الرئيسية / منشورات / كتب / المسألة التاريخانية للعلم بين الخصائص والحقائق

المسألة التاريخانية للعلم بين الخصائص والحقائق

قراءة  في أعمال جون ديزموند برنال

بقلم / يونس عاشور *

     ينبني فكر جون برنال على فكرة موضوع العلم في التاريخ أو المسألة التاريخية للعلم Science in history  التي تبيّن مدى تحديد تقدّم المجتمع ذاته وربطها ربطاً ميكانيكياً وديناميكياً جوهرياً بتقدم العلوم الفيزيائية الطبيعية والتغيرات البنيوية الاقتصادية والسوسيوسياسية وبما للنظريات والاكتشافات أو المعطيات والإلتفافات العلمية الحديثة  scientific dataمن أثر على الإطار العام للفكر. فقد دأب برنال في أبحاثه ومخاضاته الفكرية التي كان يتناولها في مختبراته ومحاضراته العلمية الى سرعة الكشف عن ماهية الفهم للعلم وعن العلم الذي يصنع التحول السريع الذي يطرأ على كل مدنيتنا  Our civilizationفهو على حد تعبيره بأن هذا العلم ينمو. وهو لا ينمو في هدوء بل بعواصف سريعة وطفرات متفرعة بل وثورات كاسحة وحدود لا متناهية.

     وما يهمُنا في هذه الدراسة التركيز قدر الإمكان على عرض الخصائص والحقائق أو النتائج والمناهج الأساسية للعلم بوصفها محطات تاريخية تصنيفية تم وضعها في قالب نظري من قبل الأستاذ برنال حسب تشخيصه للمنهجية التاريخانية لخصائص العلم ومن ثمة قراءتها قراءة فلسفية وعلمية.

1- العلم كمؤسسة سوسيولوجية:

     من الخصائص والسمات التي تناولها الأستاذ برنال في دراسته التاريخية للعلم هو أن هذا العلم كمؤسسة اجتماعية حقيقة تتمثل في طائفة من الناس تضمهم معاً روابطُ منظمة معينة في المجتمع ويشكل العلم الرابط الأساس الذي يشترك فيه الأجناس من الرجال والنساء على حدٍّ سواء في وظائفهم ومهنهم اللامؤتلفة مما يخلق طابعاً انتقالياً حديثاً جداً على الصعيد الاجتماعي والحياتي بأن الشراكة الفعلية لكلا الطرفين في مؤسسة ما تقوم على إضفاء صيغ وعلائق معرفية علمية بقدر ما تقوم على توازنات ومهارات تقنية على الصعيد العملي فالإسهام هنا يشكل منعطفاً مانعاً للانعراجات والإنزلاقات التي قد تنجم عن الممارسة الآوحادية للفرد بدون شراكة وتوجه اجتماعي علمي عام.

     الخصيصة العقلانية لمؤسسة العلم تعتبر في جوهرها جسماً متماسكاً وخيطاً منتظم السيرورة ومنظّم بأجزاء تفاعلية وتداخلية بخواص اقتصادية معيّنة لازمتها منذ أخذت تشقّ طريقها الى التقدم معتمدة على جهود الأفراد التي تزاول المهن الحرة  وتنتهج أشكال الأعمال المثمرة والإنتاج الذي يتطلبه السوق كميدان الطب والهندسة أو الفن والفلسفة وغيرها من العلوم المختلفة والمتباعدة الأخرى التي بمقدورها تقوم بتحقيق مفهوم الإنجازات الحضارية أو المكتسبات الربحية والإنتاجية التسويقية للمجتمع وحاجياته المتمثلة في جمع الثروات وتلبية الرغبات الشخصانية ومظاهر التقدم العلمي والاجتماعي.

     كان الذين ينشغلون بمؤسسات العلم في الأزمنة الماضية هم من طبقات ومجتمعات وفئات معينة لا يتداخل معهم أحد من غيرهم كالذين يمتلكون المناصب والثروات بحيث كانوا ينظرون الى العلم حكراً عليهم وليس للآخرين الحق في المشاركة لكن سرعان ما انسلخت هذه الأفهومة theory من أيدي هؤلاء بحيث أصبحت ممارسات ومعطيات العلم تشق طريقها نحو التأسيس والتملُّك الاجتماعي الآخر قاصدةً الغني والفقير وكل الطبقات الاجتماعية الأخرى.

2-أساليب العلم:

يتمثل أسلوب العلم  Scientific method كما يراه برنال بالمقارنة أي مقاربة الحقائق التي تكمن في السيرورة، سيرورة النمو والعطاء الكمي والكيفي للعلم كأسلوب وكمنهج وكمسطرة وكنظام متجانس يتركب من مجموعة مركبّات، بعضها ذهني والبعض الآخر يدوي وكل من هاتين الخصيصتين الحقيقتين الفاعلتين لأساليب ومفاهيم العلم تبدو ملحّة في أي مرحلة، ثم في الاهتداء إلى الإجابات على الأسئلة، واختبار هذه الإجابات واستخدامها.

     ينحدر من أساليب العلم جذور وعناصر وحقائق ومركبّات منهجية تساعد في تقويم أساليب العلم كما يراها الأستاذ برنال من ضمنها:

أ‌-     حقيقة المشاهدة والتجربة Viewing experience التي تقوم على الحسّ النظري لتنطلق من المشاهدات والتجارب إلى المصادقات والنتائج النهائية للدافع العملي للعلم.

ب‌-                       حقيقة التصنيف والقياس.

يمثل التصنيف Classification هنا الخطوة الأولى نحو تفهّم مجموعات الظواهر الجديدة للعلم، فلا بد من القيام بعملية ترتيبية قبل الشروع في أي شيء، والقياس هو مرحلة من مراحل هذا الترتيب وتكمن أهميته في الربط بين العلم والرياضيات من جانب وبينه وبين الممارسة التجارية أو الميكانيكية من جانب آخر، وبالقياس يمكن أيضًا أن نحدد بدقة ما يجب عمله لكي نحقق شروطاً معينة ونحصل على النتيجة المرجوّة.

    ج-  حقيقة الأجهزة.

       استحدث العلماء لأنفسهم على مر القرون مجموعة من الادوات المادية Appliances أو ما يطلق عليها بالاصطلاح الفلسفي الأدواتية، إنها الأدوات التي تستخدم في الحياة  العادية، وتقوم على وظيفيتين مهمتين أساسيتين:

–       الاستخدام لغرض امتداد إدراكنا وإحساسنا بالعالم على وجه أكثر دقة.

–       كما تستخدم هذه في التوسع بطريقة محكمة في التطبيق الآلي للمهارات اليدوية لاستخدام الأشياء المحيطة بنا.

د- حقيقة قوانين وفروض ونظريات.

تنشأ مادة المعرفة العلمية ككل من نتائج التجارب theory، أو قل من خليط العمليات والمشاهدات التي تتألف منها التجارب.

ه – حقيقة لغة العلم.

انبثقت وتولدت لغة العلم من عمليات المشاهدة والتجربة والاستدلال المنطقي إلى معطيات الممارسة والحذق في الإنتاج العملي، هذا الأسلوب مكّن العلماء من التعبير في وضوح وإيجاز لترجمة معاني لغة العلم.

           و–  حقيقة إستراتيجية العلم.

اتفق العلماء على أن إستراتيجية العلم Science strategy تكمن في تكتيك التقدم العلمي وذلك من اجل حلّ المشكلات وإيجاد الحلول المرضية لشرح تقدم العلوم كما تتجلى في تحديد ترتيب اختيار المشاكل المراد حلها.

           ز- حقيقة العلم والفن.

الفن هو نمط اجتماعي كالنمط العلمي، ومن وظائفه وخصائصه أن يولد الرغبة أولاً ثم الإرادة في فعل معين ولا يكتمل واحد من هذين النمطين المتجانسين في غيبة النمط الآخر وفي الواقع لا يعيش العلم في غيبة الفن، ولا يعيش الفن في غيبة العلم.

التذوق الجمالي والمتعة الأصيلة الناتجة عن تأمل، أو بالأحرى خلق تراكيب جديدة من الكلمات أو الأصوات أو الألوان أو اكتشاف تراكيب موجودة فعلاً في الطبيعة تخلق إحساساً وشعوراً تأملياً وعلائقياً بين الذات والشيء المراد إنجازه وإتقانه وتنفيذه والعمل على إخراجه بالكيفية التقنية الميثدولوجية للآخر من هنا حاجة العلم الى الفن النابع من المشاعر الجمالية التي تؤطّره في نظمه وعلى أحسن حال وهيئة ليكون نموذجا ينظر إليه الآخر ويُعجب به وبمخرجاته النهائية.

3-التقاليد التراكمية للعلم.

     تتسم التقاليد التراكمية للعلم بمفهوم الكمية والكيفية التراكمية العلمية للعلم cumulative of science بحيث يكون هذا العلم متضمناً حصيلةً ضخمة من معارف الأسبقين الماضويين وخبراتهم وتجاربهم بل وقدراتهم الفكرية لأن محصلّة هذه التراكمات والتجمعات المعارفية يتواجد فيها الصحيح والمفيد لاستخراج نقاط انطلاق خلاّق إلى عمل فعّال للمستقبل وبطبيعة الحال فإن العلم بحد ذاته كيان دائم النمو من المعارف المبنية على تتابع التصورات والأفكار، بل تعاقب خبرات وتصرفات سيل عظيم من المفكرين والعاملين النشطين في ميادين العلم المختلفة، وقد تطرقنا في موضع آخر إلى هذا الاتجاه وتناولناه في إحدى دراساتنا عن “تفعيل مفهوم التقدم العلمي”.

4-العلم ووسائل الإنتاج.

     العلم بوصفه نشاطاً اجتماعياً لم يكن تاريخاً مستقراً. فهناك انتفاضات ومظاهرات كبيرة للنشاط العلمي Scientific activity، تعقبها فترات طويلة من الركود والقيود التي تعيق من سيرورته وانتقاله التدريجي لتحقيق المكاسب والمنجزات القمَمِيّة، قد يكون بسبب عدم تحسين الإنتاج بهدف توفير الثروة والقوة. الأمر الذي إذا نتج عنه هذا الأمر كان لهذا النوع من النشاط مردودة السلبي ومتى كانت الوسائل الفنية للإنتاج تسير وفق الضوابط والثوابت السياسية للعلم آنئذ يصلح هذا العلم وتصبح منتجاته ومخرجاته سليمة.

5-العلوم الطبيعية كمصدر للأفكار.

    العلم هو في الحقيقة شيء أكثر من التحسن المتواصل للتنظيمات الفنية وهو الإطار النظري الذي يربط بين الانجازات العملية للعلم Achievements process ويضف عليها تلاحماً واعياً متزايداً. لقد أرّخ للعلم في الماضي، وحتى في زمننا هذا، على أنه صرح سياسي للحقيقة تنبثق منه الأفكار والنظريات والمقولات والمعلولات التي تشي بمصدرها وجذرها إذ أن الناحية النظرية قد لعبت دوراً بالغ الأهمية للعلم وقد كان هذا الدور متعاظم الإيجابية في العصور الحديثة.

6-تفاعلات العلم والمجتمع.

     هذه تتمة العرض الأول للمظاهر العامة للعلم، كمؤسسة، وأسلوب، وتقاليد متراكمة، ووصف للروابط التي تصله بقوى الإنتاج والآيديولوجيات الفكرية العامة، لقد تفاعل العلم والمجتمع حقاً بعديد من الطرق فإذا فكّرنا في أحد الاكتشافات البالغة الدقة، مثل الموجات الكهرمغنطيسية، نجد أنه بدئ في أول الأمر بالتنبؤ عنها نظرياً، ثم كشف عنها في المختبرات العلميةScientific laboratories، ثم جرى تجربتها على المستوى الهندسي، وأخيراً أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، كما في حالة الراديو بالطبع أن المعرفة العلمية، والأسلوب العلمي، تؤثر الى حدٍّ متزايد على النمط الفكري والاجتماعي والثقافة السياسية. وقد أصبح العلم الآن مؤسسة بشرية كبرى نتيجة للتفاعلات والتحولات التي تنشأ من الاحتكاك المباشر في مناهج العلم.

     لقد استطاع العالم في العصر الحديث أن يحقق إنجازات علمية كبرى في ميادين العلم وتطبيقاته العملية انبثقت من تلك المؤسسات البشرية نتيجة التفاعل والتداخل والتحول الجذري المباشر بين العلماء وسائر المناهج العلمية المختلفة، لنساير ركب التطور العلمي الحديث.. فمن يتّخذِ العلم هدفاً له يفزْ.

كاتب وباحث فلسفي*

شاهد أيضاً

جورج أورويل: مراكش

جورج أورويل ترجمة: علي لّطيف  بينما تجاوزت الجثة المكان ، غادر الذباب طاولة المطعم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *