الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / المعرفة البيضاء

المعرفة البيضاء


هايل علي المذابي

هايل علي المذابي

في سبيل فهم أفضل لما ينطوي عليه هذا المفهوم أو المصطلح بعيدا عن أي تأويلات عنصرية مثلا او غيرها أي إن كان ثمة تأويل واجب فليكن في سياقات المعرفة الإنسانية التي نعيش عصرها كفعالية لابد لنا أن نواكبها ونعيشها قدر الاستطاعة.

تفترض الحمولة الدلالية للمعرفة البيضاء أنها تمثل الفكرة الإبداعية والابتكارية في أحد مستويات مضامينها والدلالة التي قد نجدها في أحد تلك الحمولات.

هذه الفكرة الابتكارية والإبداعية التي يحملها مضمون المعرفة البيضاء نجد أنها تمثل مرحلة ما بعد عصور التقليد والاتباع وهي هنا لا تمثل الحداثة المفترضة والشائعة لا من قريب ولا من بعيد بل تمثل الفكرة الابتكارية بكل نظمها ومستوياتها، أي أنها حالة توازي المهمة الجوهرية للتنمية المستدامة كما تجسد تفاصيل المورد الحقيقي والأساسي الذي لا ينضب في عصر المعرفة  ويعادل موارد ما قبل عصور المعرفة القائم على ثروات ما تحت الأرض، والتي لم يكن للإنسان في أفضل حالاته سوى ان يكون تابعا لما تفرضه مضامينها الابتكارية والابداعية والتقليدية ومتكيفا معها وثقافته في افضل حالاتها لا  تتجاوز سياقاتها.

إن التقليدية التي تمثل مسارا موازيا لما قبل الحضارة النفطية ومسارا موازيا لهذه الحضارة لم تتبدل رغم كل مظاهر التطور التي فرضتها سياقات تلك الموارد النفطية، لقد خلقت اشكالا عديدة من الممارسات التي لا تعبر إلا عن حالة إنزياح لكل المكونات البنيوية والنماذج العليا إلى ما هو أسوأ مما حملته ولا يتناسب مع معطيات هذه الحضارة في أسوأ الحالات بعيدا عن الاعتبارات السابقة بخصوصها من حيث مناسبتها التامة مع حضارات ما قبل النفط نظرا لتناسب معطيات تلك الحضارات ومظاهرها مع تفاصيل هذه المكونات بشكل يجعل كل ما هو سيء في مضمونه مقبولا لدى الوعي المجتمعي لعدم وجود مظاهر حضارية تفترض تغيير ملامح هذه المكونات البنيوية وتحقيق مسار أرقى في مضامينه مما كانت تحمله، فيتم بذلك منح تلك الطبقات والفئات والعناصر المحرومة من حقوقها من الطبقات الاخرى أو استعادة تلك الحقوق التي سلبت من هذه المكونات المجتمعية في أدنى المستويات.

ثمة مسار واحد تسير فيه المعرفة الإنسانية والعقل البشري وهو مسار يتميز بحالات انتقالية ثلاث يسبقها العدم والحاجة إلى تغييره كما تفترض أول حالات المعرفة.

للطبيعة البشرية خصوصية، فالمعاناة تدفع البشر إلى الشكوى وللشكوى مسارين أو طريقتين للتعبير الأولى تعتمد على وصف المشكلة فقط والسعي هنا وهناك لبثها في محاولة لإيجاد حل لها من خلال الآخرين والثانية اعتماد على الذات أي أنها تدفع الإنسان إلى الشكوى إلى ذاته وعقله ثم الاعتماد عليهما في إيجاد حل لتلك المعاناة إنها تشبه القول “ما يريده الإنسان العادي يجده في الآخرين وما يتمناه الإنسان السامي يجده في نفسه” أو القول “ما يبحث عن الإنسان العادي ليقرأه يجده في كتب ومؤلفات الآخرين وما يبحث عنه الإنسان العبقري يكتبه ويؤلفه بنفسه”. وهنا تتكون تفاصيل الانتقال إلى حالة المراحل الثلاث لإنتاج الفكرة: الأولى مرحلة الصفر أو مرحلة الرغبة والثانية مرحلة السكون والثالثة مرحلة الحركة وهذه الثلاث تلخص تعريف العقل البشري ومهمته.

إن حالة الرغبة والصفر تعني استعداد العقل لإنتهاج وسيلتين هما الحالة الثانية وهي حالة السكون او الحالة الثالثة وهي حالة الحركة لكن لابد هنا ان تمر بحالة السكون قبل ذلك.

إن حالة السكون تعني بداية الوعي بما يمكن الركون إليه في حل المشكلات التي قد نراها في حياتنا ويركن إليها الإنسان العادي دائما ويكتفي بها فهي حالة تقليد للمتشابه أو لما يطابق مقتضى الحال دون المحاولة في إبداع أكثر من ذلك ويمكن هنا وصف هذا السلوك بسلوك القطيع الذي يعتمد على البرهان الاجتماعي في طريقة اتخاذ القرار وتدبير شؤون الحياة.

الحالة الثالثة هي بالنسبة للإنسان المبدع والطبيعة المتنورة هي حالة الحركة فبعد أن يلم الإنسان بحالات التشابه والتطابق لا يتبعها فقط كما الإنسان العادي ولكنه يخلق منها حالة خاصة اكثر إبداعا تلائم طموحاته.

مثال على هذا مصطلح اسطوري يسمى “لمسة ميداس” وبالنسبة للعقلية التقليدية ستفهم أن هذا المصطلح ليس سوى تعبير اسطوري ميثولوجي قائم على الخرافة لكن العقلية الابداعية سترى ان قدرات ميداس التي تستطيع ان تحول التراب إلى ماس وذهب هي تعبير عن قدرات الإنسان العبقري في تحويل الموارد العادية التي ليس لها قيمة او هي في أدنى درجاتها إلى شيء يوازي الذهب والماس أو يفوقه مثلما يحدث في تحويل خامات الحديد والمعادن بالصناعات إلى ما يمكن أن يخدم البشرية بما يفوق قيمة الذهب الساكنة.

إن اتفه الاشياء في الحياة قد تعطيني درسا ومعنى إن لم نتجاوزها بعدم التأمل لجدوى وجودها وإمكانية الاستفادة مما يمكن أن نجده فيها من معاني.

واذا انتقلنا إلى حالة أكثر ابداعا من الأمثلة سنجد أن الاستثمار في الإنسان المبدع هو أعظم ما يمكن ان يجسد ما يشير إليه مصطلح “لمسة ميداس” فالإنسان تراب ولمسة ميداس تعني قدرة المعلم وقدرة الحاضنة الابتكارية على تحويل هذا التراب إلى ذهب وماس بالاهتمام والعناية والجدية في الدعم بالحرص على توفير احتياجاته بأعلى وافضل امتيازاتها، والاهم توفير فرص تعليم جيدة على أعلى مستوى له، وليس بالضرورة المساواة بين كل الأشكال التي نجدها بل بعملية تفضيل تناسب قدرات وإمكانيات كل فرد قد نجد فيه بذرة من القدرة على الإبداع والابتكار، حينها، مستقبلا يمكن أن يصبح التراب الذي نجده ذهبا وماسا بفضل عبقرية وابداع هذه النماذج وبحسب طريقة التعليم ونوع العلم وسقف الحرية المتاح للتفكير بدون شروط يمكن انتاج مسار ينحاز إلى جانب الفائدة التي تخدم البشرية إلى أعلى حد وبدون ان تضرها.

حين نحلق أبعد ونطل على الكينونة التي تحتوينا ستكون لنا رؤية أكثر اختلافا ربما من خلالها تتضح الصورة أكبر فتتيسر بذلك طريقة المعالجة.

في الصورة الأولى للوجود البشري ثمة سيناريوهات تمثل العديد من التوجهات الفكرية والدينية لكن بعيدا عن تلك السيناريوهات وطبقا للمعادلة السابقة التي تتضمن كل تلك الرؤى والسيناريوهات يمكن الوصول لمعالجة كاملة فالمعرفة الإنسانية كما نعرف تراكمية وهي مزيج بالضرورة بين هذا وذاك.

لقد مرت البشرية منذ البدايات التكوينية الأولى لهذا العالم بتلك المراحل الثلاث التي تجسد عملية الابتكار لكن إن قلنا أننا نعيش عصرا تقليديا لا يمثل إلا اجترارا سيئا للتراكمات المعرفية البشرية عبر عصور التاريخ فهذا القول غير حقيقي لإننا بالفعل نعيش عصور ابتكارية مرت بثلاث مراحل الأولى مثلت حالة الرغبة والصفر التي سبقها العدم أو الفراغ أياً كان ما تصفه به السيناريوهات المتداولة للبدايات الأولى وهو ما جعل ذلك الوجود المسكون بالحاجة والفراغ يبحث عن رغبة في التغيير لهذا الوجود وهي المرحلة الأولى التي اتخذ العقل قرارا يقوم فيه بفعل يغير حالته هذا الفعل مسكون برغبة يمكن القول أنها دائما تتحكم في رقي أو تخلف الكيانات بكل أنواعها فالرغبة في التعليم موجودة لدى كل الناس لكن الرغبة الأعلى لنيل تعليم افضل تجعل هؤلاء الناس يتفاضلون على بعضهم بعضا بالضرورة وهذا لا يختلف في كل مجالات الحياة وعلى كافة الأصعدة والمستويات التي يمكن ان نمثل بها.

بعد تحقق تلك الرغبة لدى الكائن الأول في القيام بفعل يغير مصيره وينقله إلى حالة مختلفة كان عليه ان يتأمل ما حوله وهنا كان لديه سبيلين في نتائج هذا التأمل الأولى التقليد النقلي والثاني المحاكاة الجوهرية وقد كانت النتائج بين هاتين الحالتين التي ما يزال بعض آثارها موجود حتى هذا اليوم مع ملاحظة وجود تشوهات كبيرة وفهم مغلوط لملامح تلك العملية وهي تجسد المرحلة الثانية من مراحل الابتكار أي قبل الانتقال إلى حالة الابتكار بتوصيف أدق.

قبل الحديث عن الحالة الثالثة ينبغي التوضيح للفرق بين حالتي التقليد النقلي و المحاكاة الجوهرية فالأولى تعبر عن سلوك القطيع ذاته والثانية تتضمن ملامح بسيطة من ملامح الابتكار والإبداع لكنها في الوقت ذاته تتضمن في تفاصيلها جزءً أكبر من ملامح عملية التقليد. وللتمثيل على ذلك قد يرى احدهم شركة ما لشخص ما ثم يتأمل طبيعة عملها بطريقة سطحية فيلاحظ أن هذا المشروع يدر الكثير من الأرباح بدلالة تلك الملامح فيبادر بإنشاء شركة مماثلة وفي أقرب مكان ممكن لتلك الشركة لكن النتيجة هي خسارته. رغم أن المشروع ذاته والتفاصيل ذاتها لكن هذا هو ما يحدث بالضرورة نتيجة للتقليد القائم على النقل والمعبر عنه بسلوك القطيع. أما المحاكاة الجوهرية فتعني تأمل المشروع ذاته مع عدم اغفال تفاصيل المشروع الداخلية وطريقة تسيير العمل فتكون الملامح السطحية بين المشروعين متشابهة إلى حد ما أو حتى متطابقة لكن التفاصيل الداخلية والخصائص في مكوناتها متفردة وخاصة وتحتفظ باستقلالية كاملة في طبيعتها.

في هذه المرحلة التي عاشتها البشرية اي بعد توافر رغبة الكائن الأولى في تغيير حالته الوجودية وانتقاله من حالة الصفر إلى حالة السكون والتي سبقهما حالة فراغ وجودي هائل وعدمية تستبد بكل شيء كان التغيير الذي انتقل إليه هذا الوجود يتشكل وفقا لملامح الموجودات التي سبقت الوجود البشري يمكن التعبير عنها اجمالا بملامح الطبيعة والمملكتين الأولى والثانية وهما مملكة النبات ومملكة الحيوان باعتبار ان الإنسان يمثل المملكة الثالثة وفي معادلة الابتكار التي وصفتها سابقا تصبح الممالك الثالث تعبيرا تجريديا للمعنى من تلك المعادلة والبعد الجوهري لها فحالة الصفر تمثل المملكة الأولى وحالة التقليد تعبر عن المملكة الثانية مملكة الحيوان والمرحلة الابتكارية تجسد عظمة الخلق البشري فهي وفقا لتلك المعادلة في عملية الابتكار والابداع حيث تمثل المملكة الثالثة ثالث مراحلة المعادلة وهي مرحلة الابداع والخلق وهذا يفترض بالضرورة ما يجب أن تكون الكينونة البشرية أو هي بتعبير أدق تعبر عن الوصف والحقيقية الجوهرية الأعمق للحاجة البشرية على الدوام وهي حاجة الخلق والابتكار والإبداع.

شاهد أيضاً

جورج أورويل: مراكش

جورج أورويل ترجمة: علي لّطيف  بينما تجاوزت الجثة المكان ، غادر الذباب طاولة المطعم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *