز على موضوعية التاريخ وتقويضه كمرجعيات  وإحالته الى بنيات ابستيمية،  وهو الفن الفلسفي الذي اتقنته التحليلية البنيوية     structuralisme  وهي تشتغل على الموضوعات الانسانية والاجتماعية . العمل الفكري والمشروع الذي  احتكم اليه الأستاذ المغربي سعيد ناشيد  في خلخلة كثير من الدوغمائيات و واليقينيات النصية بتعبير  هو نمط من استعلائية تحليلية او قراءة تدنو من  الترونستندالية الكانطية في امتلاك الحكم .tranzsentendal  .كانط كان يراهن على ثقافة المانية ما بعد بروستانتية ترقى الى تخليص الدين من الآباء الاوائل المؤسسين للحكمة اليسوعية ليتحول الى قرين  نبيل وتوأم للفلسفة.  باستعارته الثلاثيات المرجعية او الاقانيم الثلاثة .العقل الخالص . العقل العملي .ملكة الحكم  وهو استدعاء للتصور المسيحي الذيي يؤيد  عقديا التأليه الثلاثي والتعميد الروحي المسيحي.

رهان سعيد ناشيد هو إفتكاك اللحظة الشكية النقدية  التأويلية، للتراث في أهم اصوله وجذوره الثقافية والاجتماعية والمعرفية، بل في نسقه الدائم المتحكم في الحركة العقلية والسياسية العربية والاسلامية، آلا وهو النص القرآني وهي مغامرة برومثيوسية،  وشجاعة فكرية  ومخاطرة ثقافية غير متوقعة النتائج. التجاوزية التي انبثقت منها القراءة المفارقة للنص التنزيلي لناشيد تحمل افقا تحرريا من الحضور الرقابي للاورثودوكسية الذي تمارسها المؤسسة التفسيرية التقليدية . هو تنصل ابيستمولوجي من أعباء الشُراح الاوائل للكتاب المقدس. لكنها في ذات الوقت استباحة للعقل الايماني المؤيد بالتعبير الطهائي “نسبة لطه عبد الرحمان”.

محمد اركون في نقديته المتشبعة بالحداثة والتنوير الغربي قدم نموذجا للعقل الاسلامي وفق مفارقات التراث عبر رحلة ابستيمية شاقة ناقشت كل مفاصل التراث والماضي، وذلك بالاستعانة بالانتروبولوجيا والعلوم الانسانية . طريقته الفلسفية لا تخرج عن سياق ما طرحه طه حسين في نقده اللغوي للتراث،  كما يشير المفكر الجزائري “الزواوي بغورة ” في كتابه “الهوية والتاريخ النشاط الفكري، والعقلانية  الديكارتية النقدية العارمة بدأها و قادها طه حسين بتحفظ و أنهاها اركون، بنمطية ثورية وأحيانا تصادمية مع المعهود والمألوف فكريا ونصيا وذلك باستجلاء الاليات والوسائل في قراءة النصوص . ثورة علموية وتحرر من الميكانيزمات القديمة باستعراض البدائل الحداثية  في التأويل. هي نقدية موجهة لأنماط العقول وهي تتحرك في التاريخ الاسلامي بتعبير الزواوي بغورة “عمد اركون الى تحديد العقل كملكة بوجه عام وعلاقته بالمخيلة والخيال والوعي والذاكرة، ومع التمييز بين العقل الاسلامي والعقل العربي أكد ان العقل الاسلامي أوسع من العقل العربي، و يسمح   بإمساك الظاهرة الدينية اكثر من العقل العربي .1”

تبدو مفاهيم مثل الارثودوكسية والمخيال والذاكرة والوحي والعقل المقدس والجهل المؤسس والاسيجة الدوغمائية حاضرة بقوة ، المفاهيم التأويلية التحليلية  في الفكر الاركوني، وهو ينبش في التراث النصي، بمقاصدية فوكوية تميل الى التبرير المنهجي والتحليل الاكاديمي ، لكنها تغدو مُنفرة ومُتشنجة وشبه معدومة في طرح ناشيد الذي باتت قراءته للنص ومغامرته القرآنية متملصة من اي منهجية بنائية او فلسفية بما يتفق مع التطويع النقدي الإسقاطي والانتقائي في تجميع المقاربات والهوامش والحواشي والإحالات التي ناقشت  تفاعلت مع التنزيل كما لو انها فصوص متنافرة وأحيانا متناقضة.او لنقل انها مساهمة تقويضية لعلاقة القداسي بالبشري او الفوقي بعالم مُؤنسن يتوق الى المرجعيات .في مقاربته للعلاقة بين الحديث والقرآن يستنفر اللحظة الضائعة بين بعدين مفصليين عتيدين في التأصيل  الشرعي للحديث والقرآن وكما لو كانت الثقافة العربية الاسلامية امام مرجعين متنافرين هما الكتاب والسنة محملة في الحديث الشريف  او ما اسماه الراحل  عابد الجابري بنظامين معرفيين، يتعارضان ويستقلان عن بعضهما البعض على اسس مذهبية بمطرقة الاختلاف وسندان الايديولوجيا السياسية . هذا التمشي يُحيلنا الى تجربة قراءة  الافق الفكري للشيعة والذي يتناقض رأسا على عقب من افق السنة تشريعيا  وتأصيل.  نحن بصدد إسلامين متنافرين ومختلفين  وفق الابستيمية “بدءا من نظرية وانتهاء من اسلام القرآن الى اسلام الحديث وفي هذا يوافقه جل القرآنيين ، او نحسب الامر كذلك “2

ناشيد المتأثر بمقولات طرابيشي ومفاهيمه التنويرية والصادمة للعقل الفقهي الكلاسيكي تقود الى إحداث شروخ تشريعية للمرجعيات الاسلامية التي قام عليها العقل الاسلامي  وهو يعبُر الفيلولوجيا  والبيان الى مرحلة البرهان في تجلياته الكونية.

محاولة ناشيد التأويلية رغم انها  تحمل بين طياتها حلما معتزليا يُجرد النصوص من شفهيتها ويضعها في ميزان العقل المجرد وكأنه صهر للحمة الفلسفية المعتزلية في أُتون  افق التنوير الكانطي .هو اختراق فضولي للنص لكن بدون نزعة كانطية او حتى معتزلية . المعتزلة  الذين تحملوا اعباء فقهية وسياسية في نضالهم الاجتهادي  بالقول ” بالحادث” القرآني  او كينونة  القرآن كمخلوق كباقي الكائنات لا يتجاوز مجرد الصفة الكلامية التي تتنزه عنها الذات الالهية انتهى بهم الامر مسكونين بهوس الالة السياسية التي دفعتهم الى حمى التبرير العقدي وتوطيد العلاقات المتشاكسة لسلطة بني العباس ..

محاولة منه فك العزلة العقلية عن النص، يحاول تفكيك المخيال الجماعي  القداسي، اتجاه  النص بتأمله داخليا لكن بتناوله منفصلا عن ادواته التقليدية،وهو ضرب من القراءات خارج التاريخ، او دون افق تاريخي اي بفقدان الملامح الدقيقة للتحقيب التاريخي في تناول الظاهرة القرآنية. وعليه  لا يمكنك تجريد النص من مناعته الازلية والأبدية بتعريضه لقراءة لحظية تاريخية وتحويله الى  نص بشري فاقد لهويته اللاهوتية .في مثل هذه الحالة والاختراق يتم العمل على  فقدان معنى النصانية المقدسة  والحركة الالهية داخل روح النصوص .حينها تغدو كل قراءة للنص التبجيلي ، عبثية  نسبية وبنيوية تحيله الى نص هامشي لا يمتلك الفرادة الالهية وهذا هو مأزق الحداثة .واحد اوهامها الجديدة.وهو اتهام حداثي تم به توصيف الاعمال التفكيكية  Deconstruction لجاكي دريدا Jacques Derrida، من قبل  رغم الاحراجات الدينية اللاواعية التي كانت تقف كخلفية لاشعورية للآلة التفكيك على الاقل هذا ما كان يدعيه المعارضون للتفكيكية الابنة غير الوفية للبنيوية .

المتتبع لبعض مفاصل منتوج  “الحداثة والقرآن” وهي مشحونة بفائض من الرمزية والايحاءات التأويلية ، يسترعيه الانتباه الى عنوان “المصحف ليس هو القرآن.”  ويستوقفك  مدى الوقوع في اليقينيات والحسم النهائي برفض ما تم تجميعه من وثائق ونصوص مقدسة وفق افق القرآن ذاته  اي مرحلة “المصحفة ” التي اشار اليها طرابيشي.. خاصة ان المادة البحثية والتاريخية لزمنية حفظ النص القرآني وترتيبه وتبويبه  فيها مغالطات وتجاوزات منهجية.لأنها لم تأخذ بعين القطع والتأكيد المراحل والحيثيات والشروط التي جُمع فيها كتاب الله .وهي مسألة خطيرة جدا في عصر الانتقال من الشفهي الى الكتابة او من الذاكرة المسموعة  التأملية  الامينة الى ذاكرة الادراك التوثيقي الواقعي. ما نقله السيوطي في “علوم الاتقان” وكتاب المصاحف لأبي  عبد الله السجستاني وتفسير القرآن لإبن عساكر.وتاريخ القرآن، كما تشير اليه مدون الباقلاني. والذهبي في طبقاته وأعيانه ودقته في تمحيص الرواة والرجال النقلة تبدو شبه غائبة في مشروع ناشيد او ان المادة المعرفية منتقاة باعتباطية وصورة تحكمية  تُفوت على الباحث الاثنوغرافي واللغوي الغوص في تلك المرحلة الدقيقة من عمر التدوين والتأسيس الشرعي للمصحف الشريف.

ما يمكن حصره وتلخيصه ان جمع القرآن مرّ بإرهاصات وعتبات وخطوات  ومنعطفات حاسمة لا يتسع مجال المقال لسردها لشساعتها ولوفرتها المعرفية وحيويتها  الابستيمولوجية . بحيث ان تاريخ تحويل المسموع شفاهة والمنقول من صدور الرجال كان عملا جبارا قام به  كتبة الوحي على غرار “ابن المسعود وزيد ابن ثابت و ابي بن كعب وعلي بن ابي طالب و وحنضلة ابن الربيع وقيل تجاوز عددهم الثلاثين كاتبا وهي مهمات تختلف بالإطلاق عن التدوين الذي قامت به المحافل الانجيلية والعبرية والتلموذية. والتي انتهت بأزمات لاهوتية وسياسية حتى الاعتراف بالإصحاحات الكبرى الاربعة  والأناجيل الرسمية لوقا ومتى ويوحنا ومرقس.

في قراءة مستفيضة  لرشيد الخيّون في كتابه “جدل التنزيل مع كتاب خلق القرآن للجاحظ ” ينتهي الى محصلة مفادها ان الكنائس دشنت عصر تدوين متأخر منهجيا وموضاعاتيا على الاسهام الذي قام به عثمان بن عفان (ض) حين تشبث بمصحف السيدة حفصة زوج النبي عليه الصلاة  السلام. وأمر بارساء القراءة وفق لسان مضر الذي تنحدر منه قريش علما وان ابن مسعود من هذيل وكانت هذه الاخيرة تلحن في حروف الفصحى .نسبة الى لسانها ومحيطها السوسيوقافي.

الكنيسة بعد التبديل والتحريف خاصة بعد ظهور النسخة الضائعة لإنجيل ” بورنابا” قامت بالاتفاق الكهنوتي وهو ميثاق وعهد ديني ببشر ويبدأ بشرعنة الاناجيل المذكورة آنفا.

الاقرار الشرعي والاتفاق على التبويب والتنظيم والتخريج الشكلي لمصحف عثمان كان تجميعا لأصول وثوابت تنزيلية  رغم العوارض السياسية زمن الفتنة الكبرى اما الاختلافات الجزئية في طرائق الكتابة وشروطها المعرفية والاجتماعية فكانت واقعة تحت  طائلة الحاجات المنهجية والفقهية التاريخية  انذاك .لا يمكنها المساس بجوهر التنزيل وعمقه القداسي ولا تركيبته التبجيلية .والتي فقدتها المسيحية عندما استباح كتابها النُسخ الاصلية  الضائعة وعاثوا فيها تجريحا وبترا وانتهكوا وحدتها الفيلولوجية ونسقيتها الدلالية .العبث البشري بالمقوم و البعد الروحي للنص قد يحيله الى وثيقة مستباحة تفتقر الى غاياتها الميتافيزيقية لتتحول الى مجال تاريخي وبنية دياكرونية منتهية الصلاحية وهو شيء يهدد انطولوجيا التماسك الوجداني الذي يربط السماء بالأرض .عمتم مساء.

المراجع

الزاووي بغورة الهوية والتاريخ .دراسات فلسفية في الثقافة الجزائرية والعربية ..ابن النديم للطبع والنشر ص 249.

سعيد ناشيد الحداثة والقرأن . الحداثة والقرآن .. التنوير ط.ثانية ص 25

رشيد الخيون . جدل التنزيل من كتاب خلق القرآن للجاحظ منشورات الجمل .كولونيا المانيا 2000 طبعة اولى .

شاهد أيضاً

أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين لكل ظاهرة عتبة مبدئية تُقاس بها، كدرجة سيلسوس بالنسبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *