الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / فضاء الحمّام من منظور التحليل النفسي

فضاء الحمّام من منظور التحليل النفسي


يوسف عدنان

بقلم: يوسف عدنان *

تقديم: جنسانية شفافة

تعتبر هذه الورقة المُقتطفة من مؤلف لنا في طور الاستكمال والتحيّين، ثمرة مجهود مطوّل من التفكير النظري والتقصي الميداني في أكثر بقاع الجنسانية الإسلامو-عربية حساسية وغموضا، ويُمكن أن نصف هذه النظرة المُحيطة بمجال الحمّام من زاوية “تحليلة نفسية – أنثروبولوجية” بكونها سباقة في تطارح إشكالية الإستحمام الجماعي داخل الحمّام الشعبي، بكلّ ما تقتديه الجرأة المطلوبة للنقاش والتداول وتعرية الحجاب عن حقائق منسية لا يطالها شغف السؤال المتحرّر والآخذ بالهامش والمسكوت عنه.

بيد أن هذا الإهمال البيّن، لا ينفي حضور الحمّام كموضوع مُفكّر فيه ضمن تعرّجات بعض الأقلام اليقظة والدراسات الوازنة التي أشارت ولو باقتضاب إلى أهمية البُعد الحمّامي في علاقته الصميميّة بالجسد والثقافة وبالجنسانية بشكل    أعم {1}. لكن تبقى هذه الومضات العجولة غير كافية للإجابة عن عدّة علامات استفهامية تُطرح في معرض التأصيل النظري لمبحث خاص، يتناول إيروتيكيا الجنسانية الإسلامية، دون تجاوز النظر إلى رصيد مُشع ومتميز من الأدب الإيروتيكي عبّر عنه سلف العصر ما قبل إسلامي {الجاهلي} وحتى الإسلامي منه.

ترصد هذه الورقة فضاء الحمّام كحقل جنساني غير معزول عن ثقافة المجتمع، وتُفسّر تحليلا ونقدا علاقته المتشعبة بتوجيه الذوات والأجساد والملذات والنزوع الجنسي في إطار الثقافة الإسلامية التي تحتضن هذه المؤسسة دحرا من الزمن، والتي يبدوا أنها طوّرت فنّا إيروتيكيا خاصا يتميز بخلق نمط متفرّد من العيش قوامه الاهتمام بالجسد ونظافته من خلال عدّة أشكال كالحمّام، الختان، طقوس العبور إلى مؤسسة الزواج واللائحة قد لا تُحصر ذِكرا.

فانتشار الحمامات العامة تعدّ ظاهرة حضارية هامة تنطوي على مفهوم عميق لرؤية الجسد لكلّ من الذكر والأنثى {عبد الوهاب بوحديبة، الجنسانية والإسلام، ص، 234}، ممّا يقودنا إلى فتح سجل تأويلي غير منظور له، مُرتبط أساسا بطريقة استعمال المُتع والافتتان بالذات وتوجيه الرغبة والتنشئة الجندرية إلى غير ذلك. ولا مندوحة أن فضاء الحمّام يتصّل كثيرا بمفهوم الجنسانية {2}، فهو يتمتّع بمكانة خاصة تتعدّى القيم الصّحية والشعائرية، ليصبح مكانا يوحي بالإثارة الجنسية، إلى درجة أصبح الحمّام في المفهوم الشعبي يعني الفعل الجنسي {نفس المرجع، ص 242}، سواء رغبة فيه أو طهارة منه أو حتى من ناحية التمسرح الإستيهامي. وخير مثال وجيز ينطلق من صورة بسيطة وناطقة توضح هذا المعطى، تلك الوظيفة الحيوية التي يلعبها الحمّام في نظام القرابة ومؤسسة الزواج، فهو بمثابة “بنية وسطية” تتخلّل استراتيجيات الزواج والقران والاتصال.

وإن قلّت الظاهرة بشكل نسبي نظرا لتراجع منظومة الوصاية الوالدية عند المراهقين والشباب، فعلى المستوى المتخيل والهوامي، لازالت الفتيات والعوانس تعتقدن في بركة المكان، وأنهن مراقبات داخله ومحطّ الأنظار من طرف عيون الخاطبات التي تطارد النساء كفريسات، بُغية الزّج بهن في حظيرة الزوجية.

فالفتاة العازبة لا تُفوّت على نفسها فرصة الذهاب مع قريباتها أو صديقاتها إلى الحمّام الشعبي، نظرا لما يُحقّقه المكان من ارتياح نفسي وفتح أبواب الأمل في إمكانية الزواج من هذا الفضاء المهندس لخدمة الأغراض الجنسية -البيولوجية والسوسيوثقافية وأهمها السيكولوجية. فالحمام لا تقصده المرأة العربية من أجل تلميع جسدها فقط، ولكن لعرضه كذلك في سوق اللحوم والانتشاء الوهمي الذي يُحقّقه طقس الحمّام على مستوى المتخيّل النسوي.

إن المعالجة الفكرية لمثل هذا الموضوع الذي يجرّ معه سيلا من الزوابع تجاه الأخلاق الجنسية الإسلامية، يستدعي حقّا من الباحث التّخلص في خطوة انعتاقية أولى من ركام الإرث التنشؤي المُثقل بالحسّ المشترك والصور النمطية والعقيدة المختارة، مُتحلّيا في المقابل بقدر من الموضوعية وإرادة المعرفة الخالصة. فالجنسانية في آخر المطاف، هي بنية ذهنية مُستمرة لما علمونا ولما سوف يُعلمونا، وهو ما ورد على لسان ميشال فوكو في درسه الختامي الأخير وهو يُساءل مفهوم الجرأة، وقبله سيغموند فرويد ولو بصيغة أخرى، سنبرز مضمونها في القادم من الورقة الثانية.

ومما يؤكد لنا مفعول الترسيب المتوارث لتلك النظرة الغرائبية التي تطغى على لسان المُتحدث عن أجواء الحمّام، نلتمس تزكية من الواقع نفسه لا من حيث التمثلات أو الأقوال التي تحشو في طياتها جُملة من المكبوتات والإنزياحات، تسعى -على نحو لاشعوري-إلى طيّ أي حديث عنه ضمن هندسة التابو المتحكمة في تأطير رقعة الخانات المُستغلقة بإحكام -بما هو {نقصد هنا الحمّام} -منطقة محظورة من جنسانية المُسلم وعلاقته الطّفلية المشبوهة والشاذة أحيانا مع المحيط القريب والمجتمع أيضا. وبدلا من محاولة إخراج الموضوع من طوقه اللامفكر فيه، أي من خلال العمل على إيجاد تفسيرات ترصد وتحلّل السلوك الحمّامي الجنساني السوي واللاسوي منه (تمثلا وخطابا وممارسة) يُقابل الخطاب بالتكتّم والاستبعاد هربا أو خوفا من التّبعات التي يجرّها البحث والحفر في كذا نطاق على طهرانية الأخلاق الجنسية الإسلامية وعن آلياتها ومفارقتها العجيبة واللامُستوعبة في الكثير من الأحيان.

وعلى نفس البساط السياقي، هناك ما يدعونا للخجل أكثر من ضيق التفكير واليقظة المطلوبة، ويُبرز ذات الحين عدم الانشغال الفلسفي والاستيطيقي بالذات، إذ لا يعثر القارئ الشغوف على امتداد رُفوف المكتبات ودور النشر العربية على أية دراسة متكاملة ومستوفاة تختصّ بأركيلوجيا مؤسسة الحمّام بوصلها مع تاريخ الحياة الجنسية الإسلامية {وهو مضمون مؤلفنا المقبل}.

فمن حيث هو ملاحظ إلى حدود الساعة، نُذرة القراءات والدراسات المهتمة بقضايا تتمحور حول الجنس والجنسانية في المجتمع العربي وخفوت حسّ التأمل والتحليل المُعمق والمُزود بأدوات معرفية لفضاء الحمام الشعبي، كمجال رمزي دالّ نستطيع عن طريقه فهم كيفية التشكّل الجنساني للذات العربية، وكيفيات رسم أولى الخرائط التعريفية على الجسد الذكوري ونظيره الأنثوي، إلى جانب افتحاص مسائل أخرى ذات علاقة.

لقد انطلقنا في بحثنا هذا من قناعة راسخة تضرب جذورها في بطن التاريخ المؤرّخ والمنسي منه، ومفادها أن الحمّام هو بمثابة بوابة ملكية للنفاد إلى كواليس الجنسانية الإسلامية، حيث تتمسرح وتنبجس جوانب “الشخصية الظلّية: ذكورية أم أنثوية”، لتسقط الأقنعة عن الذات والجسد، وتنكسر الحدود الرمزية الفاصلة بين المقدس والمدنس، وتتداعى المكبوتات الجنسية من خلال كلّ الأشكال التي تتّخذها السلوكيات والتمثلات والرغبات والتهويمات (…) الخ، بعيدا عن منطق العقل وانزياحا إلى نداء الشهوة والغريزة المُطعمة من ثقافة المجتمع. وعليه يُمكن أن تُساهم هذه الورقة عبر تفاصيلها المجزأة طبعا في تقويض وعي الآخر ودعوته للتفكير خارجا عن نطاق المساحات التي خُطت سلفا من أجله.

 * متخصص في التحليل النفسي

هوامش:

  1. راجع في هذا النطاق الأعمال التالية: صوفية السحيري: الجسد والمجتمع. فاطمة المرنيسي: الهندسة الاجتماعية للنوع. عبد الوهاب بوحديبة: الجنسانية والمجتمع.
  • يشمل مصطلح “الجنسانية” (sexuality) كل الجوانب الحسية للحياة، بما فيها الرغبات والممارسات والعلاقات والهويات. وهكذا فإن الجنسانية عبارة عن مفهوم مراوغ. ويعتبر أمرا ما جنسيا أو مثيرا اعتمادا على محدده، وهو ما يتنوع تاريخيا ويختلف من ثقافة إلى أخرى ومن محيط إلى أخر. علاوة على ذلك فان كلمة “جنس”(sex) و”جنسي”(sexual) يلتبسها غموض. ويمكن استخدامهما للإشارة إلى إثارة الشهوة الجنسية (مثل “ممارسة الجنس «،» والتخيلات الجنسية”) أو تحديد الاختلافات بين الرجال والنساء (مثل “الجنسين «أو “التقسيم الجنسي للعمل”). ويعكس هذا اللبس الدلالي بعض الفرضيات الموروثة المُحددة للفهم اليومي للجنسانية.

قضايا الجزء الثاني وبعده الثالث على نفس الموقع:

•          دفاعا عن تربية جنسية ونفسية صحية

•          التاريخ الجنسي الطفلي وعُقدة الحمّام

•          ايروسية المشهد الحمّامي.. مكمن الكبت الطفلي

•          دلالة الحمّام في الحياة النفسية -الجنسية للمرأة

شاهد أيضاً

En Attendant GODOT ou l’Eternisation du dérisoire

   Par Khalid JEBOUR Tant de mouvements et de courants littéraires et artistiques se sont …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *