الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / بيداغوجيا الخطاب الديني

بيداغوجيا الخطاب الديني

محمد بصري

محمد بصري القنادسة الجزائر

رواسب التعالي  الثقافي مجبولة على كم هائل من النقائص التي تتربع على مساحات غير ومأهولة من عوار اللاوعي الدفين في قعر النفس.حرب الثقافات ونزاع الايديولوجيات والقناعات مسكونة بنزعات ذاتية مؤججة بلهيب اللامنطق  البشري.حتى أصبحت تقف  وراء كل نقاش عقيم او كشف علمي او فكري متواضع رغبة دفينة او نزعة سيكولوجية شرسة إدعائية وغير قصدية تفتقر  لعنصر الارادة الاصيلة..  هذه الفراغات  الما قبل نفسية تعيد إنتاج ثقافة الاقنعة الزائفة والحروب الوهمية. هي حالة شبيهة بالصورة النمطية للإسقاط اللاوعي داخل كتل المجتمع المعرفي حسب توصيف عالم النفس الامريكي “كلود ستيل” حيث تغدو انماط الاصغاء خاضعة للولاءات الزائفة في الفهم الشعبوي  او الايمان الجماعي. وهي خاصية عقدية ودوغمائية يغذيها الانتصار السلبي لعالم الافكار والثقافات . هذه الصراعات المبتذلة والمجانية هي التي قامت بتغطية النقاشات الكلامية والفقهية والنصانية على مدة تزيد عن العشرة قرون من السنين والأيام الخوالي .بما  يشبه استنزافا حقيقيا للعقل الديني والماقبل الحداثي والشبه تنويري في العالم العربي الاسلامي. وجل الاعتقاد ان غياب المقاصد والوسائل والآليات المنهاجية والبيداغوجية هو السبب الرئيس في كل هذا. او لنقل عدم تمتع أنواع الخطاب الديني والتنويري بترسانة تعليمية وتواصلية في الحوار كان السبب في هدم كثير من الاصول المفاهيمية وهدم بعض الحقائق التي تطفو برؤوسها الحادة  كقطع جليد فوق بحر قطبي تائه لتعود للذوبان من جديد  في برك وبحار النسيان الارثودوكسي. هي اورثودكسية مزدوجة تتمثل في تسفيه ولعان وسباب تاريخاني متبادل بين الخطابين الديني والتنويري.

الايمان ليس حكرا أبديا على طينة واحدة من البشر او جماعة تدعي القدامة والفرادة العضوية والاثنية والاجتماعية، انه خيار ثقافي وحضاري فطري مكتسب ايضا، لدى جميع الشعوب والبشر و هو  يضاف الى الجماليات المؤسسة لإنسانية الانسان. الانسان كائن متدين بطبعه لانه مسكون بفكرة “الله ” الاسلامية و”الالوهيم “اليهودية و”الرب الاب” اليسوعية.. يؤكد هاشم صالح في كتابه “معارك التنويريين والاصوليين” ان مانسبته 93% من الامريكين يؤمنون بالله و67% من الاوروبيين كذلك. لان العلمانية وهي تستبيح بعض المباديء الايمانية خلفّت ثغورا وثقوبا في الفهم الجماعي للظاهرة الدينية في الغرب.لم يعد الإلحاد خيارا ثقافيا او ايديولوجيا جبريا كما كان في المجتمعات الشيوعية  التي تعاني حالة اشباع علمي ومادي الى حد التقرح والتخمة.بل بات نزعة فردية.بالمقابل  التدين الفردي هو البقعة الزيتية التي بدأت تنتشر فوق ماء راكض من الصراعات الساخنة التاريخية  بين رواد التنوير والنهضة الاوروبية وبين التيار الديني الوريث للتعاليم القرنوسطية البائدة.

جفاف الحدس وانتكاسته  بتعبير “فريديرك شلاير ماخر” وهو يقايس التجربة الدينية بالنسبة لأولئك الذين اصبح الدين بالنسبة لهم متراسا وحائطا نهائيا  للصد و قلعة  اخيرة  للدفاع عن  توجهاتهم الشخصانية  ضد تغول العولمة وارتدادات الحداثة، حين  تستباح النصوص بأوهام الفهم العميق  والتاريخي والماضوي، بالارتكاز فقط  على مسلمات الماضي واجتهادات ما قبل القرن الخامس هجري.  في السياق ذاته تصبح الحداثة تهمة عنصرية وشرك بالمعهود والمتعارف عليه. إتهم شلاير ماخر الحداثيين وأتباع العهود التنويرية بالعشوائية والانتقائية وإساءة فهم مركزي لبواعث السلام االروحي والحميمية مع المقدس.التأمل الذاتي للمسائل الروحية  بما يتفق مع الذات العقلية هو دحر لتلك المزاجية التي تغلف النفوس وتعكر صفو تواصلها مع الآخر النقيض، لان التدين الحق والوسطي النموذجي الكنسي بالنسبة لمعتنقي المسيحية بمذاهبها المعلنة وغير المعلنة ليس في الانتشار الواسع لدور العبادة والكنائس والأديرة  ولا في محاكم التفتيش التي تُنصب رمزيا لكل معارض فكري بل في طبيعة الدين والتدين والخصوصية العقدية لكل فكرة مقدسة تتدثر بها الطوائف المنتشرة في الارض. شلاير ماخر وهو يؤسس للحب الديني بمنطق فلسفي يُمجد فكرة  تعدد الاديان .

تهمة الهرطقة  والتطويب الكاثوليكية المنشأ والزندقة الاسلامية المنهل والفارسية الاصل، لم تقتل افكار السهروردي والحلاج والبسطمي وابن المقفع ولا جوردانو برونو و جيرولامو سافونارولا او او جان باكر Jan de Bakker .الاعدام والقتل التافه الاحتفالي في صور دارماتيكية بما يشبه اعلان موت الشر وإحراق الباطل. وإزهاق الأرواح المدنسة النجسة الشيطانية، بيداغوجيا الشيطنة والتدنيس هي اسلوب ديني بغض الطرف عن شكل  او الصورة النمطية للدين تتأسس بفعل تأجيج مفهوم الردة والتكفير واعلان البراءة  .سرعان ما تتحول الى شعيرة دينية بمفعول السُعار الشعبوي والتأفف الجماعي الجهنمي. يتحول الانتقام الجماعي في ساحات روما وبمحاذاة الكنائس عرفانا دينيا وخلاصا ربانيا وفي ساحات دمشق وبغداد العباسية .وتذكر الحوادث التاريخية ان “جيرولامو سانارولا “1452/1498 م قسيس وطبيب وثيولوجي تم تعذيبه وتقطيع اوصاله لكن تم استثناء يده اليمنى ليمضي على الاعتراف بالذنب وبعدها يتم احراق ما تبقى من جسده المتهالك والمقطع.

 هذا الهوس الديني تشبع بمفهمة نصية بشرية اكثر منها نصوص ثابثة أصيلة اصالة الحق الديني الالهي لانسنة الانسان. بالمقابل الفتاوى الدينية المجففة سياسيا والمعتقة دينيا كالنبيذ الرومانية فصلت رؤوسا عن جثتها بناء ا على خلافات فقهية واغلبها صوفية الهوى والتقليد.والحوادث المخجلة التي تتزاحم في تاريخ الوعي العربي والاسلامي بما في ذلك  الاغتيالات وسفك الدماء لمجرد الشبهة في الردة او مخالفة المعلوم في الدين  بالضرورة يتم الاحتكام للسيف والنطع للاستئصال الرأس المشؤومة ، التي تفكر.لكن الافكار تشبه العذارى الجميلات اللواتي  يتمايلن بسحرهن ورائحتهن العطرة في مفاصل وثنايا التاريخ.التاريخ لا يخجل ولا يعرف الحياء ولا يلبس ربطة عنق سوداء أومعطفا باريسيا أسودا.

في الزمن الذي تقدم فيه الفلسفة عبر محطاتها التنويرية وغير التنويرية نفسها وفق نماذج بيداغوجية تعليمية اجتهادية وأحيانا متخاذلة. الفلسفة لا تخشى مبدأ جلد الذات لأنها نشأت في الاعاصير وفي دهاليز الرفض والقصف والجزر العقدي والايديولجيا التاريخانية ،محاولة منها لملمة ذاتها في ثوب الديداكتيك والبيداغوجيا السكولائية حتي يتم تحيين افكارها وترشيدها لدى العوام المثقلين بهموم اليومي.يتقدم الدين بجلباب يقيني وقبضة قوية من العقدية الوثوقية وعمامة متشحة بالحلال والحرام. والتبجيلية.ولعمري إن الخلاف الابدي بين الخطابين كان تواصليا تتلبد سماء النقاشات فيه بالمأزوم نفسيا وبالخبل المزاجي واللاشعوري الذي لا علاقة له بالطرفين الموبوئين بحمى الصراعات المشخصة…

يقول شلاير ماخر “كم من مرة عزفت فيها عل اوتار موسيقى الدين في محاولة مني لتحريك الحاضر في باحة الخليقة،وقد رفعت اصوات ناعمة متماهية مع اندفاع الشباب بشوق، تصاعد تدريجيا للانسجام الكامل مع المشاعر الدينية  : ولكن لا احد منهم تأثر بالخطاب الديني ورد عليه ” 1.

الصراع المشحون عقائديا والمرتكز على القناعة التأويلية لنصوص مقدسة تتحدى براهنيتها الاستمرار التاريخي، منظور اليها بفكر وتفسير الاب الروحي للتأويلة كنسق واجتهاد فلسفي “شلاير ماخر “هو الحيوية والتماس التفتح والحركية في تقديم النصوص أي بعث روح تأويلة اجتهادية على معرفة النص أي تجنيد الصراع الداخلي للنفس في افراز محصلات ثرية من الفهم السليم لفكرة الدين. لأنه كما يرى هذا المفكر الهادئ ان المرافعات التي تحصل في النقاشات الحوارية التي تعطي ذاتها مشروعية الاستبسال في الاقناع والدفاع عن ام القضايا الدينية هي رموز وإشارات روحية وسفير غير بريء لمشاعرنا وحدوسنا المكومة في قعر اللاوعي ورديفه الشعور.وهذا الزخم يتأتى داخل أحابيل اللغة التي تسترق السمع الى مكونات النفس وتعطيها التفسير الصادق الصحيح للمأزوم داخليا.

التواصل والخطاب بين الاضداد التاريخية يجب ان ينفلت من عقال حمى الغموض والفهم التربصي  وسطحية التصورات وسلبية المفهمة.لان اهم مبادئ التبليغ غائية المحتوى مع تماسكه . سلامة اليات التوصيل باعتبار البيداغوجيا فن نظري هو كمياء بشرية تنتقي مسلماتها من افق الترابط المنطقي بين افكار مؤنسة وقابلة للاستمرار والإنوجاد داخل الانظمة المعرفية للبشر.

بيداغوجيا الخطاب الديني مازالت رهينة الاسر الماضوي والسياسوي وأحيانا الطائفي الاثني المدجج بمقولات التلقين والثبات . سواء كان سنيا او شيعيا فهما بمثابة آلة الاستقطاب الفكري والخاضع للتأطير المذهبي والمعرفي .هذا الاخير  عابر يتوارى وراء حرفية النص ونصاعته الازلية.ويحتج بمناهج تاريخية عفى عنها الزمن المنهجي. حيث انه لا يمكنك ان تتنكر للمناهج الفقهية التقليدية والكلاسيكية لكن يجب ان تتشبع هذه المناهج بثورة الثقافة المعاصرة التي باتت مقلقة ومتسارعة ولولبية .لم يعد التاريخ خطيا منسجما بل بدأ شبيها بعالم الرياضيات الذي يؤمن بالفضاء الفراغي رغم سعة خيال منظريه.

التمدد الفكري للائكية  كتوجه سياسي والعلمانية كتوجه علمي اجتماعي  يدعو لوضع مسافة معينة، مع التدين وهي تمتطي ايضا  التوترات العقدية والفكرية والصراع التاريخي المرير للقناعات، لم يعد مجرد تنظير تروستوندالي للحقيقة الانسانية التي تتماهى مع طبيعة  التفسير الفلسفي للفلاسفة التي ترى في السلوك الديني نتاجا  لمحركات طبيعة ونفسية وبواعث انطولوجية في نشاط الكائن البشري.الدين واقع بشري لصيق بمراس الانسان داخل بيئته قد يتخذ اشكالا ومسارات لكنه يبقي الصلة الوثيقة مع السماء. لذا الاسلوب الذي يتعاطى به بعض مريديه في التواصل المنطقي لا يعتمد كوسيلة لحجية وثباث اليقينيات الدينية بل هو اسلوب يضر بتماسك الخطاب الديني .وجل النقاشات فيه الى تنتج من المهاترات اللفظية والنقاشات العقيمة التي باتت شبيهة بتحف المومياء الساكنة لا مستقبل لها امام طوفان الحداثة ومابعدها . انعمتم مساء معاشر الفلاسفة.

المراجع :

فريدريك شلاير ماخر “خطابا لمحتقريه من المثقفين  ترجمة  اسامة الشحماني مراجعة ع الجبار الرفاعي . التنوير ” 122ص.

هشام صالح . معارك التنويريين والأصوليين في اوروبا” . مكتبة بغداد.

شاهد أيضاً

اللسانيات و أثرها في تقويض القراءات الحرفية

رمضان بن رمضان إن تجسير العلاقة بين العقل و الدين أو بين الحكمة و الشّريعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *