الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الواقع في مدركات العقل الفلسفي

الواقع في مدركات العقل الفلسفي

علي محمد اليوسف

كلمة خارج المتن

 يجد البعض في مقالاتي الفلسفية توجها منهجيا نقديا يتجنبه غيري في عرضهم أفكار فلاسفة الاغريق والرومان القدماء وفلاسفة غربيين محدثين ومعاصرين, وربما يذهب تقديرهم القيام بمهمة مجاراة أولئك الفلاسفة الكباربتوجيه النقد لآرائهم ليست مسألة سهلة نستطيعها.. لكني أفتقد غيري الاكفأ الاضطلاع بالمهمة الصعبة التي أتبّعها في مقالاتي , مكتفيا بدعوتي أنه يتوجب علينا الخروج من شرنقة الانبهار الصنمي بآراء فلاسفة غربيين غير معصومين من النقد القاسي في بلدانهم وفي اوربا وامريكا ودول العالم الاخرى كافة ونحن نتصبّب خجلا ونتهيّب وجلا في نقدنا لهم , مكتفين بعروض آرائهم وتفلسفهم وتقديمنا فروض عصمة أفكارهم عن النقد والتصحيح ,وتعودنا لما يذهب له شارحوا مباحث الفلسفة والمترجمين والمستعرضين والمعلقين عندنا في كيلهم أشادات التبجيل والمديح لهذا الفيلسوف أو ذاك بما لم يحظ بمثلها في بلده ولا خارجه, ولا يفهمني أحدا خطأ أنني أتجاهل حقيقة نحن مسبوقين بمراحل زمنية وعصور طويلة من التخلف عن مجاراة الغرب أفكارهم ومعارفهم وفلسفاتهم, ولست متجاهلا مثل هذا في مكابرة فارغة لا معنى لها..

ولكنا لا نعدم وجود كبار من مفكرين عرب ومسلمين معاصرين قاموا بتلك المهمة النقدية لخطابات الفكر والفلسفة الغربية منذ بدايات التفكيرفي المشروع النهضوي العربي – الاسلامي بداية القرن التاسع عشر الميلادي, بكل أقتدار وكفاءة لكن جهودهم تلك بقيت جزرا متناثرة وغير موحدة ضمن مشروع فكري فلسفي نقدي عربي أسلامي يؤسس لمرحلة نخرج فيها من التبعية المنقادة لما تنتجه تيارات الفلسفة الاجنبية المعاصرة وهذه غيرها المثاقفة الحضارية بين الامم التي لا مجال في رفضها… بمختصر العبارة أدعو لما سبقني أليه غيري أهمية تنمية الحس النقدي الفلسفي والمعرفي الفكري لدينا , وربما لا أجاري غيري بالاقتدارفي مهمة لا يستطيع أنجازها والقيام بمهامها شخص ولا عدة أشخاص لكن حسبي أني ذكّرت عسى تنفع الذكرى…..

 مفهوم العقل عند هيوم ولوك

لا أجد أثمن من قيمة العقل النوعي عند الانسان ….(ع..ي)

ذهب كل من ديفيد هيوم وجون لوك أن العقل مجرد قطعة جامدة من الشمع تشكلها التجربة الحسّية كما تريد, بينما رأى كانط العكس من ذلك في العقل أنه نشاط فعال يتلقى التجربة وينظمّها ويسكبها ويصوغها في فكر. (1), وتشكيك هيوم وتطرّفه في الحكم على العقل جعله يعتبره مجموعة أحساسات وصلت أليه وأستطاعت تنظيم نفسها بالذهن بمعزل عنه وأن تتحول الى فكر منّظّم (2) ..

أننا نعجب حقا أن يكون ديفيد هيوم هو صاحب العبارة النافدة الصائبة كبد الحقيقة المتناقضة مع رأيه الآخر السابق قوله (أننا لا ندرك العقل بالحواس كذات مستقلة ) والتي تفصح عن تناقض ظاهر مع ما سبق له قوله أن العقل مجموعة أحساسات وصلت له عن طريق الحواس.ولا وجود للعقل ولا العالم الخارجي من غير مدركات الحواس…

ربما نكون متعجّلين في أستنكار صدور مثل هذه الافكار التي لا تحتاج كثيرا من العناء لبيان هشاشتها ولا معقوليتها المنطقية الفلسفية قبل تخطئتها العلمية تجاه العقل الذي أعتبره هيوم في حال وجوده, أنه يكتفي أن يكون متفرجا في ملعب مباراة تنظيم الاحساسات نفسها داخله, بقدراتها الذاتية بمعزل عن مداخلات العقل وهو يشتاط غضبا ويحتضر من الغيظ, أمام لا حقيقة وخطأ فرضية المناطقة الوضعيين الجدد أن العقل لا شيء يمكن أثبات وجوده في عجز قدراته قبل وبعد قيام الاحساسات داخله أنجاز مهمتها في تحويلها مدركات الحواس ذاتيا الى معطيات أدراكية موضوعية بدلا من قيام العقل بالمهمة كما هو المعهود في الفهم العلمي والمعتمد فلسفيا..

هناك رأي علمي وفلسفي يذهب بناء على ما سبق ذكره  رفضه التام لهذه الاشكالية الفلسفية المفتعلة, في توضيح متواضع ومتفق عليه أن الاحساسات سيول بالملايين من الاشعارات والتيارات المتدفقة بلا هوادة تجاه الدماغ داخليا في الثواني والدقائق والساعات,سواء ما يتعلق منها ما تنقله الحواس عن العالم الخارجي,, او الاشعارات التي يستلمها الدماغ من جسم الانسان داخليا مثل اشعارات الجهاز الهظمي او الدورة الدموية او احساسات العضلات والجلد والعواطف والانفعالات وغيرها بما لا يمكننا حصره,,, وهي بواعث تحفيزية عشوائية غيرمنتظمة مصدرها الحواس والاحساسات الداخلية كما ذكرنا, ,..

أشعارات ألاحساسات الصادرة عن الحواس هي غيرها الاحاسيس التي يكون مصدرها سايكولوجيا النفس وأستشعارات الجسد الداخلية وليس الحواس, فنحن ندرك أحاسيسنا بالعاطفة والضمير والوجدان والحس الاخلاقي والحب والشعور واللاشعور النفسي بما يدعى سايكولوجيا النفس وليس بالحواس التي يكون مجال اشتغالها نقل المدركات الحسية أي أحساسات العالم الخارجي الى الدماغ فقط عبر آلية منظومة الجهاز العصبي… التي تصل أشعاراتها في تيارات فوضوية بلا أدنى توقف الى العقل بمعناه الوظيفي الفسلجي العلمي وليس بمعناه الفكري التجريدي الفلسفي الذي لا يقوم على آلية التجربة العلمية الادراكية في تداخل العقل مع الحواس كما هو الحال عند هيوم ولوك,.. العقل التجريدي الفلسفي غير التجريبي كان أول ما أعتمده هو كانط في كتابه الشهير (نقد العقل المحض) متحررا فيه من أيّ التزام تجريبي يمليه عليه العقل العلمي..مكتفيا بالمنطق الفلسفي.

عند كلا من بيركلي وهيوم ولوك تكون معطيات الادراكات الحسّية الصادرة عن الدماغ هي أحاسيس نظمّت نفسها بنفسها بالذهن في تمّثلات أدراكية للاشياء والعالم الخارجي,, وعادت ثانية مولودا جديدا الى العالم الخارجي بمقولات تجريدات الذهن الجديدة.. ولا عقل يتدخل في عملها حسب مثالية المناطقة التجريبيين الجدد, فمضمون العقل عندهم هو مجموعات الاحساسات والتمّثلات الصورية الذهنية في داخله فقط لا غير وما لايخضع لتجربة الحس من الصعب ترجيح وجوده المادي حتى لو كان العقل ذاته أو العالم الخارجي وحتى الانسان ذاته حسب فلسفتهم المغرقة بالمثالية المتطرفة..

وبالقدرات الذاتية للاحساسات التي مصدرها الحواس الخارجية حسب هيوم, تعمل تلك الاحساسات داخل العقل وليس خارجه في تحويل نفسها من أشعارات عشوائية بمئات الالوف ترد العقل في توقيتات زمنية متفاوتة ومصادر مكانية مختلفة لاشياء وموضوعات لا حصر لها, ويستقبلها الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي المرتبطة به, يستقبلانها بلا نظام ولا ترتيب أدراكي, لتصبح بعدها أدراكات معرفية داخل الذهن, منظمّة بأعجاز وقدرة ذاتية فريدة في تحولها الى أفكار تعبر عن مختلف المواضيع المدركة من جهة , والتي تختزنها الذاكرة كذخيرة تجريبية في أكتساب العقل ألمعرفة بأنواعها من جهة أخرى…هذا تلخيص أمين غير مخّل لفلسفة ديفيد هيوم ولوك أصحاب الوضعية المنطقية التجريبية الحديثة في القرن 19 الميلادي حول علاقة الاحساسات بالعقل…

الحواس التي يمّجدها هيوم ولوك ويضعانها فوق قدرات العقل ليست خادعة للعقل في نقلها الاستشعارات الحسّية له وحسب , وأنما لو كانت الاحساسات تمتلك القدرة الذاتية في تنظيم نفسها بعيدا عن العقل فلماذا تنقلها الحواس الى داخل العقل والاستنجاد به في تنظيمه أستشعاراتها الحسية وتحويلها الى مدركات فكرية معرفية في التعبير عن مواضيع الادراك داخل العقل وليس خارجه؟؟

يتغاضى الناكرون لأهمية العقل حقيقة أن هذه الاشعارات الحسّية لا تعمل تلقائيا ولا تعقل ذاتها ولا مدركات الحواس مجتمعة ألا تحت رقابة العقل الصارمة والجهاز العصبي اللذان ترتبط الحواس بهما….العقل ينظّم الاحساسات الواردة اليه داخل الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي, في نفس الوقت الذي يقوم به أنجاز تحويل مدركات الحواس الى افكار منّظمة في تعبير اللغة عنها…,

أن أنكار ديفيد هيوم وغيره للعقل وأدعائه أن العقل ماهو الا مجموعة تصورات وأحاساسات ذهنية وردت له عن طريق الحواس ونظمّت نفسها بنفسها في أنتاجها أفكار العقل والتعبير عن مدركاته, قول يفتقد الاقناع المنطقي المتماسك ناهيك عن تقاطعه الصارخ مع وظيفة العقل العلمي التجريبي المتفق عليها خارج هذاءات الفلسفة ومثالية التفكير… ولا يمكن تمرير هذه الفرضيات الكارتونية بدون ملازمة العديد من علامات الاستغراب والدهشة أن تصدر مثل هذه الآراء من فيلسوف مثل ديفيد هيوم زاحم المتنبي في شهرته أنه كان ماليء الدنيا وشاغل الناس في القرن 18 الميلادي..

ولدحض هذا الادعاء الهزيل لديفيد هيوم في أن لاقدرة ذاتية للاحساسات الصادرة عن الحواس في تنظيم نفسها من دون تداخل وصاية العقل عليها , هو أن العقل يستلم من الحواس عبر منظومة الجهاز العصبي المرتبطة في الدماغ آلاف من الاشعارات الاعتباطية العشوائية غير المنتظمة في تفاوت أزمان أستلامها وتنوّع مدخلات مواضيعها في المكان أو السببية, وأن وظيفة العقل غربلتها وتمحيصها وتشذيب المهم المطلوب من العقل تخليق مقولاته على بعضها من المواضيع المختارة منها فقط وليس كل المواضيع التي وردت أشعاراتها الى العقل عن طريق الحواس…ومواضيع العقل المختارة هي أستجابة لما يطلبه وينتظره الانسان من عقله المعرفي تحديدا لمعرفة ماذا يقول عن مخرجات الاشياء عبر أستلامه أحساسات الحواس لها…والعقل ليس تنميطا موحدا في الاجابة عن الاحساسات الواردة اليه والتي تختلف هي الاخرى من شخص لآخر, فما تنقله حواس شخص الى عقله وردّ فعله تجاه مواضيع مدركاته الحسية هي غيرها بالاختلاف الكلي لدى شخص آخر..ومخرجات الادراكات العقلية ليس من السهل تعميمها من الشخصاني الفردي الى العام الادراكي والمعرفي (المجموع). ومخرجات الادرك تصدر عن العقل في منظومة تراتيبية من الصادرات وليس بعشوائية كما وردت للدماغ عبر الحواس أول مرة..

والعقل لا يتعامل مع مدركات وأشعارات الحواس الواردة اليه بما لا يمكن حصره من منطلق ألزام حسّي له أي للعقل وجوب الاجابة التنظيمية والتخليقية عن جميع الاشعارات الاحساسية الواردة اليه وأنها جميعا ذات أهمية واحدة للعقل… وأنما يختار العقل الذي ينكر وجوده هيوم من تلك الاشعارات الواردة اليه ماله أهمية أستثنائية في أولوية وأسبقية الرد عليها وينظمّها تراتيبيا حسب أهميتها… فهل تستطيع الاحاسيس والاحساسات بقواها الذاتية تنظيم مثل هذه العملية المعقدة بمعزل عن وصاية العقل ورقابته عليها؟؟**

أن فوضوية وعشوائية ورود الاحساسات الى العقل ونقصد الدماغ حصرا لا تربك العقل من أداء وظيفته الاعجازية في تنظيم تلك العشوائية بنمط متمساسك من أفكار العقل المستقبلة لها والانعكاسية الارتدادية الصادرة عنه تجاه معالجته مواضيع العالم الخارجي وفق أهميتها لا وفق أعتباطيتها في أعتماد العقل لها كاحساسات أولية مادة خام, أو بالاحرى في تغييب العقل العلمي على حساب التفلسف الافتراضي الذي يدخل أحيانا حقول العلم في تخصصاته فيصبح نتيجة ذلك في وضع لا يحسد عليه…

ومن غير المعقول أن يتم تنظيم تلك الاحساسات بقدراتها الذاتية بمنتهى الدقة والاتقان كما يفعله العقل, لتكون أفكارا أجرائية صادرة عن العقل ومخزون معرفي تجريبي بالذاكرة هو من نواتج تخليق العقل للمدركات الحسية الواردة له وليس كما يراد من نواتج تخليق القدرة الذاتية المستقلة للاحساسات بمعزل عن مهمة تنظيم العقل لها حسب مثالية هيوم ولوك وبيركلي…ومخزون الذاكرة مكتسب بتراكم الخبرة والتجربة وليس مخزونا فطريا من المعرفة القبلية…

أن مهمة العقل تنظيم أختياراته من الاحساسات الواردة اليه في نوعية منتقاة وليس في عشوائية كمّية تتم في تغييب وجود العقل الفلسفي في حضور العقل العلمي, وتحويلها الى مدركات جديدة معرفية تجاه مختلف المواضيع المختارة بدقة وعناية لا تفرضها الحواس على العقل وأنما تفرضها وصاية العقل على الحواس, وتنظيمها الادراكي العقلي هي الذي يعطيها أهميتها ويمنحها قيمتها ولولا أسهامات العقل الوظيفية الفكرية بهذه الوصاية التخليقية لها, لما كان هناك أية أهمية لما ترسله الحواس من أحساسات غير منتظمة منقولة للدماغ ومنظومة الاعصاب المرتبطة به ..

أهمية تنظيم العقل للاحساسات الواردة اليه يتم وفق قصدية غرضية هادفة يحددها العقل ولا تحددها الحواس التي تكون من غير أهتمام العقل بها لا أهمية لها في وجودها من عدمه.. وفي تجريد العقل عن الاحساسات لا نستطيع معرفة مصير أدراكاتنا الحسية المنقولة الى العقل…

ونتساءل بضوء ما أوضحناه:

هل صحيح العقل مجموعة أحساسات تنظّم نفسها داخل العقل لا خارجه بقدراتها الذاتية بعيدا عن تداخل العقل معها ؟؟ وهل أن العقل هو حصيلة نواتج أدراكاته لاحساسات الحواس الذي تملأه كما يذهب هيوم؟؟ وهل أن العقل هبة مطلقة مخلوقة فطرية بالانسان تنمو وتتشكل بالتجارب المكتسبة,؟ أم العقل تشكيلة معرفية مكتسبة مصدرها الاحساسات تقوم بأنشائها الحواس؟؟ نعتقد ما مر بنا توضيحه كاف للأجابة عن هذه التساؤلات ولنا في السطور القادمة توضيحات لجوانب أخرى من هذه العلاقة التي تربط العقل بالحواس..وبضوء عبارة هيوم الصائبة جدا التي اشرنا لها سابقا, وأستغرب صدورها عنه (أننا لا ندرك العقل بالحواس كذات مستقلة أطلاقا ) وفي هذه العبارة نرى لا جدوى من محاولة تقديم أهمية الاحساسات الحسّية على العقل والعكس من ذلك هو الصحيح, والأخطر فيما ذهب له جون لوك في تعريفه العقل على أنه حصيلة ما تدّخره حواسنا في الذهن, وهذه الحصيلة من الاشعارات الحسية تمنحنا أدراك وجود العقل نفسه !! أي ما تقوم الاحساسات أنجازه داخل العقل وأدخاره كمعارف تجريبية وخبرات مكتسبة في الذاكرة هي العقل وهي وسيلة معرفة العقل ايضا ..

جون لوك وخرافة العقل الفلسفي !!

يذهب جون لوك صاحب الوضعية المنطقية التجريبية الحديثة (أن لاشيء في العقل الا ما كان في الحواس أولا ) وأنتقلت برأيه هذه الاشعارات الحسّية لاحقا الى تكوينها هي للعقل بالاحاساسات التي تنّظم نفسها تلقائيا بالافكار الذهنية المجردة !! بمعنى واضح لا يحتاج تفسير لا وجود لما يسمى عقل عند الانسان لا بالمحتوى الفكري ولا بالتكوين البايولوجي في وجود هذه العجينة الرمادية بكافة محتوياتها وتشكيلاتها ومهامها داخل جمجمة الانسان وما هي فائدتها في حال تعطيل دورها تنظيم تلك الاحساسات بالدماغ؟…وجميع الاحساسات المستلمة من الحواس كما سبق ذكره بحسب لوك وهيوم تقوم بتخليق نفسها ذاتيا بنظام تتحول به الى معطيات أدراكية تقوم بتصنيع الفكر والذاكرة العقلية على السواء.. وكل ما يحتويه العقل هو مضامين ومحتويات الاحساسات الواردة اليه من دون قصدية ولا هدف عقلي يتداخل معها ويقوم بتصنيعها…..

لا نجد معنى تجريد العقل من خواصه الادراكية في منحها المجاني لأحساسات الحواس .. كيف يكون العقل فارغا ألا من موجودات أستشعارات الحواس المنقولة له؟؟ وما هي الوظيفة المتبقية لكل من العقل المعرفي أو العقل العلمي بضوء ذلك؟؟ لا يمكن أن يكون العقل هو مجمل ما يرده من الحواس فقط, ولكن هو الآلية الفطرية والمكتسبة معا في قدراته التخليقية أن يجعل من مدركات الحواس أهم وسائل قدرات أشتغاله في أدراكه موجودات عالم الاشياء في مقولاته الضافية عليها كما يذهب له كانط..أي حسب كانط للعقل مقولاته التي يضفيها على مدركاته وليس العقل سلبيا ميكانيكيا يسمح للأحساسات من تنظيم نفسها داخليا بالذهن بمعزل عن وصايته عليها…

من الواجب التذكير به هنا أن الحواس لاتفكر بدلا عن العقل ولا تنوب عنه بأنتاج المدركات العقلية للاشياء, ولا تمتلك هذه الميزة التخليقية الاستثنائية التي يحتازها العقل فقط, ولا تمتلك ولا تنتج معطيات الحواس قدرة أدراكية تقوم هي بتخليقها داخل الذهن لكن من غير تداخله معها حسب مثالية كل من بيركلي وهيوم !!

هنا ولأهمية العقل نقول العقل لا يوافق على نقل أحساسات الحواس للدماغ عبر الجهاز العصبي وملايين الخلايا العصبونية من غير فهمه المبدئي لها أولا وقبل كل شيء, كيف لا يكون للعقل كلمة أجرائية بما أدركه من محسوسات خام مصدرها الحواس في ردوده عليها كمخرجات فكرية تمت صناعتها بالذهن وولادتها عنه؟؟ العقل يقوم بتفسير مدركات الحواس خارجه قبل نقلها المنظم الى منظومة الجهاز العصبي لمعالجتها في مقولاته النهائية…الاحساسات هي المادة الخام لأدراكات العقل ولا تمتلك قدرة الأنابة عنه في تكوينها مدركاتها الخاصة بها…

الحواس وسيلة أدراك عقلي لا تمتلك أدنى مقومات القدرة في التعويض عن مهمة العقل أنتاجه مخرجات منظومة المدركات بالفكر واللغة التي يطلق عليها كانط مقولات العقل…وفي نقد مثل هذه الافتعالات الذهنية بأسم الفلسفة ذهب ليبنتز الفيلسوف الالماني الى مقولته القاطعة ( لا شيء الا العقل نفسه ).. وفي معرض تأرجح كانط في محاباة ومجاملة ديفيد هيوم صاحب فلسفة التشكيك بوجود شيء أسمه عقل ولا سببية تسود علاقات الاشياء بالطبيعة, أنه هو(هيوم) الذي أيقظ كانط من سباته الدوغماطيقي, هكذا يصف كانط قبل أن يقرأ هيوم ويستيقظ من سباته على حد توصيفه,( أن الادراكات الحسّية بغيرالمدركات العقلية عمياء ). (3) ونجد نحن أن وسيلة وحاسة أبصار هذه المدركات الحسية هو العقل فقط لا غيره…

آراء هذان الفيلسوفان الكبيران كانط وليبنتز في أهمية العقل قبل الحواس يقتربان بها من التفكير العلمي الذي يدحض بجلاء هذاءات كل من هيوم ولوك الفلسفية بخرافة العقل في وجود أفتراضي غير حقيقي تصنعه الحواس له كمحتوى عن طريق ما تختزنه الذاكرة من أحاسيس وأحساسات تنّظّم نفسها بقدرات ذاتية مستقلة عن العقل.. أن ماأراده كل من لايبنتز وكانط هو أن العقل ليس صنيعة الحواس , وأيعازات وأشعارات الحواس لا قيمة حقيقية لها في تجريد العقل منها..والعقل وحده يمتلك قابلية تحويله الاحساسات الى مدركات عقلية حول المواضيع الواصلة اليه ليس ألا…هنا تبرز أهمية التساؤل كيف تعي أشعارات الحواس مضامينها التجريبية ذاتيا في ألغاء العقل كمصدر أساس أولي لكل أنواع المعرفة منها الحواس الخارجية ذاتها؟؟ وكيف تصل أشعارات الحواس للعقل وتستقر فيه قبل أدراكه المسّبق لها؟؟

الفطرة التكوينية للعقل مع المعارف المكتسبة له تجعله يمتلك أسبقية على أدراكات الحواس, وذخيرة معرفية يستمدها من الذاكرة تمّكنه من التعالي فوق الحواس ومدركاتها الحسّية, ولو أن فرضية هيوم المثالية في ترجيحه أن العقل هو حصيلة ما تملأه الحواس به من أستشعارات حسّية صحيحة,,, فمن أين يمتلك العقل القدرة الذاتية في معالجته الافكار والمواضيع الخيالية المستمدة من التصورات الواقعية ومن الذاكرة التخزينية في العقل؟؟ ومواضيع الخيال في الذهن ليس مصدرها الحواس كما معلوم بل مصدرها المخّيلة والذاكرة فقط…

ثم من المهم جدا أن نذكر أن العقل ليس واحدا عند جميع الاشخاص, وأن أمتلاك الحواس ليس معناه تصنيع عقول الناس في نمطية واحدة من المستويات في الغاء تبايناتها النوعية وأختلافاتها وجعلها تنميطا واحدا من الادراك الحسّي, وسنأتي لتوضيح عبارة ديكارت الشهيرة (أن العقل قسمة مشتركة عادلة بين الناس) وهي مقولة ربما كانت تنسب أسبقيتها للامام علي بن ابي طالب في نهج البلاغة,…

مقولة ديكارت العقل قسمة عادلة

أن مقولة ديكارت الشهيرة (العقل قسمة عادلة بين الناس) لا تعني أزالة الفوارق الجوهرية بين عقول الناس, فالعقل قبل أن تكون العدالة في أمتلاكه, تكون العدالة في أهمية أختلافه بالكيفية والقدرات والامكانات المتفاوتة بين الناس , هنا تكون العدالة الحقيقية في أمتلاك العقل عدم تضييع أو الغاء تفاوت ذكاء وتنوّع قدرات العقل بين الناس في وجوب عدم المساواة بين عقولهم, فهم يمتلكون (عقلا ) بيولوجيا مفكرا مشتركا لكنهم لا يمتلكون عقلا علميا أو معرفيا نوعيا واحدا وألا كانت قسمة المساواة في العقول فرضية غبية لا يقول بها عاقل …

وليس العقل واحدا في تجلياته ومعطياته وتمايزه في التفكير وألا أنتفت العدالة عندما يكون قسمة مشتركة غير متمايزة نوعيا في المساواة في فرضية خاطئة هي نمطية التسطيح الذهني الذي يلغي الفروقات الجوهرية بين عقول الناس.. والعقل البشري في تمايزه الانفرادي أنما هو في حقيقته عقل (نوعي) ليس في مقارنته بما يمتلكه ويمتاز به عن غيره من مخلوقات حيوانية تمتلك دماغا أدنى مستوى من عقول البشر, وأنما في نوعية العقل لدى الانسان في النوع الواحد (مجموع الناس), أنه ليس عقلا منمّطا واحدا أنما هي عقول متمايزة فيما بينها داخل فصيلة النوع الانساني, وهذا الاختلاف ممكن أن نجده عند الحيوان أيضا كنوع في الطبيعة, في تمايز أشد واكثر تنوّعا منه على مستوى الانسان كمخلوق نوعي عاقل لا يتمايز بعقله عن الحيوان فقط وأنما يتمايزبه داخل نوعه على صعيد الانسان..حتى الحيوانات لا تمتلك عقلا بيولوجيا غير متفاوت الذكاء بين حيوان من فصيلة وآخر من غير فصيلته لا بل نجد التفاوت مثلا في نوع الحيوان في الفصيلة الواحدة مثال ذلك القردة أو أي حيوان آخر…

العقل الانساني قسمة مشتركة عادلة في التنوع الادراكي الفطري والمكتسب معا, ولا يكون العقل قسمة مشتركة عادلة في التنميط المستحيل الذي يعامل الناس في أمتلاكهم عقلا بيولوجيا واحدا وليس عقولا عديدة لا حصر لها في تنوّعها وأختلافاتها..

العقل فكرة مخّلقة

عندما نقول العقل فكرة مخّلقة عن الذهن ينتجها العقل بالفكرواللغة وليس بالحواس ولا أي شيء آخرأو وسيلة غيرها فأنما نقصد بذلك أسبقية العقل وقدراته المعجزة الاستثنائية التي يحوزها ويمتلكها في تخليقه لمدركاته الحسية, والعقل ليس محايدا لا في معرفة الشيء ولا في قدراته الملزم تنفيذها تجاه أعطاء توصياته وحلوله تجاه الموضوع المدرك الواحد في أعادة تخليقه من موجود أو موضوع طاريء في الطبيعة وعالم الاشياء الى موجود من تصنيع العقل جديد بما ينفع الانسان في حياته أو في علاقاته مع غيره من الموجودات,والعقل لا يدرك ما تنقله له الحواس لمجرد أدراكها من غير غائية أو هدف قصدي يستحثه بلوغه, وهذا الهدف لا تحدده الحواس القاصرة ولا موضوع الادراك ذاته وأنما يحدده العقل الادراكي القصدي بضوء حاجة الانسان أعطاء العقل مخرجات توصياته الادراكية لمواضيع يكون الانسان بحاجة لها…

العقل والزمان

يذهب شوبنهور في مقولة له يبين بها أعجابه بكانط ( أن فضل كانط هو في تمييزه بين مظهر الشيء عن الشيء بذاته ) ليتلقفها هوسرل ويقيم بناؤه الفلسفي بما يعرف بمنهج الفينامينالوجيا أو ما يعرف تعريبا بالمنهج الظاهراتي….

في مقولة كانط السابقة نجده أعزى مهمة الفلسفة , بل الاحرى مهمة العقل الفلسفي هي معالجة مدركات المواضيع في ظواهرها الخارجية فقط, أما مهام معرفة الاشياء بذواتها فهي من مهام العقل العلمي حصرا, ويعتبر أكثر من فيلسوف يشارك كانط رأيه أن محاولات العقل الفلسفي دخول معترك وميدان موجودات الاشياء بذواتها أنما هي مغامرة الدخول في مجهول.. وتوقع العقل المفكّر في تناقضات كما يذهب له كانط في التحذير منه…

ويذهب بعض الفلاسفة ممن يشككّون بقدرات العقل في معرفته حقائق الاشياء أمرا مستحيلا معرفته وأنجازه, ويكتفون بتوجيه قدرات العقل نحو معرفة الاشياء في وجودها الفيزيائي الطبيعي في ظواهرها وصفاتها الخارجية البائنة, وعلاقتها الادراكية بالزمن..

أن في محاولة تحويل الادراك الفلسفي الى نوع من رياضية المعرفة وعلميتها, أمر لانجده يتحقق ويحصل على نتيجة مطمئنة…ويرغب بعض الفلاسفة مقايسة حقائق علم الرياضات وأسقاطها على مباحث الفلسفة في تحصيل مفاهيم فلسفية قريبة من التفكير العلمي الطبيعي…لكن رغم أرادة الدمج والتداخل بينهما لم تصبح الفلسفة الحديثة علما, ولا غادرت العلوم الطبيعية تجريبيتها الصارمة لتلتقي بالفلسفة في تجريدها المنطقي غير العلمي..علاقة العلم بالزمان في المعرفة يختلف عنه في علاقة العقل الفلسفي بالزمان,  وحصوله على مدركاته, والعقل هنا تتوقف أدراكاته لموجودات الاشياء في الطبيعة ومعرفة ظواهرها فقط , والعلم في علاقته بالزمن يفهمه فهما فيزيائيا كونيا (كوزمولوجيا) ليس له بداية ولا تدركه نهاية, ويبقى الزمان اللغز المحيّر الكبير أمام تساؤلات العقل العلمية والفلسفية على السواء غير المنتجة تقدما عنه …

العقل النوعي والحواس

فارق جوهري كبير يبطل خرافة الحواس تصنع العقل ولا يصنع العقل مدركات الحواس, هو أن عقل الانسان يمتاز بأمتلاكه خصوصية أدراكية فكرية تختلف من شخص لآخر نجدها في تباين نسبة الذكاء عند الناس وفي تباين طرق تفكيرهم وتعبيراتهم عما يصادفونه بالحياة, وفي تنوع ردود أفعالهم الى غير ذلك من أمور جوهرية تجعل من العقل صمام أمان يمتلكه كل أنسان في تنظيم عقله لمدركاته الحسّية, ليس بنمطية واحدة تجمع تفكير جميع عقول الناس بأحساساتهم المتباينة, لأن في ذلك نوع من ألغاء الخصوصية الضرورية الفطرية والمكتسبة معا للعقل, التي تجعل من معارف الطبيب غير المهندس ومن الفلاح غير العامل ومن الاستاذ غير الطالب وهكذا بما لاحصر له من فروقات فطرية موضوعة بالدماغ تلعب الوراثة الفطرية دورا كبيرا فيها , تكمّلها معارف مكتسبة بالتجربة والتحصيل العلمي والثقافي بالحياة…..الحواس في تباينها وأختلافاتها من شخص لآخر تتبع آلية واحدة أنها تنقل جميع أحساسات الحواس كل حسب تفرده وأختلافه عن غيره, بفوضوية وعشوائية غير خلاّقة لأنها قاصرة أن تعي ذاتها بمعزل عن وصاية العقل الزمني عليها , ما يرتب عليه أن تكون ردود أفعال عقول الناس متباينة بأختلاف تنوعاتهم في الكثير مما لا يحصى من التمايزات والقابليات العلمية والثقافية والملكات والذكاء وغيرها….     

                                                           علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش :

** كنا أشرنا في سياق هذه الورقة الفرق بين الاحاسيس والاحساسات, أن ألأحاسيس مصدرها الحدس اللاشعوري السايكولوجي النفسي مثل الحب والعواطف والضمير والقيم, بينما تكون الاحساسات مصدرها الحواس والشعور مثل مدركات النظر والسمع والشم واللمس والتذوق.

  1. ويل ديورانت /قصة الفلسفة/ ص 341
  2. نفس الصفحة اعلاه
  3. المصدر السابق ص 344

شاهد أيضاً

الإبستيمولوجية

بقلم : أسامة البحري –1: الإبستيمولوجية و الإنفصال : مما لا شك فيه و حسب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *