الرئيسية / منتخبات / عامة / انسانية الحقيقة وازمة السير الذاتية وتعقيداتها: شوبنهاور وسارتر نموذجين

انسانية الحقيقة وازمة السير الذاتية وتعقيداتها: شوبنهاور وسارتر نموذجين

محمد بصري

محمد بصري مفتش التربية الوطنية  القنادسة الجزائر

كثيرا ما كنت اتساءل بانزعاج مفاهيمي باحث عن الحقيقة و إستنفار اليقظة التي تستدعي وعيا مبدئيا بالحقيقة في تمثلاتها الفلسفية والتي تنشد الافكار في تماسكها الاصيل .حياة الفلاسفة التي تشبه اساطير البدء .لوحة يبدو فيها زيوس سيد الالهة الاغريقية وهو يرتدي قناع نرسيوس Narcissus لينظر في مرآة مملوءة بالثقوب الفارغة والسوداء ليكتشف وجها جميلا لكنه غير معافى من تشوهات وإنعراجات بفعل الواقع الذي تقبلته الالهة اليونانية وهي تحتفظ بحق التشبه بالبشري والتنازل عن القداسي الالهي، هي كذلك الحقيقة في السير الذاتية للمفكرين من طينة العظماء الذين صنعوا وعيا ما بعد حداثيا قلب الموازين وإنقلب على الفكر المثالي الذي لن يتحقق، لان الحقيقة لا تتأتى في تروسنتوندالتنها إلا وهي مرغمة للمشي في الوحل والحمأ الذي يقذفها في حمم المراس الانساني الصعب والقلق. لم يكن الفلاسفة مثاليين أو ذوي مهارات مجردة مطلقة .صنعوا وعيا جماهيريا انسانيا لكنهم لم يسلموا من بشريتهم لان الرهان العظيم هو ان تتخلص من البشرية والنزعات الطبيعية والغرائزية لحساب إنسانيتك واناستك الكبيرة .وحدهم الانبياء من طهروا الاجساد ولم يقدروا على فك الارتباط مع السماء وهي كرامات روحية تجاوزت قدرات الفلاسفة الذي يجمعون بين البشري والانساني.اسئلة محملة بالوجد الصوفي والإرباك الفلسفي والقلق الانطولوجي تدعونا نقف في مفاصل حية لمفكرين مميزين  خدموا الثقافة الانسانية بصبر المحارب الشجاع؟

الفيلسوف الجامح الفحل شوبنهاور 


وراء كل فيلسوف احجية وقصة ايروسية جامحة ان لم نقل طوفان من العلاقات الخفية والسرية المتناقضة .هاهو شوبنهاور الذي أُعتبر احد اعمدة الفكر الفلسفي الروحي والتشاؤمي الكاره للحياة وتعقيداتها.فالعالم بالنسبة له ثقب اسود والحياة كوميديا بائسة ويائسة ومريرة مرارة العيش الانساني…نقلا عن كتاب جنون الفلاسفة .لماري لومونيي كان شوبنهاور شهوانيا، يحب النساء وكاره للرجال الى درجة الانزعاج والغثيان وقد صرح مرة لأصدقائه “لوان العالم كان كله نساء حتى تغرق ثلة من الرجال في الشهوات والمتع الجنسية اللامتناهية” تقول ماري لومونيي انه قبل ان يقيم علاقات مع كل من مررن به من نساء أو إنبهرن بعقله الفلسفي وشخصيته القوية رغم بشاعة وجهه، فلم تسلم منه لا الخادمات ولا الطالبات ولا المومسات اللواتي إمتهنن حرفة البغاء علنا.وربما كان يطلق عليه الجامح فحل الفلسفة أهون من اسم فيلسوف التشاؤم،.أَحب ايطالية من فينيسيا “البندقية” تدعى “تيريزا” وحبلت منه إحدى خادماته وارتبط في السر “بكارولين” وهي سيدة مجتمع من برلين .والقائمة طويلة. كان تهتكه الجنسي نابع من ثقافته الآرية المُحتقرة للمرأة التي يعتبرها الالمان الة للإنجاب فقط وللإمتاع الرجل . الالمان لا تزعجهم العلاقات الجنسية المختلفة فهم أقل حدة في التعامل مع قوانين التحريم و اعراف المحارم ….وهو الذي كان يقول نقلا عن كتاب “الحب والفلاسفة “:من يتزوج مبكرا سيتسكع مع عانس طوال حياته ، ومن يتزوج متأخرا سيصاب بالامراض التناسلية ثم ينبت له قرنان” دعا الى تعدد الزوجات لان العالم ليس متساويا في تعداده بين الذكور والاناث..الفلسفة بالنسبة له ليست حلما مثاليا ولا افكار عاجية من الشمع الاحمر .بل مأساة نعيشعها لذا يجب ان نمضي الوقت بحركية ونشاط لا يخلو من الاستهتار لانه قاتل للتشاؤم ومؤجل للعدمية…عجيب امر الفلاسفة رغم ثقل افكارهم فان حياتهم تلوثتت ببقايا الواقع الفج والفاجر.لم يدعي احدهم المثالية ومارس البغاء في السر لكنهم كانوا على الاقل اكثر شجاعة من دعاة التقوى والورع الكاذب.”

ساتر وانعكاس صور نرسيوس:

وجه احمر مع  نقاط وبتور سوداء  في الوجه وعينين جاحظتين تشبها عينا الكلب الابيض وابتسامة كلب شرس وماكر .هي صفات شاب فرنسي بليد ورديء الشخصية ارتبطت به سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir  )1908/1986) سرعان ما استبد بها نظرا لشخصيته السادية وتمتعه بتوترهرموني  لصبغي الميلانين وإضطراب الغدة الذرقية. مفتول العضلات  وقوي البنية الجسدية. .عادة هو  ما يستهوي الفتيات اليافعات المراهقات.يُدعى “رينه مايو” دي بوفوار التي لم تبلغ  في سنها الخمسة عشر ربيعا، كانت تتصف بمزاجية غير عادية. هي اشبه بالماسوشية وحب التملك والغرور الدفين.تقول عنها “ماري لومونييه ” في كتابها التأريخي لسير الذاتية للفلاسفة انها أُغرمت بسارترjean paul sartre (1905/1980) القصير القامة والبشع والذي لم يتعدى طوله المتر وستين سنتمترا.قبيح بما فيه الكفاية لتتذمر وتهجره اي فتاة حالمة بفارس  يركب صهوة جواد اسمر بابلي قادم من آكاد  دقيق الرأس جميل القوام. هذا العشق التافه وغير المبرر مؤسساتيا سرعان ما تحول الى حب فلسفي ثقافي على طريقة الانثلنجنسيا الحالمة هو بمثابة اورشيفيكة فاجرة في السر ومنظمة في العلن  ، يشبه العلاقات العابرة للجسد والغريزية بعدما استنفد سارتر تفاهاته الجنسية، مع قائمة طويلة من الفتيات جلهن طالبات على مرأى ومسمع  من قرينته سيمون دي بوفوار .بيانكا  الامريكية المفتتنة بالوجودية الملحدة وبرودان الشابة والمترجمة الروسية الذي عاش معها عامين في جو جنسي وهوس جنوني.وزونينا  الجميلة نقلا عن افادة كل واحدة منهن تمتعت واستمتعت  بنشر خفايا  قيصر الفلسفة الوجودية المتمردة في كتابات وروايات قاصرة وركيكة .  وحسب ما يرويه  كتاب جنون الفلاسفة لم يكن سارتر سوى متهتك يجد في النساء صورة امه” الدانتيلا” التي هجرها أبوه في الحرب العالمية الاولى .وهو ما سبب لسارتر كراهية الحروب والسياسة والسياسيين .هو زواج ادبي كما تقول الكاتبة  ماري لومونيي تحول الى فتور  ونضج انطولوجي بعد حالة اشباع وتشبع حيواني غريزي غير منضبط.علاقة بين مفكرين من طراز فلسفي عميق كانت تشبه التراجيديا الساقطة  التي تُصورها الروايات الهزيلة والهزلية. صراحة العاشقين التافهين الذين يعترفان بمآثرهما الفاجرة ومغامرتهما البائسة في الجنس والحفلات الجنسية الجماعية التي ترتد الى ادب الغلمان الروماني.الروماني القديم لم يكن يتأفف من أي علاقة مثلية فاضحة مع غلامه المستعبد في حمامات روما العتيقة  لكنه بالمقابل،  يتذمر ويشعل الحروب في اتهامه بعلاقة عاطفية مع سيدات المجتمع القيصري الروماني.ربما هي التفاهات التي ورثثتها الحداثة الفرنسية والوجودية الاباحية .التي تعتبر فك الاستعباد في اطلاق  العنان للشهوة بتدمير حبل الود مع ما تناقلته الاعراف المسيحية والتعاليم الياسوعية .الغريب ان سيمون ذي بوفورا كما تقول لومونييه كانت تُوقض إنزعاجا مؤلما في قلب ساتر عندما تُذكره بعلاقة متوحشة غرائزية مع احد فتيانها التي كانت تصطادهم في المنتزهات الجليدية والثلجية  بالالب  لكن سرعان ما تتحول الى الالام الخنازير البرية حين يتحول شعور ساتر البليد و السلبي الى ايمان بنظريته التي ترفع القيود عن الحريات المطلقة ولو كانت على حساب كرامته الادمية .هي بهائمية لم تكن مقبولة في عرف الفلاسفة .

صراحة الفلاسفة تشبه الجلوس على كرسي الاعتراف القاسي .لا يمكنك ان تتنكر للحقيقة التي كنت تُمجدها  وتقاتل بشراسة عنها لتغدو كعرفان اسطوري في التركات التاريخانية لعالم الافكار الكبرى..وجودية سارت المُؤنسة كانت دفاعا اصيلا عن الثورات بدون تمييز او انتقائية ايديولوجية متهافتة .ناصرت امهات القضايا العالمية وهي تتدثر برداء بتولي  موشح بعذرية الثوار ومكانتهم المثالية.ساند ساتر الثورة الجزائرية وهي في عز لهيبها وطوفانها الساخن و وقف مع المصريين في اوج محنتهم العربية والدبلوماسية سنة 1967  ليضع الدبلوماسية الفرنسية فوق صفيح ساخن وتشنج دولي وناضل مع فيدال كاسترو ورفيقه الفذ تشي غيفارا  واعلن الانتماء الى ثقافة الرفض اللاتينية .حينها كان المثقف النخبوي يحرك الاحداث ويصنع الفوارق الاجتماعية والنضالية ويمارس الحرية في الصفوف الامامية المتقدمة.

سير الفلاسفة كانت واضحة بائنة قمرية لم تتخد جحور التخفي ولا اوكار النفاق النظري  ولم تتجمل بمساحيق بالية بل مُورست علنا في الحقيقة والرذيلة  لم تختلق الظلامية  بل قدمت نماذج انسانية هي نتاج الواقع البشري القلق والمعقد .الاخطاء والقيم الذاتية ليست ملزمة في طفوها كالأفكار التي أنبجست من حركية عقلية وتوجهات عقلانية.. انعمتم مساء ايها الفلاسفة .

المراجع:

ماري لومونييه واود لانسولان. الحب والفلاسفة ترجمة دينا مندور. التنوير.

اقرأ أيضا لنفس الكاتب:

الفلاسفة وكبوة الجنون : الجنسانية والمرأة والثورة على القيم

16 يوليو 2019 دراسات وأبحاثفلاسفةمواعيد 0

شذرات من فلاسفة الحضور محمد بصري محمد بصري  فوكو و التوسير: الغريب ان فوكو البنيوي والتوسير الماركسي البنيوي كانا في نفس المصحة العقلية تحت اشراف عالم النفس الفرنسي اللامع “جون ديلا “.لكن المؤسف ان التوسير انتهى بشنق زوجته حتى الموت سنة 1980 وأًدخل اقامة جبرية شديدة الحراسة، في الوقت الذي …أكمل القراءة »

الدرس الفلسفي في الجزائر قراءة في المنهاج والكتاب المدرسي

23 يونيو 2019 ديداكتيك الفلسفةعامةمقالات 2

   بقلم: محمد بصري  مفتش التربية الوطنية فلسفة / القنادسة  الجزائر          يتعين على أي دارس في التعليمية ان يتخلص من أوهامه النظرية المجردة. ليحيل منتوجه الدراسي إلى توصيف تقني صرف. خاصة وهو يقايس الطابع المضاميني الى ما يقابله من نماذج سكولائية في علوم التربية، أي يحيله من سكونيته الفكرية …أكمل القراءة »

مقاربة الكفاءة وغربة الدرس الفلسفي

19 يونيو 2019 ديداكتيك الفلسفةمجلات 1

بقلم محمد بصري مفتش التربي الوطنية بين الملكة والكفاءة تساءلت دائما لماذا جيراننا عن اليمين وعن الشمال  الأشقاء. عن تونس والمغرب أتحدث يلتزمون بالقواعد اللغوية وجينالوجيا المفهوم خاصة عندما يتعلق الامر بحقول التربية .فالنظام البيداغوجي ينطلق من منظومة الكفايات “اي القدرات ” واستراتيجيات التمهير الدراسي بينما انظمتنا التربوية لا تتردد …أكمل القراءة »

التقويم الشامل: البكالوريا ومفارقات التقييم والتقويم

18 يوليو 2019 ديداكتيك الفلسفةمجلاتمقالات 0

بصري محمد  القنادسة الجزائر      التقويم في الفلسفة: نحاول في هذا المقال الدخول الى المفاصل الاولى للتقويم الشامل الذي بات ظاهرة تربوية منفلتة من التأطير الديداكتيكي جراء مراس  وواقع بيداغوجي مضطرب ينذر بفشل قريب للتنزيل الديداكتكي للفلسفة في الفضاء العمومي. خاصة وان الدوائر الاجتماعية والسياسية والثقافية بدأت تتذمر من النتائج …أكمل القراءة »

جيانّي فاتّيمو ونهاية الحداثة

26 مايو 2019 بصغة المؤنثفلاسفةكتب 0

الدكتورة خديجة زتيلي    Gianni Vattimo جيانّي فاتّيمو        لفتتْ الفلسفة الإيطالية بشكل عامّ والمعاصرة منها بشكل خاصّ أنظار الناس إليها في العقود الأخيرة، بفضل أطروحاتها ونصوصها الجديدة والعميقة، وفي هذا السياق ينصبّ الاهتمام على نصوص الفيلسوف الإيطالي المعاصر جيانّي فاتّيمو  Gianni Vattimo المولود في عام 1936 بمدينة 

كانــــــــط والخبز العربي

8 مايو 2019 عامةفلاسفةمقالات 0

رحلة قصيرة في ثقافة صانع العقل الانواري  بقلم بصري محمد  مفتش لتربية الوطنية (القنادسة ، الجزائر) ذات مرة زرت أستاذا في صفه و بين تلامذته ،له من الكفاءة والتواضع الكبيرين ما جعله قدوة واحترام .كانت الزيارة في مدينة تنركوك “زاوية الدباغ” مدينة تيميمون العريقة بولاية ادرار الصحراوية . كان الزمن …أكمل القراءة »

الثقافة بين الأكاديمي والرسمي والسلطوي

3 مايو 2019 أخرىعامةنصوص 1

بقلم بصري محمد مفتش التربية الوطنية (فلسفة) – الجزائر      ليس من السهل ان يتغلب المبدأ المثالي على  الواقع. لا يوجد ما يسمى حلولا وسطى أو منطقة وسطى، الثقافة الحقة والوظيفية ان تبقى مصمما واثقا متشبتا بمفاهيم الحياة، محترما لقيم الانسانية مناضلا عازفا عن كل ما يخل بتوازنك الثقافي والعلمي …أكمل القراءة »صفحة 1 من 41234»

شاهد أيضاً

آلان باديو: حول جائحة الكورونا فيروس

ترجمة: جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 منذ البداية، كان لدي اقتناع بأن الوضع الراهن، الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *