الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / على خطى أندري كونت سبونفيل

على خطى أندري كونت سبونفيل

 خالد جبور

كنت في السادسة من عمري ألعب مع أطفال حيّنا الشعبي بمدينة مراكش. كانت براءة الطفولة تدفعنا إلى القيام بأمور جنونية ان نحن رأيناها بعيني الإنسان البالغ. 

رأيت رجلا أعمى يمشى برفق وتمهل، يحمل عكازا يحركه أمامه يمينا وشمالا، وكأنه يرسم حدود المسار الذي كان يتبعهُ. كان رجلا أعمى.

أغلقت عيناي وحاولت تقليده، مشيت بضع خطوات وتوقفت، فاكتشفت مدى بؤس الرجل المسكين الذي يقضي حياته في ظلام حالك. 

قلت في نفسي: هذا الرجل الأعمى، إذا استعاد بصره سيُجن من كثرة السعادة؛ سر سعادته مرتبط بقدرته على الرؤية، على استعمال عينيه، وبالتالي فأنا، أنا الذي أرى يجب أن أطير من السعادة، ظننت حينها أنني اكتشفت سرَّ ما يسميه الآخرون “السعادة”.

حملت هذه الفكرة لمدة ليست بالهينة، كلما أصابني ضر أقول: لا يهم فأنا سعيد إلى الأبد لأنني أرى وهناك أشخاص يعيشون في عتمة مطلقة، لا يرَوْن مشية المعلمة القصيرة القامة، ولا طيوري المزركشة، ولا أسطح المدينة العتيقة، ولا الجبال البديعة التي تضمها… أمَّا فكنت أرى كلّ ما كان في متناول عيناي.

مرت السنوات تباعا. 

بعد أول انكسار عاطفي بدأت مراجعة حساباتي،  قلت في نفسي: إذا كان العُمْي مأساةً فإن النظر لا يمكن أن يكون سعادة مطلقة إلاَّ لمن لم يذق حلاوة هاته النعمة.

 أحببت فتاة جميلة؛ عندما تغيب يزداد الوجود حلكة وأُصْبِحُ مستعدا لكل شيء من أجل أن تعود وفي حضورها يقتلني الملل، وأصبح مستعدا للقيام بأي شيء لكي تبتعد.. واه حيرتاه ! ما أسهل أن نحب ما ليس لنا! وما أيسر أن نرغبُ في ما لا نملكُ! 

فبدأت ألتهم الكتب وأستنجد بالفلاسفة والمفكرين لعلي أجد طريقا تقود إلى فك اللغز واكتشاف سر السعادة. 

لا زلت أتذكر خلاصة، من بين أكثر الخلاصات الفلسفية حزنا إذ يصطبغ الوجود في خضمها بأكثر ألوان التعاسة وضوحا. صادفتها وأنا أنقِّب في براثن المراجع ” عندما أرغب فيما لا أملك، إنه النقصان والحرمان، إنه ما أَطلقَ عليه الفيلسوف الألماني شوبنهاور اسم “المعاناة” لكن، ما إن يتمُّ إشباع تلك الرغبة حتى تفلُ المعاناة باختفاء الحرمان.

ورغم  ذلك لا حديث عن السعادة ولا جديد بخصوصها، لأن الإحساس بالرغبة لم يعد موجودا أيضا؛ هذا ما سماه نفس الفيلسوف ” الملل” أو “الضجر” وهو غياب السعادة في المكان والزمان الذيْن نترقبها فيهما. 

مرَّ الزمان فزاد يقيني بأنني لم أعش  يوما حاضري، فنحن، كما قال باسكال، نعيش قليلا من الماضي وكثيرا من المستقبل وبالتالي فنحن لا نعيش بل نأمل في ذلك.

ما العمل ؟ ما السبيل إلى الهروب من هذا العود الأبدي للحرمان والملل، ومن هذه الحلقة المفرغة من الأمل والإحباط ؟

طيب.. سأنسى، سأجعل النسيان سبيلا للهروب. حسنا، لأفكر في شيء آخر… لكنني أكتشف أن الهروب للجبناء وأنا لا أريد أن أكون جبانا. 

سأفعل كما يفعل الجميع: سأتظاهر بأني سعيد وأنني لست ضحية من ضحايا الملل؛ سأتظاهر بأنني لا زلت على قيد الحياة، لكنني أكتشف مرة أخرى أن هذه الاستراتيجية لا تليق بمقامي كإنسان وبالجهود التي بذلتها إلى غاية هذه اللحظة.

نعم.. سأجرب الهروب إلى الأمام من أمل إلى أمل آخر. سأكون كمقامر دوستويفسكي الذي ينسي هزائمه المتكررة بآماله في الربح مستقبلا. لكن واه أسفاه ! أليس الأمل في هذه الحالة مخدرا لا تقل أخطاره عن باقي المخدرات ؟ 

جربت نصيحة “ألبير كامو” إذ  قفزت في بحر لا متناه من الآمال المطلقة، بحر يصُّب في عالم لا وجود فيه لذرة من الإحباط، حوّلْت نظري عن الواقع الذي كاد يعصف برأسي ويقتلعه من على كتفاي من شدة التفكير ووجهت عيناي صوْب السماء. 

لا لا يكفي ! لقد ابتعدت كثيرا والآن سأعود أدراجي. 

عندما كنت صغيرا كنت غارقا في البهجة والسرور، كنت كما قال نيتشه عجلة تدور حول نفسها، كنت التأكيد المقدس للعبة الخلق الإلهية، كنت البدء والنسيان والبراءة، لا شيء كان يغريني على القيام بفعل ما سوى الفعل نفسه، إذ كنت لا أزال نقيا لم يوسخني الطمع اللاواعي النفعي. 

إن السعادة تكمن في البهجة والسرور وبكل بساطة الطفولة فهي : 

أن أحب ما أنا عليه

أن أحب ما أملك

أن أحب ما أفعل

وأن أحب ما هو كائن

هناك سرور وبهجة عندما أرغب فيما لا ينقصني 

باختصار هي ما سماه اندريه كونت سبونفيل: فقدان الأمل المرح. 

شاهد أيضاً

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – القول الصريح عند سقراط وأفلاطون- (المقالة الثانية)

بقلم: ادريس شرود تقديم     أعطى ميشيل فوكو أهمية للأعمال وللتحولات التي يتوجب على الذات القيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *