الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / في نقد المجتمع السياسي عند هربرت ماركيوز

في نقد المجتمع السياسي عند هربرت ماركيوز

فؤاد لعناني

لا يبدو أن المجتمع السياسي عند الفيلسوف الألماني هاربرت ماركيوز يقدم رؤى جديدة ومغايرة خصوصا لما ألت إليه الأوضاع تحت قوة الردع الجبارة والسياسة التكنولوجية الهائلة التي بات يستخدمها المجتمع الصناعي المتقدم. فعلى الصعيد السياسي لا نجد إلا مزيدا من تكريس خطاب لأولية المصالحة بين الأطراف الحزبية المتعارضة والدخول في مزيد من التوافقات بين أطيافها. “ويمتد هذا التفاهم إلى ميدان السياسة الداخلية حيث تزداد صعوبة التمييز بين برامج الأحزاب الكبيرة التي بلغت درجة مماثلة من الرياء والتي تستخدم كليشهات واحدة. وهذا الاتحاد بين المتعارضين يثقل بوطأته على التغير الاجتماعي”.(1)

إن هذا الوضع لينعكس بشكل كلي على كل الفئات التي أصبحت ترضى بالوضع القائم بل وقد تذهب إلى حد تقديسه ورميه بالورود. لذلك نجدأن ماركيوز ومن موقع الماركسي النقدي قد حاول أن يظهر بؤس العمل السياسي ويكشف دسائسه وألاعيبه وكيف أن هذه الأحزاب التاريخية المراهن عليها قد أصبحت أحزابا مقضي عليها لأنها تساير الوضع القائم وتدافع عليه.

لا يسالم ماركيوز في نقده للمجتمع السياسي لأي طرف معين فنقده لا يساوم أو يرضى بالتوافقات بل هدفه هو إظهار خبث وتسلط الفعل السياسي على الإنسان المعاصر. لذلك نجده قد نقد الأحزاب الشيوعية عامة وخاصة منها في كل من فرنسا وإيطاليا بل وعرى وضعها داخل اللعبة الرأسمالية. ” وأما الحزبان الشيوعيان القويان في فرنسا وإيطاليا، فهما لا يفعلان من شيء غير توكيد الاتجاه العام للأحداث ببرنامجهما المحدود الذي يستبعد الاستيلاء على السلطة بالثورة ويرضخ لقواعد اللعبة الامبريالية”.(2)

وكما يعبر ماركيوز فهذين الحزبين أصبحا حزبين مقضي عليها بألا يلعبان أي دور في أي تغيير جذري يسمح بإرجاع النقائض التي كانت ملاحظة بشكل كبير بين جميع الفئات الاجتماعية قبل حقبة المجتمع الرأسمالي. فقد أصبح هذا المجتمع في نظره يحقق تلاحما داخليا منقطع النظير عن طريق تكييف وتوجيه الوعي العام إلى الأزمات الداخلية وكذلك التهديدات الخارجية خصوصا أننا في فترة كان فيها السباق نحو التسلح أمرا حامي الوطيس. ولا يرى ماركيوز في الاتحاد السوفياتي مثلا شيئا من أطروحته الجذرية فالمجتمع السياسي هناك لا يرى في تخلي هذه الأحزاب عن دورهما التاريخي أي مشكل أو عائق مادامت صيرورة الإنتاج تحقق تلاحما بين المستوى الحياتي الجديد وتأثيره على الفرد المبتلع من طرف سياسة تكنولوجية هائلة.

ولقد شهد الفيلسوف الألماني الأمريكي على مسار تاريخي شهد تعبئة سياسية ممنهجة بشكل مراقب حيث أصبح فيه شعار التعددية الحزبية شعارا ترفعه الدول الصناعية الكبرى من دون أي طائل يرجى من نتائجه الخادعة. فالعالم السياسي الذي نعيش فيه هو عالم مزيف تغرب فيه الموقف السياسي الأصيل والجذري والذي يظهر من خلال مواقف ماركيوز في شكل يوتوبيا ترفض المجتمع القائم لكنها تعبر عن يوتوبيا ممكنة رغم صعوبة تحققها في ظل هذا الوضع.

ولا يقتصر نقد ماركيوز للمجتمع السياسي على الأحزاب فقط بل يشمل حتى النقابات العمالية التي تواطأت مع مصالح الطبقة الرأسمالية.” لقد أصبحت النقابة في نظر نفسها غير متميزة عن المشروع تقريبا…فما عاد في وسع النقابة أن تقنع عمال الصواريخ بأن المشروع الذي يعملون لحسابه هو عدوهم في الوقت الذي تتواطأ فيه النقابة هي نفسها مع المشروع الكبير للحصول على عقود صواريخ أضخم وأهم وعلى طلبات تسلح أخرى”.(3)

إنه أفق للانغلاق لأنه شكل من أشكال الترابط الذي يقضي على أي أفق للانفراج. فالشيوعية تهادن الرأسمالية بل وتضع هذا الإنسان الاحادي البعد تحت جبروت ثنائية دولة الرفاه ودولة الحرب وهي إمكانية تحد من التفكير العقلاني لأن مظاهرها تبدو لاعقلانية. فتغيب التفكير هو شرط أساسي من شروط الاستلاب الذي يوفره المجتمع الصناعي المتقدم. “والسلطات السائدة تميل إلى تحصين المجموع الاجتماعي بالمناعة ضد كل نفي سواء من الداخل أم من الخارج. وما سياسة الردع الخارجية إلا امتداد لسياسة الردع الداخلية”. (4) لكن السؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا هو كيف السبيل لمواجهة هذا العالم السياسي العقيم؟ وما هي الفئة الاجتماعية التي يمكن أن تلعب هذا الدور التاريخي الجديد؟   

يعترف ماركيوز بأن هناك ميولا قادرة على تفجير هذا الوضع القائم. فلقد انعدمت الثقة في الأحزاب السياسية والنقابات التي أصبحت جزء من النظام الهيكل حيث فقد قدرتها الراديكالية على التحرر وبعث الأمل من جديد. فتتصدر فئة الطبقات المهمشة على أشكالها من سكان الصفيح والزنوج والطلاب والطبقات الفقيرة المعدمة والمثقفين الراديكاليين ثم الشباب من الجيل الجديد الفئة التي يعول عليها ماركيوز لقيادة الحلم الثوري ولنا في ثورة ماي 1968 أكبر مثال حيث كان الرهان عليه كبيرا من طرف جيل من المثقفين والفلاسفة الراديكاليين.

– المراجع :

(1) هربرت ماركوز. الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة: جورج طرابيشي – دار الآداب – بيروت. ط.4 س2004 ص55-56

(2)المصدر نفسه، ص56-57

(3)المصدر نفسه، ص56

(4)المصدر نفسه،86

شاهد أيضاً

موضوعات فلسفية.. تحليل نقدي (1)

علي محمد اليوسف علي محمد اليوسف فينجشتين والوضعية المنطقية في الوقت الذي ذهب فيه فينجشتين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *