الرئيسية / Non classé / ديداكتيك الدرس الفلسفي الى اين؟

ديداكتيك الدرس الفلسفي الى اين؟

محمد بصري

محمد بصري / القنادسة الجزائر

احيانا أنسنة الفكر وتجريده الجبري من إنكشافات الميتافيزيقا، لا يعني أسطرة وتسخيف الماورائيات وإخضاعها بصورة غير منضبطة للقصف الابستيمولوجي .هي مخاطرة فكرية، غير تبجيلية ليست بريئة من الايديولوجيا ولو لبست اللبوس الاكاديمي.أحيانا كنت أقول ان الفكر الاكاديمي خطر على الفلسفة لانه صادرها  حقها العملي والبراكسيسي وجعلها بدون روح نضالية وحولها الى مومياء في متحف عتيق أو قل عشبة وحشية معرضة للانقراض، تم وضعها في قفص زجاجي للفرجة يرمقها هواة الترحال والسياحة الفكرية . يجب ان تنزل الفلسفة الى الشارع والسوق والمواطن الاجتماعية لكن بكثير من الاحتفالية. ما فعله الاكادميون المسيجون بقواعد الكتابة تحت درجة الصفر هو أن حولوها الى مفرقعات لفظية مجهولة الهوية ومفردات عيارها ثقيل وفهمها سقيم .وفضاءا للتراشق الاصطلاحي الجاف والمجرد . ان الحلم السقراطي بات هرطقة وأفيون اكاديمي بائس.

 لا يمكن قراءة الافق التراكمي الثقافي  الكلاسيكي الأثيني بشقيه الهليني والهلنستي، إلا كأحد  نواتج البواكير الفلسفية الاولى المبكرة  المنتجة، لفعل التفلسف الذي ترتد اثاره الى  البدايات الاولى للتفكير الاسطوري و الميثولوجيات التقليدية .فكل نمط تفسيري للكون والإنسان، لا ينفصل عن الانساق الميثولوجية .الاسطورة هي القلب النابض بالحركية التساؤلية للفلسفة ويغدو التفريق بين التفكيرين نموذجا من الوهم االأبستيمي الذي يتوق لفكرة الخلاص العقلي النظري المجرد.علينا ان نتذكر محاولات عميد العقلانية التنويرية  عمانويل كانط الذي لم يقدر التخلص من الميتافيزيقا او قلبها من المركز الى الهامش فأسس لها من خلال بعثها كمسلمة واعية حاضرة في العقل الانساني. أزمة الفلسفة كانت دائما تواصلية . التعاطي الفكري السليم مع الفلسفة في تجلياتها التاريخية يؤكد انها كانت مأزومة مدرسيا ومفككة سكولائيا.حرب الامكنة وصراع الفضاءات التي بمقدورها أن تستقطب نقاشات حرة و غائية ووجودية عند الاغريق، لم تستوعب أبدا كيفيات تحصيل الدرس الفلسفي. الفلسفة لا تتنفس في الامكنة والمساحات الفراغية او المأهولة. هي تعاليم وجدل متعالي لا يمكن تجسيدها و إدراجها في الحدائق والمنتزهات والجذران الزجاجية والفصول البائسة ،  عمل نظري مثل هكذا مراس .يبدو فيه الفكر الحر أقرب الى الكآبة والتلقين اليسوعي وهو يعاني نمطية القوالب و جاهزية الدوغمائيات..الفلسفة لا يتم تدريسها إلا تحت بواعث التهديد الانطولوجي الذي رافق مسيرتها .في البدء كان الانسان الفيلسوف .الذي ما فتأ يتساءل عن مصيره وأصوله وقضايا الخلق والجدوى من الوجود؟

الفلسفة في مضمونها وافقها الكوني تخاطب الضمير الانساني هي ضد التأسيس الممنهج  للجهل  الارثودوكسي بتعبير اركوني. او مأسسة العبثية الثقافية بناءا على تكوين سكولائي وبرامج مدرسية رجعية ليست من مهام الفكر الفلسفي وبالتالي كل الانظمة التربوية التي باتت الفلسفة جزءا من نسقها التربوي أقحمت الفلسفة في واقع مدرسي رديء وعدمي غير غائي. او بالأحرى أُرغمتها  على التمشي وفق قوالب ديداكتيكية مفروضة وجاهزة حيث تحول منهجها الازلي من كونها فضاء للجدل النقدي والشكي، الى حالة من الاقناع المبتذل بنظريات وأفكار تاريخية قصد تثبيتها في ادهان المتعلمين، على اساس انها نواميس ثابتة وحلول جاهزة لمعضلات الكون والإنسان..ما يشبه خيانة البدء او اغتيال منظم للثقافة الفلسفية. ما يتم تدريسه في البرامج العالمية ليس إلا جغرفيا سطحية لميثولوجيات انتهت صلاحية تسكعها في التاريخ الانساني.او تفاسير سلوكية للبنية النفسية للإنسان.حتى بات من الصعب جدا التمييز فيما اذا كان ما ندرسه أنتروبولوجيا او نظريات انسانية نفسية او تاريخ افكار .بل اصبحت الفلسفة تدرس فضلات العلم بتعبير كلايد كلوكهون  في كتابه “الانسان في المرآة” .كل ما تتوجس منه العلوم الاخرى وتنفر وتتخلص منه  خاصة الانسانية منها  بات من نصيب الفلسفة.من العبث والظلم تحويل الفكر الفلسفي العميق الى قمامة ثقافية تعيد انتاج النقاش السوفسطائي التافه.

تخليص الفلسفة من اوهامها السكولائية يبدأ من انتشالها من سطوة سدنة المعبد الذين تعاقبوا تاريخيا على حجبها داخل الاسوار والأضواء الباهتة . وفرض  واقع نظري اكاديمي مجرد جعلها فريسة الانساق و المفاهيم .فتوقفت عن الترحال وأصبحت نماذج تلقينية تعبث بها لجان التأليف والإنشاء المدرسي.حينها تغدو مهمة صانع المنهاج هو تعبيد الطريق امام الثقافة الرسمية وتحشييد الاراء التي تتناغم مع توجه سياسوي وحيد و شمولي،  تتطابق  معه غايات واهداف” رجال الدين والساسة وتوجه الدولة  والأكاديميين.1  الثقافة الرسمية التي تحدد الكل.

الديداكتيك  عبر استراتيجيات البيداغوجيا  المعاصرة التي تتبدل حسب مطالب  السوق و التحول السيكولوجي للأجيال  وتوصيات المؤسسات الدولية الكبرى التي ترعى الثقافة والتعليم. هذا الديداكتيك في تخريجاته الاخيرة وهو محمل بالنماذج المهنية واللبيرالية والكفاءاتية الغرض منه  استنزاف بيداغوجي لحقول الفلسفة وموضوعاتها الكبرى لتساير اوضاعا اجتماعية و مطالب اقليمية وصراعات دولية  فقط .  يجب ان  نتذكر هنا كيف تم الزج بالفلسفة في الخطاب السياسي المضاد لأطروحات الارهاب وعملياته خاصة بعيد احداث ايلول الاسود 2001 حينها تم التشكيك في  المخزون القيمي الذي تقدمه الفلسفة ومذاهبها الاخلاقية للاتجاهات التربوية وهو ما انبرى للدفاع عنه جاك دريدا ومحمد اركون في حواراتهما الساخنة بعد انهيار البرجين العتيدين.  المغالطة تبدأ من تهمة ثقافية ذات بعد بيداغوجي وايديولوجي .وكأنه حري بالفكر الفلسفي ان يصلح اخطاء الحداثة ويحتوي نواتجها الضارة.

عدمية الفلسفة بدأت من القذف بها في اتون نسقية مغلقة .باستدعائها لإصلاح اخطاء بنيوية تاريخية في المدرسة وتوريطها أنطولوجيا في قضايا هامشية تختلف عن مهمات البدء التي دعا اليها سقراط وتمحورت حولها الوصايا الطبيعية الاولى للفلسفات الاغريقية. تنزيل الديداكتيك الفلسفي الى انظمة بيداغويجة تؤطر السلوك الفكري وتستبيح الاليات المنطقية للدرس الفلسفي هو شكل من الخيانة المنهجية الكبرى .اخضاع الفلسفة الى أن  تسبح في ديداكتيك عام كلياني تشترك فيه كل المواد المدرسية هو اسلوب مدرسي زائف ميئوس من نتائجه .

يمكننا ان نتخذ مسافات ديداكتيكية تاريخية من الدرس الفلسفي كما نستطيع إستلهام التجربة النقدية التساؤلية الكانطية في تبليغ وصايا سقراط وفيدون،   لكن لا يمكننا ان نشحن مخيال المتعلمين بالوصايا التلقينية والدوغمائية والنسقية عبر ديداكتيك هو في حد ذاته تهديد لوجود الفلسفة وهدم منظم لوسائلها وآلياتها .البيداغوجيا عبر نظمها التربوية وحمولاتها المنهاجية والديداكتيكة كانت تنكيلا للدرس الفلسفي بجره الى غرفة الاعتراف الايديولوجية.أنت تُدرس التلميذ الحرية لكن تُغرقه في وحل المواطنة الجاهزة والرسمية والجبرية.هنا يغدو الدرس الفلسفي السقراطي نمطا انشاديا يسوعيا او تراتيلا جماعية للنصوص المبجلة.

ما تجهله الشموليات والايديولوجيات التي تتخذ طابعا سرديا ان الفلسفة ليست للامتلاك بتعبير شوبنهاور وليست تملكا بحثا بتعبير جاك دريدا. قد تكون كمدرس للفلسفة كانطيا في مرحلة ما  من تمشي الدرس لكن سرعان ما تتحول الى هيغل و انت تجوب مفاصل التاريخ العقلي للبشرية لتلتحف بعدها  بعباءة ابن رشد وتمتطي محرابه  و انت تتجول في أروقة وشوارع  قرطبة ومراكش وتراجع مهارات المتكلمة في دفاعهم عن العقل  ضد الخطاب الديني.لان الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه جماعة كتاب المقالات الفرنسيين او المدرسة التعليمية الكوندروسيه انها أنزلت الفلسفة للعمومي لكنها في الواقع أسقطت  حجية وخصوصية الفلسفة برفعها لما هو رسمي. بإضفاء الطابع البراغماتي والذرائعي عليها أي  بجعل الفكر النقدي في خدمة السلطة وناطقها الابدي.

تفكيك الحصار على تعليمية الفلسفة والإغلاق المضروب حول راهنيتها وتميزها التعليمي يبدأ من تحرير منهجها وإعادة النظر في أنماط الديداكتيك الوافد والرسمي والعابر للقارات.عولمتها تعني قتل غير مبرر لها بل دبح تاريخي  مع سبق الاصرار البيداغوجي غير المعلن. اسعدتم صباحا ايها الفلاسفة.

المراجع:

  1. ادوارد السعيد  خيانة المثقفين ص 204  ترجمة  اسعد الحسين  دار نينوى .

انسانية الحقيقة وازمة السير الذاتية وتعقيداتها: شوبنهاور وسارتر نموذجين

‏5 أيام مضت عامةفلاسفةنصوص 0

محمد بصري محمد بصري مفتش التربية الوطنية  القنادسة الجزائر كثيرا ما كنت اتساءل بانزعاج مفاهيمي باحث عن الحقيقة و إستنفار اليقظة التي تستدعي وعيا مبدئيا بالحقيقة في تمثلاتها الفلسفية والتي تنشد الافكار في تماسكها الاصيل .حياة الفلاسفة التي تشبه اساطير البدء .لوحة يبدو فيها زيوس سيد الالهة الاغريقية وهو يرتدي …أكمل القراءة »

التقويم الشامل: البكالوريا ومفارقات التقييم والتقويم

18 يوليو 2019 ديداكتيك الفلسفةمجلاتمقالات 1

بصري محمد  القنادسة الجزائر      التقويم في الفلسفة: نحاول في هذا المقال الدخول الى المفاصل الاولى للتقويم الشامل الذي بات ظاهرة تربوية منفلتة من التأطير الديداكتيكي جراء مراس  وواقع بيداغوجي مضطرب ينذر بفشل قريب للتنزيل الديداكتكي للفلسفة في الفضاء العمومي. خاصة وان الدوائر الاجتماعية والسياسية والثقافية بدأت تتذمر من النتائج …أكمل القراءة »

الدرس الفلسفي في الجزائر قراءة في المنهاج والكتاب المدرسي

23 يونيو 2019 ديداكتيك الفلسفةعامةمقالات 3

   بقلم: محمد بصري  مفتش التربية الوطنية فلسفة / القنادسة  الجزائر          يتعين على أي دارس في التعليمية ان يتخلص من أوهامه النظرية المجردة. ليحيل منتوجه الدراسي إلى توصيف تقني صرف. خاصة وهو يقايس الطابع المضاميني الى ما يقابله من نماذج سكولائية في علوم التربية، أي يحيله من سكونيته الفكرية …أكمل القراءة »

كانــــــــط والخبز العربي

8 مايو 2019 عامةفلاسفةمقالات 0

رحلة قصيرة في ثقافة صانع العقل الانواري  بقلم بصري محمد  مفتش لتربية الوطنية (القنادسة ، الجزائر) ذات مرة زرت أستاذا في صفه و بين تلامذته ،له من الكفاءة والتواضع الكبيرين ما جعله قدوة واحترام .كانت الزيارة في مدينة تنركوك “زاوية الدباغ” مدينة تيميمون العريقة بولاية ادرار الصحراوية . كان الزمن …أكمل القراءة »

الثقافة بين الأكاديمي والرسمي والسلطوي

3 مايو 2019 أخرىعامةنصوص 1

بقلم بصري محمد مفتش التربية الوطنية (فلسفة) – الجزائر      ليس من السهل ان يتغلب المبدأ المثالي على  الواقع. لا يوجد ما يسمى حلولا وسطى أو منطقة وسطى، الثقافة الحقة والوظيفية ان تبقى مصمما واثقا متشبتا بمفاهيم الحياة، محترما لقيم الانسانية مناضلا عازفا عن كل ما يخل بتوازنك الثقافي والعلمي …أكمل القراءة »

الفلاسفة وكبوة الجنون : الجنسانية والمرأة والثورة على القيم

16 يوليو 2019 دراسات وأبحاثفلاسفةمواعيد 1

شذرات من فلاسفة الحضور محمد بصري محمد بصري  فوكو و التوسير: الغريب ان فوكو البنيوي والتوسير الماركسي البنيوي كانا في نفس المصحة العقلية تحت اشراف عالم النفس الفرنسي اللامع “جون ديلا “.لكن المؤسف ان التوسير انتهى بشنق زوجته حتى الموت سنة 1980 وأًدخل اقامة جبرية شديدة الحراسة، في الوقت الذي …أكمل القراءة »

مقاربة الكفاءة وغربة الدرس الفلسفي

19 يونيو 2019 ديداكتيك الفلسفةمجلات 2

بقلم محمد بصري مفتش التربي الوطنية بين الملكة والكفاءة تساءلت دائما لماذا جيراننا عن اليمين وعن الشمال  الأشقاء. عن تونس والمغرب أتحدث يلتزمون بالقواعد اللغوية وجينالوجيا المفهوم خاصة عندما يتعلق الامر بحقول التربية .فالنظام البيداغوجي ينطلق من منظومة الكفايات “اي القدرات ” واستراتيجيات التمهير الدراسي بينما انظمتنا التربوية لا تتردد …أكمل القراءة »

من التاريخ السياقي إلى التاريخ كحاضر أبدي

9 يونيو 2019 بصغة المؤنثعامةنصوص 0

في نَعتهِ للفلسفة بوصفها ”نزعة تاريخيّة مُطلقة” تمحْور اهتمام الفيلسوف الإيطالي المعاصر بندتو كروتشهBenedetto Croce على شرح عبارة ”فلسفة التاريخ” في سياقاتها الزمنيّة التي وردتْ فيها، ليتولّى لاحقاً إضفاء مدلولات جديدة عليها تتنكّر لمضامينها القديمة كتلك التي جاءت في كتب فولتير Voltaire، لتنتهي تحليلاته في نهاية المطاف إلى وضع مُعادلة بين الفلسفة والتاريخ، مُلغيا بذلك كلّ ثُنائية ممكنة بشأن موضوعين يُفترضُ أنّهما يختلفان في المضمون وكذلك في المنهج، وقد انتهتْ تحليلات كروتشه إلى تأسيس فلسفة وتاريخ جديدين تنتصر فيها إرادة الإنسان في الواقع بعيداً عن كل تعال أو مفارقة. يَسْتجلـي هذا المقال الخطاب التاريخي عند كروتشه بوصفه الحاضر الأبديّ كما يحلو لصاحبه أن يطلق عليه، فالقاموس الجديد للمصطلحات يجعل الاهتمام ينتقل من ”التاريخ السياقي” إلى ”التاريخ كحاضر أبدي”، الأمر الذي يَسْقُط معه التحقيب التاريخي المعتاد الذي يُقسّم الزمان إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فكيف يتمثّل كروتشه قضيّة ”المعاصرة التاريخيّة” وما هي مسوّغات القول عنده؟أكمل القراءة »صفحة 1 من 5

شاهد أيضاً

معالم الحجّ نحو التفكير النقدي

رضى حليم رضى حليم: باحث مغربي أضحى التفكير النقدي من أهم الأسس التي تقوم عليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *