الرئيسية / كتاب كوة / علي محمد اليوسف / الجنسانية في الأدب العربي / ثيمة جنسية أم هوية تجنيس أدبي !؟

الجنسانية في الأدب العربي / ثيمة جنسية أم هوية تجنيس أدبي !؟

علي محمد اليوسف

 مقارنة هويتي الذكورة والانوثة في الادب العربي:

أثيرت مسألة تجنيس بمعنى النوع في المنتج الابداعي والفني بين ما هو  أدب ذكوري وما هو أدب أنثوي مرات عديدة ، منذ وقت ليس بالقصير تمّثل في مطارحات وسجالات مواضيع النقد العربي الادبي، وفي بعض المقالات الصحفية، والدراسات في تساؤل مركزي مباشر هل لدينا أدباً ذكوريا عربيا ، وآخر انثويا؟ كل منهما يحتفظ بمقومات بنائية فنية متمايزة في الشكل والمضمون، وبأي الوسائل والكيفيات يمكننا الوقوف وتأشير تلك الاختلافات الجوهرية التي تطبع هوية أجناسية كل منهما!؟

أجد  من  المهم  التنبيه أن هناك تفريقا لا يمكننا القفز من فوقه هو تداخل وتلازم الجنس بمعنى النوع مرة كتوصيف تمييزي بيولوجي بين المرأة والرجل المنتج للعمل الابداعي والفني نوعيا, وبين ثيمة الجنسانية في التوظيف الابداعي المشترك مابين الرجل والمرأة في تناولهما الجنس أوالجنسانية أبداعيا, وسيتوضح هذا التداخل معنا الذي ليس سهلا الخلاص منه في سياق هذه الدراسة….بعبارة أخرى التفريق بين الجنس كثيمة تلازم العمل الادبي,وبين الجنس في ممارسة العلاقة الحميمية كغريزة يجب أشباعها  بين المرأة والرجل.

هناك كما يعلم ويمارس معظم أدبائنا ومثقفينا وفنانينا في نتاجهم الادبي والفني، أنه أصبح لدينا منذ مدة بعيدة، فروقا جوهرية في التفريق والفرز ما بين الاجناس الادبية والفنية، منذ ما يزيد على الف عام واكثر منذ بدأنا نقرأ وندرس الشعرالعربي الجاهلي ، ونثر الخطابة، والامثال العربية ومأثور القول والقص عند العرب ، وعرفنا مثلا أختلاف الشعر عن جميع انواع النثر والسرديات منذ أيام العرب ، وتأريخهم ، وبيئتهم وعاداتهم وتقاليدهم ، وغزواتهم وما صاحبها من مديح أو هجاء شعري وأغراض شعرية عديدة مثل الحب ,الفخر, الرثاء, الوقوف على الاطلال,التشبيب بالمراة, المروءة الخ ليست في وارد أهتمامنا هنا في هذه الورقة.

أذن مع مرور السنين ترسّخت أكثر الفروقات بين الاجناس الادبية ، كنوع تعبيري من الكلام المكتوب والشفاهي ، وأستمرت الحال بالاضافة والحذف والتداخل والتوضيح الى وقتنا الحاضر، حتى أصبحت من البديهيات الادبية التي يدرسها الطالب ويمارسها المثقف المبدع، في أختلاف كل جنس أدبي بمقومات شكلية ومضمونية وتقنية اسلوبية وجمالية متمايزة عن غيرها من أنواع أشكال الادب والفنون الاخرى. فظّل الشعر بكافة تحولاته الشكلية وانتقالاته المضمونية ، وتلاوينه الاسلوبية ، محتفظاً بمقوماته الأساسية كشعر عربي، كما هو لا يزال في بعضه, الشكل العمودي من حيث البحور والوزن العروضي والايقاع، ووحدة وتنوع القافية أحيانا. ثم جاء الانقلاب الابيض على الشعر العمودي لضرورات تطور وتقدم الحياة وتأثير الثقافات الاجنبية على الادب العربي وأسباب فنية ليس مجال الخوض بتفاصيلها هنا كونها أستنفدت النقاش أو الاضافة الجديدة، فتّم كسر الشكل العروضي الشعري كما صنّفه ووضع معياريته الخليل بن احمد الفراهيدي(143ه). وأستبدل الايقاع الفخم الغنائي في عمود الشعر، بإيقاع داخلي خفيض. وجواز خروج لغة الشعر عن النظم الغنائي الايقاعي الباذخ إلقائيا وسماعيا شكلياً على حساب المضمون الى نوع من التفكيك البلاغي في أنساق اللغة وأتساقها في المتداول المكتوب منذ أكثر من ألف عام.

فكانت ولادة شعر التفعيلة (الحر) اربعينات القرن الماضي20 ، تلاها أنبثاق كتابة قصيدة النثر بتطرف أكثر من السابق بالخروج على الشعر العمودي. ثم جاءت المناداة بألغاء حواجز المنع في دخول الشعر مزارع النثر القصصي والروائي ، أو في تداخل القصة على أرض الشعر، فولدت لدينا القصة- القصيدة، او القصة الشعرية وتداخل السرد مع الشعر، وفي أحيان تداخل الشعر مع التشكيل الفني والموسيقي والآن تداخلت الاجناس الادبية بدءاً من الشعر الى السرد القصصي، الى السيرة الذاتية والتاريخية الى الفنتازيا والمخيال في توليفة روائية واحدة كنص أدبي.

أماعلى مستوى تحولات السرد القصصي بأشكاله وتكويناته القديمة والحديثة، فقد طاله التطور والتغيير أيضا . فمن بدايات كتابة القصة القصيرة، والقصة الطويلة ، فالرواية ، بكل تمايزات هذه الاجناس البنائية الاسلوبية والدرامية. رافقها ظهور نوع من القص الجديد، سمّي بالقصة القصيرة جداً . ق.ص.ج، أقل من عشرة اسطر، وأحيانا تكتفي بسطرين أو أقل من المفردات المكثفة القليلة. والقصة الايحائية ، الومضة الدلالية في أستخراج المعنى في محمول أقل المفردات.

ثم نأتي الى السرد النثري غير القصة والرواية، فيتوفر الكثير من السرديات كماً ونوعاً، تتوزع التاريخ ، الفلسفة، النقد الادبي بمدارسه كافة، السرد الايديولوجي، وسرد الجغرافيا والسياحة وأدب الترحال، والسرديات الدينية، وهكذا في علمي الاجتماع والنفس وغيرها في ضروب المعرفة والثقافة.

 أين هوية التجنيس الادبي؟ :

جميع هذه الاجناس الادبية التي مررنا عليها وغيرها أيضا، تقف الى جانبها أنواع الفنون من تشكيل ونحت ومسرح وسينما من الصعوبة بمكان تناولها وفرزها وتقسيمها هوياتياً جنسانيا الى نوعين من آداب وفنون الكتابة، ذكورية أو أنثوية بمعنى التمايز البايولوجي والفيزيائي النوعي للكاتب/ة ، وأن لكل من هاتين التسميتين أو الفرزين بيولوجيا ذكراً أو انثى نصيب واقعي، في المنتج الادبي والفني ، فلا يوجد في الأدب والفنون الذكورية خاصية متفردة جمالياً وفنياً ، كتابة وقراءة ، بأن لكل من هذين النوعين هوية تَسمُهُ وتطبعه بالادب الذكوري أو الانثوي ، في أستقلالية مصطلحية وهمية قد نتداولها في بعض كتاباتنا النقدية لكنها غير موجودة في التداخل العضوي الواحد المترابط الوشيجة في التعبير الادبي والفني للأدبين الذكوري والأنثوي أي الذي يكتبه كليهما، وأن وجد مثل هذا التمايز فهو موجود في عتبة النص أو العنونة, أو بأسم المؤلف ذكر أم انثى. وبخلافه لا يوجد هكذا تمييز وفروقات مضمونية أو شكلية يشتغل عليها النقد الادبي والفني وفي تنظيراته وسجالاته الا بما يرغب الناقد وليس واقع حال المنتج الابداعي. كما هو غير متوفر ولا موجود على ساحة الابداع الادبي في المنجز المكتوب المطبوع أو النص المنشور.

هنا يحضر التساؤل المشروع لكن هناك مواضعات متفق عليها عند نقادنا أعطت فرزا أجناسيا بين أدب ذكوري وأدب انثوي آخر,ويأتي توضيح الاجابة عنه  لاحقا. ربما يتساءل البعض ايضا، لكن مضمون موضوع التناول الابداعي الثقافي يحدد لنا بيولوجيا السمة الذكورية أو الانثوية، وهذا خطأ أيضا، إذ كثيرا ما تتناول المرأة موضوعاً ذكورياًجنسانيا ويتناول الذكر موضوعاً أنثوياً جنسانيا، وتجد تداخل ما هو ذكوري وانثوي في النص المكتوب يشير الى تكامل عضوي في بنائية النص، لا يمكننا فصل أحدهما عن الآخر، أي أننا  وفي الحالة هذه نكرر عدم وقوعنا على تمايزات هوياتية تعطينا فرزاً فنياً حقيقياً واقعياً أكثر من عتبة العنوان ، وأسم الكاتب تمييزا فقط. وربما نتعرف على مضمون ومحتوى النص ذكورياً أم انثوياً من الثيمة أو الموضوع، وهذا لا يعّول عليه في كم كبير من كتابات أنثوية ومعها كتابات ذكورية ، تتبادل الادوار في أختيار الثيمة أو الموضوع جنسانيا، عليه لا يمكننا وضع خطوط حمراء تفصل تداخل النص في المعالجة الذكورية والانثوية معا، فألاديب لا يستطيع تناول مواضيع تهم المرأة فقط ، إلا ويكون الرجل والمجتمع بأكمله حاضراً وكذا الحال مع الرجل أيضا في تناوله جنسانيا من قبل المرأةً.هنا تحضر معنا ثيمة الجنسانية على أنها علاقة الجسد الحميمة في الممارسة الجنسية , وبانتفاء حضور الجسد أيروسيا في تعالقه الحميمي مع الآخر تنعدم الجنسانية بمعناها اللبيدو كعلاقة غريزية ذكورية وأنثوية في النوع الطبيعي على الاقل.

فالانثى أو الذكر ليسا جزراً مستقلة في محيطات لم يصلها بشر بل هما ضمن مجتمعات متداخلة، لذا نجد صعوبة أن تجد فوارق أنثوية أو ذكورية داخل النص الواحد في غياب الحضور الذكوري والمجتمعي، وتداخل قضايا الانوثة مع قضاياً ومسائل الذكورة والمجتمع عامة في ثيمة الجنس ابداعيا.

يذهب عديد من الادباء والمثقفين وجود واقع حال أبداعي مكتوب أو مشاهد يؤكد غلبة الذكورية في المنتج الابداعي والثقافي بالقياس لمحدودية مساحة الفضاء الابداعي الانثوي، وقلة كاتباته من الاناث وهو صحيح ، لكن عوامله بيئية اجتماعية وعادات وتقاليد موروثة أبرزها حرمان الانثى من التعليم العالي وهذه العوامل هي خارج دراسة النص المكتوب نقدياً أدبيا او فنيا. كتجنيس أبداعي أدبي ثقافي، وهنا يثار تساؤل ما المقصود بالغلبة الذكورية في المنتج الابداعي الادبي- الثقافي ؟ بالقياس لمحدودية “الكم” في المنتج الابداعي الانثوي، فإذا كانت الغلبة الذكورية في زيادة عدد الذكور في المنتج الابداعي المطبوع أو المنشور فهذا واقع حال مجتمعاتنا العربية أدبيا وثقافياً في توفير التعليم بمراحله للرجل أكثر من المرأة، أما اذا كان المقصود بالغلبة الذكورية هوية تجنيس بايولوجية، تدمغ بها الأنثى لصالح التجنيس النوعي في الابداع لصالح الرجل ، فهي مسألة لا يمكننا الاعتداد بالأخذ بها فجنس المرأة بيولوجيا لا يحدد جنسانية المنتج الابداعي الادبي وكذا الحال مع الرجل أيضا.

فالابداع الادبي لا تقاس أهميته وجودته في منجزة الكمي وأنما في منجزه الكيفي – النوعي، وإلا لما كان لشهرة المتنبي في تطاول أمتدادها الزمني لألف عام ؛ ولا لشكسبير لاكثر من خمسمائة عام. وهكذا في الرواية والشعر والسرد بانواعه . فمثلا لا نعدم وجود ابداعات نسوية نوعية تفوق ابداعات الكثيرين من الرجال وبما لا يقاس “نوعيا” فقط.  حتى في حال أفترضنا أن روايتين على سبيل المثال عالجتا “ثيمة” جنسانية أو موضوعاً واحداً في عملين متشابهين منفصلين أحدهما لأمرأة، والآخر لرجل ، فهذا أيضا يؤكد ولا يلغي مسألة أهمية النوع الكيفي في النص المكتوب ، ولا أهمية أو أعتبار نقدي ادبي أو فني أن يكون الكاتب امرأة او رجلاً.

لكننا أذا انتقلنا الى الفروق البايولوجية والفيزياوية ما بين أي ذكر وأنثى خاصة في مجتمعاتنا العربية، التي تزداد فيها فعالية أهمية تلك الفروق بين الرجل والمرأة ، في وجود التقاليد الاجتماعية الكابحة أمام الانثى أكثر من الرجل في التفريق بينهما في الحقوق السياسية والاجتماعية والمدنية والجنسية، وغيرها من أمور نجدها عديدة وظالمة مجحفة ، يأتي في الاولوية،أستلاب الجسد الانثوي في تضاريسه الجمالية الايروسية ووظيفته الجنسانية والانجابية وفي العمل والوظيفة ايضا، وكذلك جسد المرأة كموضوع أثير في التناول الابداعي والادبي والفني، بخاصة في جنبته الجنسية الشاذة الاكثر أستثارة غرائزية ، وفروقاتها عن تركيبة جسد الرجل من كافة النواحي ، التي تغذي أفضليتها على الانثى في ترسيخ أرجحية الذكورية لأسبابً أجتماعية وعادات قديمة متوارثة لا غير.

تجريد الجسد جنسانيا

ونستطرد هنا في معلومة انه ظل الجسد الانساني عصّيا على “التجريد” الجنسي رغم أن الاغريق القدماء حاولوا ذلك، أي حاولوا تجريد الجسدالانثوي تحديدا في انتزاعه من طبيعته البايولوجية الخاصة به ، وذلك في جعل أعمدة معابدهم وقصورهم تشبه القوام الانساني مميزين بين نوعين من الاعمدة بحسب مقاربتها للجسد ذكراً كان أم انثى . …وبقي لدى الاغريق أستحالة تجريد الجسد معياراً جمالياً الى الحد الذي جعله فيه الغرب قاطبة مستمدا من (عري الالهة)، في رسوم عصر النهضة بأبرز فنانيها (ليناردودافنشي، مايكل انجلو ، غويا، ومانيه, ماتيس) وصولا لمرحلة الكلاسيكية الجديدة في الرسم ، دلالة على الكمال الذي يرتقي بالمتلقي التعالي عن النزوات الجنسية .

هذه المقاربة الفنية بالرسم والتصوير واجهها بالرفض أكثر من رسام أبرزهم أدورد مانيه، أحد فناني عصر النهضة ومن مؤسسي التوجه الشاعري في الرسم ، في لوحته (غداء على الاعشاب) التي أثارت حفيظة الامبراطور نابليون الثالث ووصفها بأنها لوحة غير محتشمة ([1])، علما أن ماتيس وهو من فناني عصر النهضة أيضا كان لا يرسم المرأة إلا بعد تعريتها من ملابسها تماماً.

أذن يتأكد معنا الان صعوبة فرز أبداع ما أو نص أو مطبوع من الاجناس الادبية المختلفة، وأسباغ فرادة أنثوية أبداعية خاصة بالمرأة او الرجل – كلامنا هذا خارج كتب ونشريات تعليم الطبخ والخياطة أو تربية الطفل ودور المرأة في الاسرة والازياء والتجميل والرشاقة والصحة وقراءة الابراج والطالع..الخ- نحن نناقش عمل أبداعي يأخذ صفة التجنيس الادبي كالشعر، والرواية ، والقصة ، والمسرحية والفنون التشكيلية, وكذا الحال مع الرجل المبدع كتابة اوفناً. وبخلافه لا نستطيع القول هذا شعر أنثوي يندرج في خانة الشعر الانثوي، وذاك شعر ذكوري لمجرد وجود تبادل موضوعة الغزل والجنس بينهما. بل بالعكس هذا يلغي أمكانية الفرز بين الذكوري وبين الانثوي فالجنس أو الجنسانية كثيمة ربما تكون موضوعا لنص أو كتاب تتناوله أمرأة أو رجل، لكنه لا ينسحب على بقية الكتابات الذكورية أو الانثوية في أضفاء أحدى الصفتين على أحدهما في تلازم قطعي أما أن يكون أدباً ذكوريا أو أدبا أنثويا ، وسنأتي لتوضيح أكثر في السطور القادمة. ما يهمنا هو عجز الدراسات النقدية الادبية من خلال تناولها أي نص أو كتاب مؤلفته أنثى أو مؤلفه ذكر أن يخرج بحصيلة نقدية قرائية مقنعة تمّكنه من وضع دعامات وأسس يفيد الاخذ بها في التصنيف الادبي، ومسألة الاصرار الاقحامي في أيجاد مثل تلك الاسس لا تخلو من أفتعال غير مجد(مجدي).

غالباً ما نجد تبادلاً في الادوار في تقمّص المرأة دور الرجل ، وتقمّص الرجل دور المرأة حتى أحيانا يتبادلان وضع الاسم على النص المكتوب أسما مستعارا لتمرير ما يعتقده كاتب النص من رؤى خاصة أو قناعات قد تستشير بعض شرائح من المجتمع وتستفزها ونجد المرأة تتكلم على لسان الرجل وتعبر عن أحاسيسه ونوازعه وغرائزه حسب مقتضيات النص وفروضه، وكذا الدور مع الرجل في تقمصّه دور المرأة مثلاً في الكثير من شعره ، والشاعرة تتقمص دور الرجل على لسان أنثى.

 الجنسانية الثيمة الذكورية والانثوية:

نصل الآن الى القاسم المشترك الذي يجمع الادب الذكوري والانثوي في استخلاص من عرضنا السابق، أن تسمية الادب الذكوري والادب الانثوي خطأ اصطلاحي دارج، ونحن هنا نأخذ بهذا التقسيم في تجزئة التسمية لمقتضى سياق الدراسة فقط، فنقول وبلا تحفظ أيضا أن القاسم المشترك الذي يجمع غالبية المؤلفات الذكورية والانثوية الادبية، الموضوع وليس الهوية هو الجنسانية والجنس، سواءٌ في الشعر والقصة والرواية تحديداً هو الاشتغال على موضوعة الجنس بكل تفرعاته وممارساته وفي مختلف جوانب تناوله أدبياً ، الحب ، الغرام، الغزل، العلاقات الجنسية، والممارسات وارتباطها بالاسرة والمجتمع، وما عدا الرواية نجد ” كماّ” شعرياً كبيراً يتخذ من الجنس  مرتكزاً ثابتاً سواء في المنتج الشعري الذكوري أو الانثوي ، فتجد الرجل يتغزل بالانثى وتعرية مفاتن جسدها، واثارة غرائزها بدءاً من عيونها وشعرها ووجهها ونهديها، وصولاً الى ما تحت سرة بطن المرأة وأردافها وغنجها ودلالها وانوثتها الناعمة، حتى في المشية وأحيانا ينحدر الشاعر أو السارد القصصي والروائي نحو المحظور في التعبير.

ونجد بالمقابل ثيمة جنسانية  المرأة في الابداع واضحة بالاحتفاء المحترق بالرجل بدءاً من الفحولة الذكرية، ومقبولية الوجه وتقاطيعه، وكلامه الناعم مع المرأة، والخشونة الذكرية المرغوبة في حدودها المقبولة لدى المرأة، وتأجيج عاطفة القبل، ويتفرع الجنس في العلاقة الزوجية ومحاولة المرأة الاستحواذ على الرجل الذي تحبّه بكل المغريات والاحتفاظ به تحسّباً من وقوعه في ورطة الخيانة الزوجية، بعكس ذلك ذكوريا تصور لنا بعض الكتابات أستماتة الرجل في الغيرة على زوجته التي تتمتع بقدر كبير من الجمال ، وقدرة المؤانسة المثيرة بمفاتن جسدها، لئلا يفقدها وتسقط في وحل الخيانة الزوجية كذلك.

أذن ثيمة الجنس أصبحت موضوعاً جوهرياً مشتركا في الادبين الذكوري والانثوي، فأشعار نزار قباني الغزلية الجنسية في المرأة وتعريتها من ملابسها الداخلية، والذين أقتفوا أثره، ونهجوا منهجه التقليدي الجنسي من شعراء وادباء اصبح لديهم ثيمة الجنس مرتكزاً بؤريا جوهريا في المنجز والنص المكتوب شعريا وسرديا, فهو الذي يستقطب القارئ ويشده الى النص المكتوب المقروء والمشاهد ايضا، والشيء ذاته نجده لدى شاعرات اتخذن ثيمة الغزل والجنس مجاراة للميراث الشعري الذي تركه نزار قباني وآخرون، مع فارق يظهر أحيانا في تقمّص دور الانثى من قبل الذكر، وبالعكس وابرز مثال هو ما فعله نزار قباني في قصائد عديدة له كتبها على لسان المرأة لعل اكثرها ذيوعاً قصيدته المغناة من قبل نجاة الصغيرة وتلحين الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب قصيدة “أيظن”وغيرها عديدات من قصائد غنتها نجاة لنزار قباني وهو يتقمص دور المرأة جنسياغزليا.

وفي هذا التبادل المزدوج في التقمص – كما في السينما ربما أكثر- ينعدم بشكل تام أمكانية تجنيس الشعر الى ذكوري وآخر أنثوي كهوية وليس كموضوع فقط. ونجد اليوم تسابقا حثيثاً في مجال أدخال موضوعة الجنس في المنتج الادبي شعراً وقصة قصيرة، ورواية وحتى في الفنون التشكيلية . وعن هذا التوظيف للجنس في الاعمال الادبية كمرتكز بؤري درامي أستطاعت بعض الروايات حيازة مراتب عليا في رواج الاكثر مبيعا وانتشاراً قرائياً في التداول.

نموذج الجنس الاباحي المعلن والخفي:

رواية كتبت لصاحبها ومؤلفها الطيب صالح ” موسم الهجرة الى الشمال” نالت نجومية ادبية عالمية ولاقت رواجا عربياً وترجمت الى عدة لغات أجنبية فتحت باب تناول الجنس المكشوف كموضوع أثير في الرواية العربية، وأن كانت رواية الطيب الصالح تشتغل في معلن جنسي، على مستور خفي هو محاولة الانتقام الشرقي من الغرب المتحضر الذي كان مستعمرا مستبداً سارقاً لموارد وثروات البلدان المتخلفة الفقيرة. وقل مثل هذا في تناول القاص السوري زكريا تامر في قصصه الجنسية المثلية والشذوذ الجنسي والاغتصاب وبعض شعر عدنان الصايغ يأتي في نفس البوح الجنساني والاباحي الشاذ ، وفي صدد تناول الجنسانية بمختلف مظاهرها في الادب العربي ، نشير الى كتاب وادباء المغرب العربي امثال عبدالله الطايع، والشاب الكاتب هشام طاهر مواليد 1989 الذي حاز على جائزة افضل رواية مثلية لسنة 2013 والكاتب المغربي عبدالله الطايع هو اول كاتب مغربي عربي يجاهر بمثليته ، وأن محمد شكري أول من قدم المثلية في شكلها العادي، كما اشتغلت روايات محمد لفتاح ومأمون لحبابي وهشام طاهر على المثلية الانثوية.

ومن الباحثات الكاتبات اللواتي عبرن حاجز المحظور الجنسي الروائية المصرية نوال السعداوي ، والمغربية فاطمة المرنيسي ، واللبنانية غادة السمان، واكثر شهرة الآن الجزائرية الروائية احلام مستغانمي . ومؤلفاتهن لاقت رواجاً في المبيعات واقبال قرائي منقطع النظير.

نخلص من عرضنا السريع الذي مررنا عليه أن ثيمة الجنسانية الادبية التي يشتغل عليها الذكور والاناث من الادباء والكتاب والفنانين تلغي حدود ما يسمى أدبا ذكوريا وآخر انثويا من ناحيتي التجنيس الادبي ومن حيث جنسانية محتوى الابداع.

وثيمة الجنسانية  في الادب عالميا متداولة منذ قرون عديدة، ولو اننا نحن العرب وبلاد فارس والهند قديما سبقنا الغرب في هذا المجال الادبي في تناول الجنس والجنسانية في ابرز مؤلف خالد ادهش العالم منذ اكثر من ثمانمائة عام هو كتاب الف ليلة وليلة وحكايات شهرزاد وقصصها في الجنس والجنسانية لشهريار الذي أخذت عقله، ونجد الجنس العفيف او العذري في مؤلف ابن حزم الاندلسي طوق الحمامة، وفي اشعار الشريف الرضي، وابن الفارض المتصوف وابن عربي ورابعة العدوية في شعرها التصوفي الملّغز،وبعض كتابات الجاحظ في مؤلفه (القيّان( وكتاب كليلة ودمنة لابن المقفع ,ونزهة الجلساء في اشعار النساء للسيوطي ,  واشعار النساء للمزرباني. كذلك نجد في رباعيات الخيام الفارسية عملاً شعرياً خالداً يتخذ نزعة جنسانية وجودية. كما كان لنا السبق عربيا في قصائد الجنسانية الشعرية منذ امرؤ القيس وعمر ابن ابي ربيعة ، وتلاهما العشرات في العصرين الاموي والعباسي من شعراء الجنسانية والجنس ابرزهم ابي نؤاس وابي العتاهية، وبشار بن برد الاعمى فله قصيدة جنسية غاية في خلاعة تصوير العملية الجنسية بين الرجل والمرأة وابي فراس الحمداني وغيرهم كثيرون.

“والموقف المتزمت من الحب والعشق الذي عّبر عنه بعض المؤلفين العرب القدامى في رسائلهم وكتبهم كالغزالي الذي درس في مؤلفه آداب النكاح وكسر الشهوتين، عاطفة الحب والعشق عاداً اياها خروجا عن طريق الصواب، وأبي بكر الرازي الذي تعامل مع العشق بوصفه بليّة، ونصح بالابتعاد عنه وتجنبه ورأى انه حظ المخنثين واشباه الرجال والذين ليس لديهم اية مشاغل ، ولا يتبعون سوى شهواتهم التي يرغبونها في اشباعها بأي ثمنٍ ، اما ابن سينا فعدّه في جملة الامراض مثل اختلاط الذهن والهذيان والرعونة والحمق وفساد الذكر وفساد التخيل ، وداء الكلب ، والمنخوليا. في حين ان التراث الشعري والسردي والشبقي العربي يحفل بـ(كم) غزير من قصائد الحب والعشق والجنس والقصص الايروتيكية المثيرة، بل ان كتاب الشيخ النفزاوي “الروض العاطر في نزهة الخاطر” يعد واحداً من اربعة كتب اساسية في الحب الجنسي في التراث الكلاسيكي العالمي الى جانب ملحمة اوفيد (فن الهوى) والملحمة الفارسية (انانجارانجا) والملحمة الهندية (كاماسوترا) “([2]).

وبمرور الاعوام تراجعت عشرات بل مئات من الاعمال الخالدة التي اشتغلت على ثيمة الجنس العذري، قيس بن الملوح، جميل بثينة، ليلى الاخيلية وكثير عزّة وعلى ثيمة الجنس خاصة في العصرين العباسي الاول والثاني، بما عرف التشبيب بالجواري والغلمان.

ففي العاصمة بغداد ايام العباسيين والقاهرة ايام الفاطميين ، ومن بعدهم السلاطين ، نرى بيوتا للاثم تقوم ودورا للدعارة تشيد ونرى النساء الساقطات يقمن هذه البيوت باسم الدولة وفي حمايتها ونرى المواخير والحانات في عصر الرشيد والمأمون والمعتصم والمتوكل تنقلب الى دور للدعارة في العصر البويهي ، ثم يقّر ذلك الوضع الشاذ الغريب في بلد اسلامي كالعراق ، ثم تنتشر العدوى الى مصر الفاطمية فيذكر صاحب كتاب (الخطط) بيوت الفواحش التي كانت تجبى عليها الرسوم([3]) .

ويتحدث احد المؤرخين الانكليز عن هذه الفترة (العصر العباسي والفاطمي) فيقول : يمكنك ان تتصور الفساد الذي يحيق بالرجل والمرأة على السواء نتيجة سهولة الطلاق. وقد وجد في مصر عدد كبير من الرجال تزوجوا في مدى عشر سنوات نحو عشرين او ثلاثين زوجة كما ان هناك نساء لسن متقدمات في السن صرن زوجات لاثني عشر رجلا . او اكثر على التوالي، وقد سمعت عن رجال اعتادوا ان يتخذوا زوجة جديدة كل شهر ، فهو يختار من بين نساء الطبقة الفقيرة امرأة حسناء ، او امراة مطلقة ترضاه زوجا اذا دفع لها صداقا عشر شلينات([4]) .

وبرزت ثيمة الجنس والجنسانية عالميا لدى العديد من عمالقة الادب العالمي ، بعض هذه الاعمال قامت بتسليع جسد المرأة جنسيا، والوصول بالجسد الانثوي مراحل التسفيل الانحطاطي، وتعريته تماماً من اية قيمة اخلاقية او اجتماعية ترجمتها في نماذج من الاباحية الجنسية، وسأختار نموذجا واحدا في جنس ادبي هو الرواية، لكاتب ايطالي شهير البرتومورافيا، في أحدى أهم رواياته ” أنا وهو ” ويقصد بـ”هو” العضو الذكري ، ترجم الرواية الى العربية الكاتب المترجم الفلسطيني “وائل زعيتر” الذي كان مقيما في ايطاليا في السبعينيات من القرن الماضي ، وناشطاً سياسياً من أجل حقوق وطنه المغتصب فكانت نتيجة ذلك أغتياله على يد الموساد الاسرائيلي، كما فعلت مع الروائي الفلسطيني الآخر قبلهُ (غسان كنفاني) نشرت رواية “أنا وهو” دار الاداب اللبنانية . استخدم مورافيا ثيمة الجنس الاباحي من منظومة الجنسانية، في تسفيل أمتهاني فاضح للحط من قيمة الجسد الانثوي، وجعل منه تسليعا حيوانياً ، بقرة تخور في شبق جنسي اثناء عملية التسافد البيولوجي الايروسي, نظرة دونية لجسد المرأة. لا نجد مثيلاً تشبيهياً له، في ادنى قصص حكايات الجنس الماجن لدى بعض شرائحنا العربية، ولايوجد وجه مقارنة او مقياس باحتشامها عن تعابير البرتومورافيا، لكن يبقى في كل الاحوال حكمنا على الرواية حكما اخلاقيا شرقيا وليس حكما جنسانيا غربيا كما تناولها الكاتب الكبير جورج طرابيشي بالنقد الادبي -النفسي، وربما كتبت الروائية المغربية ثريا نافع روايتها (فضاء الجسد) بذات المنحى والمضمون.

ويصف الكاتب الايطالي البرتو مورافيا مشاعر صبي مراهق فيقول : كانت مسألة طبيعية ان يرى “اوجستنيو” امه تخلع ثيابها امامه ، وكان طبيعيا للغاية ان تنحني فوقه على فراش وهي في ملابس النوم الشفافة فيتدلى ثديالها من فتحة القميص ، ثم تطبع على جبينه قبلة. كل هذه اشياء مرت باوجستنيو في الماضي بصورة عادية جدا اما اليوم فلم يعد الامر في سهولة الامس ، فقد اصبح الغلام يطيل النظر الى امه وهي تستبدل ثيابها ويراقبها بشغف ، وهي تتزين عارية امام المرأة ويحدق فيها بمزيد من الرغبة وهي تخلع جواربها . كل شيء اصبح واضحا امامه بشكل مختلف تماما عن الامس ([5])

ولا يفوتني في ختام هذه الدراسة الاشارة الى الاسفاف الجنسي الشعري علىمواقع التواصل الاجتماعي  ذكوريا وانثويا متبادلاً. فهل يبقى لدينا بعد كل الذي مررنا عليه سريعا مسوّغا مشروعا حقيقيا في تساؤلنا اين هي الفروقات الادبية النقدية والفنية ما بين الادب الذكوري والادب الانثوي!؟ باعتقادي لدينا ادب عربي فقط، ومحموليته الانثوية أو الذكورية هي بـ”الاسم” لصاحب العمل الادبي فقط، وثيمة أشتغالهما المشتركة التي تجمع بينهما هو الجنس لاغير.

وقد يختلف الامر معنا في الآداب الاجنبية إذ توفرت لديهم مواضعات نقدية متفق عليها تقدم لكل جنس ادبي ذكوري او انثوي مميزاته الفنية الخاصة به، وهذا موجود ومتفق عليه عندهم على ما أعتقد.

علي محمد اليوسف /الموصل


([1]) د.فائز يعقوب الحمداني، الجسد صوت الروح ، بتصرف منا، صحيفة الاديب الثقافي ، بغداد، ع96، 2005م، ص24.

([2] ) عواد علي ، المسرح ومثقفو عصر التنوير في العالم العربي ، مجلة افكار الاردنية ، ص 19.

([3]) محمد عبدالغني حسن ، ملامح من المجتمع العربي ، دار المعارف ، ص 46 نقلا عن غالي شكري ، ازمة الجنس في القصة العربية ،ص 62.

([4]) أ.و.لين ، انجليزي يتحدث عن مصر ، ترجمة فاطمة محجوب ، كتب للجميع، ص46، نقلا غالي شكري ، مصدر سابق، ص64.

([5]) غالي شكري، ازمة الجنس في القصة العربية، مصدر سابق، الهيئة المصرية العامة للتاليف والنشر، 1971، ص58-59.

شاهد أيضاً

المثقف يكسر تابوها

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد.. ( مصر) هل كسرت أحد التابوهات ، فلا تزعم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *