الرئيسية / منتخبات / أنشطة / معالم الحجّ نحو التفكير النقدي

معالم الحجّ نحو التفكير النقدي

رضى حليم

رضى حليم: باحث مغربي

أضحى التفكير النقدي من أهم الأسس التي تقوم عليها أغلب المجتمعات، التي تسعى إلى تحقيق العيش المشترك. الشيء الذي يجعل الفرد قادرا على الانخراط في واجب العلم والمعرفة، داخل وخارج حدود موطنه، بناء على احترام الخصوصيات والتنوع العرقي والمذهبي والثقافي، ومتشبعا بروح الاختلاف والحوار والتسامح؛ وخوصا عندما يوجد أفراد المجتمع الواحد ذوي معتقدات أخلاقية أو سياسية أو دينية متعارضة أو متناقضة، وأنه لا بديل أمامهم سوى العيش المشترك. فما هو التفكير النقدي؟ وكيف يمكن تحقيقه؟ ومن يحول دون بروز معالمه؟ وهل يقتصر على مجال دون آخر؟

يرجع أصل مصطلح التفكير الناقد «critical thinking»، إلى الكلمتين اليونانيتين: « kriticos » التي تعني الحكم الصحيح،  وكلمة « kriterion »، والتي تعني معايير ومقاييس، وهكذا فالأصل اللغوي للتفكير الناقد يعني الحكم الصحيح القائم على معايير معينة. وكما يعتبر التفكير النقدي” فن التفكير في التفكير”، أي تفكير المرء بغية جعل تفكيره أفضل؛ أي أكثر وضوحا، وأكثر دقة، وأكثر قابلية لأن يدافع عنه[1]

وكما أن هناك علاقة جوهرية بين العقل والتفكير النقدي والفلسفة، ويمكن استجلاء ذلك من أبرز الكتابات التي خلفها الفلاسفة والمفكرين على مر العصور، ولو أن أسس وسمات وآليات التفكير النقدي قد تختلف درجاتها من واحد لآخر؛ انطلاقا من مبدأ اختلاف المذاهب والتوجهات الفكرية، لكن، تبقى ملامح التفكير النقدي حاضرة.

فبالجوع إلى الحضارة اليونانية، سرعان ما نكتشف أن بواكير هذا النوع من التفكير تعود إلى الاستبصارات المبكرة “لسقراط”؛ من خلال منهجه المعروف بالتساؤل والحوار وفحص المفاهيم، و”كثيرا ما كان يوضح لنا كيف أن المتحاورين لا يقدمون مبررات عقلانية يسوغون بها مزاعمهم المعرفية الواثقة؛ إذ نكتشف مع “سقراط” أن المعاني الفاسدة، والاعتقادات المتناقضة، والشواهد المزيفة كثيرا ما تتوارى وراء الأسلوب الخطابي الرنان الفارغ من المضمون”[2]. وكما يطلق على هذا النوع من المحاورات السقراطية، اسم “التفكير السقراطي الناقد”؛ يركز فيه سقراط على ضرورة الحصول على الشواهد، وفحص الافتراضات المسبقة، واختبار صحة البراهين، وتحليل المفاهيم المتضمنة في الحجج؛ أي منهج الوضوح والاتساق المنطقي[3].

ولمّا كان الأفراد على مر العصور يواجهون -ولا يزالون -مجموعة من الحجج والرسائل في الحياة، عن طريق “المحاججة” التي تشكل “جوهر عملية التفكير”، “فهي القالب الفكري الذي تتحرك فيه استدلالاتنا من قضية أو قضايا ما إلى قضية أخرى”[4]، ويمكن اعتبارها “محاولات لإقناع والتأثير على المعتقدات والأفعال-من خلال منح الأسباب للدفع إلى التصديق بهذا أو ذاك، أو التصرف بهذه الطريقة أو تلك”[5].

وغالبا ما تكون هذه المحاولات والرسائل التي تسعى إلى الاقناع، عبارة عن حجج خطابية فقط، تقوم على أساس تهييج الاعتقاد والرغبة والمشاعر، باستنادها على قوة وصلابة الكلمات واللغة والبلاغة فقط، وتنقسم محاولات الإقناع إلى نوعين[6]: الأساليب البلاغية (الخطابية) والمغالطات. هذه الأخيرة التي تعتبر استدلال زائف قائم على الحجة؛ يستخدم بمعاني مختلفة، لكنه يشير بوجه عام إلى الاستدلال الذي يعتريه خلل لانتهاك قواعد المنطق “المغالطة”، إذن هي خطأ أو ربما “حيلة ” استدلالية قد يستخدمها المرء في محاولة منه لإقناع الآخرين بقول نتيجته[7].

ويرجع سبب انصياع الافراد كفريسة سهلة لهذه الأساليب، لأزمة الثقافة، هذه الأخيرة التي تتخذ أبعادا أساسية متعلقة بطرق التفكير التّقليديّة، وكذا وضع المثقف في المجتمع، ومدى احترام العقل والتفكير النقدي، وخصوصا أن في المجتمعات التي تشهد تطورا سريعا، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتقنية، تطرأ عليها تغيرات على الواقع أسرع من التغيرات التي تطرأ على الفكر.

وأغلب هذه الرسائل ووسائل الاقناع تجعل الأفراد يتقبلونها دون ترو، ومن الأفراد كذلك من يرفضونها دون ترو أيضا، وتجعلهم في غالب الأحيان لا يتساءلون لماذا يجب علينا أن نفعل ذلك أو لا نفعله؟ ولماذا يجب علينا أن نعتقد في ذلك أولا نعتقد فيه؟

وهنا تكمن أهمية ودور المفكر النقدي الذي يمكن تشبيهه ب “مراقب مباني يجول في مدينة من البنايات؛ هي المحاجات، لبناتها من القضايا، فينظر في القضية، مدى سبكها وكيف ربطت مع أخواتها، قضية قضية، حتى يدرك المبنى “المحاجة” هل هو قوي أم ضعيف؟”[8]

وبالتالي من سار على هذا النهج، يعني أنه امتلك حزمة من المفاهيم التي تجعله قادرا على استقبال الادّعاءات والحجج في وعاء مفكر فيه، أي امتلاك حزمة جاهزة من الأسئلة النقدية (critical questions) التي نواجه بها تلك الادّعاءات والحجج المختلفة. وامتلاك القدرة على تقدير طبيعة وقدْر الاستدلال المطلق لإسناد مختلف الادّعاءات والحجج، والتمييز بين الاستدلالات القوية والاستدلالات الضعيفة.

وكذلك فامتلاك هذه القوالب، والقدرة على التعبير عنها في شكل مصطلحات، “يكسبنا لغة معرفية معبّرة عن الملاحظات النقدية. وبالأخص تلك الأخطاء المنطقية الشائعة أو ما يسمّى بالمغالطات المنطقية (fallacies)”[9].

وخصوصا أن أغلب أساليب وفنون الإقناع الحديثة والمعاصرة ترمي إلى تشكيل العقول بطريقة تصبح فيها أكثر قابلية للتصديق، وأقل قدرة على اختبار ما يقال لها وإخضاعه لموازين النقد، وربط الرسائل المراد إيصالها بالشحنة الانفعالية دون أي فحص أو اختبار منطقي؛ ويمكن أن نستشف من كتابات أغلب الفلاسفة اليونان أنّ الأمور التي نصادفها في حياتنا اليومية كثيرا ما تختلف في حقيقتها عما تبدو لنا عليه في الظاهر، وبالتالي فسلاحنا للوصول إلى الجوهر الحقيقي للأشياء العين الخبيرة والعقل المنظم. وكما أدرك أغلب الفلاسفة والعلماء والفقهاء في الحضارة العربية والإسلامية في أزهى فتراتها أهمية المنطق، “وقد اعتبروه آلة أو أداة أو فنا لقيادة العقل، أو صناعة لتقييم العقل، أو آلة لعصمة الفكر من الوقوع في الزلل، أو معيار العلم”[10].

وهو الشيء نفسه، بالنسبة لعصر النهضة الأوروبية الكبرى التي قامت على أساس اتخاذ طرق جديدة في التفكير المنطقي والعلمي؛ تعلي من شأن التجارب والملاحظات وامتحان الشواهد.

وهذا لا يعني أن المفكر النقدي عبارة عن آلة، تفصل بين المشاعر والأفكار، وإنما وسيلة تكسب المفكر النقدي القدرة على التمييز بين ما هو شعوري وما هو عقلاني؛ وعدم ادعاءه أن فضائه كأسلوب للتفكير هو الفضاء الوحيد أو الصحيح، هو فقط يدعو كل من يتبنى قيم العقلانية (reasonableness) الاستقلالية الفكرية (intellectual autonomy)، المسائلة النقدية (questioning) الانفتاح الفكري (open-mindedness)، والقابلية للمراجعة (revisability) كقيم ينبغي أن يتأسس عليها الاعتقاد[11].

فهل امتلاك الأداة النقدية بديل عن الخلفية المعرفية حول ما نريد تقييمه أو ممارسة النقد عليه؟

يمكن أن نظر إلى التفكير النقدي باعتباره مهارة تصقل وتتنامى بالممارسة، فلهذا يجب أن نحذر من الاعتقاد بأن ما نمتلكه من أدوات التفكير النقدي، كفيل وحده بأن يصل بك إلى أحكام تقييمية موفقة، فتقييم المحاجات باستمرار يتطلب جهدا معرفيا للحصول على أكبر قدر من المعلومات ذات الصلة بالموضوع محل التقييم[12].

وعلى هذا الأساس يقوم التفكير النقدي على الاعتقاد العقلاني (rational belief) والاعتقاد المعقلن  (rationalized belief) ويتضح الفرق بينهما حين نتناول الفرق بين مفهوم الاستدلال (reasoning)  ومفهوم العقلنة (rationalized belief)؛ فالمستدل يتبع الدليل حيث حلّ به، بينما المعقلن يسوق الدليل إلى حيث توجد قناعاته، فبينما يسير منطق المستدل من مقدمات تقوده إلى النتيجة، يسير منطق المعقلن من النتيجة بحثا عن مقدمات تدلل عليها؛ وبهذا المعنى، فإن الاعتقاد العقلاني، هو اعتقاد ساقنا إليه الدليل، أي كان الواصل إليه مستدلا، بينما الاعتقاد المعقلن هو اعتقاد حزمنا بصحته مسبقا – كنتيجة – ثم جئنا نطلب الدليل – المقدمات – لحراسته[13].

ومنه نستنبط أن المفكر النقدي يطلب الدليل[14] وينساق له حيث حلّ به، فهو مشغول ب تقييم (evaluation) الادّعاءات، وليس مشغولا بالدفاع (defence) عنها أو محاولة إيجاد مبررات عقلانية لها. وليس لديه ما هو فوق النقد، وليس لديه قناعة مهما كانت محصّنة، كما ان ذهنه مفتوح على النهايات كيفما كانت[15]، وبالتالي فمعنى أن تكون مفكرا نقديا، يعني أن تكون مستقلا فكريا؛ فالمفكر النقدي عصي على محاولة الثقافة لتشكيل قناعته وتطوير إرادته وهو قادر على تفكيك القيود الفكرية التي تمليها عليه، وكل هذا يتم عن طريق مبدأ التدرج، والتعامل مع أدوات السؤال والحوار والنقد باعتبارها ليست محصورة في المجال الفلسفي أو العلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل عام، بل هي أدوات يحتاجها الفرد في جميع مستويات الحياة ومناحيها، بناء على  حرية التفكير وإبداء الرأي والتحرر من الأفكار المسبقة.

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة في المقال:

المراجع والمصادر العربية:

  • مصطفى النشار، “الفلسفة التطبيقية وتطوير الدرس الفلسفي العربي”، روابط للنشر والتوزيع، مصر الجديدة، ط: 1، 2018
  • عبد الحليم عطية، “الفلسفة والمجتمع المدني”، جون لوك ورسالته في الحكومة المدنية، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2007
  • جيل جاستون جارانجي، “العقل”، ترجمة: محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر، صفاقس، ط: 1، 2004
  • عمرو صالح يس، “التفكير النقدي، مدخل في طبيعة المحاجّة وأنواعها”، تقديم: حاسم سلطان، الشبكة العربية للأبحاث والدراسات، بيروت، ط: 1، 2015
  • بويل تيرسي وكمب جاي، “التفكير النقدي، دليل مختصر”، ترجمة: عصام زكريا جميل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط: 1، 2015

المراجع والمصادر الأجنبية:

  1. Moore noel Brooke, & Paker Richard, “critical thinking”, California state university, new York Chico, McGraw-Hill, new York , 9th edition, 2009
  2. Bouygues Helen lee,” the state of critical thinking: a new look of reasoning at home, school, and work”, reboot elevating critical thinking, November 2018
  3. Daniel t. Willingham, “knowledge and pratice: the real keys to critical thinking”, ISSU brief, knowledge matters”,  1 march 2016
  4. Sellars Maura, & group of researchers, “conversations on critical thinking : can critical thinking find its way forward as the skill set and mindset of the century ?”, education science, MDPI, Basel, Switzerland, 19 November 2018

[1]  – أنظر: مصطفى النشار، “الفلسفة التطبيقية وتطوير الدرس الفلسفي العربي”، روابط للنشر والتوزيع، مصر الجديدة، ط: 1، 2018. ص: 87-87. أنظر كذلك:

Daniel t. Willingham, “knowledge and pratice: the real keys to critical thinking”, ISSU brief, knowledge matters”,  1 march 2016. p: 06

Sellars Maura, & group of researchers, “conversations on critical thinking : can critical thinking find its way forward as the skill set and mindset of the century ?”, education science, MDPI, Basel, Switzerland, 19 November 2018. p: 01

[2]  – مصطفى النشار، “الفلسفة التطبيقية وتطوير الدرس الفلسفي العربي”، مرجع سابق، ص: 83-84

[3] – Moore noel Brooke, & Paker Richard, “critical thinking”, California state university, new York Chico, McGraw-Hill, new York , 9th edition, 2009. p:06

[4] –  عمرو صالح يس، “التفكير النقدي، مدخل في طبيعة المحاجّة وأنواعها”، تقديم: حاسم سلطان، الشبكة العربية للأبحاث والدراسات، بيروت، ط: 1، 2015. ص: 99

[5] – بويل تيرسي وكمب جاي، “التفكير النقدي، دليل مختصر”، ترجمة: عصام زكريا جميل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط: 1، 2015. ص: 21

[6] – بويل تيرسي، وكمب جاي، “التفكير النقدي، دليل مختصر”، مرجع سابق، ص: 83-84

[7] – مصطفى النشار، “الفلسفة التطبيقية وتطوير الدرس الفلسفي العربي”، مرجع سابق، ص: 91

[8] – عمرو صالح يس، “التفكير النقدي، مدخل في طبيعة المحاجّة وأنواعها”، مرجع سابق، ص: 99

[9]  – المرجع نفسه، ص: 100

[10] – المرجع نفسه، ص: 100

[11] – المرجع نفسه، ص: 148

[12]  – المرجع نفسه، ص: 103

[13] – المرجع نفسه، ص: 140

[14] – Bouygues Helen lee,” the state of critical thinking: a new look of reasoning at home, school, and work”, reboot elevating critical thinking, November 2018. p: 06

[15] – عمرو صالح يس، التفكير النقدين مدخل في طبيعة المحاجّة وأنواعها، مرجع سابق، ص: 141

شاهد أيضاً

عقلانية اللاوعي .. ما يدين به التحليل النفسي للفلسفة المضادة

يوسف عذنان بقلم: يوسف عدنان * من المغالطات الفظيعة التي يقع فيها معشر الفكر الفلسفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *