الرئيسية / ترجمة / اسبينوزا والإسلام (قرآن اسبينوزا) الجزء 2*

اسبينوزا والإسلام (قرآن اسبينوزا) الجزء 2*

الكاتب: يوسف دجيدي         

ترجمة: نورالدين البودلالي

نور الدين البودلالي

4- «الاستبداد» و«الطاعة الطبيعية»

نعلم وجهة نظر اسبينوزا المتشددة في موضوع الاستبداد، المتجسد في رأيه في النموذج السياسي التركي والذي نبهت مقدمة الرسالة اللاهوتية والسياسية إلى حماية الهولنديين منه. لقد أشاد فيلسوفنا، مثلما فعل ديكارت كذلك، بهذا الشعب الذي كان ينعم «بسعادة نادرة […] في العيش في ظل جمهورية، تعطى فيها حرية واسعة إما للحكم عن الله أو تكريمه وذلك بحسب الطبيعة كل واحد، وحيث يحظى كل واحد بحرية هي بالنسبة إليه أعز وأسمى مكتسب».   

[هذا في الوقت الذي] تكمن أكبر أسرار النظام الملكي ومصلحته الرئيسية في خداع الناس و السيطرة عليهم ببث الخوف المغلف بهالة الدين، فيقاتل الناس من أجل حماية عبوديتهم كما لو كانت حريتهم، ويعتقدون أن ذلك غير مخجل، بل شرفا كبيرا يدفعهم لسكب دمائهم وزهق أرواحهم من أجل رجل واحد.

وحتى وإن لم تتضمن هذه الفقرة بصورة مباشرة –وليس هذا بضروري- الأنظمة الإسلامية، فإن الأسطر التي تسبقها في نفس المقدمة لا تدع مجالا للشك. والواقع أن الاستبداد وخادمته الخرافة، بالنسبة لسبينوزا، « لم يكن لهما أثر أكبر مما كان في بلد الأتراك حيث يعتبر النقاش وسيلة لتدنيس المقدس، و ترهِق كثير من الأحكام المسبقة الحكم، وأن العقل الراجح لم يعد له مكان في الروح وأن الشك نفسه لم يعد ممكنا». فمكيافيلي، مثلا، صاحب الأفكار الثاقبة([i])، والذي كان اسبينوزا يمتلك أعماله الكاملة([ii])، أكد، دون أن يضيف جديدا، «أن النظام الملكي في تركيا الكبرى يحكم بنفسه لوحده. الباقون كلهم عبيد([iii])».

غير أن الخطاب النقدي لسبينوزا سيتجاوز هذا الحد في رسالته إلى يعقوب أوستين، التي يدافع فيها عن نفسه من هجمات لامبرت فيلتايسن على الرسالة اللاهوتية والسياسية، التي، حسب هذا الأخير، تهدم كل عبادة، كل دين وكل كتاب مقدس، بإقحام القدرية بشكل قطعي ومبسط و، أنها إن لم تصل حد ال«إلحاد مبطن»، فهي على الأقل تدعو إلى نسبوية دينية. فبالنسبة لفيلتايسن، ووفقا لتأكيدات الرسالة اللاهوتية والسياسية،

يمكن اعتبار القرآن كلام الله. والواقع أن المؤلف لا يملك أية حجة لإثبات عدم أحقية محمد في النبوة، مادام الأتراك أنفسهم، انطلاقا من أحاديث نبيهم، يحافظون على فضائل أخلاقية لا يشك في مصداقياتها أحد. كما يرى المؤلف، من جهة ثانية، أن الله غالبا ما يقود، عبر آيات أخرى، إلى استخدام العقل والطاعة أُمَما لم تستفد من أشكال الوحي الذي نزل على اليهود والمسيحيين([iv]).  

إجابة اسبينوزا هي أكثر إثارة للدهشة من كونها مُحرَجة، بل و يبدو أنها تبطل الفكرة التي ترى أن «عدم اهتمام» الفيلسوف «بالعقائد يثبت أيضا رفضه لها جميعها؛ سواء تعلق الأمر بالمسيحيين أو اليهود، الأتراك [المسلمين] أو الوثنيين([v])». وفي نهاية المطاف، تمكن من استنباط تلميحات فيلتايسن بسهولة، خصوصا المتعلقة منها، على الأقل، بالنسبوية الدينية. ومع ذلك فإن اسبينوزا يدافع عن نفسه كون «متًهِمهُ يقدم تفسيرا جد خاطئ» « بدافع الحقد أو عن جهل» لتطور أفكار كتابه ويعترض، عكس كل التوقعات([vi])، أن العكس تماما هو ما يقترحه مذهبه ويعلن بوضوح تام أنه «يستخلص بكل جلاء أن محمدا محتال»، لكونه «يقمع […] تماما الحرية التي تقر بها الديانة الكاثوليكية التي أوحي بها إلى النور الطبيعي وباقي الأنبياء، وأثبتت ضرورة الاعتراف بها». ويضيف فيلسوفنا:

لكني أتساءل هل من الضروري علي أن أثبت أن نبيا، حتى إن لم يكن محتالا، كان كذابا؟ على العكس من ذلك، الأنبياء هم أحق من الدفاع عن أحقيتهم في النبوة. قد يقول قائل أن محمدا قد بث هو الآخر في الناس قانونا إلاهيا وقدم آيات نبوية أكيدة، كما فعل باقي الأنبياء، حينها لا سبيل لإنكار حقيقة نبوة محمد. أما بالنسبة للأتراك وباقي الأمم، إن كانوا يعبدون الله بمحبة الحق والإحسان لذي القربى، فإني أعتقد أن روح المسيح تغمرهم وأنهم أُثيبوا، كيفما كان اعتقادهم، عن جهالة، في محمد وما أُحي له([vii]).

صحيح أن اسبينوزا، المؤيد القوي لحرية المعتقد، لا يمكنه أن يستوعب أي سلطة سياسية أو دينية لا تعترف أولا بهذه الحرية. ومتاعبه مع السلطات الحاخامية في بلاده معروفة جدا لا يستدعي الأمر العودة إليها. لكن مشاكله لم تكن محصورة مع اليهود وحدهم، فهو، على الرغم من صلته بالمذهب الكلفاني، لم يتوقف أبدا عن إدانة حجم الأخطار التي شكلتها الكنيسة على الدولة وحرية المعتقد. ولعل أن واحدا من الأسباب التي أدت إلى بلورة تصوره حول الرسالة اللاهوتية والسياسية، كما أسر بذلك هو نفسه لأولدنبورغ، قد كان بالضبط ال«رغبة في الدفاع بكل الوسائل الممكنة عن حرية الفكر والكلام التي تهددها السلطة الواسعة جدا المسموح بها للرهبان ولغيرتهم، باستعمال القمع في هذا البلد([viii]

نتفهم مخاوف اسبينوزا من تفرد كل ديانة بالحرية، «ما دام أنه صحيحا أن جميع رجال الدين، وثنيين كانوا أم يهود أم مسيحيين أم محمديين [مسلمين]، هو حريصين على سلطتهم من كل انصاف وقول حقيقة وأنهم جميعا تحركهم نفس روح الاضطهاد([ix])». فيما يتعلق بالإسلام كان من الممكن، بالفعل، أن لا نرى في رسالته لأوستن سوى مراوغة بسيطة يمليه اتخاذ الحذر –وهذا بالفعل ما أوصى به الفيلسوف مراسله-، لو لم يكن هناك مقطع، في رسالة أخرى، يؤكد الرؤية السلبية للغاية للفيلسوف تجاه الدين الإسلامي.

الرسالة المقصودة هي التي رد بها على رسالة جاءته من فلورنس، من تلميذه السابق ألبير بورغ([x]). يخبره الشاب أنه «برحمته تعالى الواسعة، عدت إلى الكنيسة الكاثوليكية وأصبحت عضوا فيها». ثم أتبع ذلك بمحاكمة طويلة بنبرة جد ملتهبة في حق «الرجل التعس الذي لعبت برأسه شياطين قوية»، «وثنية»، «عديمة الرحمة»، والتي تستحق هي نفسها الرحمة ك«الكلفانيين، أو الذين يسمون بالإصلاحيين، […]، مناصري لوثر، مينوناتيين، وسوسينيانيين، الخ»، وهم «كما هو حالكم في مملكة يخيم فيها ظل الموت».  

أما بالنسبة لليهودي، الذي ارتد عن دينه حديثا، وباعتبار أنه يعلم بطبيعة الحال أن أستاذه السابق من أمته –ويعرفه أيضا بالتأكيد غير مهتم بمصيرها-، فهو يدعوه بالطريقة الأكثر وقاحة أن يقدِّر

كذلك العقوبة الرهيبة والقاسية لدرجة لا تتصور التي حطت بقدر اليهود إلى أدنى درجة من البؤس، وذلك لكونهم صلبوا المسيح. تصفح، اِبسط أمامك، تمعن التاريخ العالمي، لن تجد مجتمعا كان له نفس الغنى مثل هذا المجتمع ولو في الأحلام.

لكن ماذا عن الإسلام؟ لا شيء تماما. يمكن استثناء جملة عابرة وذات مسحة ساخرة تؤكد أن «القسطنطينية هي عاصمة إمبراطورية تركيا». ولا حتى عندما يسمح المجال بذلك، مثلما هو الحال بالنسبة للمقطع الذي يمدح فيه العقيدة المسيحية المنتشرة بشكل متزايد بفعل عمل الجمعيات الخيرية، «وليس بهدير السلاح، وقوة الجيوش العديدة وتدمير الأراضي، وهي السبل التي يوسع بها أمراء العالم مستعمراتهم».

لا يبدو هناك ما يبرر، منذ الوهلة الأولى، التغاضي عن الإسلام، ولنا كامل الحق أن نستغرب إجابة سبينوزا هذه:

أدرك ميزة النظام السياسي الذي شيدته الكنيسة الرومانية […]؛ لكني لم أكن لأعرف النظام الأكثر قدرة على خداع الجمهور والهيمنة على النفوس لو لم توجد الكنيسة [المساجد] الإسلامية التي، من هذه الناحية، تفوق كل الأخريات؛ فمنذ بدء هذا المعتقد، لم يتم، بالفعل، تسجيل أي انشقاق بمساجده([xi]).

وددنا لو عثرنا على البيِّنة التي تدعي فرانسواز شارل دوبر، في مقالها عن «سبينوزا والزنادقة»، العثور عليها في التقنية التي اعتمدها الفيلسوف في وجه خصمه:

عن تهمة اعتبار محمد نبيا حقا والقرآن كتابا مقدسا، «أجاب سبينوزا بطريقتين. أولا بالتأكيد وبوحشية أنه لم يفعل شيئا سوى إظهار أن محمدا كان دجالا. إنها لصياغة كانت شائعة، أرثوذكسية بالنسبة لفكر الحقبة، لكن أيضا مستفزة بشكل رهيب، وذلك لأن الصياغة تستحضر بشكل طبيعي أطروحة الدجالين الثلاث، حتى وإن كانت لا تتماشى وموضوع الرسالة اللاهوتية والسياسية».  

الحق أننا لا نجد سببا واضحا لحضور أطروحة الدجالين الثلاث في رد سبينوزا على فيلتايسن.

لكن ماذا لو سلمنا أن هذا هو حقا مسترسلات رده، وأنه لم يتبع حينها الحجة المترتبة عنها؟ لعله بهذه الطريقة كان سيدمر الإسلام وبقية الديانات وينعت جميع الأنبياء بالدجالين؛ أو أنه سيتبنى صراحة النهج الربوبي الذي يبدو أن فرانسواز شارل  دوبر قد اكتشفته في بقية رده، عندما

ينتهي أخيرا، وهو يوبخ نفسه، إلى عدم الاهتمام بالأديان –المعتقدات والمذاهب- طالما أنها تنشر تعاليم العدل والإحسان، وهو بالضبط ما ينتقده فيه خصمه. هذا ما يجعله يتمسك بوجهة نظره ويجعله ضحية النقد المتمثل في عدم المبالاة بالمعتقدات و الطابع الذي يجعل الأديان متماثلة، مادامت أنها تضمن الفضيلة، مما يجعلها قريبة فعليا من الخطابات الربوبية.

الحقيقة أن هجوم لامبر دو فيلتايسن كان مركزا بشكل دقيق، وبالتالي كان يتطلب من اسبينوزا ردا قويا. نرى هنا مدى محدودية «الحياد القيمي» الذي أشار إليه كارل ياسبيرز كسمة مشتركة بين اسبينوزا و فيبر([xii]).

لابد من الاعتراف أن اسبينوزا، في معالجته لمفهوم النبي، ارتبط بنموذج كتابي انجيلي صارم، ميز فيه، كما يقعّد ذلك الكتاب المقدس، بين النموذج المتحقق للرسول، ونقصد به موسى، الذي كلمه الله «جهرة»، ونموذج باقي الرسل، النبيئين، الذين كانوا مجرد مؤولين لكلام الله، ويمتلكون مع ذلك معرفة طبيعية([xiii]). سيتم تفجير هذا النموذج بشكل مضاعف من خلال توسعة العهد الجديد المتمركز حول شخصية المسيح. فهذا الأخير «قد أُرسل [بدءا] هداية لا لليهود وحدهم، وإنما للناس أجمعين([xiv])»؛ ثم بعد ذلك تلقى، وهو المزود بروح «تفوق بكثير الروح الإنسانية»، الوحي الإلهي «بشكل مباشر، دون كلام ولا رؤى([xv])»، «من روح إلى روح». إذ «لم يكن المسيح نبيا وإنما كلمة الله([xvi])» حسب اسبينوزا.

لكن ما المكانة التي يخصها اسبينوزا لصاحب الدعوة الإسلامية؟ إنها بالتأكيد نفس المكانة التي تعطيها له الديانتين المسيحية واليهودية، أي «نبي كذاب». وقد سبق لإخوان اسبينوزا اليهود أن اتهموا محمدا بالمدينة المنورة بكونه «مجنون([xvii])»، هاجم وسخر من العهد القديم([xviii]). وبعد مرور قرون عديدة، ولم يستعمل حاخامات آخرون، كابن ميمون مثلا([xix])، تعبيرا آخر غير «مجنون» لوصف نبي الإسلام. وباصطلاح اسبينوزا لا هذا يعني حرمان محمد من المعرفة والعقل السوي. هذا بالفعل ما عبر عنه الفيلسوف في أفكار ميتافزيقية، حيث يستبعد القرآن والتلمود لكونهما بحسبه يفتقران للنور الطبيعي([xx])، الذي نجده لدى أنبياء الإنجيل. ولهذا السبب جعل اسبينوزا من محمد نبيا كاذبا والإسلام «خرافة» منتشرة ظلت، مع ذلك، ثابتة منذ بزوغها.

هل كان اسبينوزا يجهل حتى وجود مذاهب في الإسلام، كما اعتقد بذلك البعض([xxi])؟ احتمال ذلك جد ضعيف؛ ويكفي أن نستشهد فقط بدلالة الحائرين، ، لتقديم صورة عن هذا الأمر. فهل كان يجهل بوجود مذهبين متمايزين في الإسلام، كل منهما يشمل مذاهب فرعية عديدة؟ الواقع أن ما ألمح إليه اسبينوزا، باعتباره هولنديا حقيقيا، و أحيانا مؤمنا ببروتستانتية راديكالية([xxii])، هو تلك الانقسامات المؤدية للقطيعة، كما حدث تماما مع الإصلاح الديني. وفي نهاية المطاف، ألم يتأسف المصلح جمال الدين الأفغاني عن عدم وجود لوثر آخر في الإسلام؟

5- قرآن سبينوزا

حقيقة واحدة تجذب الانتباه بقوة: في الرسالة اللاهوتية والسياسية يشع القرآن بغيابه، إن جاز القول. فإن اقتصرنا على الفصول الخمسة عشر الأولى على الأقل، يمكن القول أن الكتاب المقدس الإسلامي كان يستحق اهتماما أكثر من تلك «القصائد الدرامية» البسيطة وال«وقائع المتسلسلة العادية([xxiii])». لنقل بداية أن القراءة السريعة للقرآن ستسمح باستخلاص ال«مبادئ السبعة للإيمان الكوني» التي يجعل منها اسبينوزا أساس الطاعة الحقيقية لله([xxiv])، وذلك على غرار مواد الإيمان الثلاثة عشر التي أقامها موسى بن ميمون. هذه المبادئ هي: الله موجود([xxv])؛ هو الواحد([xxvi])؛ المطلق الوجود([xxvii]) والعلم([xxviii])؛ القاهر بإرادته الرحيمة الواسعة([xxix])؛ وأن العدل و الرحمة أساس كل عبادة وطاعة لله([xxx])؛ وأن الخلاص يكون بقدر احترام هذه العبادات([xxxi])؛ وأن الله غفور([xxxii]).

هل يكون اسبينوزا قد أغفل بشكل متعمد مصدرا خصبا في بحوثه الخاصة؟ هل صحيح أنه فكر في أسس العقيدة «الكاثوليكية» باعتماد الإنجيل لوحده؟ كل المعطيات غير مؤكدة تماما، ويمكننا تخيل الفيلسوف اليهودي مشتغلا على فك شفرات سور الكتاب المقدس الإسلامي، الذي كان يمتلك منه نسخة، كما تؤكد ذلك سيرته الذاتية([xxxiii])، رغم أنه، فيما بعد، افتُقِدت تماما من قائمة مكتبته([xxxiv]). هذا ما تؤكده شهادة أحد معاصري اسبينوزا، يدعى يوهان كريستوف شتورم، الذي أشار، في بحث له قام به سنة 1677 حول ديكارت والديكارتية، إلى أن اسبينوزا كان لديه نسخة من القرآن، يضعه في مكتبته جنب التلمود والإنجيل([xxxv]). ثم إن الفيلسوف، كما سبق لنا قوله، يذكرهم سوية في كتابه أفكار ميتافزيقية.

هذه الجزئية تذكرنا بيهودي آخر، إغنز جولدزيهر، الذي يعتبر من أبرز ممثلي علم الدراسات الإسلامية الحديث. لقد كان، هو الآخر، يضع فوق مكتبه الكتب المقدسة للديانات التوحيدية الثلاثة. وهو إن لم يُخف تعاطفه مع «القديس» الهولندي، فلأنه، هو الآخر، قد «حورب من طرف إخوانه في الدين»، ونعتوه بالعقوق بعد نشر مقالته حول الأسطورة لدى اليهود، وجعلوا منه ذا ميول اسبينوزية! و مع ذلك لا يمكن القول أن فقه اللغة القرآني للعالم النمساوي-الهنغاري لم يكن أبدا مدمِّرا إلى حد كبير مثل الذي مورس على الإنجيل في الرسالة اللاهوتية والسياسية. فمقارنة بغوته الذي عرف كيف يزاوج في شخصيته بين الإسلام والسبينوزية، وجد غولدزيهر بالمثل «سلوكا حياتيا» في القرآن([xxxvi]).

بطريقة ما، ثمة شيء من سيرفي  Servet في منهجية اسبينوزا([xxxvii])، بالمعنى الذي يجعل القرآن، لديهما سويا، يلعب دورا جد متناقض، كشاهد على التوحيد «الموحّد» (سيرفي) أو «الديانة الطبيعية» (اسبينوزا)، و، في نفس الوقت، كحجة تسهم في إنكار الدين. من هذه الزاوية، لربما يكون الدين الإسلامي شاكرا لغولدزيهر كونه من أقل «سبينوزيي» عصره الذين أخضعوا القرآن للنقد.

حاليا، من الصعب معرفة الترجمة التي كان اسبينوزا يتوفر عليها. فمن الممكن، باعتباره يتقن قراءة وكتابة اللغة الفرنسية([xxxviii])، أن يكون يتوفر على قرآن محمد من ترجمة أندريه دي ريير([xxxix])، الذي كان قنصلَ فرنسا بالقاهرة، ثم بقسطنطينية. إنها النسخة، التي أعيد نشرها مرارا والتي اشتُهرت بكونها الأسوأ من بين مثيلاتها، وكان لها تأثير قوي على عقول قراء القرنين السابع عشر والثامن عشر يماثل التأثير الذي مارسه البطرس المبجل نيقولاس الكوزاني، و كذا تأثير الرد على القرآن لريكولدو دي مونتي على مارتن لوثر. تلك النسخة كانت إلى حد كبير السبب في اعتبار القرآن «تعبير غير متماسك» و «فوضى بشعة وبربرية»، التي نجد صداها في أحايين كثيرة ممتدا إلى الرسالة اللاهوتية والسياسية، كما رأينا ذلك سابقا، بل وحتى في فلسفة الأخلاق لدى فولتير([xl]). نفس الشعور نجده لدى فانيني، مثلا، لكن مع اختلاف في كون الفيلسوف الإيطالي لم يميز في هذا الشأن بين الإنجيل والقرآن، وأن الأول بالنسبة إليه لم يكن «سوى أقمشة نسيج مخاطة في أوقات متفرقة، جمَعها عدة أشخاص وقُدمت للناس حسب نزوات الحاخامات […] كتاب مقدس لم يعد به نظام ولا منهج كما هو الحال بالنسبة ل قرآن محمد، الذي لا يفهمه أحد، لترجمته المرتبكة والغير مفهومة([xli]

صحيح، في نفس الوقت، أنه لم يعد أحد يمثل الإسلام خلال القرن السابع عشر ، ومند مدة، من الناحية الفلسفية أو اللاهوتية من قيمة الغزالي، وابن حزم أو الباقلاني، الذي يمكن الرجوع إليه أو حتى مواجهته. قطعا، لقد كان ارنست رينان محقا حين اندهش أمام الواقعة، التي يراها ذات دلالة، المتمثلة في كون «الفلسفة العربية تعطي مثالا فريدا لثقافة سامية أُقبرت تقريبا بشكل فوري دون أن تترك أثرا، ونستها الأمة التي أنشأتها([xlii])». وقد كان الهرَم ابن رشد، حسب تصور ليون غوتييه، بالنسبة ل«للفكر الفلسفي اليوناني-العربي بمثابة الوصلة الأخيرة من الألعاب النارية الرائعة».

أمام وجود فراغ مماثل، أصبحت الطريق مفتوحة أمام ما يقدمه التجار من معلومات معرفية([xliii])، خصوصا منها تلك المستثمرة من قبل شركة الهند الشرقية القوية الانتشار. فمنذ التأسيس الرسمي لهذه الشركة بداية القرن السابع عشر، ذات الرأسمال الذي يقدمه جزئيا اليهود الذين تمسَّحوا طوعا أو كرها، أصبحت لها علاقات معقدة مع الإسلام. والحق أن هذه العلاقات كانت قد بدأت منذ 1598 مع ما سيسمى بجزر الهند الشرقية الهولندية، بعد أن فتح المستعمر الهولندي كورنيليس دي هوتمان أول مكتب له بسومطرة، قبل أن يتم إعدامه من قبل السلطان آتشيه. لابد من التذكير أن لأرخبيل الإندونيسي كان، منذ بداية القرن الخامس عشر ، قد اعتنق –بأجمعه تقريب- الإسلام الذي حمله التجار الهنود والعرب.

اسبينوزا نفسه، وقد كان في شبابه تاجرا([xliv])، وكان يعاشر دوما أصدقاء تجار أو أبناء تجار، لبعضهم علاقات تجارية مع الشرق الأوسط والشرق الأقصى. ومن غير المستغرب أن يكون الفيلسوف محيطا بالسياسة « الشرقية» للشركة، التي امتدت أنشطتها إلى اليابان([xlv]). كما كان، باعتباره أوروبيا نيّرا، جد منتبه أيضا للموقف الذي يجب اتخاده من الأتراك([xlvi])، الذين لا مفر من إقامة علاقات تجارية معهم([xlvii]). إنها، بمعنى من المعاني، الواقعية التي امتدحها نتشه في شخصية ال«قديس» غوته([xlviii]).

خاتمة 

هناك ما يشي كون اسبينوزا، الفيلسوف الحداثي، وريثا للفكر اليهودي الإسلامي. وإن أمكننا أن نرى فيه رُشْدِياً حداثيا، فهذا لن يؤثر بأي حال على أصالته الفلسفية التي لم يعد من الممكن التنصل منها، والتي يمكن للفلسفة العربية أن ترى فيها تجاوزها الخاص. ومن شأن دراسة شاملة ومعمقة أكثر أن تسلط الضوء على هذا المكون من تفكيره، الذي يرجع الفضل فيه بقدر كبير إلى علاقاته مع اسبانيا ولثقافته اليهودية. هذه الثقافة التي تدهورت إثر الاضطرابات المشيحية messianiques التي كانت المنطقة الإسلامية مسرحا ووعاء لها. كنا نرغب الحصول على معلومات أكثر حسما حول ردود فعل اسبينوزا تجاه تلك الاضطرابات، و لا يمكننا إلا أن نأسف على هول هذا الفراغ، خصوصا ونحن نعرف وضوح الرجل السياسي من الخلاص الديني  sotériologique، أي وضوحه المتعلق بعلم الخلاص وبالمنقذ [المهدي المنتظر]. إلا أننا نرى أن ما سيوضح بجلاء مسألة علاقات الفيلسوف الهولندي بالإسلام، هو بالتأكيد الكشف عن نسخة القرآن التي توفرت له. هكذا سيتكشف لنا المكانة التي حضي


المصدر

*  – Djedi, Y. (2010). « Spinoza et l’islam : un état des lieux ». Philosophiques, 37(2), 275–298. doi:10.7202/045184ar

صفحة المترجم:

الهوامش

[i]  – Traité politique, IV, § 7 ; X, 1

[ii]  – A. J. Servas van Rooijen , op. cit., pp. 145-146

[iii]  – Le Prince, IV

[iv]  – Lettre XLII (déjà citée)

[v]  – Ch. Appuhn, in op. cit., p. XVI

[vi]  – Cf F. Charles-Daubert, « Spinoza et les Libertins — Le Traité des Trois imposteurs ou L’esprit de Spinoza », in R. Bouveresse-Quilliot (dir.), Spinoza, sciences et religion. De la méthode géométrique à l’interprétation de l’Écriture sainte, Paris, Vrin, 1988, pp. 171-181

[vii]  – Ibid., lettre XLIII

[viii]  – Spinoza, op. cit., lettre XXX

[ix]  – Ibid., p. 1542

[x]  – Ibid., lettre LXVII

[xi]  – Lettre LXXVI in B. Spinoza, OEuvres complètes, p. 1347

[xii]  – Spinoza, München, Piper, 1978, pp. 57-65 ;Y. Djedi, op. cit., pp. 197-198

[xiii]  – Traité théologico-politique, chap. I

[xiv]  – Ibid., chap. III

[xv]  – Ibid., chap. II

[xvi]  – Ibid., chap. III

[xvii]  – Cf. Y. Djedi, op. cit., pp. 97-98

[xviii]  – Osée, IX, 7 (c’est du moins ce que suggère Jean de Hulster dans son édition de M. Maïmonide, Épîtres, op. cit., pp. 22, n. 69 ; 58 n. 68) ; Jérémie, XXIII, 21-40

[xix]  – Op. cit., pp. 22, 58, 61, 71, 94

[xx]  – VIII, in fine

[xxi]  – A. Wolf , op. cit., p. 476

[xxii]  – Cf. G. Hunter, Radical Protestantism in Spinoza’s Thought, Aldershot, Ashgate, 2005

[xxiii]  – .V

[xxiv]  – Ibid., XIV

[xxv]  – II, 255 ; III, 2 ; VI, 102 ; XX, 73, 98, 114 ; XXIII, 116 ; XXIV, 25

[xxvi]  – II, 255 ; III, 2, 18, 62, IV, 87, 130 ; VI, 102 ; IX, 129 ; XII, 39 ; XIII, 16 ; XVI, 51 ; XVIII, 38 ; XX, 8, 14, 98 ; XXI, 22 ; XXIII, 91, 116

[xxvii]  – II, 247, 261, 268 ; III, 73, 189 ; IV, 108 ; V, 54 ; VII, 54 ; XXIV, 32

[xxviii]  – II, 85, 95, 96, 137, 140, 144, 149, 197, 216, 224, 232, 233, 247, 256, 261, 268, 271, 282 ; III, 29, 34, 36, 66, 73, 121 ; IV, 17, 26, 92, 104, 108, 111, 126, 148, 176 ; V, 54, 76, 99 ; IX, 60, 97, 98, 110 ; XIII, 8 ; XVI, 19 ; XVIII, 26 ; XX, 98 ; XXII, 52 ; XXIV, 18, 19, 21, 28, 29, 32, 35

[xxix]  – II, 90, 105, 148, 212, 213, 220, 228, 247, 251, 253, 284 ; III, 4, 13, 29, 40, 129 ; IV, 90, 158 ; V, 17, 19, 38, 40 ; IX, 39 ; XIII, 11, 26, 39 ; XIV, 27 ; XVIII, 39 ; XXII, 40 ; XXIV, 45

[xxx]  – II, 3, 5, 177, 178, 190, 195 ; III, 57, 72, 92, 104, 110, 134-136, 148 ; V, 8 ; XXII, 41, 56, 76 ; XXV, 67, 68, 72 ; LXIV, 16

[xxxi]  – II, 2-5, 82, 197 ; III, 57, 101, 102, 114 ; V, 9, 93 ; VII, 42 ; XXI, 93 ; XXII, 23, 24, 50, 56 ; XXXIII, 1-10 ; XXIV, 37, 38, 52, 55

[xxxii]  – II, 143, 187, 218, 221, 225, 268 ; III, 30, 31, 129, 135, 155 ; IV, 25, 96, 99, 100, 152 ; V, 71, 74, 95, 101 ; VIII, 29, 33, 70 ; IX, 91 ; XII, 92 ; XXIV, 22

[xxxiii]  – J. Freudenthal, op. cit., p. 209

[xxxiv]  – A. J. Servas van Rooijen, op. cit. ; J. Freudenthal, op. cit., pp. 210 sq. ; id., Die Lebensgeschichte Spinozas : in Quellenschriften, Urkunden und nichtamtlichen Nachrichten, Leipzig Veit, 1899, p. 160. Cf. l’inventaire reproduit par Jean Préposiet dans sa Biographie spinoziste, Paris, Les Belles Lettres, 1973, pp. 339-343

[xxxv]  – De Cartesianis et cartesianismo, Altdorffi , Schönnerstaedt, 1677, pp. 13-14

[xxxvi]  – Cf. Y. Djedi, op. cit., pp. 503-508

[xxxvii]  – Cf. p. ex. F. Carrasquier, « De Servet a Spinoza », in Spinoza y España, op. cit., pp. 139-145 ; id., Servet, Spinoza y Sender. Miradas de Eternidad, Zaragoza, Prensas Universitarias de Zaragoza, 2007

[xxxviii]  – Cf. p. ex. G. Van Suchtelen, « Une lettre de Spinoza inédite en français », in Bulletin de l’Association des Amisa de (Spinoza, n° 10, 1983, pp. 1-5

[xxxix]  – Paris, Antoine de Sommaville, 1647

[xl]  – Cf. P. Martino, « Mahomet en France aux xviie et xviiie siècles », in Actes du XIVe Congrès international des orientalistes, III, 1905, p. 160

[xli]  – Cité ap. F. Charles-Daubert, loc. cit

[xlii]  – E. Renan, op. cit., p. 13

[xliii]  – Cf. p. ex. C. F. Beckingham, « Dutch Travellers in Arabia in the Seventeenth Century », in Journal of the Royal Asiatic Society, I/II, n° 3/4, 1951, pp. 64-81

[xliv]  – Cf. Y. Djedi, « Max Weber et le spinozisme ou la “conduite de vie” du “sage” », in Le Portique, e-portique 5 — 2007, Recherches

[xlv]  – Cf. Traité théologico-politique, V et XVI in fine

[xlvi]  – Ibid., XVI in fine

[xlvii]  – B. Braude, « Les contes persans de Menasseh ben Israel », in Annales HSS (1994), n° 5, pp. 1107-1138

[xlviii]  – Y. Djedi, loc

شاهد أيضاً

ميشيل فوكو: اعترافات الجسد

محمد مروان تقديم وترجمة: محمد مروان خاص بموقع كوة من المعروف أن ميشيل فوكو Michel …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *