الرئيسية / صدر حديثا / فالتر بنيامين: تراكيب نقدية

فالتر بنيامين: تراكيب نقدية


  • غريم غيلوتش ​باحث ومحاضر أول في علم الاجتماع في جامعتي سالفورد ولانكستر في بريطانيا.
  • ترجمة: مريم عيسى​ حائزة شهادة البكالوريوس في الأدب الإنكليزي من جامعة تشرين السورية

صدر عن سلسلة “ترجمان” في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب فالتر بنيامين: تراكيب نقدية، وهو ترجمة مريم عيسى بالعربية لكتاب غريم غيلوتش Walter Benjamin. ويمثّل هذا الكتاب مدخلًا يلقي الضوء من خلال قراءة متأنية ودقيقة على أهم أعمال فالتر بنيامين، إلى جانب بعض من مقالاته وخواطره التي لم تحظ بالشهرة نفسها التي عرفتها كتاباته الأخرى. ويقدم المؤلف فيه تفسيرًا جديدًا ورؤية مبتكرة للاستمرارية التي طبعت نصوص بنيامين الصعبة دومًا، والمتباينة أحيانًا كما تبدو.

بنيامين المفكر المعاصر

يتألف الكتاب (416 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من مدخل وسبعة فصول وخاتمة. ويقول المؤلف، في مدخل الكتاب، وعنوانه “بنيامين بوصفه مفكرًا معاصرًا أساسيًّا”، إن ثمة مفهومين محوريَّين في هذا الكتاب، الأول هو الفكرة القائلة إن هناك حياة لاحقة للشيء، ولا سيما العمل الفني، والثاني هو شخصية المهندس متعدد التقنيات. إنهما يلتقطان لحظتين من تفكير بنيامين الديالكتيكي: الهدم و(إعادة) البناء؛ إذ تشير الحياة اللاحقة إلى سيرورة الانحلال والتدمير الصبورة التي يبزغ فيها الشيء من سياقات سابقة، مجرّدًا من بعض مزاياه الأصلية ومكتسبًا في الوقت نفسه إضافات جديدة. وبحسبه، تمثّل أعمال بنيامين المتشظّية مزيجًا انتقائيًّا ومستفزًّا إلى حدّ كبير من المفاهيم والموضوعات والحوافز المستقاة من مجموعة مميزة ومتنوعة من المصادر: الصوفية والمشيحانية اليهوديتين، والرومانسية الألمانية المبكرة، والحداثة، ولا سيما السريالية، وماركسية غير أرثوذكسية إلى حدّ بعيد. وتشكّل كتابات بنيامين كوكبة معقدة أو تركيبًا معقدًا مع كتابات عدد من الأصدقاء والرفقاء، الذين تسهم تأثيراتهم المتباينة في تشكيل الطبيعة المتناقضة والغامضة والمحيّرة التي تتسم بها مفاهيم بنيامين الأساسية.

محايث وأنموذجي وسوداوية

يقدّم غيلوتش، في الفصل الأول من الكتاب، “النقد المحايث والنقد الأنموذجي”، عرضًا للموضوعات الرئيسة في أطروحة بنيامين لنيل الدكتوراه، ويأخذ من فكرة فيخته عن التأمل بوصفه تحققًا مستمرًّا لوعي الذات نقطة انطلاقه، ويشير إلى الكيفية التي ترجم بها الرومانسيون هذه الفكرة في ميدان الفن، حيث يُنظر إلى النقد لا بوصفه استعادة لمقصد ما أصلي قصده المؤلف، بل بوصفه تدخلًا تأويليًّا في حياة العمل الفني اللاحقة؛ إذ يتغير المعنى ويُعاد تشكيله مع كل قراءة وفهم للعمل الفني في سياقات وتراكيب تاريخية جديدة. وتكمن فكرة النقد المحايث في قلب عمل بنيامين، لا في نقده الأدبي فحسب، بل في دراساته للسلع الحديثة والأشكال المعمارية المدينية ووسائل الاتصال الجماهيري كذلك. ويورد المؤلف تلخيصًا لفهم بنيامين عددًا من المفاهيم الرئيسة في الرومانسية المبكرة واستعراضًا لأهميتها.

في الفصل الثاني، “المجاز والسوداوية”، يقول المؤلف إن بنيامين يتصور النقد ويقدمه بوصفه عملية من الهدم و(إعادة) البناء، بحيث يتمكن العمل الفني، من خلال تفسّخه وتحرره من التأويلات والسياقات التقليدية (الحياة اللاحقة)، من أن يعيد تموضع ذاته ويعيد تشكيلها وافتداءها بوصفها جزءًا من نسقٍ أوسع (مثل الفسيفساء، ومثل التركيب). والإذلال و(إعادة) الهندسة، هذان العملان النقديان، لا يعيدان خلق العمل الفني فحسب (أي تسليط الضوء عليه بأسلوب جديد)، بل يعيدان خلق النقد أيضًا بوصفه جنسًا (إعادة وضع مفهومه وتحديد وجهته بوصفه ممارسة)، حيث يتجه النقد إلى اللحظة التي تتجلى فيها حقيقة العمل الفني فجأة في الوقت الذي تخرج الفكرة إلى الضوء بوصفها تركيبًا، أي حيث يتجه، بمعنىً آخر، إلى لحظة الأصل.

مدينة بممرات مسقوفة

أما في الفصل الثالث، “من مشهد المدينة إلى عالم الأحلام”، فيذهب غيلوتش إلى أن توسيع الآفاق النقدية لا يعني التخلي عن مبادئ النقد المحايث التي طوّرها بنيامين في دورة إنتاجه الألمانية. بل على العكس، ستنتقل هذه المبادئ من العالم النصي إلى عالم التحليل المادي، وتكتسب تصريفًا معاصرًا: الشكل السلعي بدلًا من العمل الفني بوصفه شذرة مونادولوجية، والحطام المعماري بدلًا من النصوص المُذَلَة، والصورة الفكرية بدلًا من الأطروحة، والمونتاج السينمائي بدلًا من الفسيفساء، والصورة الديالكتيكية بدلًا من أصل التكوين. وربما تغيرت مفردات بنيامين المفهومية، إلا أن المبادئ بقيت نفسها: التهديم، والتشذّر، و(إعادة) البناء، والتمثيل.

ويرى المؤلف، في الفصل الرابع، “باريس والممرات المسقوفة”، أن مشروع الممرات المسقوفة يتميز بأنه دراسة عميقة وآسرة لأصل الثقافة الرأسمالية الحديثة وتطورها. في هذه الدراسة، يتوسع بنيامين في إعادة تشكيل النقد المعاصر من خلال تقديم نقدٍ تاريخي مادي مسهب لباريس القرن التاسع عشر، وهو نقد غير تقليدي تمامًا، لكنه موحٍ. وتحقيقًا لهذه الغاية، يتحوّل عدد من المبادئ النقدية التي طورها سابقًا في ما يتعلق بالتحليل النصي إلى تقنيات لقراءة ثقافة الماضي القريب المادية. ومثل سابقتها الألمانية، أولت دورة الإنتاج الباريسية الأهمية للكشف المحايث عن المضمون الحقيقي، والإذلال والحياة اللاحقة، والموناد والتمثيل المتشذّر. ويمثل مشروع الممرات، في الوقت نفسه، انخراط بنيامين الثابت والواضح مع التقليد الماركسي ويشكّل، من حيث الموضوعات والمفاهيم، مقابلًا مهمًّا للتحليل المادي التقليدي وتقويمًا له.

ثقافة ونقد وأزمات

يرى غيلوتش، في الفصل الخامس، “الثقافة والنّقد في أزمة”، أن بنيامين يقول إن بريخت عبّر، بصفته المهندس الجمالي الأمثل ومتعدد التقنيات، عن تجارب حاسمة وأظهر استجابات جوهرية حيال الظروف السياسية المتقلقلة والمهدِّدة باطراد في ذلك العصر، وحيال تفجّر الثقافة البرجوازية التقليدية. ووسط هذه الأزمات، كانت الضرورات السياسية، لا التفصيلات الفلسفية، هي ما يقف وراء كتابات بريخت وبنيامين، وهي ما شكّل أساس صداقتهما. ومن المهمّ الإدراك أن افتتان بنيامين بتقنيات الدراما الملحمية ينطوي أيضًا على استمرارية مهمة لمحاولته المتواصلة إعادة خلق النقد وعلى تطوير وإعادة تشكيل لها؛ نقد لم يعد يُنظر إليه على أنه مسعىً أدبي مميز (أو مركزي)، بل مشروع ثقافي أوسع وتدخل سياسي عاجل.

في الفصل السادس، “بنيامين على الهواء – بنيامين عن الهالة”، يكتب غيلوتش: “على الرغم من أنّ تأملات بنيامين بشأن الراديو والتصوير والسينما تعدّ من بين أكثر كتاباته المادية صراحةً، فإنها تتّحد لتعبّر عن رؤية ماركسية شديدة الخصوصية حول الإمكانية الراديكالية التي تتمتع بها وسائل الإعلام الجديدة والأشكال الثقافية الشعبية”. وبضمها إلى نظرائها من الأعمال غير التقليدية، يمكن الحصول على تقويم للثقافة الشعبية/ الرائجة التي تتجنب الخيارَين المفهومَين التقليديَين للتحليل الماركسي الفجّ: مطرقة الاحتفال الساذج بالثقافة الشعبية بوصفها التعبير الأصيل عن البروليتاريا والفن الثوري الخاص بها، أو سندان الاستنكار الكلبي لهذه الثقافة بوصفها أداة أيديولوجية في يد الطبقة الرأسمالية المسيطرة.

حب من النظرة الأخيرة

جمع المؤلف في الفصل السابع، “حب من النظرة الأخيرة”، عددًا من موضوعات بنيامين المحورية في ثلاثينيات القرن العشرين، مأخوذة من كثرةٍ من انتصاراته ضيقة النطاق: المجاز، والسوداوية والسلعة، وتحول الفن والجماليات والتجربة في المتروبول الحديث، والتسكع والصدمة والتذكر، والكارثة والإنقاذ والأمل. تشكّل هذه الموضوعات تركيبًا يتخذ محورًا له سوناتة بودلير “إلى عابرة”. في الحقيقة، إنها الحوافز التي يجدها بنيامين في قلب عمل بودلير ما إن يُطْلَق بعكس التيار، على الرغم من أنها انشغالاته واهتماماته الخاصة فعلًا. هكذا، يتملّك بنيامين بودلير في نقده للحداثة، تمامًا كما استخدم غوته في النقد المحايث؛ فهذا ما يرى أنه راهنية بودلير.

يقول غيلوتش، في “خاتمة: نحو تركيب معاصر”، إن الهدف من وراء هذا الكتاب قراءة بنيامين وفهمه وتذكّره بوصفه إحدى أهم شخصيات النظرية الاجتماعية المعاصرة. وانطلاقًا من هذا المسعى، حاول المؤلف توفير مقدمة إلى أعمال بنيامين: إنها مدخل إلى أفكاره، ودعوة إلى الاشتباك معها والانضمام إليها وتشكيل تراكيب جديدة برفقتها، ودعوة إلى تفعيلها في صراعات اليوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ إذ يجب على المرء ألا يكون تلميذًا لنصوصه فحسب، بل مهندسها كذلك. ويختم: “هذه ليست خاتمة، بل نقطة انطلاق نحو مزيدٍ من الإقحامات المستمرة، ونحو تراكيب مستقبلية لا نهاية لها”.

شاهد أيضاً

مفاهيم رؤى مسارات وسير كتاب جديد لسعيد بوخليط

عمان،الأردن: صدر عن منشورات عالم الكتب الحديث الأردنية، عمل جديد للباحث سعيد بوخليط ؛ تحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *