الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / من فلسفة الأخلاق الكونية إلى مشروع السلام الكوني عند “كانط”

من فلسفة الأخلاق الكونية إلى مشروع السلام الكوني عند “كانط”

نحو فلسفة كونية للعيش المشترك

سفيان عمران

سفيان عمران*

الملخص :

      لقد سعى الفيلسوف الألماني ذو الشهرة الواسعة ” إيمانويل كانط” من خلال كتاباته إلى وضع تشريعات وقوانين تحكم الإنسان في علاقاته مع الأخرين، وهي المساعي التي جعلته، يحتل مكانة مرموقة في تاريخ الفكر الفلسفي الاخلاقي ، معتبرا أنّ الهدف من تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق هو الوصول إلى الأخلاق الكونية، الاخلاق التي تتماشى مع إنسانية الإنسان وحريته، وهو ما يجعل  القيم الخلقية مطلقة لا تقف على زمان ومكان محدد   لا تتحدث عن أشخاص معينين ،كما جعلته يحتل مكانة كبيرة في تاريخ الفكر الفلسفي السياسي ، من خلاله سعيه إلى وضع نظرية سياسية الهدف منها تحقيق السلام الكوني ، السلام الأبدي الذي لا يقوم على شروط معينة ، تمكن الإنسان من تحقيق حريته وأهدافه الاخلاقية في مجتمع بعيد عن الحرب، وبهذا تكون الكونية هي التي تجمع فلسفة الأخلاق وفلسفة السياسة عند هذا الفيلسوف.

الكلمات المفتاحية : فلسفة الأخلاق ، فلسفة السياسة، الكونية ، المطلقية، السلام الدائم.  

Résumé

     Dans ses écrits, le célèbre philosophe allemand Emmanuel Kant a cherché à mettre en place une législation et des lois régissant les relations entre les hommes, ce qui lui a valu d’occuper une place prépondérante dans l’histoire de la pensée philosophique morale, estimant que le but d’établir une métaphysique morale est d’atteindre l’éthique cosmique créatrice Avec l’humanité humaine et la liberté, ce qui rend absolues les valeurs morales ne se tient pas à un moment ni à un endroit donnés, ne parle pas de personnes spécifiques et lui fait occuper une grande place dans l’histoire de la pensée philosophique politique en cherchant à développer une théorie politique visant à réaliser la paix globale et la paix éternelle Ce qui n’est pas basé sur certaines conditions permet à une personne d’atteindre sa liberté et ses objectifs moraux.

dans une société loin de la guerre, c’est donc l’univers qui combine philosophie de l’éthique et philosophie de la politique chez ce philosophe.

les mots clés : Philosophie de l’éthique , Philosophie de la politique, Cosmique, Absolue, Paix permanente

مفتتح:

    شكّلت الأخلاق والسياسة موضوعا هاما في تاريخ الفكر الإنساني عموما ، والفلسفي خصوصا، وسعى الفيلسوف من خلالها إلى وضع مجموعة من التشريعات ، والقوانين من شأنها أن تسيّر العلاقة بين البشر واختلفت هذه التشريعات من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى آخر، وبحث الإنسان في التشريعات الأخلاقية     عن قوانين تمكّنه من ممارسة حقوقه ، وسعى من خلال قوانين السياسة إلى ترسيخ ثقافة السلام، وتمتين عرى العيش المشترك، كونه الكائن الذي عانى من ويلات الحروب وشرورها، وهي القوانين التي تربط في نهايتها بالأخلاق، فنلمس في السلام روحا أخلاقية جديدة، وهكذا ارتبطت السياسة بالأخلاق، ويعتبر الفيلسوف الألماني “ايمانويل كانط” واحدا من الفلاسفة البارزين الذي عالجوا هذه المسالة ، قدم في هذا السياق طرحا متميزا، حاول من خلاله تجاوز كل الأطروحات التي تحدثت في هذا السياق، ويأتي التميز في طرح هذا الفيلسوف من خلال محاول بنائه نظرياته على أساس فلسفة الكوني ، سعى إلى وضع أخلاق كونية تتحدى تغيرات الزمان   وظروف المكان ، تتميز بالمطلقية توضع على أساس الميزة الاساسية للإنسان وهي العقل ، فهي فلسفة أخلاقية انسانية كونية ، مثالية أراد من خلالها أن يشرع للجميع، وامتدّت هذه العلاقة بين الأخلاق والكونية إلى فلسفة السياسة عنده ، وضع رسالة للسلام أراد أن يجعل منه هو الآخر كونيا ، يستقي مبادئه من خلال الأخلاق الكونية ، وهذا الارتباط جعلنا في النهاية نتساءل إلى أي مدى استطاع هذا الفيلسوف ان يربط بين مبادئ الأخلاق الكونية والسلام الكوني ؟ 

     إن هذه الورقة البحثية تسعى بطريقة أو بأخرى إلى تبيين كيفية الوصل إلى الأخلاق الكونية، والسلام الكوني في انطلاقا من فكر الفيلسوف الالماني ” إيمانويل كانط” ، وكيف أن مبادئ السلام الكوني تتماشى ومبادئ الاخلاق الكونية ، والهدف واحد هو  تحقيق الانسان لمجتمع يمكنه من ممارسة حقوقه الاجتماعية والسياسية والأّخلاقية ، ويمكنه من تحقيق العيش المشترك مع بني جنسه.

أولا- أخلاق للجميع :

    يقول “عثمان أمين” في مقدمة ترجمته لكتاب :” مشروع السلام الدائم” للفيلسوف الألماني ” إيمانويل كانط”  I. Kant  :” والنّاظرون في فلسفة “كانط” الأخلاقية …يعلمون أنّها أبعد الفلسفات الألمانية عن نزعات القومية ونزوات العصبية، ذلك أنها فلسفة لا أقول عالمية، بل إنسانية بأجمل وأرفع معاني الإنسانية” [1].

     يبدو أنّ فلسفة “كانط” الاخلاقية قد تجاوزت حدود زمانه، فقد شرع هذا الفيلسوف للإنسانية جمعاء، تشريعا وضعيا يجعل من القواعد الأخلاقية في نسقه، تتصف بصفة نادرة هي الكونية فعلا إن هذه الإنسانية التي تميز فلسفة “كانط” الأخلاقية ، تجعل منها فلسفة أخلاق كونية ، لم توضع لزمان محدّد ، ولا مكان معيّن، لم تأت إلى الوجود لتخاطب شخصا بعينه ، بل جاءت في صيغتها العقلانية لتخاطب الإنسانية جمعاء، وهذا ما جعلها تكتسي صفة المطلقية،  ليست تلك المطلقية التي تجعل الفعل الأخلاقي فارغا من محتواه، منعزلا عن السلوك البشري؛ أكثر من كونها نمطا يعلمنا احترام الواجب وتحرير السلوك الاخلاقي من الهوى والميول ، وفعل الخير في ذاته، فالقانون الأخلاقي لا بد أن يتصف بصفة الشمول والكونية ، أو بتعبير “كانط”: إن كل إنسان لا بد أنّ يسلم قانونا يراد له أن يكون قانونا أخلاقيا أعني قاعدة الإلزام ، لابد أن يحمل طابع الضرورة المطلقة”[2]  الضرورة التي تجعلنا في النهاية نلتزم بالفعل من اجل الفعل في حد ذاته، ما يجعل منه موضوعيا مرتبطا بالخاصية المحضة للعقل، ذلك هو الواجب لذات الواجب، والواجب هو الفعل الذي يحتم علينا الإلزام المطلق.

     يتجه (كانط) اتجاه المثاليين عموما،  حين يبني القيمة الخلقية على أساس العقل ، معتبرا أن القوانين الأخلاقية ، لا تستمد من طبيعة الإنسان ، ولا من عادات الناس  ولا من التجربة ؛ قال : ” وإن قاعدة الإلزام هنا لا ينبغي أن تلتمس في طبيعة الإنسان ، ولا في ظروف العالم الذي وضع فيه ، بل لا بد من البحث عنها بطريقة قبلية في تصورات العقل الخالص ، وإن كل التعاليم الأخلاقية المستمدة من التجربة البحتة ، لن نستطيع بحال من الأحوال أن نطلق عليها اسم القانون الأخلاقي “4، نفهم هذا أن اهداف “كانط” من وضعه القوانين الاخلاقية هو تطهير سلوكات الإنسان من كل شائبة يمكن أن تلحق بها، وذلك من خلال إبعادها عن المنفعة   والتجربة، وعادات الناس، وبالتالي فالقيم الأخلاقية مطلقة منزهة عن الغايات النفعية التي تفسدها، وإن ارتباطها بأي هدف نفعي خارج الواجب يفقدها قيمتها . وهذا الطرح الذي قدمه  “كانط” نلمس فيه حضورا للفكر الأفلاطوني داخل نسق هذا الفيلسوف. 

     لقد أكّد (أفلاطون) أن أحكام الناس من خير وشر ، صواب وخطا ينبغي ألا تخضع لمقاييس مثل مشاعرهم وأذواقهم الفردية ، وتجاربهم وأهوائهم الشخصية ، وإنما يجب أن تكون المقاييس ذات طابع عام وشامل لا يخضع للتطور والتغير ، فلابد أن تقوم على أساس ما هو عند الناس جميعا ألا هو العقل وحده[3].

    وترتبط المبادئ الأخلاقية عند كانط بالإرادة الصالحة المتوافقة والضمير ، ذلك أن هذه الأخيرة ، هي الأمر الوحيد الذي تعتبره البشرية خيرا دون قيد أو تحفظ ، أما باقي لذات الحياة فلا خير فيها يقول  : ” من بين الأمور التي يمكن تصورها في هذا العالم أو خارجه ؛ لا يوجد شيء يمكن عده خيرا على وجه الإطلاق دون قيد اللهم الإرادة الخيرة”[4]   .

      يجري “كانط” تحليلا للوعي الأخلاقي الجمعي مؤكّدا على أنه من بين كل ما يمكننا إدراكه في هذا الكون لا شيء يستحق اعتباره، بلا شرط، حسنا من غير الإرادة الحسنة la bonne volonté ، إن الإرادة الصالحة أساس الأخلاق ، كونها خيرة بذاتها لا بعواقبها ، وتظل خيرة حتى لو لم يستطع الإنسان تنفيذ مقاصدها  مادامت عملت كل السبل المتاحة لأجل ذلك[5].

     هذه الإرادة التي تجعلك تميز بين نوعين من الأوامر ، وتدفعك إلى القيام بأمر ، وتبعدك عن الآخر إنّها تدفعك للتمييز بين الأوامر الشرطية : وهي الأوامر المرتبطـة بما يحققه الفعل من نـتائج مـثل الأمر التالي : ” اجمع الـمال لـكـي تـشـتـري مـنـزلاً ” ، أو الأمر الـتالي : ” أهـتم بأي مـريـض كي أنال ثروتـه بـعد وفاته “. و الأوامر القطعية : وهي الـتي تطيعها الإرادة لذاتها، مـن أجل ما يـنطوي عليه من خير في ذاتها مثل الأمـر الـتالـي :               ” أفـعـل الـواجـب لـلـواجـب ” ، والإرادة الخيرة تدفعك إلى القيام بالأوامر القطعية وتصرفك عن الأوامر الشرطية لأنها ذاتية لا تخلق إلا الشر .

       والإرادة لا تكون خيرة إلاّ إذا عملت بمقتضى الواجب ، هذا الأخير الذي يمتلك طبيعة عقلية صرفة   وبالتالي فإن السلوك الإنساني لا يكتسي قيمة أخلاقية إلا إذا كان صادرا عن الواجب ، وإن كل سلوك يقتضي أن يلتزم بالقاعدة التي  تصدر منه  ، وبهذا تبتعد القيمة الأخلاقية عن الأهداف والبواعث ، فالوفاء للصديق يكون إلزاما للفرد حتى لو لم يكن له صديق ، أي الوفاء لأجل الوفاء لأنه خير بعيدا عن البواعث يقول                (كانط) :” القيمة الأخلاقية للفعل لا تكون في الأثر الذي ينتظر من ورائه ، ولا أي مبدأ من مبادئ الفعل يحتاج إلى استعارة الباعث ، ذلك أن  هذه الآثار المترتبة عن الفعل يمكن أيضا أن تنتج عن أسباب أخرى ، بحيث                    لا تكون حاجة إلى  إرادة الكائن الحي”[6]

ثانيا- القواعد الكونية للأخلاق :

    إنّ السلوك الصادر عن الإنسان لا بد أن يلتزم بالقاعدة التي تصدر عنه ، وتبعا لهذه المسلمة يضع (كانط) جملة من القواعد التي تقوم على مقتضى الواجب ، والتي يسير بفعلها السلوك الإنساني :

  1. قاعدة التعميم والشمولية:

   ” افعل كما لو كانت مسلمة فعلك تريد أن ترتفع إلى قانون عام وكلي”[7].

     لقد اعتبر “كانط” هذه القاعدة هي أساس سلوكاتنا الأخلاقية، هي المبدأ الذي نشتق منه القواعد الخلقية  ومتى استطاع الإنسان أن يبني سلوكاته على أساس هذا القانون كان مطابقا لفعل الواجب[8] ،  بعبارة أخرى  نحن لا نقوم في حياتنا بسلوك يمكن أن نعتبره أخلاقيا ؛ إلا إذا كانت له صبغة القانون العام، أي ما يسري على شخص معين يسري على شخص آخر دون استثناء، وبالتالي فإن التشريع لابد أن يبنى على اساسا الأمر المطلق ، وهنا بالضبط صلاحية العقل وقدرته التمييز بين الخير والشر وتوحيد معايير الأخلاق وفق ما يجعل القوانين مطلقة.

     وبالتالي فهي قاعدة كلية كونها مشتقة من التصور المجرّد للأمر المطلق، فهي تطالبنا بطاعة كل القوانين الكلية المتطابقة مع الواجب، أي المبادئ العملية التي تطبق على كل الكائنات العاقلة[9] .

  • قاعدة الغائية :

“اعمل بحث تعامل إنسانية متمثلة في شخصك ، كغاية لا مجرد وسيلة لبلوغ غاية[10]  .

      فالشخص الذي يعطي وعودا كاذبة  ، إنما يتخذ من الآخرين مجرد وسائل من اجل تحقيق رغبات ومنافع   فالقوانين الأخلاقية هي لجميع البشر ، واحدة في مصدرها لأنها من تقرير العقل العملي  ، وهي واحدة  في جوهرها لان أي قانون لا يكون أخلاقيا إلا إذا اتصف بالكلية والإرادة .يصوغ “كانط” هذه القاعدة على شاكلة أمر أخلاقي،  بعبارة أخرى، إذا كان المرء يريد أن يصدر عنه فعل أخلاقي حقيقي، فهو مطالب بأن يعامل ذاته وذات الآخرين كغاية لا كوسيلة. فإذا كانت الأشياء تكمن قيمتها في نفعيتها واستخدامها لأغراض ومصالح معينة؛ فإن الإنسان ليس بالشيء، فهو لا يمكن استغلاله لمصالح خاصة .

     فالإنسان كائن عاقل والتشريع الشامل يبنى على العقل، فالعقل كفيل بأن يقدم تصورات مستقلة عن كل عاطقة، ليس العاطفة فقط بل كذلك عن كل مادة محسوسة، فوعي القانون الأخلاقي ليس واقعة تجريبية، بل واقعة عقلانية خالصة، تجعل العقل هو الأداة التي تسن القوانين دون واسطة، لهذا يسمى عقلا عمليا                 خالصا [11] .

    وعليه فهذه القاعدة تتفق مع قاعدة التعميم الأولى، فإذا كان لا يمكن وضع الكذب ضمن قانون عام  ومن ثم بطلانه أخلاقيا، في القاعدة الأولى ؛فإنه بالمثل باطل، في القاعدة الثانية لأنه يجعل من الإنسان وسيلة ويمكنه من بناء قوانين الأخلاقية ليس لذات الواجب بل لغايات نفعية.

  • قاعدة الحرية :

“اعمل بحيث تكون إرادتك ، باعتبارك كائنا عاقلا ، هي بمثابة تشريع عام”[12] .

     فالقيمة الخلقية عند “كانط” لا تتوقف على النتائج التي يحققها أو الغايات ، إنما تتوقف هذه القيمة             على المبدأ أو القاعدة التي يستوجبها الفاعل في أدائه لهذا الواجب، فالقيمة الخلقية لأي فعل من الأفعال تكمن أولا و قبل كل شيء في مبدأ الإرادة بغض النظر عن الغايات التي يمكن أن يحققها مثل هذا الفعل، والذي يحدد الإرادة ليس المضمون التجريبي بل هو الصورة الخالصة للقانون .أي الواجب من اجل الواجب الذي تسمو فيه إنسانية الإنسان ، فالواجب هو ضرورة القيام بالفعل احتراما للقانون ، ذلك أن القيمة الخلقية للفعل تكمن في مبدأ الإرادة، وكل التصورات العقلية هي من العقل الخالص  قال “كانط” :” مقر جميع التصورات الأخلاقية ومصدرها  قائمان بطريقة قبلية خالصة في العقل “[13]

    وإذا كانت القاعدة الأولى تضمن العمل وفق قانون عام، والقاعدة الثانية تجعل الإنسان غاية في ذاته، فإن المرء إذا اكتفى بالخضوع للقانون من دون أن يكون هو واضعه، فسيكون مجرد أداة وليس غاية في ذاته                   وما دام أن العقل هو من يضع القانون، فإن الأمر ذاتي، مما سيجعل المرء يطيع نفسه، وعندما يفعل الإنسان ذلك؛ فهو تمام الحرية. فعندما تضع القانون بنفسك، فإنك تكون أمام إكراه حر تتحمل فيه المسؤولية كاملة    وحين يؤدي الإنسان واجبه فهو لا يخضع لأي سلطة خارجية، بل وفق التشريع العام الذي وضعه العقل                   ” فالعقل حين يشرع في المصلحة العملية يشرع على كائنات عاقلة وحرة، على وجودها المعقول المستقل عن كل شرط محسوس، إن الكائن العقل هو الذي يعطي نفسه بنفسه قانونا بعقله” [14] .

ثالثا- من الاخلاق الكونية إلى السلام الكوني :

      لقد اهتم “كانط” كثيرا بمسألة الاخلاق، وسعى جاهدا إلى تأسيس قانون عام وشامل، يسري وفق مبدأ الحرية لا يجعل الانسان غاية في حد ذاته لا مجرد وسيلة لبلوغ غاية، كما اهتم بالسلام، بحثا عن سلام كوني تصنعه ارادة الانسان وتشريعاته، لا يختص به إنسان دون آخر ، بل يسري على جميع الانسان ، فكما اتصفت الاخلاق بالكونية؛ كذلك يبحث هذا الفيلسوف عن سلام كوني .

      فمشروع السلام الدائم هو وسيلة من وسائل تحقيق الأخلاق الكونية، لأن الانسان يعيش في مجتمع  يحتاج ان يكون مستقرا بعيدا عن النزاعات، من أجل ممارسة حريته وتحقيق غايته الأخلاقية، وبالتالي بالنسبة لـــــــ”كانط”: “فإن نظريته في السياسة هي حتما جزء لا يتجزا من المبادئ والفرضيات لأخلاقية، وهذا يرجع غلى ان السياسة تتناول مسألة ما الذي ينبغي أن نقوم به في بيئاتنا الاجتماعية والسياسية، أو بمعنى آخر هي تختص بإرساء المعايير والضوابط التي تمكننا من تسوية الصراعات العامة التي تقوم على المصالح”[15]، وبالتالي فهو يبحث عن سلام كوني كامل وشامل شمولية القانون الأخلاقي، ليس ذلك السلام المؤقت، الذي يحتوي جملة من التعقيدات في حقيقتها تحول دون تحقيقه ، لهذا حرص :”كانط” على أن تكون المعاهدات بعيدة عن كل الأمور التي من شانها ان تحمل نية العودة للحرب، جاء في المادة الأولى التمهيدية لتحقيق مشروع السلام الدائم قوله:” إن معاهدة من معاهدات السلام لاتعد معاهدة إذا انطوت على أمر من شأنه إثارة الحرب                     من جديد” [16] ، وعلى منوال الفكر الاخلاقي سعى هذا الفيلسوف إلى تنقية العلاقات وتطهيرها من كل شلئبة يمكن أن تلحق بها، سوء نيات يمكن ان تعرقل مشروع السلام الكوني، وبالتالي كل اتفاق ينبغي أن ينبني على المطلقية –إن صح  التعبير- لا يترك أي مجال للشك، أو العودة إلى الوضع السالف، الوضع الذي يقوم      إثارة الحروب والشرور.

     كما ركّز على مسألة الحرية كواحدة من مبادئ السلام الكوني، كما كانت واحدة من مبادئ الأخلاق الكونية، مؤكدا على أن الدولة المستقلة كانت من كانت، لا يجوز أن  تملكها دولة اخرى، لأنها وباختصار ليست مجرد سلعة تباع وتشترى، أو شيئا ماديا مثلها مثل الارض التي بنيت عليها، إنها شخص معنوي كيان يمتلك بداخله جماعة إنسانية ، وحيثما وجد الإنسان لابد أن يوجد مجال واسع للممارسة الحقوق وتحقيق الحريات، وشبهها بالشجرة التي لها اصولها الخاصة، وبالتالي إدماجها في دولة اخرى معناه قضاء على ذلك الشخص المعنوي [17] ، إننا نلمس كونية في التشريع للسلام العالمي، خاصة وانه اتخذ من مبدأ الحرية الطريق الأساسي الذي يجب أن تسلكه البشرية من أجل تحقيق هذه الغاية، لأنه الدولة متى كانت مستقلة ستمكن الافراد في النهاية من ممارسة جميع الحقوق ، حيث ستصنع مجتمعا يمكن الإنسان من ممارسة حقوقه السياسية  وتحقيق مبادئ الأخلاق الكونية.

     ومطلقية مبدأ الحرية ، جاءت من حيث أنه في اعتبار “كانط” الحق الفطري الوحيد الذي يمتلك جميع الناس، بمقتضى إنسانيتهم وطبيعتهم العاقلة، هو الذي يمكن الانسان من ان يمتلك نفسه، ويكون سيدها[18].

     والسلام إذا أردنا أن يكون كونيا لا يجب أن يرتبط بمجرد وقف للحرب، بل لابد من حضور مجموعة من الضمانات التي تمكننا من إقرار هذا المشروع، والقضاء على أي عداوة ممكنة، تعرقل هذا الطريق، لهذا تحدث “كانط” عن مجموعة من القوانين والتشريعات التي من شأنها أن تحقق ذلك، وهذه التشريعات ليست مواضعات تعسفية، بل هي تشريعات لا تترك أي مجال للعودة إلى الحرب، لأن الحرب متجددة على الدوام، والبشرية تملك في داخلها شرارة العدوان، وذكر القانون المدني الذي يكون فيه الناس في شعب ما، وقانون الشعوب الذي ينظم علاقات الدول فيما بينها، والقانون العالمي الذي يقتضي بناء علاقات التأثير والتأثر بين الناس والحكومات  وكأنهم مواطنون لمدينة إنسانية شاملة [19].

     إنها فلسفة للعيش المشترك، سلام كوني يجعل الناس والدول يعيشون في مدينة عالمية حرة، لأن “كانط” أدرك أن الحرب من أعظم الشرور التي تسبب الدمار والفساد الأخلاقي ، أنه نظام عالمي  جمهورية فاضلة يتساوى فيها الناس على اعتبارهم أحرارا، تحكمها القوانين التي لا تترك أي مجال للعودة إلى الحرب والفساد والاتجاه تدريجيا نحو الاستقرار الذي يجسد ثقافة الانسانية ، في تكملة لمشروع الأخلاق الكونية الذي وضعها هذا الفيلسوف، وهي مشاريع تقوم على الحرية ، ويظهر جليا أن “كانط” كان مناصر للحرية طوال حياته                 أو كما يقول “زكي نجيب محمود”: ” ظل “كان” رغم شيخوخته نصيرا للديمقراطية والحرية…فلم يشهد التاريخ قبله كهلا شايع الحرية بحرارة الشباب وحماسته كما فعل “[20]، حتى وإن كانت غاية التشريعات السياسية هو تحقيق الاخلاق الكونية ، متى بنيت على الإكراه فإنها ستمثل قمة الظلم والخطر ، يقول في كتابه “الدين في حدود مجرد العقل”:” …ويل للمشرع الذي يحقق بواسطة الإكراه دستوراه موجها نحو الغايات الأخلاقية…إنه بذلك ليس هو فقط يحقق عكس الدستور الأخلاقي، بل هو يقوض دستوره السياسي ويجعله في غير مأمن…وهكذا فإن    من شأن مواطن الجماعة السياسية ان يبقى حرّا تماما”[21] ، إنه تمام المطلقية في الحرية، بحث عن حرية تامة في جميع الترشيعات وهذا من شأنه أن يحقق السلام الكوني  في أسمى صور التي تبحث عنها البشرية.

    إن اسمى الصور الأخلاقية هي سعي الانسان الى وضع مجموعة من التشريعات الاخلاقية والسياسية             التي لا تحد من الحرية ، والتي تجعل الإنسان في سعي دائم لتحقيق سلام كوني ، تتجسد فيه المساواة، كما تتجسد فيه ثقافة العيش المشترك ، هذا هو الدستور الذي أراده “كانط” ” ذلك الدستور الجمهوري القائم على مبدأ الحرية الذي يعتنقه اعضاء جماعة ما من حيث هم أفراد، يقوم على مبادئ تبعية الجميع لتشريع واحد مشترك على الساواة بين هؤلاء المخاطبين على باعتبارهم مواطنين…يجب أن يكون هذا الدستور هو الأصل الذي تبنى عليه جميع الدساتير، هو وحده الدستور الذي يمكن ان يؤدي إلى سلام دائم” [22] ـ إنه تنظير مسبق لثقافة العيش المشترك الذي نلمس فيه إقرارا بالحرية ، واحتراما للآخر، وتمتين عرى التواصل بين البشر، كما نجد فيه تأكيدا لمبدأ المساواة بين الناس، واحتراما لإنسانية الإنسان وتجسيدا لمبادئ الاخلاق الكلية .

    لهذا خصص “كانط” الصفحات الاخيرة من كتابه “مشروع للسلام الدائم” للحديث عن علاقة الأخلاق بالسياسة مؤكدا أنه من الخطأ القول بتناقض الموضوعين، بل إن السياسة تبقى في حاجة إى تنظير اخلاقي من اجل أن تحقق اهدافها المتعلقة بالسلام الدائم يقول :” السياسة الصحيحة لا تستطيع ان تخطو خطوة واحد إلا بعد آداء التحية أولا للأخلاق ، والسياسة في ذاتها فن صعب ، ولكنها ليست كذلك إذا جمعنا بينها وبين الأخلاق ، لأن الأخلاق تقطع في المشكلات التي تستعصي على الساسة[23] ، وكأني بهذا الفيلسوف يؤكد           على أن السياسي إذا اراد أن يسهل عمله ؛ يعتمد على الأخلاق كمنظر لقوانينه وتشريعاته، كذلك الأمر            مع السلام الدائم ، والعيش المشترك يجب أن تقوم مع الاخلاق لتحقق التمكين في عالم تسوده المتناقضات.

 على سبيل الختام :

      إن قيمة الفيلسوف الألماني ” إيمانويل كانط” في تاريخ الفكر الإنساني عامة والفلسفية خاصة؛ تتأتى                 من خلال أبحاثه المتماسكة والعميقة في الفلسفة الأخلاقية والسياسية ، فالأخلاق والسياسة تحتل مكانة مرموقة في فكر هذا الفيلسوف لاعتبارات كثير ومتعددة منها سعيه الدائم والدؤوب إلى وضع اخلاق كونية، أخلاق للجميع تتحدى تغيرات الزمان، وظروف المكان، تضع تشريعات مستحكمة لا تخاطب شخصا بعينه أو مجتمعا ما، بل تخاطب الإنسانية جمعاء، نمط من المثالية جعل فلسفة الاخلاقية ليست عالمية وحسب بل إنسانية ، تحيلها إلى أن تكون أخلاقا كونية، من خلال القيام بالفعل لذاته، أو كما يصطلح عليها المهتمون الواجب لذات الواجب  كما كان السلام من اهمّ اهتمامات هذا الفيلسوف، فهو لم يتوقف عند حدود وضع أخلاق كونية، بل سعى إلى وضع سلام كوني، تترسخ فيه ثقافة العيش المشترك، بعيدا عن شرارة الحروب، وويلات العدوانية، فوضع رسالة كتبها بعنوان” مشروع للسلام الدائم” أراد من خلالها ان يكون السلام كونية كما تكون الأخلاق كونية، مشروع سلام يوحد الأمم تحت راية واحدة اشتقت مبادئها من ميتافيزيقا الاخلاق أو من الأخلاق الكونية ، وفي الأخير يمكننا من ترسيخ فلسفة للعيش المشترك.  

الهوامش :


* سنة أولى دكتوراه جامعة محمد الامين دباغين سطيف 2 ، عضو مخبر المجتمع الجزائري المعاصر.

[1] عثمان أمين : مقدمة ترجمة كتاب مشروع للسلام الدائم، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، ط2، 1995                 ص 21.

[2] إيمانويل كانط : تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق ، تر : عبد الغفار مكاوي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة   ط 1 ، 1965، ص25، 26.

[3]   إمام عبد الفتاح إمام :فلسفة الأخلاق ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، القاهرة ، د ط ، 1990 ، ص 84.

[4] ايمانويل كانط: تأسيس ميتافيزيقا الاخلاق، المصدر نفسه، ص 17.

[5] يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة ، دار المعارف ،  مصر ، ط 5 ، د س ، ص 248.

[6] ايمانويل كانط: المصدر نفسه : ص 28، 29.

[7] المصدر نفسه، ص73.

[8]   زكرياء إبراهيم : كانط أو الفلسفة النقدية، دار مصر للطباعة، مصر، ط2، دس، ص 142.

[9]  آلان وود: كانط فيلسوف النقد: تر: بدوي عبد الفتاح، دار آفاق للطباعة والنشر، د م، د ط، دس                     ص 196.

[10]  ايمانويل كانط: المصدر السابق، ص 81.

[11] جيل دولوز: فلسفة كانط النقدية، تر: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1 ، 1997، ص 47، 48 .

[12] إيمانويل كانط: المصدر نفسه، ص 81.

[13] المصدر نفسه، ص45.

[14] جيل دولوز : المرجع نفسه، ص 53.

[15] عبد الحليم عطية: كانط وأنطولوجيا العصر، دار الفرابي ، بيروت، ط1، 2010، ص304.

[16] ايمانويل كانط: مشروع للسلام الدائم، مصدر سبق ذكره، ص 25.

[17] المصدر نفسه: ص 26،27.

[18] آلان وود: المرجع نفسه، ص 241.

[19] إيمانويل كانط: مشرع لسلام دائم، المصدر نفسه، ص 39، 40.

[20]  زكي نجيب محمود: قصة الفلسفة الحديثة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، دط،1963                 ص 214.

[21]  إيمانويل كانط: الدين في حدود مجرد العقل، تر: فتحي المسكينيي ، دار جداول للنشر التوزيع، بيروت  ط1، 2012،ص164.

 [22]  ايمانويل كانط: مشروع للسلام الدائم ، المصدر نفسه، ص ص 41،42،43.

 [23]  المصدر نفسه، ص 109.

شاهد أيضاً

الإبستيمولوجية

بقلم : أسامة البحري –1: الإبستيمولوجية و الإنفصال : مما لا شك فيه و حسب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *