الفلسفة والشعر

علي محمد اليوسف

مرت بي معلومة على الفيسبوك وجدتها تحتاج وقفة وتعقيبا,المعلومة تذهب الى جمع الفلسفة والشعرمعا,.وهذا الربط حاوله فلاسفة كبار لعل ابرزهم مارتن هيدجر الذي حاول دراسة الشاعر الالماني الكبير هولدرين الذي ختم حياته بالجنون, وقبله الفيلسوف الشاعر فيورباخ حيث صاغ بعضا من أفكاره الفلسفية على شكل شذرات يتعالق بها الشعر, ومثله نيتشة فعل المحاولة ذاتها في كتابه الشهير هكذا تكلم زرادشت ومن المؤكد أنه يوجد غيرهم حاولوا جمع لغة الشعر بالفلسفة.

 نجد هذا الربط الافتعالي الخاطئ بين الفلسفة والشعر يجري عندنا كسريان المسلمة الصحيحة الجاهزة بدليل أن شعر الزهاوي يصلح نموذجا لهذا الترابط ( هكذا بأصل المعلومة على فيسبوك). وبأمكاني اضافة خطأ آخر اكبر من عندي فاقول شاعرية المتنبي تدخل في هذا المنحى ويصح نعتنا له الفيلسوف الشاعر. تماشيا وتماهيا مع منحى ربط الشعر بالفلسفة ، فالمتنبي يطلق عليه شاعر فيلسوف وهو عين الخطأ في التعبير والمعنى المضموني في تكريس الخطأ المتداول والالتباس الشائع. ومثل ذلك نقول مع ابي العلاء المعري ويشار بن برد, وابي العتاهية, وزهير ابن ابي سلمى وغيرهم عديدين كانت في ثنايا شعرهم شذرات فلسفية من حكم ومأثور القول عند العرب, ليس هذا خطأ من أجتهادي ، وأنما هو خطأ بالمعيار الفلسفي المتواضع عليه والدارج في تعريف الفلسفة ومجالات اشتغالها، وهو المعيار الفلسفي الذي لا ينطبق لا على المتنبي فيلسوفا ، ولا على الزهاوي فيلسوفا ، ولا على اي شاعر آخر عرفته عهود البشرية أن يكون الشاعر فيلسوفا بالشعر, وليس بالمنطق الفلسفي الفكري التجريدي الذي يتناول مباحث الفلسفة ليس الشعر من بينها .

وقد عبّر الجاحظ عن ذلك بقوله أنه من اليسير أن تكسب الحكمة من أفواه الفلاسفة والحكماء, لكن أمور الشعر منفصلة عن أمور الفلسفة. وقال أيضا أن الافكار مطروحة بالطريق والعبرة بمن يجيد التقاطها أو بعضها ويبّز غيره بتناوله لها في التعبير عنها. من المعلوم ان مجالات الاشتغال الفلسفي ومباحثه ثلاث هي الوجود او الانطولوجيا والميتافيزيقا, والمعرفة او الابستمولوجيا, والقيم المجردة مثل مواضيع الاخلاق والدين والفنون والادب والجمال, وما يرتبط بها وغيرها ( الكسيمولوجيا).

يوجد فرق كبير أن تقول شاعر فيلسوف وتقصد به شاعر حكم واقوال مأثورة، وبين شاعر فيلسوف فلسفته ليس في مجال نظم الشعر وأنما بالدخول في معترك مباحث الفلسفة ،مثل فيورباخ ونيتشة وهيدجر, فهؤلاء عالجوا شذرات فلسفية بالشعر لكنهم كفلاسفة سلكوا منطق الفلسفة في معالجة مباحثها. وليس في معالجة بعض مباحث الفلسفة في التعبير عنها شعريا بالشعر كتجنيس ادبي. وخير تدليل على ذلك أن يكون ادونيس شاعرا ومفكرا لا بالشعر, وأنما بأعماله السردية الفلسفية وكتاباته الفكرية القّيمة بما يلغي حاجته أن يكون شاعرا مبرّزا مجدّدا في الشعر لوحده دونه الفكر, ومع كل ما أنتجه ادونيس من فكر تنظيري فاق به بعض مباحث الفلاسفة الا انه يبقى شاعرا كبيرا قبل كل شيء, وليس فيلسوفا بمعنى الاشتغال بمباحث الفلسفة وقضاياها المعروفة ، فهو أثبت تفلسفه في مؤلفاته سرديا وليس تفلسفه شعريا باعماله ودواوينه الشعرية, ولم يخلط بين الشعر كتجنيس ادبي والفلسفة كتجنيس فكري له اسلوبه الخاص في دراسة الوجود, ولم ينسب لنفسه نعت الفيلسوف .

بينما يبقى المتنبي العظيم شاعر حكم واقوال مأثورة في نظم الشعر فقط, كان المتنبي يكتب الشعر بلغة الفلسفة والحكمة ويترك لأبن جنّي أن يكتب عن فلسفة الشعرعند المتنبي في مأثور القول والحكم . ولم يدخل المتنبي مجال الفلسفة اطلاقا في المفهوم الفلسفي والمعرفي لا في الفهم القديم للفلسفة كماهي الحال مع فلاسفة العرب المسلمين القدامى الذين جمعوا اولوية الفلسفة على الشعر الذي كانوا ينظمونه ، ولا في المعيار الحديث في تناول قضايا الفلسفة ومواضيعها , باستثناء شعرهم في الحكم المأثورة ومأثور القول عند العرب وهي شذرات حكم واقوال في الحكيم من القول عند العرب ولم يعتبروا تلك الاقوال فلسفة, كما هي عند الفارابي والكندي وابن سينا مثلا.

الفلسفة ببسيط العبارة نسق فكري مفاهيمي لغوي معرفي منظّم يتوّسل المنطق العقلي الجاف الصارم الذي يستحضر رقابة العقل ورياضية التفكير باستمرار في السيطرة التامة على تنظيم الافكار والمعارف والمفاهيم والخيال واللغة بصرامة شديدة .

والفلسفة تماسك لغوي تراتيبي يبدأ بالكليات ويصل الجزئيات وهو اسلوب استنباطي ، او ينطلق من الجزئيات الى الكليات وهو المنهج الاستقرائي العلمي. هذا التماسك اللغوي المنطقي المعرفي بالفلسفة يتوخى الوصول بالمتلقي الى ( قناعة ) فلسفية ومعرفية او قيمية جمالية او اخلاقية, وهذا ما لا يتوفر عليه الشعر أبدا ، من حيث الشعر ليس من مهامه تكريس قناعات فكرية او حقائق في معنى الحياة والوجود والمعرفة ، وانما الشعر يسعى  تكريس وجدانات عاطفية مجالها النفس الانسانية وما يمور ويعتلج بها من عواطف الحب والفرح والحزن والغبطة والرثاء والفخر والهجاء والوقوف على الاطلال وغيرها من اغراض الشعر قديمها وحديثها ليس بالقياس في الشعر العربي بل وحتى العالمي.  

الفلسفة هي تكريس مفاهيم ومعارف وحقائق تخص الوجود الانساني في الطبيعة من حيث هو مبحث في التناول الفلسفي ، الشعر لا ينشد تحقيق مثل ذلك ولا من اهتماماته.. الفلسفة ربما تكون علما من العلوم التطبيقية الايديولوجية والسياسية بالحياة كما في الفلسفة الماركسية,اوالفلسفة البراجماتية العملية التي تبدأ ببسط القضايا والمواضيع والفرضيات وتتدرج باثباتها بالحجة القاطعة والبرهان العقلي التجريدي ليأخذ مجاله في التطبيق الميداني بالحياة. .وهذا ما لا يتوفر عليه الشعر ايضا فهو لايعظ الناس في تغيير الحياة او فهمها, وانما ينقل ما تمور به النفوس والوجدانات  من الحب والاخلاص والاخلاق والعواطف والوجدانات وغيرها من قيم, هي غيرها القيم التي تتناولها الفلسفة بشمولية المعنى بالاخلاق وعلم الجمال بمنطق الفلسفة وليس بلغة الشعر, التي يتداخل بها السرد السلوكي مع الفهم الفلسفي وقد يخلو تعالق الفلسفة بالسرد الادبي حتى على مستوى التعبير عن الجماليات .

والتدليل على ان الفلسفة مبحث من العلوم الانسانية ، والشعر فنا وضربا من الفنون وكلاهما بنية مستقلة بذاتها ، وانه من الخطأ الجمع بين الاثنين بدراسة معيارية نقدية أو تحليلية لغوية معرفية واحدة .

فمثلا كانت الرياضيات كعلم قديما متداخلة مع الفلسفة منذ افلاطون, وكان علم الرياضيات أحد مدخلات الفلسفة, ومرتكز أساس ثابت في التناول الفلسفي لدى عشرات الفلاسفة المحدثين في وقت نعلم فيه أن الرياضيات بعيدة عن مجال التناول الشعري ولو جزئيا فقط , بعد السماء عن الارض .

علما أن تداخل الفلسفة بالعلوم الطبيعية التجريبية على نطاق محدود أو مع العلوم الانسانية الوضعية لم يجعل المفهومين(الفلسفة – العلم) بلا دلالة استقلالية بحثية ومختبرية تفرّق احدهما عن الاخر وبقي العلم تجريبيا بينما بقيت الفلسفة منطقا عقليا او تنظيرا لا تسعفه التجربة العلمية ولا محاولة تطبيق الافكار الفلسفية على واقع الحياة بمختلف مناحيها.

اذن الفلسفة مبحث معرفي كباقي العلوم الانسانية وليس ابداعا ادبيا او فنيا تخييليلا يلغي رقابة المنطق والعقل في تغليبه نسج الخيال والعاطفة, وهو ما يقوم عليه الشعر.. . بعض قضايا الادب والفنون والجمال عولجت فلسفيا منذ سقراط وافلاطون وارسطو والى يومنا هذا كما عند هيجل وسارتر ودريدا وفوكو وبارت وعشرات غيرهم ، عولجت كقضايا تهم الفلسفة في تعالق معرفي ومفاهيمي معها, ولم تعالج على انها آداب وفنون مستقلة في مباحث الفلسفة . أو أنها فعاليات فكرية فلسفية أو مواضيع ومعالجات تتداخل فيها الفلسفة مع الاداب والفنون بالغاء الفوارق او بعضها بين الاثنين بنية الفلسفة وبنية الفنون او الادب ، فهذا متعذر مستحيل .

ولقد عمد ألان باديو في كتابه(بيان من أجل الفلسفة) الى إرساء تقاليد الكشف والابانة عن استقلالية النص الفلسفي رغم كل محاولات ادماجه في العلوم الاجتماعية او السياسية او الاداب.(نقلا عن علي رسول/موقع المثقف الالكتروني/6/6/2018).

الفلسفة لغويا جنس من أجناس العلوم الانسانية قائم بذاته كبنية معرفية لها مجالات اشتغالها ومحددات مواضيعها ، والفلسفة مناهج ونظريات تكرس جهدها لتفسير الحياة والانسان والوجود والموت والحرية والتاريخ والكون والجمال والاخلاق والسياسة الى آخره وكذلك مواضيع الميتافيزيقيا واللاهوت سابقا . ولا بأس من التذكير ثانية ان ميزة الفلسفة انها منطق عقلي ومتخيّل صارم في اللغة ، ومنطق تجريدي في حضور رقابة العقل على التفكير ، ومنطقه الفلسفي شبه الرياضي في البرهنة على صحة منطلقاته وفرضياته متوخية أن تقود الوصول الى قناعات تهم الوجود الفردي للانسان ، والوجود الانساني كنوع في تعالقه الانطولوحي مع الطبيعة والميتافيزيقا.

بينما نجد الشعر كضرب عاطفي متخيّل من الفنون القولية يغيّب عنه فاعلية وحضور العقل في وصايته على اللغة الشعرية بخلاف الفلسفة في منحيين : الاول منحى انعدام تماسك وانسجام الترابط التناغمي المنظم بلاغيا ومنطقيا في اللغة الشعرية ، فالشعر يعمد الخروج على النظام اللغوي المفهومي التداولي  الذي ادرجناه قبل قليل ، فهو- الشعر –  يعمد الى تفكيك النسق اللغوي ويقوّض انسجامه المنظّم الى حد يصل الغاء السياق اللغوي المتعارف عليه في لغة التواصل والتدريس والمؤلفات في مختلف العلوم الانسانية وغيرها من مجالات . والمنحى الثاني ان الشعر هدفه اولا واخيرا تفعيل العواطف والوجدانات والاحاسيس على حساب تغييب رقابة وحضور العقل في الوصاية على اللغة .

وأختم بالقول في هذه المداخلة السريعة تعريفي للحداثة الشعرية في تقاطعها مع الفلسفة كعلم اني وضعت تعريفا للشعر ما بعد الحداثي ما نصه: الشعر الحداثي وما بعد الحداثة المعاصر هو تهويم لغوي بلاغي، غير مبرمج، أو منمّط بنائيا وشكليا، وهذه الفوضى الخلاقة مجازيا تسعى من خلال طغيان توظيف الخيال والتخييل الذي هو ضرورة قصوى في / من مقومات الشعر الحقيقي، إلى الغاء حضور منظومة الأفكار العقلية الدارجة في كل ضروب المعرفة والفلسفة منها في منحيين، كلاهما ليسا في صالح بناء الشعرية، لكنهما مفروضان حداثيا، المنحى الاول هو أن الشعر ما بعد الحداثي ألغى دلالة اللغة المحلية اليومية الواقعية الاجتماعية من حياتنا، والمنحى الثاني أن طغيان المخيال الشعري غير المنضبط بنوع من العقلانية يلغي منظومة الأفكار العقلية كلغة استعمال توظيفي تواصلي خاص بالفعل الابداعي، يحتاجه الشعر، فاضحى الشعرالعربي وحتى العالمي الآن هو تداعيات اللاشعور في وصاية ضبابية كابية للعقل في تنظيم عقلانية النص، كي لا يدخل الفوضى اللغوية من أوسع ابوابها، في غياب التنظيم الدلالي والجمالي للنص. وفي هذا كله وغيره لا تبقى للشعر علاقة تجنيس تربطه بالفلسفة.

                     علي محمد اليوسف/الموصل

شاهد أيضاً

المثقف يكسر تابوها

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد.. ( مصر) هل كسرت أحد التابوهات ، فلا تزعم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *