الرئيسية / منشورات / مجلات / المقاربات الهلنستية في القرآن تصور حداثي أم ثورة تأويلية على الحرفية النصية؟ المفكر التونسي يوسف صديق نموذجا

المقاربات الهلنستية في القرآن تصور حداثي أم ثورة تأويلية على الحرفية النصية؟ المفكر التونسي يوسف صديق نموذجا

محمد بصري

بصري محمد 

باحث من القنادسة بشار الجزائر

التعارضات العامة والمقلقة منهجيا والتي تستدعيها الاختلافات المنطقية والأصولية بين المجاميع الفقهية والقراءات الحداثية للمقدس والقرآن عادة ما تتأسس على صراع ثقافي قديم تقليدي ليس وليدا للحظة الكرونولوجية الآنية، بل يمتد الى مفاصل زمنية في التراث او لنقُل يرتشف سخونة الجدال التنافري من خلفيات ثقافية وانتروبولوجية وسياسية هي بمثابة بنيات لاواعية حادة اخترقت  العقلين الديني والفلسفي بصورة مركبة وفاعلة ومؤثرة جدا. النص الديني المقدس هو احد اكبر المرجعيات الثقافية والفكرية والعقدية التي تُؤسس الوعي الديني الحضاري الاسلامي وهو يمارس سطوته الميتافيزيقية والغيبية، عندما ينهل من المتعالي في علاقة عمودية مع السماء وأفقية تتعاطى بواقعية مع سلوك البشر. آفاق هذه السلطة مثّلها وتوسمها الانبياء والبشر الصالحون. من حيث هم  حالة بشرية نادرة اصطفائية  تشريفية تنبئ عن المحجوب والمتواري من الحقائق في العالم الغيبي الذي يقبع في الهنالك . الانبياء وهم الطبقة الوسطى بين عالم ملائكي نوراني وطهراني وعالم بشري شبه مدنس لا يرقى الى الفضائل الميتافيزيقية ولا يستحوذ على نبل الملكوت الالهي أُوكلت لهم التبشير بالنصوص الالهية بما يسعها عقلهم ألخاص الذي اسماه  الكاتب العراقي حاكم ناصر من  جامعة الكوفة “بالعقل القداسي” وهو عقل نوراني يملك قوة الحدس العرفاني الذي ينهل من علوم وهبية لدنية خاصة لا يفقهها إلا خاصة الخاصة.


يمتلك النبي فرادة ميتافيزيقة ونزوع الهي فوقي وعقل فعال  في فلسفة الفيلسوف المسلم  الفارابي الذي يجعل الفلاسفة والأنبياء على خط تماس واحد

بعيدا عن الجدل الكلامي حول طبيعة النبوة والعلاقة بين الفيلسوف والنبي وربما البحث الابستيمولوجي حول النزعات الدينية داخل الخطاب العلموي المشبع بنمطية معرفية، تُعنى بالفواصل الابيستمية بين انواع الخطابات الذي لم تستسيغه الدوائر الفقهية المتوقفة ثقافيا في عصر تعطيل الاجتهاد كمقاربة تأويلية وتأصيلية لشرائع والأحكام  الدينية والواقعية. الثقافة الكلامية او ما يدعى اعتباطا الفلسفة الاسلامية أفرزت نقاشات ساخنة حول المفاهيم الدينية والنصية والحرفية بما يقترب الى  الاختراق الهيرميونيطيقي الاولي والمبدئي الذي شهد انتصاراته الاولى و هو يؤيد المقولات الفلسفية لكنه  للأسف  لم  يستمر بسبب  صراع الفقيه /الفيلسوف وبسبب تأصيل ممنهج وعبثي للعلاقة الصدامية بين المعرفة العقلية والمعرفية النقلية. هذا النمط البحثي الثيولوجي لو إستعان بالمقاربات الابستيمولوجية وفطن لها العقل في زمنها، لكان التواصل ممكنا بين الالة الفلسفية  والتوجهات المذهبية الفقهية التي تعتنق فكرة الثبات والسكونية التاريخية .وهنا نحن نستعير العناوين والموضوعات الفلسفية لتحتل مكانا شرفيا في الخطاب الديني .لان الابستيمولوجيا تقترب من العلم وتقايس بعض التصورات القادمة من وراء الاطروحات ألدينية لكنها في ذات الوقت هي مبحث وفيُ جدا  للحداثة والتنوير.ولا يمكنها ان تلعب لعبة العبور التاريخي الى الماضي التراثي ابدا هي استحالة منهجية ليس الا.

النبي يملك فرادة ميتافيزيقة ونزوع الهي فوقي وعقل فعال  في فلسفة الفيلسوف المسلم  الفارابي الذي يجعل الفلاسفة والأنبياء على خط تماس واحد وهو متأثر في ذلك بالمقولات الافلوطينية في مسائل الفيض والفيوضات .وكأنه يقرأ الحالة الميتافيزيقية وفق افق صوفي مشرقي عتيق جدا. تُنسب جزافا للفارابي تأويلات وتشبيهات متماهية مع  الفلسفات الباطنية التي اتهمت بالمروق عن الاصول والزندقة والتشكيك في النحل والدين . مفاده ان النبوة هي تخاطر وتلباتيا TELEPATHIE روحية تقوم فيه سلطة الوحي بالوساطة والمفارقة paradoxe  . وهي خاصية كل البشر الذين تخلصوا من بشريتهم المدنسة ووصلوا مراتب القداسة والصلاح.  الوحي كآلية ميتافيزيقية وشكل من اشكال المعرفة الباطنية المفارقة قد يحصل لطائفة من الفلاسفة الذين عانقت مخيلاتهم حجب الغيب والماورائيات وبلغ عقلهم درجة التجلي الغيبي   المنضبط قداسيا .الفيلسوف النبي الذي تشرّب من ماء الحكمة الازلي وتواصل مع الملكوت الاعلى قد تحقق في التاريخ وكشفت عنه اركيولوجيا النصوص والقراءات السيميائية للنص القرآني في اجتهادات الفكر الحداثي العربي يغدو الاسكندر المقدوني هو ذو القرنين ،هبة الهية وعلامة غيبية اشترطتها العناية الالهية بصورة اصطفائية لتبليغ الرسالة الى خراف الاغريق الضالة وهو ما  اورده المفكر يوسف صديق (1943)في كتابه الانتروبولوجي  الاجتهادي المثير للجدل “هل قرأنا القرآن ام على قلوب اقفالها””Nous n’avons jamais lu le C oran » »..

هاته الفئة الاستشرافية والنوعية من الكائنات العاقلة هي من تتحمل ثقل نقل النص الديني والغيبي .هذا النص الذي كان منجّما في السماء ليتحول الى قطعيات تحتكم اليها كل وقائع الارض والعالم والناس ويصبح ازاء كل نازلة مرجعية نصية وفقهية وفق تفويض الهي جبري  للرسل والأنبياء.

هذا التلقي فوق الطبيعي الذي انيطت به المؤسسة النبوية كمجال للتواصل بين عالم الاطياف والفيوضات والوحي وبين واقع متحرك موضوعي  لا يتأتى إلا داخل نصوص تتأبد وفق تشكل تاريخي مطلق وقديم بالمفهوم الكلامي وهو ينازع الحادث “الحدوث والقدم” . النص وهو يعبر مفاصل الحياة المشتركة بين الناسوت واللاهوت في شكلها الكلياني العام بين الانسانية  وتتولى مهمة تبليغه وحمله وتفسيره طائفة منتقاة من عالم الناس ..هل حُمّل مساحات ثقافية قديمة؟ هل إحتوت النصوص القرآنية مساحات هلنستية؟ القرآن وهو يستجمع الخبرة الحضارية والثقافية والنفسية للأمم البائدة والحاضرة  .هل  عرض انماطا من المعارف المشتركة بين الحضارات تتداخل وانطولوجيا المكان والحضور الفيلولوجي المكثف؟ هل بامكان القراءات الحداثية الاشتغال على النص القرآني  وفق نماذج تفكيكية وبنيوية  وسيميائية متقدمة في العلوم الانسانية والالانتروبوبلوجية؟

في مثل هذا السياق تندرج تصورات الباحث  والمفكر التونسي يوسف صديق الذي توجه بخطاب جديد يمتد عمقه الاستشكالي الى ضفاف اللغة والفيلولوجيا وأنساقها، في مقاربة مفاهيمية سيميائية جديدة لم يعتد عليها العقل التأويلي وهو يعاند التفاسير الفقهية في تحليلها البياني  واللغوي.صديق تلميذ الفقيه والأصولي الطاهر بن عاشور وابنه الفاضل العاشور  وابن فقيه ومكتبي  هو محمد الحفناوي الصديق صاحب اكبر مكتبة في مدينة توزر الجنوبية بتونس.الصديق الذي حفظ القرآن وتشربه صبيا ،  توسط فضاء رحبا في التأولية القرآنية بين محمد شحرور المحسوب على جماعة القرآنيين الجدد والفيلسوف الجزائري محمد اركون في تحديه الابستيمولوجي للترسانة الفقهية والتفسيرية وهو يخترق نماذج حرفية وفق نموذجه الاسلاميات التطبيقية. هل كانت مقاربة هذا المفكر موضوعية في استلهام التجربة الانسانية في الاقتراب من  حياض النص القرآني ؟ هل كانت مغامرة هلينستية تحاول مزج التراث النصي الاسلامي بقدماء الاغريق؟

يوسف صديق والمقاربة الاغريقية للقرآن (الاغريق وكتاب الله)

لا شك ان الارهاصات الاولى للحضارة العربية الاسلامية تدين بفضل جليل للقرآن الكريم .وهو النص الاولي المطلق المتناقل شفهيا والموحى به الى نبيه  الكريم محمد عليه الصلاة  السلام. وهو مزيج بين الخطاب الامري والوعظي والسردي والتاريخي الذي يحمل بين ضفافه نسقين متجاورين ومختلفين في ذات الوقت الالهي والإنساني. الزمني والقدري المطلق والنسبي .وهو ما اشار اليه يوسف صديق الذي يرى ان بعض الصور البيانية والبلاغية في القرآن هي تجميع لمعلومات وإشارات ورموز كانت موجودة في حضارات اخرى في كتاباتهم ومآثرهم ووثائقهم .لذا يقترح استرتيجيا جديدة في التواصل مع الخطاب القراني بالتماس مقاربة القراءة بدل التلاوة  التي دأب عليها التيار الفقهي التاريخي.او ما يسميه هو “امناء الذاكرة الشفوية” الذين تناقلوا النص شفاهة وكتابة وربما يعزو ذلك الى الظروف السياسية التي لازمت الخطاب الديني وأثرت فيه بشكل نافذ عبر استراتيجيات التوجيه .والتأطيرو الهيمنة والاقتصاد.

آلية الحفر الفيلولوجي المقارن باستحضار اللغات القديمة من ارامية و سريالية  وعبرانية  ويونانية “لغة بيطا  وغاما”  التي تتجانس وتتقاطع دلاليا ولفظيا مع العربية كلغة  منطوقة ومسموعة كما يؤكد اركون بأسبقية اللفظ المسموع على المكتوب النصاني الذي تحول الى تنزيل ثم الى مصحف في عهد الصحابي الجليلي عثمان بن عفان (ض).

“نسيان مزدوج هو ذلك النسيان الذي جعل العرب اولا يتجاهلون او ينكرون العديد من من اشكال الشراكة التي ربطت العقل اليوناني بثقافة عرب ماقبل الاسلام. يضاف اليه نسيان اخر، ذلك الذي نرى فيه جهلا وتنكرا في الغرب لمختلف العلاقات القديمة  بين العرب واليونان الذين لم يقتصر دورهم على انهم مجرد جماعات تزود ارستقراطيي مدينة ايفيز او اثينا بالعطور”1

النص القرآني اماط هالة من الجهل الدفين في كثير من التأويلات وحوّل سحابة الظلام التعطيلي والاقصائي الى  تفتح الامم على بعضها البعض .بل في تكاملها وتساوقها اللغوي .اللغة كخطاب وانطولوجيا ودزاين هي بيت الجميع. لم يعد مع صديق التفسير البياني والتصويري هو مصدر الدلالات القرأنية بل اركيولوجيا الحفر في المفاهيم هي التي تمد الباحث الهيرميونطيقي بفائض المعنى هذا  الاخير  يشبه رأسمال لغوي عابر للتاريخ مسكون بالوجد الحضاري  يتخطى الثبات السانكروني لينقل المفاهيم الكتابية وهي ترتشف اصولها وجينيالوجيا تكوثرها  من بعضها البعض. في التنزيل كما يرى صديق نجد آثار اللغة السريالية والآرامية.كما نتوقف عند الفاظ ومصطلحات غريبة عن لسان  العرب  المألوف والبدوي الاول عُربت بتصدرها سورا شريفة بل اكتسبت شرفا لغويا عربيا وهي  تتآلف وتتعاضد مع ما اوحى به جبريل الى النبي محمد (ص).

نقلا عن لقاء ونقاش اذاعي مع المفكر التونسي نادر حمامي. الاعجاز القرآني  في تصور يوسف الصديق هوان النص القرآني لا يكمن فقط في اعجازه البياني الحرفي بل في استيعاب شخصية محمد عليه السلام لثقافة ومعلومات العالم وهو الاعجاز بعينه .الحضور الكثيف للفلسفة في الدين والقرآن والتي لم يقدر ان بتمثلها كثير من فلاسفة الاسلام بل اشارت اليها جماعات باطنية سرية كإخوان الصفا .وربما لم يجد الفارابي والكندي الشجاعة الكافية للتصريح بها مخافة  سيف الاستئصال والإقصاء الفقهي المُسيس والمتعالم  فأشارا اليها في مدونات متفرقة خاصة المدينة الفاضلة والأفكار حول النبوة.

تجد المقاربة الحداثية لصديق في القراءة المتجددة للقرآن  زخمها الفلسفي وحضورها الثقافي والاكاديمي في الاوساط الفرنكوفونية وفي دهاليز السوربون والكوليج ذي فرانس  وأروقة  بعض الجامعات العربية لكن بحضور  نصاني  محتشم، لكنها تصطدم بمعارضة كبيرة تحت القباب وفي المؤسسات الشرعية والدوائر الفقهية وهو تعارض تقليدي قديم اعتادت عليه النقاشات التي تستظل بالمعارف النقلية والعقلية.الشيء المهم هنا والذي تتجاهله او تجهله بعض المؤسسات الفقهية التفسيرية التي تقدم ذاتها كنماذج للحراسة النصية والوصاية الحرفية ان هناك بحوثا متقدمة في الغرب خاصة الاستشراف الألماني كما اشارت ورقة بحثية للباحث  بسّام الجمل حول الدراسات القرآنية  أن المشتغلين على  النص الديني وهم يتدثرون بمناعة اكاديمية وحرية فكرية غربية حداثية عكفوا جليا على عملية تأصيل فيلولوجي لمفاهيم جوالة وقديمة جدا تجد جذورها في الارامية والاكادية القديمة.ضف الى ذلك كتاب “القراءة السريانية الآرامية للقرآن للمستشرق الالماني المتخصص باللغات القديمة والسريالية “كريستوفر لوكسنبرغ ” حول المساحات اللغوية للآرامية في النص المقدس.اضافة ايضا الى جهود جيفري آرثر في معجمه السريالي الارامي. وكلها تصب في فرضية الصديق حول الفضاء الهلينستي الاغريقي في القرآن.

ما أراده يوسف الصديق بعيدا عن لغة التبديع والتسخيفي والانكاري  الثقافي المحمل بأوهام المسرح والجهل المؤسس والنقاء الطهاري والمعرفي .اسهاماته لا تعدو كونها اجتهادات فكرية تحاول تخليص النص من سلاسل التراث الاقصائي الذي يتعمد تبني الوصاية على المفاهيم الدينية. ما يصرح به الصديق ان افكاره ليست الا تحريكا لماء تراثي  راكض من شأنها تقديم الثقافة القرآنية في كلينياتها وعالميتها وسيروراتها التاريخيانية التي تمتد جذورها في كل الثقافات .في الوقت الذي يصر بعض الحراس على محليتها باستحواذية واهية ووهم مركز .كتاب الله ملك للعالم والإنسانية جمعاء  وجاء لكل الناس وافقه هو الانسان في تمشيه التاريخي. السؤال لماذ الرفض غير المقنع و غير المبرر لاعتماد العلوم الانسانية والبنيوية والفلولوجية في القرب من كلام الله الابدي؟ عمتم مساء

المراجع

1-حاكم عبد الناصر موقف الفلاسفة المسلمين من النبوة. جامعة الكوفة العراق.

2-يوسف الصديق  هل قرأنا القرآن ام على قلوب اقفالها ” تعريب منذر الساسي . دار التنوير الطبعة الثانية ص 157.

 3-  مجلة فكر وفن .. goethe instituكريستوف بورغمر يحاور كريستوف ليكسنبرغ القراءة الفيلولووجية للقرآن .ساعة التصفح  سا 19 و 35.

شاهد أيضاً

مجتمع الاستعراض: وسائل التواصل الاجتماعي بين الوهم و الحقيقة

التاه محمد حرمة  مقدمة:        ⁃     في ظل ما نشهده من إعلانات عن السعادة وما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *