الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / في الفرق بين العقل الأداتي والعقل الموضوعي عند مدرسة فرانكفورت

في الفرق بين العقل الأداتي والعقل الموضوعي عند مدرسة فرانكفورت

عبد الكريم لمباركي

عبد الكريم لمباركي

      سأحاول في مقالي هذا أن أركز على مدرسة فلسفية لم تحظ بالإهتمام الذي تستحقه إلا مؤخرا، ألا وهي مدرسة فرانكفورت النقدية، هذه الأخيرة التي لا يعرف عنها أغلب القراء العرب شيئا ،وأغلب من يعرفونها لا يعرفون عنها إلا أسمها، على حد تعبير “مصطفى الناوي” مترجم كتاب “النظرية التقليدية والنظرية النقدية” لصاحبه “ماكس هوركهيمر”( 1895-1973)،الفيلسوف و عالم الإجتماع الذي يعد من بين مؤسسي هذه المدرسة إلى جانب صديقه أدورنو(1903-1969)،واللذان توليا ادارة معهد الأبحاث الإجتماعية التابع لجامعة فرانكفورت.                             لقد ركزت مدرسة فرانكفورت على بلورة نظرية نقدية تتمثل في نقد العقل،وهذا أمر عهدناه مند النقد الجدري الذي قدمه نيتشه للأخلاق وللميتافيزيقا ،الذي أسماه جورش لوكاش بتحطيم العقل .والسؤال الذي يطرح ذاته بادئ ذي بدء هو كالتالي: عن أي عقل نتحدث والذي انبتقت معظم الإتجاهات الفكرية الفكرية الأوروبية في اقصائه ؟
كإجابة على هذا السؤال وجب أن نتجه صوب ما أسماه هوركهيمر *”بالعقل الأداتي”* والذي ركزت المدرسة على نقده وتحطيمه، وبالمقابل إعادة الإعتبار للعقل الموضوعي.إن العقل الأداتي حسب مدرسة فرانكفورت عامة،والفيلسوف هورك هايمر خاصة، هو ملكة التصنيف والإستنتاج التي يتميز بها الإنسان، وهي عبارة عن نشاط تجريدي نقوم به حينما نمارس عملية التفكير، ومن بين مميازات هذا العقل هو أنه يعطي جل عنايته وإهتمامه للمنهج ،بصرف النظر عن فحوى الموضوع الذي يدرسه ويمارس فاعليته عليه، وبالتالي إذن فهو مجرد وسيلة لتحصيل معارف بالمواضيع،  وهو أداتي -أو مجرد أداة -لكونه لا يهتم بالأهداف ولا ينشغل إذا ما كانت الغايات التي يطمح إليها، بوعي أو دون وعي،أو النتائج التي يحصل عليها، غايات ونتائج معقولة معياريا بحيث تصبح موضوع قبول وبداهة لجميع الناس.وإن اهتم العقل الأداتي بالغايات والنتائج فإنما ينظر إليها من باب الذاتية ،يعني من الجانب الذي يخدم ذات الباحث ،أو مصلحة الجماعة ،ومن خلال مميزاته هاته ،سمية بالعقل الأداتي الذي ينافي الموضوعية العلمية.    هو أداتي إذن لأن إهتمامه الدائم يتجه صوب خدمة الذات والمحافظة على الفرد والجماعة. ومن هنا فالإهتمام بالغايات والنتائج التي يسعى إليها لن تكون معقولة في ذاتها،ونعني بمعقولة هنا ،أن تكون حاملة في طياتها فضيلة ومزية نتعرف عليهما في تلك النتائح والغايات ،بغد النظر عن الإعتبارات المرتبطة بالمنفعة الذاتية،وهذا ما لا يدخله هذا العقل في حساباته حتى وإن انتقلنا من الذاتي إلى الإجتماعي.
يمكن فهم العقل الأداتي لذى مدرسة فرانكفورت بمعنيين:معنى إبستيمولوجي ،كونه ملكة تفكير ذاتية لتحصيل المعرفة ،هذه المعرفة تعتمد بالأساس على القوة المعرفية للشخص.كما أنه أداتي بالمعنى الأكسيولوجي الأخلاقي أيضا:أي أن إنشغاله الأساسي ،هو المنفعة الذاتية.
    إن هذا النوع من العقل هو الذي إنتشر  في القرن العشرين ،وهو الذي قاد أوروبا إلى ما حققته من تقدم تكنولوجي،ولقد حل هذا العقل الذاتي البرغماتي …إلخ، محل العقل الموضوعي أو المعياري،الذي كانت له السيادة  من قبل على مدى التاريخ ،فلقد ساد في العصور الماضية تصور أخر للعقل يناقض ويتنافى مع مقومات العقل الأداتي ،وهذا واضح تمام الوضوح سواء في زمن اليونان أو في العصور الوسطى….كان جميع  المفكرين والفلاسفة  تلك الحقبة يتصورون العقل ليس فقط في بعده التفكيري التجريدي ،بل يتصورونه كذلك بوصفه منطقا ونظاما من العلاقات القائما بين الأشياء في الطبيعة كما بين الأفراد في المجتمع.إن شرعية ومعقولية هذا العقل الموضوعي يستمدهما من خلال إستقلاله عن الإنسان الفرد.
لهذا فالعقل الموضوعي وصل إلى ذروته مع المظومات الفلسفية الكبرى؛ بدءا  بأفلاطون وأرسطو  وصولا إلى فلاسفة القرون الوسطى والمذاهب الميثالية في العصر الحديث ، وانتهاء بالمادية الماركسية التي سعت منذ نشأتها إلى احتظان التفسير المادي الواقعي والموضوعي لكل حوادث العالم بعيدا عن كل الدغمائيات،وكذا إقحام الأنا في النحن.ونظام الطبيعة ذاته يكون إدطراد الحوادث فيها خاضعا لقانون السبيبة ،الذي يرى أن ما من شيء إلا وله سبب،وهذا ما يتوافق مع العقل البشري ، والمعقولية الحقة  التي نسعى إليها هنا هي أن يتطابق ما يوجد في الأذهان إلى ما يوجد في الأعيان،وهذا في إعتقادي خير تصور لمفهوم الحقيقة على غرار تصوراتها الأخرى،لأنها تكون أكثر شمولية بهذا المعنى قاضية بذلك على كل نرجسية علمية  تقضي على العلم من حيت تظن أنها تعلي منه وتقدمه.
    إن القول بالعقل الموضوعي بهذا المعنى،لا يعني إلغاء العقل الأذاتي ،وإنما يعني النظر إليه بوصفه تعبيرا محدودا وجزئيا للمعقولية الكلية التي منها تستمد المعايير الخاصة بمجموع الأشياء و الطبيعة،وما التأكيد عن العقل الموضوعي إلا كونه يرتكز على الأهداف والغايات ،ولا يهتم بالوسائل وحدها كما يفعل العقل الأداتي.والعقل الموضوعي ذاته موضوعي بمعنيين:أولا : بمعنى أنه جزء من العقل الكلي الكوني ،وذلك عن طريق المعقولية التي تحوي الكون والتي أساسها الإنسجام.ثانيا :بمعنى أنه يقوم بإحقاق التوافق والإنسجام بين الإنسان فكرا وممارسة وهذه هي المعقولية.
إن الأزمة التي يعاني منها العقل اليوم في نظر هوركهيمر -هي أزمة تكتمل في أن العقل قد أصبح عاجزا عن تصور موضوعية العقل الموضوعي ،أو  أنه يرى فيه مجرد ترف ووهم من الأوهام، وتأثر بذلك كل المفاهيم العقلية ،وبالتالي لا يمكننا الحصول على واقع معقول، لأن العقل حينما يغرق في الذاتية يتحول إلى مجرد قواليب صورية.
 إن العقل الأذاتي في تقديري هو العقل الذي أصبح سائدا في المجتمع العربي،لأنه لا يقبل بالإشياء في ذاتها،وأنما دائما ما يحاول إقحام ذاتيته وتأويليته لها، مما يحول دون تحقيق الموضوعية ،وبالتالي غياب الحقيقة بإعتبارها الملجأ الوحيد لتطوير العلم و الفكر،وما دمنا على هذا الحال سوف نبقى مجرد مستهلكين وغير منتجين.
   على سبيل الختم ؛ يمكن القول  إن أفكار مدرسة فرانكفورت تبقى قوية إنطلاقا من  الأطر المنهجية والمنظومة الإبستيمولوجية للأفكار النقدية التي ناقشتها وطورتها داخل الساحة العلمية والفلسفية،علاوة على أنها استطاعت تصميم براديغم جديد  يمكن الباحثين من معرفة درجة السيطرة والتحكم في جميع المجتمعات،  وإن كان ذلك من ناحية نظرية بالرغم من صعوبة التنبؤ إمبريقيا.إن تصورات هذه المدرسة يمكن حصرها ضمن التراث السوسيولوجي والفلسفي المعاصر والذي يتميز بالنقد والفحص وكذا إخراج الإنسان من سباته وربطه بالواقع الإجتماعي.

المراجع المعتمدة :

محمد عابد الجابري،قاضايا في الفكر المعاصر ،الطبعة الخامسة،مركز دراسات الوحدة العربية،ص582-

المرجع نفسه:ص59،60 3-

ماكس هوركهيمر ،النظرية التقليدية والنظرية النقدية،ترجمة مصطفى الناوي،عيون المقالات ،الطبعة الأولى 1990،ص64-

المرجع نفسه، ص7،8،9،105-

د-كنزاي محمد فوزي ،مجلة البحوث والدراسات الإنسانية العدد 9 -2014،ص17

شاهد أيضاً

استشكال مفهوم العلم بصيغة غير صيغته الإسلامي

عبد الفتاح الحفوف عبد الفتاح الحفوف –  أستاذ باحث   مما لا شك فيه أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *