الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / الأسطورة والفلسفة .. الأخوة المفقودة أو في سؤال : من طرد الأسطورة من جمهورية العقل؟!

الأسطورة والفلسفة .. الأخوة المفقودة أو في سؤال : من طرد الأسطورة من جمهورية العقل؟!

منعم الامساكي

“كان حضور الميثة (الميتوس/الأسطورة) قويا إلى حد أنه يمكننا القول إن حضورها هو حضور البديل الذي يتدخل كلما أشكل الأمر على اللوغوس. بهذا الاعتبار تدخل الميثة خطاب الفلسفة وهو الذي يزعم التخلي عنها والقطع معها ليحسم أمر وجهته المغايرة لوجهتها”. “إذا كان هناك تاريخ للإنسان الداخلي مرتبط بتاريخ الحضارات، فينبغي علينا إعادة كلمة السر : Back to the Greeks (عودوا إلى اليونانيين)”.

*الكلمات المفاتيح :

الأسطورة/الميتة/الميتوس -الحكاية -الخرافة –  العقل/اللوغوس

La Mythologie/ Mythos/ le Mythe / Légende – le récit – le conte – la raison/Logos

*ملخص المقالة :

       يمثل الفكر، بوصفه الخصيصة المميزة للكائن البشري، التعبير الأعلى والأمثل عن قدرة الإنسان واقتداره على تشييد صروح علمية وحضارية، ولم يكن الفكر، في لحظة من لحظات تواجد هذا الكائن على هذه الأرض، حكرا على أمة بعينها أو عرق دون آخر، ذلك أن اشتراك البشر كلهم في عملية التفكير أمر بديهي كبداهة القائمة بالنسبة لمجموع زاويتي مثلث متساوي الساقين على سطح مستو، مادام المنطلق في هذا الحكم هو كون الإنسان عاقل بالتعريف. وعلى ذلك، فاختلاف الناس في مسألة التفكير هو اختلاف في الدرجة لا في الطبيعة، ومن ثمة فالإنتاجات النظرية مهما بلغت من البساطة و”السذاجة” بالنسبة إلى العقل العلمي اليوم فهي تظل حججا دامغة على وجود عمليات ذهنية، فكرية وعقلية مارسها الإنسان منذ البدايات الأولى في سعيه نحو القبض على أسرار هذا الوجود ودلالاته، وكذا فهم أبعاد هذه الذات المشدوهة أمام سر الطبيعة الأكبر، فكان من نتاج هذه العمليات العقلية الرفيعة أن أبدع القدامى صورا ونظريات في شكل رموز كان الغرض منها تقريب المعنى وتوضيح ما التبس على العقل من سنن الوجود. 

*على سبيل التقديم : 

درج الكثير من المشتغلين بالصنعة الفلسفية شرحا وتلقينا، في الممارسة الصفية أو عبر مقالات منثورة هنا وهناك، على تعزيز إحدى المسلمات الكبرى في تاريخ المتفلسفة القائلة بأنه بين الأسطورة والفلسفة تعارض لا سبيل إلى إنكاره، وأن الفرق بينهما فرق في الطبيعة لا في الدرجة فقط، بل يمتد تسليمهم بهذا القول إلى إقامة ثنائية ضدية تشكل الفلسفة طرفها العقلي والأسطورة حدها اللاعقلي، واصفين الفكر الفلسفي بالفكر العقلاني المنطقي العلمي، والأسطورة بالفكر الخرافي، بل باللاعقل واللافكر نفسه. ولعل منطوق جل الكتب المدرسية في المستوى التمهيدي يزكي هذه الثنائية بإمائه إليها تاركة المتعلم المبتدئ لقمة صائغة في فم جهابذة الحس المشترك (ليس بالمعنى الغاداميري) وأئمته، وعجين طيعة بين يدي من لا يكلف نفسه عناء التفكير في ما يصدر عنه خارج المسار المرسوم له سلفا.

ولأن الحدود في هذا المجال ملتبسة أصبحت الأسطورة بما تحمله من صور وترميزات ودلالات مرادفا للحكاية والخرافة رغم ما بين هذه الحدود من فواصل واختلافات. ولرفع ما نظنه خطأ فادحا و”بدعة” محدثة في أذهان بعض المتفلسفة، نلتمس في البدء وضع تعريفات للمفاهيم المركزية في مقالتنا هذه، ثم التدليل على بطلان دعوى الكثيرين فيما اشتملت عليه الأسطورة من أحكام القيمة وصور نمطية جاهزة، محاولين بذلك رسم صورة معقولة لنمط من التفكير له جدة وأصالة وفرادة لا تقل عن الفكر الفلسفي في شيء.

*في البدء كان :

لا تخلو حضارة من الحضارات السحيقة زمنيا من علامات وشواهد تعكس نمط عيش أهلها وطرق تفكيرهم وسلوكهم زمن السلم كما زمن المدافعات، وقد وصلنا بعض من هذه الشواهد واندثر البعض الآخر، ومما استمر إلى اليوم ملاحم أسطورية عريقة توارثتها الأجيال عبر ما يمكن تسميته بـ”نظام الإرث الشفهي” حيث لعبت الذاكرة دورا محوريا بوصفها الحافظ لهذا الموروث والضامن لاستمراره، كما استخدم القدامى طرقا أخرى أوصلت ماضيهم بحاضرنا وما فهموم بما استغلق على فهمنا كالنقش على الحجارة والجدران (الكتابات المسمارية-الهيروغليفية-…) بالإضافة إلى الرسوم مثلما فعل قدماء أرض الكنانة الفرعونية وما بين النهرين من حضارة بابل القديمة …الخ.

كل هذا الإرث الكوني والإنساني الذي تركه السابقون عنا يعبر أساسا عن عمليات عقلية رفيعة كانت تتمثل نظام العالم وطرق اشتغاله، وتؤرخ لحوادث طبيعية وإنسانية، تماما كما نفعل اليوم عبر نظام المذكرات والروايات والقصص القصيرة أو السينما ووسائل التواصل الاجتماعي …

ومن الغرابة أن نقف أمام هذا الموروث الكوني، سواء في شكله النحتي أو المكتوب نثرا وشعرا أو الشفهي، موقف الشامت المنكر من خلال اعتبار هذا الذي تركه القدامى ضربا من اللاعقل. هذه النظرة المحتقرة التي تبخس الأسطورة إلى أحقر الدرجات هي نفسها النظرة الصادرة عن أصحاب مركزية الثقافة التي تحدث عنها كلود ليفي ستراوسC.L. Strauss  معترضا. فإذا كان الإنسان عاقلا بالنحيزة فإن إنتاجاته الثقافية هي إنتاجات عقلية سواء تجلت في شكل موروث مصنوع أو مكتوب أو شفهي منقول. ولعلنا سنعود، في مقالتنا هذه، مرة أخرى لبيان الطابع العقلي في الأسطورة بعد بيان مشكلتنا معها وسبب موقعتها على النقيض من التفكير الفلسفي.

*في بيان الحدود وتقاطعاتها:

قبل عرض الفروق المفهومية في لغة الضاد بين الأسطورة le Mythe والحكاية        Le récit والخرافة le conte يمكن أن نلتمس بعضا من التحديدات الدلالية لهذه المفاهيم وإبراز تقاطعاتها وتعالقاتها، وذلك من خلال بيان العلاقة بين الأسطورة والحكاية من جهة وبين الأسطورة والخرافة من جهة ثانية. 

تلتقي الأسطورة، تداوليا، مع الحكاية والخرافة في جوانب كثيرة، لكنها، دلاليا ومفهوميا، تفترق عنهما، فإذا كانت الأسطورة في تصور الجمهور مرادفا للحكاية والخرافة بوصفها قولا يشير إلى ما ليس بمعقول (اللاعقل واللافكر) الذي وسم مرحلة من تاريخ البشر فإن المختصين في هذا المجال يسلكون في تحديدهم للأسطورة مسلكا آخر، من ذلك أن المؤرخ الفرنسي جون بيير فرنان J.P.Vernant يقيم تمييزا بين الأسطورة من جهة والحكاية من جهة أخرى؛ ذلك أن الحكاية مرتبطة بفئة اجتماعية معينة في لحظة تاريخية محددة، حيث تسعى الحكاية إلى أن تكون على علاقة وثيقة بأحداث يرجح أنها حدثت في زمن بعينه[1]، ويشكل الخيال عنصرا مهما في إنتاج الحكاية، أو لنقل نوعا من الحكاية، كالحكايات الأدبية التي يكون سردها من خيال مؤلفها ولا يشترط فيها وجود سند واقعي يؤكدها أو ينفيها إذ هي مجرد حكاية أدبية.

أما الأسطورة/الميثة فهي حكاية غير أن حكائيتها تختلف عما أوردناه عن الحكاية، والفارق بينهما يكمن في كون الميثة موغلة في القدم؛ أي تلتمس لنفسها التعبير عن أحداث تأسيسية أولى لتشكل العالم وصيرورته التاريخية[2].

ويذكر “فرنان” أن للأسطورة ثلاثة عناصر أساسية تضمن استمرارها عبر العصور وتشكل شروط تخليد الأسطورة وتحولها إلى ثابت محفور في الذاكرة ومحفوظ في التاريخ وهي : الذاكرة، المشافهة، التوارث.

ثم إن هناك فرقا حاسما بين الحكاية والأسطورة وإن تشابهتا، يتجلى في كون الأسطورة تسرد أمورا تتعلق بما هو كوني أو مشترك على خلاف الحكاية التي تهتم بسرد أحداث قريبة في الزمن وخاصة بأمة أو شعب معين نظرا للطابع التفردي الذي تحاول الحكاية أن تبرزه، وقد تتحول إلى أنشودة يتغنى بها قوم معينون وعلامة فارقة بينهم وبين الأقوام الآخرين في تحقيق الأمجاد والبطولات.

أما بالنسبة للخرافة فمصدرها من الخرف، وهذا الأخير معناه اندثار مَلكة التمييز بوصفها مَلكة مميزة للطابع العقلي عند الإنسان، وهو ما قد يحصل لقاء تلقي صدمة قوية على مستوى الجهاز العصبي المركزي أو مع التقدم في السن، وعموما تدل الخرافة على القول بأمر لا سند عقلي ومنطقي له، بينما الأسطورة تعبير عن عمليات ذهنية-عقلية متناسقة تراعي الدقة والتسلسل الزمني للأحداث، ولها منطق يقودها في سرد أحداث العالم، زيادة على ذلك أن “الميثة/الأسطورة” مشتقة من كلمة إغريقية هي “ميتيس” Métis التي تعني الحيلة أو الذكاء. معنى هذا أن الميتوس (الأسطورة) هو في ذاته لوغوس (عقل/خطاب عقلي) وهو يؤدي وظيفته في همة ونشاط مثلما يفعل عالم الرياضيات وهو يحاول حل معضلة رياضية في لحظة انشغال ذهني. هذا ما يؤكده جون بيير فرنان نفسه في مدخل كتابه الموسوم: “الأسطورة والفكر عند اليونان” بقوله: “(…) فسواء أتعلق الأمر بالأحداث الدينية (ميثات، كتب طقوس، تمثيلات مصورة)، أم بالفلسفة، أم بالعلم، أم بالفن، أم بالمؤسسات الاجتماعية، أم بالأحداث التقنية والاقتصادية، فنحن نعدها دائما كأعمال من صنع البشر، كتعبير عن نشاط ذهني منظم”[3].

* الأسطورة وجيرانها:

1- الأسطورة أو الميتوس:

تحيل الأسطورة في لسان العرب على ثلاث معان أولها أنها تدل على عملية الخط والكتابة والتسطير، ومصدرها سطر والسّطْرُ والسّطَرُ أي الصف من الكتاب، ويقال أساطير الأولين أي سطره الأولون، وواحد الأساطير أسطورة أي أحاديث وأحدوثة. ويقال سطّر علينا أن أتانا بأساطير، وفي التنزيل نقرأ : “نون والقلم وما يسطرون”، “وكل صغير وكبير مستطر”.

وثانيها أنها تدل على أحاديث قديمة مصدرها يكاد يكون مجهولا إن لم يكن مجهولا بالفعل، وهو ما يجعل الأسطورة، بحكم غموض مصدرها، في عداد الأحاديث الباطلة، يقال: سطّر فلان علينا يسطر إذا جاء بأحاديث تشبه الباطل. ويقال أيضا: هو يُسطّر ما لا أصل له أي يؤلف. وهذا القول الأخير يقودنا إلى المعنى الثالث الذي يحمله لفظ الأسطورة.

وثالثها أنها تفيد معنى التأليف أو التوليف؛ أي عملية مزج أخلاط أو عناصر من هنا وهناك بشكل عشوائي قد لا يكون بينها رابط سببي ضروري، وهو ما حذا بالكثيرين إلى اعتبار الأسطورة كلاما لاغيا لا عقل فيه من حيث أن هذا الأخير يلزم عنه الترتيب والنظام والتناسق والانسجام[4].

2-الحكاية :

نقرأ في ذات المعجم (لسان العرب) أن للحكاية معنيين تفيد في الأول التشبيه والتمثيل أي المحاكاة (كقولك حكيت فلانا وحاكيته أي فعلت مثله أو قلت مثل قوله (…) وحكيت عنه الحديث حكاية)، ما يعني أن الحكاية مرتبطة بالقول الشفهي على خلاف الأسطورة التي ترتبط بالتسطير والقول المكتوب. كما أن الحكاية لا تتضمن التطابق والمطابقة من حيث هي مجرد شبيه بالأصل وحكاية عنه. يقول ابن منظور مستفيضا: (حكاه وحاكاه، وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة، والمحاكاة المشابهة، يقال: فلان يحكي الشمس حسنا ويحاكيها).

وتفيد الحكاية في معناها الثاني الثبات في مصدر الفعل احتكأ الذي يعني ثَبَتَ (يقال احتكأ ذلك الأمر في نفسي أي ثبت، فلم أشك فيه، ومنه احتكأت العقدة). وفي كل حكاية تكون العقدة فيها ثابتا ضروريا يضفي عليها طابعها السردي، الحكائي والتشويقي الذي يجعلها ثابتة راسخة في أذهان السامعين، وهو ما يضمن استمرار تداولها من جيل إلى آخر مع إمكانية تحريفها من خلال الإضافة إليها أو الحذف منها ما دام أُسها يقوم على المحاكاة[5].  

3-الخرافة:

الخرافة مصدرها خرف، والخرف فساد العقل من الكبَر؛ أي الصدور عما دون العقل، ومن ثمة فالخرافة قول يفتقد للترابط، وهذا الأخير هو عمل العقل، وفي معنى هذا يقال : خريف وفصل الخريف وفيه تتساقط أوراق الشجر من عقالها، أي بعدما كانت مرتبطة بالأغصان، على الرغم من أن العرب يذهبون إلى القول بأن الخريف ليس اسم الفصل، وإنما هو اسم مطر القيظ (الحر)، ثم سمي الزمن به.

والجدير بالذكر أن كلمة خرافة في اللسان العربي أطلقت نسبة إلى خُرافة من بني عُذرة أو من جهينة الذي قال بأن الجن اختطفته ثم قفل راجعا إلى قومه يحدثهم بأحاديث مما رأى يُعجب منها الناس فكذبوه فجرى على ألسن الناس، ولذلك يقال حديث خرافة مما يصعب على العقل تصديقه.

ومنها نجد كلمة خروف وجمعها أخرفة وخرفان؛ أي ولد الحمل، وسمي كذلك لأنه يخرف من هنا وهناك أي يرتع، ومدلول ذلك أن صاحب الخرافة يستقي الخرافة بمسمعه من أماكن متفرقة دون سند يثبت صحة ما يدعيه[6]

مما تقدم، يمكن أن نقف عند النتائج المهمة التالية :

  • إن الأسطورة فكر، والفكر دليل على العقل، وهي إرث إنساني كوني، قد تتخذ في البداية شكلا شفهيا لكنها سرعان ما تتحول لإرث مكتوب، لهذا تظل الأسطورة محفوظة بفضل عمليتي الحفظ والتذكر ابتداء والتسطير والكتابة انتهاء.
  • –      بين الأسطورة والحكاية خيط رفيع جدا، ذلك أن الأسطورة تحكى في حين أن الحكاية لا تسطر.
  • تنتقل الحكاية شفهيا من جيل إلى جيل مما يزيد من احتمالية تغيرها وتشويهها سواء بالإضافة إليها أو الاجتزاء منها، في حين تحفظ الأسطورة من التشوهات بفضل تدوينها شعرا أو نثرا.
  • الميثة ليست خرافة على الإطلاق، ذلك أن الأولى فكر يلتمس تقديم تصور معقول عن الكون (إنتاج عقلي بصرف النظر عن نسبة حقيقته ما دامت هذه الأخيرة نسبية)، بينما الثانية أحاديث تحاول إبراز الطابع العجائبي في الحدث.

*عقلانية الأسطورة:

يقول المؤرخ الفرنسي جون بيير فرنان في كتابه : “الكون والآلهة والناس، حكايات التأسيس الإغريقية” مستحضرا كلام مواطنه الشاعر والكاتب والرياضي جاك روبو Jacques Roubaud متحدثا عن القصائد الهوميرية بأنها :”ليست حكايات فقط، بل تحتوي على كنوز الفكر والصيغ اللغوية والتخيلات الكونية والتعاليم الأخلاقية (…) التي تؤلف الميراث المشترك لإغريق العصر ما قبل الكلاسيكي”[7]. هذا القول بمثابة تعبير صريح عن كون الفكر الأسطوري الذي تلقيناه من ملاحم هوميروس فكر عقلاني صرف نظرا لما يتضمنه من تفسيرات للكون ولكيفية نشوئه وتكونه، بل إن القصائد الهوميرية تتضمن في طياتها حديثا في موضوعات عقلية نظرية وعملية من جملة معارف عصرها  كالفلسفة وآدابها، التاريخ، الطب، الفلك، الحرب، السياسة والحكومة، الدين، الفنون وسائر الأعمال والصنائع[8].

ورغم أن النظريات العلمية اليوم تقدم تفسيرات معقولة وقوية للعالم وظواهره بالاستناد إلى اكتشافات وأبحاث وتجارب دقيقة جدا بفضل التكنولوجيات الحديثة، إلا أن العصر القديم لم يكن أقل طموحا لاكتشاف هذا العالم ونظمه الدقيقة، وإن لم يكن بالإمكان الاعتماد على أدوات علمية تضاهي ما هي عليه اليوم، حيث يظل المشترك بين القدامى والمحدثين هو السؤال بوصفه تعبيرا عن قلق وجودي كالتساؤل عن أصل العالم ومواده وطرق اشتغاله، فتأتي التفسيرات بحسب السياقات النظرية ومدى تطور العلوم في هذا العصر أو ذاك. وعملية طرح السؤال عملية عقلية-إنسانية، ما يعني أن الكوسموغونيات والثيوغونيات هي أحاديث تنطوي على تفسيرات كان محركها أسئلة عقلية صرفة تبتغي رفع اللبس عما استشكل على فهم الإنسان.

فعلى سبيل المثال نقرأ في كوسموغونيا “هيزيود” Hésiode كجواب عن سؤال كيفية نشأة الكون وما يتفرع عنه من أسئلة وجودية منها : إذا كان الكون حديث النشأة فما الذي كان قبل نشوئه؟ ومم نشأ؟ وكيف؟ ولماذا؟ أنه في البدء كان “الكاووس” Chaos  أو “البيانس” Béance بوصفه خواء/فوضى/ضباب/مادة لا متعينة/… ثم تظهر “جايا” Gaia فـ”إيروس” Eros ثم “أورانوس” Uranus فـ”بونتوس”  Pontos وهي أسماء لآلهة تأسيسية كل واحد منها يرمز لشيء محدد، ف”جايا” إلهة الأرض والأم الأولى لجميع الآلهة ترمز لعنصر التراب، مثلما يرمز “إيروس” إله الحب والإخصاب إلى ما به يمكن أن يحصل اللقاء بين ذكر وأنثى لتوسيع النسل وتكثيره، و”أورانوس” إله السماء يرمز لعنصر الهواء، أما “بونتوس” إله البحر والمحيطات والأنهار فيرمز إلى عنصر الماء.

عندما نتأمل هذه الترميزات نجد أنها تعبير عن العناصر الضرورية لنشوء الكائنات في النظريات الكوسمولوجية والأنطولوجية القديمة من طاليس Thalès إلى إمبيدوكل Empédocle مرورا بأنكسمندرAnaximander  وأنكسيمنيس Anaximène وفيتاغورPythagore  وهيراقليط Héraclite وبارمينيدParménide  … فهذا يقول بأن أصل العالم ماء، وذاك يقول باللامحدود، وآخر بالهواء ، ورابع بالعدد، وخامس يقول بالنار، وسادس يقول بالثبات، وسابع يقول بها مجتمعة (العناصر الأربعة مضيفا إليها التراب، ما يسمح بتشكل ثنائيتي: الرطب واليابس/ البارد والحار) وفق مبدأي المحبة والنزاع … إلخ من النظريات القبسقراطية Présocratisme في الفلسفة اليونانية القديمة[9].

وإذا كانت هذه هي أولى بدايات الفكر الفلسفي الإغريقي فإن ما أنتجه الفكر الأسطوري لا يقل فلسفة وعقلنة عنها بوصفها نظريات رمزية تحمل داخلها شتائل تفكير سببي وإن بدا للعقل العلمي اليوم ذو طابع ثيولوجي أو سحري. وليس مجهولا هذا الطابع العِلي/السببي في التفكير الأسطوري؛ ذلك أن الفكرة التي كان يؤمن بها القدامى كمبدأ عام تقول بأنه لا شيء يخلق من لا شيء، وهو نفسه المبدأ الذي طغى على الفلسفة اليونانية كلها وشكل نقطة فصل بينها وبين الفكر الديني في العصر الوسيط إبان ظهور الديانات التوحيدية القائلة بقدرة الخالق على الخلق من عدم. وعليه فإن الأسطورة “هي الصيغة التعبيرية التي قالت بها الحضارة اليونانية نفسها بدءا، شعرا وإنشادا وقصا، ثم استعمالا وتوظيفا في خطاب الفلسفة ذاته[10].

*الأساطير ليست ترفا فكريا:

من النافل التذكير مجددا بأن الأساطير القديمة تحمل أبعادا فكرية هامة ودقيقة، وتعالج قضايا كونية وجودية ومدنية سياسية، وهذا يدل على القيمة الرمزية والعقلية التي كان يتمتع بها القدامى، أما تلك الاعتراضات التي يقدمها أهل الاختصاص والمتمثلة أولا في اعتراض بعض الفلاسفة أنفسهم أمثال اكسينوفانيسXenophanês  على كل من هوميروس هيزيود وإبيمينيداس Epimenidas والذي اعتبر أن أساطيرهم تقدم تصورا مبتذلا عن الدين والآلهة بحيث تضفي عليها صفات بشرية (التجسيم)، حيث نقرأ، تأكيدا لهذا القول، ثناء “تيمون” Thymôn عليه يقول فيه : “إنه اكسينوفانيس الذي لم يكن مختالا فخورا ولا مزهوا، بل كان منتقدا لأشعار هوميروس الزاخرة باللغو والخيال[11]، فالرد على ذلك يكون بتأمل السياق الذي جاءت فيه هذه الكتابات الملحمية، ذلك أن الأسطورة لم تكن في زمن الإغريق مجرد أسطورة وحسب، بل كانت مرجعا تاريخيا يؤرخ لتطور أنساب الآلهة والأبطال الخارقين عبر الزمن وتتبع مسارهم، عقباتهم، نكساتهم، نجاحاتهم، بطولاتهم وأمجادهم، فلم يكن هناك تمييز دقيق بين التاريخ والأسطورة[12]، وهذه الأخيرة كانت تؤدي دور التاريخ، والشاعر أو الناثر الملحمي هو مؤرخ العصر الكلاسيكي، أولا يعتبر هيرودوت Hérodote وتوكيديد  Thucydideآباء التاريخ وأوائل المؤرخين بالمعنى العام لمفهوم التاريخ !.

أما الاعتراضات المتمثلة ثانيا في الطابع اللاهوتي/الديني (صراع الآلهة/صراع الآلهة مع البشر) ففي ذلك نقول بأن وعي الإنسان وعلمه لا يشكل، مقارنة بجهله، سوى ومضة ضوء خاطفة في ليل سرمدي حالك، ها هنا يكون من البديهي أن تتشكل علامات الدهشة والذهول والاستغراب على ملامح العقل البشري ذي الصبغة التطورية، كما يكون من البديهي لهذا العقل التساؤل عما يرد عليه من مشاهدات وظواهر طبيعية واجتماعية، ولأن الجواب قرين السؤال، يبحث هذا العقل عن حلول مقبولة تروي ظمأه المعرفي وتشبع فضوله الغريزي المتمثل في رفع الغموض عما استغلق على فهمه، وبالنظر إلى البدايات الأولى للتفكير، فلا غرابة أن تأتي الإجابات عن الأسئلة الكوسمولوجية الكبرى على شاكلة ثيوديسا تشكل فيها الآلهة والأبطال الخارقون الإجابات التي تسحرنا بقوتها وإقناعها نظرا لمقدرتها على الفعل ولكونها الأسباب النهائية لما حدث وما يحدث، فنرتكن إليها بوصفها إجابات كافية عن الأسئلة المربكة. وإن كنا اليوم نباهي بإنجازات العلم وتقدمه فذلك راجع بالأساس إلى العمليات التصحيحية التي يقوم بها العلم نفسه في تقويم مساره من خلال نزع الطابع السحري عن العالم Désenchantement du monde، ومعلوم كذلك أنه كلما استطعنا أن نعرف أكثر أصبحت الأشياء التي ننسبها إلى الإله أقل، وهكذا يتقدم العقل في سيرورته من الدهشة إلى التساؤل مضفيا طابعا سحريا على إجاباته ابتداء، ثم يعود لتصحيح مساره بنزع هذا الطابع السحري من خلال الوقوف على الأسباب الدقيقة المتحكمة في إنتاج الظواهر، وما تاريخ العلم سوى تاريخ أخطائه كما يرى شيخ الإبستيمولوجيين “غاستون باشلار”G.Bachelard .

فما هو معقول ومقبول بالنسبة إلينا لا يمكن أن يكون كذلك بالنسبة للسابقين عنا، والعكس صحيح أيضا، إذ ما هو عين العقل بالنسبة إلى السابقين عنا نلحظه بلحاظ التخطئة والقصورInertie ، والحق أنه لا شيء من ذلك صحيح، فسواء بالنسبة إلينا أو بالنسبة إليهم لا وجود سوى لعمليات ذهنية وعقلية تتماشى والسياقات النظرية المطروحة ومع سيرورة تطور العقل البشري، فلا ديكارت Descartes يمكن أن يكون في زمن هيراقليط Héraclès، ولا ديدي كانتورD.Cantor  في مكان فيتاغورPythagore ، ولا فيتغنشتاينwittgenstein  وألفرد أير  A.J.Ayerمكان بروتاغوراس Protagoras  وجورجياسGorgias ، ولا كوبرنيك N.Copernic مكان أرخميدس Archimède، إذ الزمن الطبيعي يتدفق، ومع كل دفقة من دفقاته المتتالية يظهر عقل استفاد مما سبق ويؤسس لما سيلحق. وهكذا يمكن أن نقول، بنوع من الثقة، إن تاريخ العلم أشبه ما يكون بـ”حكايات التأسيس العقلية”.

وفي سياق الحديث عن علاقة الأسطورة بالعلم يقر الأنتروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستراوس C.L.Strauss أنه لا يوجد انفصال تام وقطيعة  ruptureبين المجالين، وأننا ينبغي أن نفكر قليلا في النظرة التي نحملها عن العلم اليوم خصوصا عندما نقارنه بالأسطورة، ذلك أن التفكير العلمي مهما بلغ من الدقة والتقدم والتطور فإنه مع ذلك لا يقدم لنا فهما شاملا لكل الظواهر، بل يتقدم بخطى حثيثة في كشف علاقات سببية بين ظواهر محددة ومحصورة في نطاق بعينه تنفيذا لإحدى قواعد ديكارت المنهجية منذ القرن السابع عشر القائلة بضرورة تقسيم المعضلات إلى أجزاء بسيطة ليتم حلها على الوجه الأنسب، فيما تمكننا الأسطورة من فهم أوسع لظواهر عديدة وعلى نطاق أرحب. يقول ستراوس في كتابه الأسطورة والمعنى: “وهكذا فإنه ليس هناك حالة من الطلاق بين الأسطورة والعلم إنها فقط الحالة الراهنة من التفكير العلمي التي أعطتنا القدرة على فهم ما هو موجود في هذه الأسطورة (…) والآن فإنني لا أريدك أن تعتقد أنني أضع التفسير العلمي والتفسير الأسطوري على أرضية متساوية، إن ما أريد قوله هو أن عظمة وتفوق التفسير العلمي لا يكمن فقط في الإنجاز العلمي والعقلي للعلم ولكن أيضا في الحقيقة التي تشع أكثر فأكثر وهي أن العلم قد أصبح قادرا على تفسير ليس صدقه الخاص وحسب، بل أيضا ما كان صادقا إلى حد ما في التفكير الأسطوري (…) إن العلم الذي كان ينظر من نافذة كمية صرفة خلال القرن السابع عشر وحتى القرن التاسع عشر قد بدأ يحرص على أن يدمج في الصورة تلك الجوانب الكيفية للواقع أيضا، وهذا سيمكننا دون شك من فهم العديد من الأشياء الموجودة في التفكير الأسطوري، والتي كانت عرضة للإهمال والنبذ في الماضي باعتبارها عبثية وبلا معنى[13].  

*هل تحولت الأساطير القديمة إلى موضة ثقافية:

ثمة دوما عودة ملحة إلى الميثة، خصوصا الإغريقية منها، في كثير من الأعمال الفلسفية والعلمية والأدبية والفنية، فهل هذا العود يجد مبرره في إضفاء طابع خاص على عملية الكتابة بوصفها موضة العصر أم أنها عودة من صميم العلم والرغبة في الفهم؟

ترد الكثير من أسماء شخوص أسطورية في الملاحم القديمة ضمن نصوص فلسفية وعلمية، بل وحتى في سيناريوهات سينمائية بوصفها مفاهيم مفاتيح تمكن من فهم ظواهر فكرية ومادية مطروحة في الساحة العلمية، أو لنقل، بتعبير آخر، إن الكثير من الباحثين يعملون في مشاريعهم العلمية على مفهمة Conceptualiser ما كان يعتبر ضربا من السحر والخرافة، من آلهة وأبطال خارقين، في أبحاثهم، فصار يبدو جليا أن ما نعتبره في مناهجنا الدراسية خرافة تم إدراكه بوصفه رمزا يحيل على تيمة أو قضية أكثر مما هو مجرد خرافة.

هكذا نطالع في كتب فلسفية خالصة من قبيل ما أنتجه فريديريك نيتشه  F.Nietzsche في كتاب “مولد التراجيديا” ثنائية الـ”ديونيزوس”  Dionysosوالـ”أبولون” Apollon )اسمان لإلهان في الميثولوجيا الإغريقية).

 وفي الأدب يكفي أن نذكر ألبير كامو A.Camus وعمله الشهير “أسطورة سيزيف”، ثم “مسرحية الذباب” لسارتر J.P.Sartre ورواية “كانديد أو التفاؤل” لفولتير M.de Voltaire …إلخ.

كما نطالع في مجال البيولوجيا حديثا عن الإيروس كاستعارة ميثولوجية لغريزة البقاء والاستمرار في الحياة، والتاناتوس تعبيرا رمزيا لغريزة الموت والتدمير والقضاء على الحياة.

وحتى في الرياضيات نجد في شقها الهندسي أن شكل الدائرة (أو ما يعرف بـ”الماندالا” Mandala) أخذ اهتماما لا نظير له في الطقوس الدينية والثقافية والأساطير القديمة بل وحتى في الأدبيات السياسية بوصفها رمزا كونيا خالدا، فهي عند أرسطوAristote  أكمل الأشكال، وفي فلسفة اكزينوفانيس نفسه جوهر الإله كروي الشكل Sphairoeidês [14]، وعند البوذية الدائرة الملتهبة رمز مقدس تتوسطه الإلهة “شيفا”Siv ، وهي حاضرة أيضا في الرمز الصيني المتداخل في انسجام تام Yang-Yin وفي المسيحية نقشت أشكال حيوانية داخل دوائر[15]، وفي الإسلام يطاف حول الكعبة في شكل دائري، وهي في السياسة وتدبير المدينة Polis رمز اللاسلطوية Anarchisme …إلخ

أما كتابات فرويد S.freud وغيره في ميدان التحليل النفسي فهي غنية بالمفاهيم المستقاة من الملاحم الأسطورية القديمة، وقد تم توظيفها توظيفا بارعا في الدراسات التحليلية للنفس البشرية Psychanalyse كعقدة أوديبComplexe d’Oedip  لفرويد وعقدة إلكترا Complexe d’electre لكارل غوستاف يونغ C.G.Jung…إلخ.

وفي الدراسات العربية نجد أعمالا رائدة للدكتور الجزائري محمد شوقي الزين M.Ch.Zin ينحو فيها نفس المنحى محاولا اسكناه الأبعاد الدلالية للمفاهيم الأسطورية والكشف عما يقف خلف الرمز الميتوسي، ففي دراسة له بعنوان “زمن الحياة اليومية” يتحدث فيها عن أهمية الكايروس Kaîros بوصفه قسما من لأنواع الزمن الثلاثة عند القدامى بالإضافة إلى أيون Aîon وكرونوس Chronos، وعلى ضوء الكايروس يحلل صاحب الدراسة زمن الحياة اليومية بوصفه زمنا أساسيا ولحظيا يتم فيه تدبير الوضعيات وصناعة القرارات واتخاذ المواقف بشكل سلس وآني[16].

أما في عالم الفن فالنماذج الدالة على قولنا هذا كثيرة، إذ يكفي أن نستقي عملا واحدا  في فن الرسم وآخر في عالم السينما.

 ففي الرسم عمل الفنان جان ليون جيروم J.L.Gérôum في لوحته الشهيرة “الحقيقة تخرج عارية” La vérité sortant du puits على تصوير الحقيقة على هيئة امرأة وهي تخرج من البئر عارية مستلهما في رسمه قصة أسطورية قديمة مفادها أن الكذب أوهم الحقيقة بأن ماء البئر عذبة رائعة واستدرجها للنزول فيه والاستمتاع بمائه، ثم سرعان ما صعد الكذب فارتدى ملابس الحقيقة وخرج من البئر وصار يلف العالم والناس تقبل عليه، فيما ظلت الحقيقة عارية محتشمة يشيح الناس بوجوههم عنها نظرا لعريها. معنى هذا أن الجمهور يتهافت على الكذب المتدثر بثوب الحقيقة فيما يعرضون عن الحقيقة نظرا لكونها تقدم نفسها عارية، شفافة وواضحة.

أما في عالم السينما فالعودة إلى الأسطورة باتت شبه ضرورية، ليس فقط من باب إضفاء طابع الإثارة والتشويق على أحداث مصنوعة ومحبوكة، بل أيضا من أجل العزف على تيمات وقضايا فكرية تشكل رسائل مشفرة للجمهور المتلقي، ومثالنا عن ذلك نستقيه من إحدى الأعمال السينمائية الشهيرة حيث يتعلق الأمر بالموسم الخامس من سلسلة “الهروب من السجن” Prison Breack التي وظف فيها مخرجوها أسماء شخوص وأحداث مستقاة من ميثولوجيا هيزيود Hésiode الإغريقية بدءا بالاسم الوهمي لبطل السلسلة “مايكل سكوفيلد” أثناء تواجده بسجن “أوجيجيا” Ogygia باليمن، حيث اختار اسم “كانيال أوتيس/أوليس”Ulysse ، ومعلوم أن “أوليس” بطل ملحمي في الأسطورة الإغريقية زوج “بينيلوب” Pénélope وأبو “تيليماك” Télémaque حكم مدينة “إيتاك” Ethaque، وكلمة “أوليس” الإغريقية تعني حرفيا : لا أحد، وهو ما جاء متناسقا مع الدور الذي أداه بطل السلسلة نظرا لإصراره في عدم التعرف على هويته بعدما زيف موته. ناهيك عن مشهد “صندوق باندورا” Pandora الذي تم إحداثه كخدعة لتوريط “بوسيدون” Posiédon (اسم إله البحر واسم شخصية محورية تريد النيل من البطل) داخل صندوق يحاكي في تصميمه المكان الذي ارتكب فيه هو نفسه جريمة قتل وعمل على تلفيقها لأوليس، تماما كالخدعة التي تلقاها شقيق “بروميثيوس” Prométhée المسمى “إيبيميثيوس” Epiméthée عندما قبل هدية الآلهة الخادعة المتمثلة في باندورا نفسها (باندورا هي أول امرأة بشرية في الميثولوجيا الإغريقية) وبقبوله باندورا، رغم تحذير بروميثيوس له، فتح صندوق الشرور على الجنس البشري عقابا لهم على استخدام النار وعقابا لبروميثيوس نفسه على سرقة قبس النار من الآلهة وإهدائها للبشر.

*وبعدُ :

إن الأسطورة بنت العقل، بل هي، فيما أجده، أكثر بنات العقل تجريدا وتعقيدا وترميزا، إنها فلسفة في الأشكال الرمزية، أو هي ميتافيزيقا الرمز والمعنى، لا يستطيع أن يخبر معناها إلى من توسل بالهيرمونيطيقا (مبحث معرفي سمي نسبة إلى الإله “هرمس” Hermés، رسول الآلهة إلى البشر، الذي كان مكلفا بالاستماع إلى قرارات وأحكام الآلهة في جبل الأولمب وتبليغها إلى البشر في العالم الأرضي وذلك عبر فهمها أولا ثم تأويلها وترجمتها من خطاب إلهي إلى خطاب يستطيع العقل البشري فهمه). إنها شيء شبيه بالعدد ( i ) في الرياضيات؛ ذلك أن الأسطورة عبارة عن رموز مقنعة بقناع الخيال، تفترض في طالبها قدرة لا بأس بها في التعامل مع الماوراء والكشف للنفاذ إلى عين العقل في الأسطورة، فالميتوس هو لوغوس في حد ذاته، أو بتعبير آخر، إن الميتوس لوغوس وقد تقنع بقناع الخيال واتخذ الرمز أداة لمقوله. إن هذا كله، في نظرنا، يؤدي إلى النتائج الثلاث الآتية :

الأولى : تهافت وسذاجة الأصوات القائلة بأن الفكر الفلسفي نقيض للأسطورة، ضاربين عرض الحائط إرثا كونيا، إبداعيا وخصبا، مليئا بالدلالات والمعاني، متناسين بذلك أن ما يشكل جوهر الفلسفة هو نفسه ما يشكل جوهر الأسطورة، رغم اختلافهما في سبل عرض مسائلهما من حيث إن الأولى تبتغي التوضيح والبيان والثانية تبتغي الترميز والتقنيع، وكلاهما عمليتان عقليتان خالصتان، ودافعهما واحد هو السؤال. وهكذا فالأسطورة شكل من التفكير لا يقل عقلانية عن التفكير الفلسفي، فإذا كان “إيريك فايل” E.weil قد اعتبر أن العنف سبب وجود الفلسفة فإننا نستطيع القول بدون مواربة بأن الأسطورة أحد أسباب ميلاد الفلسفة إن لم تكن أختها من الرضاعة العقلية.

الثانية : اعتماد الأسطورة وجهازها المفاهيمي في ميادين العلم والأدب والفن والفلسفة ليس ترفا فكريا أو “موضة” ثقافية، بل إنه ضرورة علمية تتمثل في الاستفادة من إرث يُنعت بهتانا باللاعقل، وكشف لممكناته وتوظيفها في حلحلة معضلات فكرية وسلوكية، وهذا يقوي من صلاحية النتيجة الأولى ويضفي عليها جدة ومشروعية متينتين.

الثالثة : ضرورة العودة إلى الأسطورة والنظر إليها بمنظور جديد يضع في حسبانه أنه أمام نصوص ملغمة، نصوص مليئة بالألغاز، مسننة avec des codes ومرمزة Symbolique، قد توحي بالأمر وتقصد غيره، لا كونها مجرد نصوص تعكس نمط تفكير طفولي متخلف يعج بالخرافة والسحر. إن الأسطورة ليست سحرا، ولم تكن يوما خرافة، إنها سنن Codes لا يتقن فن تشفيرها سوى الراسخون في العلم من أهل النظر، أولائك الذي يسلكون في تفكيرهم وفق المقولة التي كان سبينوزا B. Spinoza مدركا لأهميتها العلمية والعملية لما تنطوي عليه من أناة وتبصر وحصافة بوصفها مجتمعة جوهر الحكمة أو فرونيزيس Phronesis بالمعنى الأرسطي، إنها ببساطة شديدة مقولة «Caute» اللاتينية والتي تعني: “الحـذر”.

وختاما نقرأ في تصدير كتاب “الأسطورة والفكر عند الإغريق” ضمن الترجمة العربية عبارات قوية لا نجد بدا من إنهاء مقالتنا بها وهي كالتالي : “هل معنى هذا أننا ندعو اليوم إلى الشعوذة والتخلي عن مكاسب العقل؟ إن الميثة ليست شعوذة أو شعبذة كما يقول ابن خلدون. إن الميثة هي العمق التراجيدي أو المأسوي للعقل. والمأسوي ليس مرادفا للحزن والتسليم وقلة الحيلة، بل المأسوي فعل وفعل سياسي تخصيصا (…) إن المأسوي الذي تقوله الميثة هو الترجمة القصوى للمشكلات الأساسية المتعلقة بمصائر البشرية. إن المأسوي فجر، وللفجر دلالة البدئي، أو الأصلاني الذي معه كان البدء، وللفجر دلالة المقبل الذي تهل معه بشائر تحطيم كل الطواغيت التي لما يتعلم الناس أن (أرجلها من طين)”.

انتهى .

*المراجع المعتمدة:

1- أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، معجم لسان العرب، دار صادر، بيروت.

2- الأسطورة في الفن الحديث، محمد الرزاز، مجلة عالم الفكر، العدد 4، المجلد 40، يونيو، 2012.

3- بنتراند راسل، حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا، الجزء الأول، سلسلة عالم المعرفة، العدد 62، الكويت، فبراير، 1983.

4- جون بيير فرنان، الأسطورة والفكر عند اليونان، دراسات في علم النفس التاريخي، ترجمة جورج رزق، مراجعة عبد العزيز العيادي، مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، بيروت، 2012.

5- جون بيير فرنان، الكون والآلهة والناس، حكايات التأسيس الإغريقية، ترجمة وليد الحافظ، الطبعة الأولى، الأهالي، دمشق، 2001.

6- ديوجين اللايرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الثالث، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة محمد حمدي إبراهيم، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، القاهرة، 2007.

7- زمن الحياة اليومية، محمد شوقي الزين، مجلة الإمارات الثقافية، عدد 78، ماي، 2019.

نظرة الأثينيين إلى الأسطورة، محمد السيد محمد عبد الغني، مجلة عالم الفكر، العدد 4، المجلد 40، يونيو، 2012.

8- كلود ليفي ستراوس، الأسطورة والمعنى، ترجمة وتقديم شاكر عبد الحميد، سلسلة المائة كتاب، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986.

9- هوميروس، الإليادة، ترجمة سليمان البستاني، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة.


[1]  : جون بيير فرنان، الكون والآلهة والناس، حكايات التأسيس الإغريقية، ترجمة وليد الحافظ، الطبعة الأولى، الأهالي، دمشق، 2001، ص : 6 وما بعدها.

[2]  : هذا ما يفسر استخدام فرنان لمفردة الحكاية في العنوان الفرعي لمؤلفه : الكون والآلهة والناس.

[3]  : جون بيير فرنان، الأسطورة والفكر عند اليونان، دراسات في علم النفس التاريخي، ترجمة جورج رزق، مراجعة عبد العزيز العيادي، مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، بيروت، 2012، ص: 43.

[4]  : أنظر : معجم لسان العرب لابن منظور، المجلد الرابع، ص : 363 وما بعدها.

[5] : نفس المرجع السابق، المجلد الأول، ص : 85.

[6]  : أنظر : المرجع السابق، المجلد التاسع، ص 62  وما بعدها.

[7]  : جون بيير فرنان، الكون والآلهة والناس، مرجع سابق، ص : 8.

[8]  : هوميروس، الإليادة، ترجمة سليمان البستاني، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، ص ص : 51 إلى 55.

[9] : أوردنا أسماء الفلاسفة الطبيعيين وفق الترتيب الذي وجدناه عند بنتراند راسل B.Russell  في كتابه الشهير “حكمة الغرب”. أنظر : بنتراند راسل، حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا، الجزء الأول، سلسلة عالم المعرفة، العدد 62، الكويت، فبراير، 1983، صفحات : من 21 إلى 50.

[10] : جون بيير فرنان، الأسطورة والفكر عند الإغريق، مرجع سابق، ص : 15.

[11] : ديوجين اللايرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الثالث، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة محمد حمدي إبراهيم، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، القاهرة، 2007، ص : 115 وما بعدها.

[12] : نظرة الأثينيين إلى الأسطورة، محمد السيد محمد عبد الغني، مجلة عالم الفكر، العدد 4، المجلد 40، يونيو، 2012، ص : 8.

[13]  : كلود ليفي ستراوس، الأسطورة والمعنى، ترجمة وتقديم شاكر عبد الحميد، سلسلة المائة كتاب، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986، ص : 42.

[14]  : أنظر : ديوجين اللايرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الثالث، مرجع سابق، ص : 117.

[15]  : الأسطورة في الفن الحديث، محمد الرزاز، مجلة عالم الفكر، العدد 4، المجلد 40، يونيو، 2012، ص : 154.

[16]  : زمن الحياة اليومية، محمد شوقي الزين، مجلة الإمارات الثقافية، عدد 78، ماي، 2019.ص : 62 وما بعدها.

شاهد أيضاً

استشكال مفهوم العلم بصيغة غير صيغته الإسلامي

عبد الفتاح الحفوف عبد الفتاح الحفوف –  أستاذ باحث   مما لا شك فيه أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *