الرئيسية / منتخبات / عامة / ازمة الذاتية والهوية وإشكالية الانسان الهووي الأخير

ازمة الذاتية والهوية وإشكالية الانسان الهووي الأخير

 بقلم بصري محمد مفتش التربية الوطنية  القنادسة بشار الجزائر

           
طالما أرقني سؤال محير جدا يتشكل نسقه الفلسفي حول : هل أزمتنا هي ازمة هوية ام وجود ام ذاتية ؟ او على الاقل تبسيطا للمسكوت عنه في السؤال ..هل صراعنا الابدي هو إثبات لانتمائنا الحضاري وتكويننا الاجتماعي وأصولنا التاريخية ام انه علامة حضارية إستوعبت التغيرات التاريخية لإثبات الذات امام الآخر،  بمعنى أن الاسلامي الذي يناضل من اجل مشروعه الديني والثقافي وهو مسكون بأوهام القبيلة والعشيرة والطائفة ، ليس إلا كائنا يبحث عن هويته او إنسانا يريد تحقيق نموذجه الهوياتي . وهذا ينطلي على القومي او البعثي الذي يشرعن  لانتمائه الجيني والعروبي من خلال  رسم حدود الدولة الوطنية وهندستها بتشكُل توليتاري شمولي يفرض فكرة التهوي بالموازاة مع عنف السلطة والدولة؟؟ انه نمط من التسول داخل أروقة تاريخ الانساب لإثبات عقيم للذات .لم افهم هذا التماهي المنسحب  إلا بعدما قرأت مقالا للفيلسوف فتحي المسكيني “فشل الحوار بين الهويات..او هل نحن هوية بلا ذات ؟؟   إننا أحيانا ننتصر للجينات والبيولوجيا وروابط الدم التقليدية على حساب مشاريعنا الثقافية والدينية  والعلمية  .”  اي البحث عن الماهية  عن الجذور و الجنيالوجيا الاولى وفق مشاريع انسحابية من التراث المعلن وأحيانا المفلس. ربما تفطن فتحي المسكيني  بحسه الفلسفي وجروحه المدنية  والثقافية لبعض أسباب البلاء والأوجاع المستعصية وجوديا في سبيل بناء دزاين عربي على شاكلة الدزاين الهيدغيري،  لكن في غياب بلسم حضاري وجودي وتحت حالة تراجع كلي للوعي الجماعي. لم نصل بعد درجة الشعب ولم نُؤسس لمفهوم الحرية  فلسفيا وكونيا بعد. نقلا كن كتابه ” الهجرة الى الانسانية ” ان الحرية رهان معياري نظري لم يؤهلنا بعد الى دخول فضاء التحرر لان كل المفاهيم النظرية حول مجتمع الحرية والمعرفة والتقنية هي اوهام وترف فكري نتسلى به فقط  حسب المسكيني . من الغباء الوجودي ان نعتقد اننا بمراسنا السياسي والاجتماعي الحالي قد بلغنا مرحلة التأسيس للمجتمع”ان كل المكاسب التفكيكية لجيل فوكو _ تفكيك الذات والاله والمعرفة والسلطة والقانون والسيادة والحرية …هي ترف فكري لا يمكن أن يعني شعوبا لم تصبح مجتمعات بعد فحيثما توجد نزعات هووية لا يمكن ان تندلع معارك تفكيكية .1

 .احيانا نحارب قناعاتنا وتوجهاتنا وأفكارنا بصورة مفجعة ومضحكة .نجيد فن القهقهة الحضارية نحن نتسلى داخل مجتمع الملة بالانخراط الغيبي في مشاريع قدرية تقبع في المستقبل.اشكالية الخلافة وهي الارهاص الميتافيزيقي لشكل الدولة السعيدة التي يجب ان تتحقق بين ضفتين وعالمين عالم الناس هذا وعالم آخر معالم رسمه محددة بنصوص مبجلة ومحفوظة في الغيب..لكن بدون وعي وشعور منا.بعد الحرب العالمية الثانية تنبه الالمان الى ان كوارثهم الانطولوجية ومُعكرات صفوهم التقدمية وخطاياهم التقليدية التي تنبع من  مشكلاتهم الهوياتية.. الالماني النازي البائس كان يريد ان يثبت للعالم انه قوي من اصول آرية ونقية، له فرادة الباسماركي المتعالي واللوثري الخالص حين تتجانس الاثنية مع التعصب الديني تنتجان حدسا جافا وصقيعا عنصريا..حينها استخدم الالمان النواة والتقنية والآلة الاقتصادية  لطحن البشرية و الذات من اجل حلم هوياتي قومي لم ولن يتحقق. كذلك الشأن  بالنسبة للقوميين والعلمانيين وحتى الملحدين وجماعات الرفض من اجل الرفض و الاقوام التي تنام فوق اسرتها التاريخية العتيقة ودعاة النضال التروتسكي والرؤيا الكابوية الشيوعية .مزيج بين العقائد السياسية والثقافية واللائكية والسلفية التي تمتطي صهوة ساخنة من بالونات الاختبار الاديولوجي. ما لم يفهمه الحفاة العراة الذين انتقلوا الى اقاصي الدنيا وما بعد البحار ونقلوا هواجسهم ونفاياتهم القبلية  ومشاكلهم العشائرية  وحروبهم ومآزقهم الهوياتية الى الغرب هو ان هذا الاخير غسل يديه من كل مشاكله الانطولوجية وغير مُستعد للالتفات الو الوراء. لن ينصت لمن يُذكره بحُفره وكبواته وثقوبه القرنوسطية حيث عشعش الظلام والبوم. ولسان حاله يقول من لا يقبل بهذه الحضارة فليعد القهقرى الى  المغارات وعصر كهوف كرومانيوم. عندما تُمعن النظر في من حولك وهم يتضاغطون بسلبية  ويقاتلون بعضهم ويسحقون عظام  بعضهم  البعض .سبا وشتيمة وتشفي وإقصاء  ولعان يومي وتكفير وحتى قتلا تافها وعادة “قتل على الهوية” او تحت مبررات قداسية  .هذه الصورة السريالية المأساوية العقيمة المتردية من اجل ماذا؟؟.ان تثبت هويتك او حضورك الهووي بتعبير المسكيني. او تشنجك الاديولوجي العقيم وتصحرك الفئوي الضيق او فكرك القبلي الرجعي .على حساب ذاتيتك الحضارية. هذه الذاتية التي تجمع الكل من اجل هدف وغايات كونية.وليس غايات الاسراف العرقي السخيف .لايتأتى هذا الى بالعودة الى مصادر الذات وفق فهم عقلاني دقيق بتعبير المفكر التونسي المسكيني.

النزعات الهوياتية او الهووية حالات خطيرة تهدد المجتمع المدني بل تهدد الحداثة.ان تركن قاطرتك الحضارية في مرآب القبيلة والجماعة والعشيرة ومجتمع الملة المنغلق والأسرة النبيلة والنسب العريق هو ضرب من الخبل اللاحداثي. كل الافاق الاقتصادية والسياسية والثقافية يهددها غول الهوية . ليس كون الفرادة والانتماء خطر فقط ؟ لكن الاستغلال والتوظيف المشبوه الايديولوجي والحزبي والسياسي لهذه المعيقات هو من يؤخر القاطرة ويجعلنا مجتمعات ما قبل الحداثة وما قبل ديمقراطية . كل ما فعلته الدولة العميقة التي تدعي الوطنية انها افسدت العلاقات السياسية العربية باستثمارها السفيه لمفهوم القبيلة والعشيرة والعروشية .ان تتهوى بمفهوم المسكيني هو ان تشترط لنفسك وضعا انعزاليا داخل جماعة اخلاقية او ثقافية او دينية او حتى لغوية.البشر اليوم ينخرطون في اوضاع كوسموبوليتيقة وكونية تعيد تجميع شتاتهم اثقافي واللغوي بفضل قراءات واعية لفلاسفة التنوير وما بعده في حين ازال العربي يعيش صراعه الهووي الاخير.

الانساينة وعقدة الحضور والانسحاب لصالح البنية..
ما يقوم به الانسان المعاصر يؤكد عبثية الحقيقة وعدميتها ويؤجج نهم انصار البنية .الحرب الطاحنة بين الواقعية والموضوعية بين الايديولوجي والانسانوي بين الوجود والميتافيزيقا.انتصرت البنية على المنتوج التاريخي للبشر انهيار القيم وانسحاب الاديان براهن على موت الانسان لصالح الاتجاهات العلمية حسب التوجهات  العقدية والطهارية  .بل ان بعض ابناء الحركات الدينية و الاسلامية كالمفكر الراحل عبد الصبور شاهين اثبت في كتابه الاخير “ابونا ادم” نهاية البشر وانهزام الانسانية في عقر دارها ليتحول البشر الى موجودات آيلة للزوال بفعل التطور والتكيف وهو يثبت بشكل لاواعي اطروحة كلود ليفي شتراوس في كونية الحضارة وعلميتها وانسجامها. ربما هي استفاقة انتروبولوجية متأخرة  نشأت بنحو هزيل في الخطاب الديني اللرافض للخيارات الانسانية في تواصله الثقافي مع انواع الخطابات الاخرى.الانسان انهزم لصالح اطاريح اخرى استعبدته الى درجة الاغتراب نحن نعيش اغترابا جديدا لم نعد في علم النفس التحليلي إلا مجرد كتل وتوقعات وردات فعل انعكاسية  لاواعية تنضح بالعقد والأمراض.  الانسان العقدة سيتحول الى بنية لاشعورية متمركزة في قعر اللاوعي..وفي علم الالسنية واللغات مجرد حيوانات ناطقة تعيش السخرة لفائدة النصوص والإشارات وفي العلوم الكهنوتية مجرد كائنات غيبية تعيش الينة ميتافيزيقية.الحروب والصراعات والعنف هي عنوان جديد لانفراط عقد الانسانية.

عمتم مساء ايها الفلاسفة.

المراجع

  1. فتحي المسكيني  – الهجرة الى الانسانية-  ص 250 منشورات ضفاف


شاهد أيضاً

المثقف يكسر تابوها

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد.. ( مصر) هل كسرت أحد التابوهات ، فلا تزعم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *