الرئيسية / كتاب كوة / علي محمد اليوسف / الفكر الديني ضحية النخب الثقافية أم رجال الدين ؟؟

الفكر الديني ضحية النخب الثقافية أم رجال الدين ؟؟

علي محمد اليوسف

تقديم اولي

هل يستطيع المثقف العربي العيش وسط مجتمع متخلف؟؟ عبدالله عبدالدايم

أن منهجية تفكيك النص الديني سواء في عرضه, أو في محاولة توضيح سياقه التاريخي النقدي لوقائعه وأستخلاص حقائقه الصحيحة, تعتبر من مهام ومسؤوليات النخب الفكرية حصريا.., حيث أصبحت مجتمعاتنا العربية والاسلامية تتقاذفها الاختلافات الدموية التصفوية المذهبية الدينية جسديا نتيجة قراءات وفتاوى تضليلية في أجتهادات رجال دين متمسكون بحرفية الفتاوى المتطرفة على أنها عصمة للدين من التطاول على قدسيته بقوانين وضعية علمانية يفرضها العصرويقاطعها المجتمع المتخلف بعيدا عن ممارسة تقبّل الاختلاف بالرأي  في المحاورة والنقاش وعدم  رغبة التوّصل لحلول ونتائج تلتقي بجوهر الدين في أنسانيته وتعايشه المجتمعي مع المذاهب الأخرى, وكذلك مع الديانات غير الاسلامية ممثلة بأقليات تعيش موزعة داخل الاقطار العربية,,,

 خطاب الاجتهاد الديني المذهبي أو الافتاء الشرعي الصادر عن رجال الدين كمسلمات دينية مجتمعية مذهبية لا تقاطع القوانين الوضعية في النظم الدستورية الديمقراطية وحسب , وأنما تضع التشريع والافتاء التديني السياسي ملزما العمل به حتى لو كانت نصوصه الغاءا لقوانين تنظيم الحياة المستمدة من الدستور الوضعي أو مايعبّر عنه أختصارا قوانين فصل السلطات الثلاث في الدساتير الديمقراطية المدنية, وتقاطع الفتاوى المذهبية مع تلك السلطات التي تبغي تنظيم حياة الناس بمنطلقات عصرية لا يستسيغها رجال الدين السياسي المذهبي ولا المجتمع المتخلف المحجور على عقله من التفكير النقدي لمسلماته اليقينية الخاطئة المستمدة من خطاب ايديولوجيا تسييس الدين…

, كذلك الافتاء الديني والاجتهاد الذي يمارسه البعض كمسلمة دينية لا نقاش يطالها, مستمدة تلفيقا من قدسية ألهية تمتلك عصمتها الزائفة من الخالق لذا لا تكون خاطئة ولا يتوجب نقدها أو تخطئتها حسب رؤى رجال الدين لفتاواهم, حتى وأن جاءت بالأنابة القدسية الانسانية غير المرخصّة ولا المؤهلة أن تتكلم بأسم الدين كله على مر العصور, أو في حقّها أختصاره في جنبة خلافية مذهبية أجتهادية واحدة ترى حقيقة الدين فيها وحدها من حقها تقرير مصير مليار ونصف من المسلمين الموزعين في العالم…

كنت طرحت سابقا الاشارة الى مسألة جوهرية توزعت العديد من مباحث النقد الاصلاحي للفكر الديني هو وجوب معالجة رؤى الفكر الديني وليس الدين نقديا بالاسلوب الذي لا يتناول مسائل أصلاح الفكر الديني (المعاصر) بالدوران حول الاشكالية المصيرية الهامة المراد أسقاطها مجتمعيا من حياة الناس, وفي أنعدام الجرأة في تفكيك الحقيقة الدينية وتعرية معصوميتها أن كانت حقيقية أم زائفة مهما كانت درجة حساسيتها التي يتجّنب العديدون الخوض بمشاكلها والاجتهاد بطرح حلول مجدية لها.

تاريخية النص الديني وليس معصوميته

المنهج الفكري النقدي التاريخي, هو الذي يحدده موضوع البحث التديني وليس العكس, ولا سبق منهجي مذهبي عقائدي يحكم الموضوع أو القضية وناقدها كما يحصل أغلب الاحيان وفي مختلف القضايا.(1)

أو يكون الخطاب النقدي للفكر الديني السياسي في سبق منهجي فلسفي لا يستمد حيويته من موضعة أية اشكالية لمنهج التناول التاريخي بصدقية تثبيت وقائعها الحقيقية وشخوصها,لاعلى حساب أبراز القدرات الفكرية الاستشراقية الغربية للكاتب, بل في وجوب أن تكون الغاية من النقد الاصلاحي الديني هو تعرية زيفها وقدسيتها المنتحلة بأسم الدين من منطلق الاخلاص للحقيقة الدينية (2) ,

وليس هناك من وقائع تاريخية تراثية تستمد مشروعية الأخذ بها في تناولها الاسلوبي المذهبي أو المنهجي الفلسفي المعاصر الذي يملأ مكتبات لا نفع له سوى أن تكون مراجع منح شهادات جامعية أو حوزات دينية أو أقسام دينية جامعية تطبع وتصطف مع مؤلفات الاصل التراثية في كسب العيش والاعتياش على نص الفكرالديني غير الوضعي, هذا النهج القاصر أصبح مصدرا مهما في عدم تناول الفكر الديني بالنقد البناء, كما أصبح سببا متعذرا تطبيقه في نقد ومراجعة تراثنا الذي يمتلك خصائصه التاريخية واللغوية وحيثيات بروزها الاجتماعية أو الاقتصادية, من نقطة شروعه في أتباع أسلوب الانحياز المذهبي أو التجريد الفلسفي بنيويا أو تفكيكيا أو عدميا كما وجدناه لدى أغلب المفكرين العرب المقيمين في بلاد المهجر بأستثناء المفكر الكبير محمد عابد الجابري الذي تطابقت رؤاه الفلسفية الفكرية مع ضميره وحياته قبل أن يكون رائدا فذّا في الفلسفة والفكر النقدي عربيا,, ولم يكن الجابري على ريادته التاريخية الكبيرة الوحيد في هذا المجد الفكري الرفيع الذي يشاركه فيه عديدون من مفكرين عرب عالجوا قضايا الاصلاح الديني بمناهج واقعية تمس حياة الناس التدينيّة …

المذهبية في المنهج الديني أو الفلسفة المستمدة أستشراقيا تناقش وتبحث عن حلول دينية بوسائل فلسفية تجريدية يحكمها منطق اللغة وليس منطق أهمية حقائق تاريخية الموضوع كوقائع بما لا يزال يمتلكه من حيوية في تحريك الحاضر و في ترسيم مستقبل وجودي حياتي تعيشه الناس., منهج الاستشراق لم يعد مناسبا وبات أمرا لا فائدة منه في معيارية تناولنا التراث الفكري الديني في الاسلام….فاليوم لا نشكو قلة تأليف الكتب في قضايا الدين والتحقيقات في مؤلفات لم تعد لها قيمة في بعثها لمعايشة حاضرنا,, بمقدار نشكو ما من تخمة أنعدام فاعلية تطبيق الفكر التوعوي التنظيري على أرض الواقع أجتماعيا.

 حضورالنخب المفكرّة وغياب أصلاح الفكر الديني

يستطيع أي قاريء أحالة نفسه لاحصائية عشرات المؤلفات من المفكرين المحدثين والمعاصرين العرب الذين ورطّوا انفسهم وقرّاءهم معهم في مراجعة مؤلفات تراثية بمجلدات بمنطق الصح والخطأ المنحاز سيساسيا أجتهاديا, أو كذلك في أستعراضه تطويع وقائع التاريخ العربي الاسلامي بمنطق وأسلوب التفلسف المعاصرالتي لا رابط لها مع قضايا تراثنا الديني أو اللاديني., وأنا متقبّل لرأي أي قاريء لتلك المؤلفات أن يقول لي أنها خدمت أو تخدم واقعنا العربي الحضاري البائس بهدف مراجعتنا تصحيح تراثنا الحضاري وبعثه من جديد في ربطه بالمعاصرة… وغالبية تلك المؤلفات حشو سردي لم يساهم في حل بعض أشكاليات موروثنا…وتصفيف كلام متراكم يعتاش بعضه على بعضه الآخر في مجلدات تتوخى بناء أمجاد فكرية زائفة, وليس هدفها محاولة أنقاذ المجتمعات العربية من تخّلفها المريع ومآسيها المتناسلة عبر التاريخ !! هنا يجب التنبيه أني بهذا لا أقصد التعميم في غمط حقوق وجهود مفكرين عرب هم قدوة ونموذج يحتذى لنا دفعوا حياتهم من أجل مواقفهم المبدأية وكتاباتهم النقدية الشجاعة التي دفعوا ضريبتها قاسية وصلت ببعضهم حد التصفية الجسدية ..

 يتوجب علينا الآن التنبيه أن خلل موروثنا الجامد المعاصر اليوم ليس مصدره وقائع التاريخ المتوارث الزائفة الكاذبة التي نقلها لنا الموروث التدويني. أنما يكمن الخلل الاكبر في مناهج التوثيق والتدوين في مراجعة تلك الوقائع و تورخة  الموروث على وفق مصالح وأمزجة وغايات رخيصة حتى في منظور كتابة التاريخ, وهي مؤلفات تدوينية لا تصلح حتى المباهاة بها متحفيا كموروث ثقافي لنا عفا عليه الزمن,, ويتوجب أن يشملها النقد والمراجعة وضرورة أزاحتها عن الطريق في تداولها ودورها التضليلي المجتمعي, وفي تخريب الجهود الفكرية الحقيقية المستقبلية التي تروم خلق موروثنا برؤى عصرية نوعية وليس بتراكمات من المؤلفات العشوائية المتحجرة الميتة في مقاييس العصر…., كل المؤلفات التي جعلت من هرائها التراثي مهزلة بحجة تحصّل الشهادة الجامعية الذي لا يعرف حاملها المشكوك بتزويرها كتابة مقالة مقبولة في تخصصه الجامعي.. مكتبات ومئات من العناوين التي تعنى بنقد ومراجعة موروثنا الحضاري العربي الاسلامي لا تساوي ثمن الورق والحبر الذي كتبت به وليس لها وقع تغيير قناعة خمسة قراء مضللين في مجتمعاتنا العربية المساقة بهستيريا القطيع في تغييب العقل.

نفهم أن بناء أمجاد تاريخية زائفة لسياسيين عرب ومسلمين هو عار ونفاق, وأمر مفروض بقوة سلطة الحكم الجائر وفساد الدولة بكل مفاصلها , لكني لا نجد مقبولية تمريرأن يكون تاريخنا المعاصر في أشكالياته هو لغاية بناء أمجاد فكرية أو فلسفية فارغة أو غيرهما بذريعة كتابة مؤلفات تتبعها أطاريح جامعية ورقية توضع على رفوف المكتبات وعزوف واشمئزاز المثقف الجاد منها, أصنام لم يعد أمرعبادتها أو التسليم بها مقبولا, وبقاء تناسلها مرحبا به مسكوتا عنه لأنه وسيلة أرتزاق نخبوي وخواء ثقافي يقود تجذير تضليل شعبي عام… فهي بلا فائدة تفيد بناء تجديد أو أقامة صرح نهضوي حداثي , نتشّدق في السير الحثيث من أجل تحقيقه….هذه الحقيقة تتجنب طرحها حتى النخب الثقافية أو الفكرية تحسبا من فقدان أمتيازاتها التي حصلت عليها بالمتاجرة باصلاح واقع المجتمعات العربية وتحقيق نهضتها في مؤلفات الكتب والعيش الدائم في بلدان المهجر.. وحتى بعض النخب السياسية المعتاشة على متناقض قطباه شخص دعي يشاركهم الزيف في كل أختصاص فارغ من جهة , وشعب لا يهمه من أمر تراثه ولا حاضره ألا توفير لقمة العيش لعائلته واطفاله.

مسخرة نعيشها بطلتها أسطورة ملابس عاهل الامبراطور الجديدة لا تبوح بمهزلتها التراجيدية ولا تفضحها براءة طالب جامعي في صرخته أوقفوا المهزلة التي تمارسونها بأسمنا وأنتم عراة أمامنا في فضائحكم وفسادكم,, لئلا يلبسوه ثوب الجنون الجاهز قبل أن يبوس اللحى متعهدا أن لايعود لمثلها ثانية, ويتناسى الجميع من رعاع الاعتياش بأسم الشهادة الجامعية الدينية أو المذهبية في جميع التيارات الدينية الاسلامية , غباءهم أن الجميع عراة والامبراطور في ملابسه الانيقة يتبختر. وليس المقصود هنا الملك الامبراطور الواحد كما في الاسطورة وأنما كل شلّة الاعتياش الثقافي الاكاديمي بأسم أمتلاك شهادة مزوّرة أو مشترات لا قيمة لها أكثر من قيمة غباء حاملها , وأن كانت تحمل رصيدا فهي مجموعة من المؤلفات المستنسخة مئات المرات عن الاصل الجامد غير المتغير الثابت في محافظته على الزيف والتضليل السياسي الديني المبرمج عبر العصور. .

يوجد فرق كبير بين مناقشة مسائل تراثية خاطئة لا فرق بها اليوم أن يحدث تصحيحها تأثيرا تحتاجه الحياة وأنت تعيش ومحاط بحضارة القرن 21 بكل مشاكلها العصرية, مثلا ما أهمية مراجعة ونقد أخطاء بني أمية ومعاوية في تصحيح واقعنا التاريخي الذي يقوم اليوم على المنازعة والاختلاف المذهبي الذي لا يتوقف بمجرد تصحيح أختلاف أو خلافات عمرها مئات السنين لا من أجل اللقاء في تصحيح الاوضاع بل من أجل أدامة الاحتراب المذهبي الى ما لانهاية من عمر التاريخ أو أحتراب العلماني مع الديني السياسي الى أجل يريده الحاكم على الارض ويرفضه الخالق في السماء .

ما تأثير مناقشة واقع حال تاريخي لم يعد مهما أن يكون فيه اليوم المعتزلة على حق والاشاعرة على باطل , في وقت مثلا تحضر فيه مسألة مناقشة أهمية توحيد المذاهب الاسلامية وجعلها على السكة الصحيح في أختلافاتهم المعاصرة وليس في أعادة قراءة تاريخهم الموروث المليء بالاكاذيب والمنازعات والحروب والتفاهات والدسائس والغدر الى آخره من مهازل تاريخية في نزاعاتهم التي ورثنا بعضها من كتب التراث والتاريخ كتب معظمها مجهول النسب في خلو صدقية التوثيق أو التدوين ونواياه ولمصلحة من كان يكتب ويدوّن ويوّثق؟؟.

هل في حل مثل هذه الاشكالات المخزية على الورق تنحل قضايا أختلافاتنا المذهبية المعاصرة في حياتنا ؟ وتنتهي معاداتنا العصربالجهل والتخلف, وتنصيب معاداة العصرالدائم لنا في نظرية المؤامرة…هل في حل مثل هذه السفاسف أفضل وأكثر قيمة وأهمية لمستقبل أجيال من بعدنا ؟, أكتفي بمثل مئات من مشاكل موروثنا التي تحفظها بطون الكتب سواء أكانت منحازة لهذا الطرف أو ذاك لا يتوقف حلها على حل مشاكل تهم حاضرنا ومستقبل أجيالنا وينطبق عليها أن تاريخ الاموات يصنع تاريخ الاحياء في أقتتال الدم الى قيام الساعة.

ما أهمية أن تكون أفضلية منهج السلفية أو منهج القومنة العروبية أو منهج الماركسية,أو منهج الاستشراق التي ملأت كتبهم ومؤلفاتهم مكتبات ربع الكرة الارضية وتتداولها أجيال من الطلبة والمثقفين وغيرهم ولم تسهم في حل اشكالية خلافية واحدة على صعيد الواقع والتطبيق في حياتنا, أوتنقل الامة العربية خطوة واحدة الى أمام بأسم قراءة التراث ونقده وتجديده.

في تعقيب أراه مفيدا, هل أن مراجعتنا ونقدنا وقائع التاريخ القديمة الموروثة المليء بدسائس صراعية واختلافات لا نهاية لها, هل هي الطريق الوحيد أمامنا لنقد فكرنا الديني المعاصر الذي نعيش أشكالياته الجديدة, وهل يكمن حل كل قضية خلافية في تراثنا القديم ضمانة أن تجعل كل خطوة في حاضرنا تسير على الطريق التحديثي التقدمي وتخدم مستقبل أجيالنا؟ 

يجب أن لا تكون خلافاتنا المذهبية سببا كافيا كما يجري اليوم في أختلافاتنا على أبسط الامور التي تحرك الاحياء من قبورها في تأجيج خلافات الاحياء. وهل على حل مثل هذه الاشكاليات التاريخية البائسة , التي لا نترك التاريخ المنصف يقول كلمته بها وكفى وتكف أن تكون سببا نتطاحن من أجله مذهبيا اليوم وما شاء لك تصوره من عصور التخلف.

فتاوى رجال التدّين في أغتيال الدين

عندما يكون الفرد تابعا لفقيه الدين ورجاله الموكلين أنهم وحدهم يمتلكون حقيقة الدين .فأن في هذا تصبح أستحالة أصلاح الدين بادوات مرتهنة في جعلهم مرجعية وفتاوى الدين ثوابت لا يحق ولا يجوز للفرد الأخذ بغيرها أو من غير مصدرها.(3)

أن في تحنيط الدين عند المجموع حين يكون بقضّه وقضيضه بيد رجال الدين في كل المذاهب الاسلامية, وبهذا تتراجع هيبة القانون المدني والقوانين الاخرى المستمدة من الدستور الوضعي. كما تصبح مثل هذه القوانين لا أهمية واقعية تطبيقية لها , عندها يصبح الدين ووصاياه المستمدة مذهبيا أو أجتهاديا بديلا عن قوانين تنظّي حياة  المجتمع والحياة المدنية ديمقراطيا علمانيا .

وأخطر أسباب انحراف التديّن في قصديته الايمانية, وبذلك يصعب علينا أصلاح التدين (أنه لم يكن للفقيه أو رجل الدين أن يحقق مركزيته ويحتكر سلطته لولا تداخل الديني بالسياسي, التي تجعل من الاجتهادات ووجهات النظر الخاصة,لها فهمها الخاص للنصوص المقدسة وخدمة أغراضها السياسية (4) .

ولكي نجعل من الاصلاح الديني أصلاحا حقيقيا, أبن زمانه ومكانه, هو في كشف الزيف وكشف الحقيقة في محاكمة الافتاء الشرعي المتعدد المذاهب, والمتعدد أيضا بوجهات النظر المختلفة مذهبيا في  وجهات النظر الانفرادية ودوافعها.(5)

تنظيرات الاصلاح الديني وعقبات التبديل الواقعي

أشكالية منهج معالجة النص الديني الاسلامي يتوزعه تقاطع مرجعية و مركزية قطبين فقط, المقدس الالهي الثابت ( القران والحديث المسند منه والسنة النبوية), وبين نصوص الديني الدنيوي المدني الوضعي المتغيّرحسب مصالح الحكام السياسيين المهيمنين على تديّن المجموع المساق بهيستيريا العاطفة الدينية الخرافية. الفكر الديني والاجتهاد الفقهي المذهبي وأنتحال الحديث والقصص الكاذبة والفتاوى, في مجمل تفاصيل الحياة العربية الاسلامية التي يحكمها ويمنعها زيفها التدينّي من الوصول الى أدنى مراتب التحديث في حياة الناس.

وبقيت هذه الاشكالية تحكم الدين في قدسيته المتقاطعة مع الفكر التديني الزائف منذ وفاة النبي محمد , أشكالية مستحكمة بدايتها خلافات السقيفة على من يرث خلافة المسلمين بعد وفاة النبي محمد , بقيت غير محسومة خاصة عندما فرضت هذه الاشكالية المتناقضة نفسها على الامة العربية الاسلامية طيلة الف عام من بعد تاريخ ظهور الاسلام, وبألحاح شديد ضاغط على الحياة العربية المعاصرة منذ أكثر من قرنين في العمر التاريخي الحديث للامة العربية الاسلامية المعاصر.عندما أصبح تقاطع التراث الديني ضد المعاصرة العلمانية وتاثيراتهما على منع تقدم الحياة بما لا يطاق. . في وجوب مراجعة ونقد النص الديني الزائف الطاريء على حقيقة الدين.

لكني أستدرك أن تاريخ مدوّن يحمل كل سلبياته التي ندينها بحجة وجوب أصلاحها, ولا يعطل تقدمنا الحضاري أفضل من كتابة مجلدات تملأ مكتبات تمجد تراثنا بكل سماجة عاطفية كاذبة تزويرية, وتكون سببا في تردي أحوالنا لاسباب سياسية تتباهى بمجد زائف خرافي لم يكن موجودا ولا يهمها أعدام حياة الناس على الارض في دنياهم وتوريثهم الفقر والتخلف جيلا بعد جيل.

لم يعد اليوم الغني يستغل الفقير في بشاعة غياب الضمير والتفاوت الطبقي, وأنما الاهم من كل هذا الاستغلال هو أضطلاع معظم الجامعات العربية بتخريج مئات الالوف من الخريجين في علوم الانسانيات والتاريخ وأختصاصات دينية وغيرها مختلفة ورميهم أمام المؤسسات الحكومية يملأون الشوارع في مطالبتهم أيجاد وظائف حكومية لهم.؟؟؟

ورغم غياب المعالجة الواقعية اليقينية العقلية القطعية الحضارية في حسم هذه الاشكالية الملازمة كظل ظلامي معرقل يغذّي وجود الامة المتخلف حضاريا, تشعبت عنه المذاهب والمناهج والاجتهادات التي رغم الجهود الجبارة الكبيرة في تنظيرات مفكرين ومصلحين بذلوا محاولاتهم في وضع حلول الاصلاح الديني موضع التفكير الاصلاحي وليس التطبيق التحديثي على المجتمع في وجوب حضوره وأهميته في تحديث وتقدم حياة الناس, في هدف وضع رؤى التنظير الاصلاحي تطبيقا علاجيا على أرض الواقع لتغييره نحو الاحسن والافضل بعد تشخيصنا الداء الذي يعرقل مسيرة نهضتنا في أدلجة الدين سياسيا, وفي عدم تطابق أشكالية التنظير في تقاطعها مع أشكالية أنعدام الأثر والتطبيق على الواقع, وجدت رؤى الاصلاح التنظيري نفسها مغيبّة تماما وغائبة طيلة قرون وعاجزة في ملامسة وتوظيف تنظيراتها الدينية أصلاح الواقع المعيشي العياني المتردي في تراجعه المستمر وتخلف حياة الناس أكثر.,لانها تنقد وتراجع مجلدات من كتب التراث التي عفا عليها الزمن, في محاولتهم أستغفال الناس أن في تصحيح تلك المجلدات من قبل العلامة أو الفيلسوف الفلاني كفيل في جعل الامة العربية الاسلامية تنافس حضاريا كوريا الجنوبية أو اليابان ونترك الصين من الاستشهاد لئلا نتهم بالترويج للبروليتاريا العالمية الشيوعية .

هنا أجد كم كانت عبارة ماركس في منتهى العبقرية والذكاء قوله متهكّما على الفلاسفة والمفكرين الذين يريدون تغيير واقع الشعوب بالافكار العزلاء عن مهمتها الحقيقية في واقع الحياة 🙁 لقد عمد جميع الفلاسفة قبلي تفسير العالم فقط , في حين عملت أنا على تغيير العالم وتبديل واقع الحياة). ونفس هذا المنطق تبنته البراجماتية الواقعية العملية الامريكية حين نادت لا قيمة حقيقية للافكار مهما كانت مقنعة ومتسّقة نظريا, مالم تحقق لنا منفعة بالحياة وتقدما في المسار التاريخي الحضاري.

واجهت أساليب الاصلاح الديني التنظيرية, أساليب وموجات العداء الاجتماعي المتخلّف, ضد أصلاح الفكر الديني الذي كانت تحمله النخبة المفكرة على اكتافها وهمومها الفكرية الثقافية التي تثقل كاهلها وحدها فقط, ولا يناصرهم سوى قلة قليلة من المثقفين والمتنورين, الذين كانوا منفردين يتلقون وحدهم نتائج أفكارهم التجديدية في شتى أنواع الاعتقالات والسجون و النفي والتعذيب والصاق التهم التكفيرية والشائنة بهم التي تثبط هممهم وتبعد الناس أتباعهم .

وكل هذا الاحتراب نتيجة وهم أن التنظير الاصلاحي الديني الفكري سيحل مشكلاتنا على الارض. المفكر الحقيقي ليس ذاك الشخص الذي يرغب تبديل قناعة مفكر أو مثقف مثله مهما كانت أهميتها بقدر حاجتنا الى مفكرين يجهدون في تغيير قناعات المجتمع المتخلف الضال من خلال أقامة الحّجة المفحمة على رجال الدين السياسي من أمتلاكهم زمام أمور الحياة.. .

تمّثلت هذه المعضلة الاشكالية بحقيقة صادمة أن الفكر النخبوي التنظيري لوحده حتى على أفتراض توفير حرية التعبير له وصواب وصحة منطلقاته, لا يمكنه تغيّير الواقع ولا أصلاح الامة في تدينّها الساذج السطحي الذي تسوقه عاطفة التديّن السياسي المنحرف وليس عقلية واقع التديّن النقدي, بل بقي الواقع الاجتماعي المتردي المنحدر بأستمرار نحو الجمود والتخلف, يجعل الفكر التنظيري عاجزا وعقيما عن أحداث التغيير وأيقاف تراجع أو حتى مقدرة وأرادة سبقه التراجع الاجتماعي الغارق بالتخلف الثقافي والسلوك القطيعي المذعن لتلبية المخطوء بالحياة سلوكا يوميا, ولو جاء في معاداة الفكر التنظيري الثقافي وحده , وتحشيد محاربة جهود الاصلاحيين, بما يماشي الواقع المتراجع بأستمرار رغم كل جهود التنظير التحديثي له في الكتب والمؤلفات ومنح الالقاب والشهادات فقط من ما هناك سيطرة على ضبط وتحشيد الرأي المجتمعي في مناصرة التنظير النقدي للتدين الزائف.

لا أعتقد كقاريء ليس أكثر أني قرأت عن سابقة في نهضة الامم والشعوب , أنها أكتفت نهضتها وقامت بمن كتب لها من الاختصاصيين مؤلفات ورقية نهضوية, من دون وضع كل نظرية أو أجتهاد تحت واقع التجربة العلمية والتطبيق على الارض وفي حياة الناس وفي التأكد جيدا من قراءة ومتابعة النتائج المطلوبة المتوخاة متحققة أم لا .

أن الحقيقة التاريخية قبل وبعد الردة الدينية التحريفية الدموية التي نشهدها تؤكد حقيقة أن الاصلاح الديني على أمتداد التاريخ لم يكن يمتلك سيفا في نشر افكاره التجديدية الاصلاحية في أصطدامه بجدار التخلف الاجتماعي المستمسك بالقديم الخاطيء,بل كان يمتلك كلمة الحجّة والموعظة الحسنة الى جانب أعمال القانون المدني في تنفيذه الاصلاح بدلا من السيف. ماجعل برنارد شو يصرخ بعبارته الميكافيلية :الانبياء غير المسلحين يخفقون دوما.

وتنبه دعاة التديّن الزائف في فرض الواقع المتخلف القديم المطلوب أمام فكرة التجديد بالعودة الى سلاح السيف والعنف والرعب والذبح والتكفير وقتل النفس البشرية بدم بارد وروح شيطانية لا تمتلك الحد الادنى من الرحمة وحصل من الوحشية الدموية مايأنف التاريخ تدوينه, وتأبى الانسانية المعاصرة تسجيله وتذكير الناس بمآسيه, بأسم فرض وصاية الدين على كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس في أبسط معانيها.

 ما حصل لدينا في انفصالية وأنفصامية الاجتهادات الاصلاحية الدينية الحقيقية, عن الواقع الميداني المجتمعي الحياتي المتخلف ومنظّريّه الذي ظل محتفظا بثباته الرجعي المتردي, ما جعل من التحديث النظري فكرا مدوّنا بالكتب متعالقا بالتضاد مع سلوك الحداثة في الحياة في أنفصال وأستقلالية كلا منهما, يشتغلان بالتضاد كلاّ على جنبة وحده ولا تربطهما علاقة جدلية في التأثير المتبادل في التغيير المستمر نحو الامام في قيادتهما الحياة الاجتماعية ومجمل تكويناتها المتخلفة في قبول وتقبل الصحيح التدّيني ليعقبه الصحيح في التقدم الحياتي كما هو شأن غيرنا من الامم في تجاربها , التي وجدت ومنذ بداية القرن التاسع عشر, انه بعد الاصلاح الديني يجب أن يعقبه الاصلاح المدني في الديمقراطية, لا كما هو الحال عندنا أنه لا تجديد يكتب له النجاح الا بعد مروره من تحت قنطرة المهيمن الديني ووصايته على ختم جواز مرور كل نزعة اصلاحية أن تمرأو لا تمر من غير أذنه .

 وجدنا أن الفكر التنظيري المتقدم تحديثيا على السائد المجتمعي في أشتمالاته ومحاولاته تغيير الواقع والحياة في عدد قليل من المتنورين, أنه لا تاثير له مطلقا في تبديل الواقع المتردي الذي يستمد كل تخلفه من مسارات الحياة المادية والاجتماعية والثقافية العامة من فكر تديني سياسي يقاطع أي فكر تحديثي يستمد مقوماته من أختلالات الفكر الديني في النص الزائف المعادي لكل شيء ينطوي على علمانية حداثية ومتابعيه ومناصريه في مجتمع يمارس فهمه الدين طقوسيا متزمّتا ويستبعده ممارسة وفهم معاصر للحياة.. بل نجد العكس أن ظاهرة فهم الحداثة في مجتمعاتنا العربية مقلوبه معكوسة, فهي بدلا من قابليتها المفترضة الثورة على الواقع المتخلف و تغييره في أعتماده أصلاح التنظير الديني للواقع الحياتي المتخلف , نجد عوامل الاعاقة وتردي الاوضاع تخدم واقع التراجع وتغذّية التخلف في توظيفها مكامن الجمود العقائدي في الديني.

بدءا من محاربة تحديث النظام التربوي والتعليمي في مجمل مراحله وصولا الى منع اشاعة فكر ثقافي تنويري يشكل حصيلة وعي ثقافي ديني متعايش مجتمعيا بكل تياراته الدينية, ويتقبل تبديل جميع نواحي التردي بالحياة بقوانين وضعية لا علاقة للدين بها.

وكانت أسباب هذه الانفصامية بين التنظير الاصلاحي ألأعزل في غير المؤلفات والكتب وافتقادها وسائل التغيير الواقعي الميداني أجتماعيا, تكمن وراءه عوامل سياسية دينية وأجتماعية وثقافية واقتصادية.يمكننا التدليل مثالا بسيطا عليها أن الوضع التربوي التعليمي الابتدائي ومراحله التدريسية وصولا الى التعليم العالي في الجامعات العراقية, كانت قبل أكثر من قرن مضى أفضل مما هو عليه الحال اليوم في العراق تربويا, وقس على مثله في كل جوانب الحياة..

أن من الثابت أن مصدر ضخ الفكر التدينّي التعصّبي التكفيري الى اليوم يكون في بعضه يصدر من الكليات والجامعات التي يقوم عليها أساتذة ينعتون أنفسهم والى اليوم حملة شهادات دكتوراه او بروفيسور يجاهر على تلاميذه وسط قاعات التدريس الجامعية بفكر ديني (ملائي ) كما كنا نتلقاه قبل فتح مدارس التعليم الحكومية من قبل أوصياء الاستعمار القديم على مقدراتنا !!!,

في هذا المثل لا يكون مرتع تنامي الفكر الديني الرجعي هو تدني مستوى قبول الوعي التحديثي في الوسط الاجتماعي وأنما في وسط ما يطلق عليها وسائل تدريس العلم والتنوير وطرق ومضامين رجعية المواد التي يتلقاها التلميذ والطالب. ونتيجة ذلك لم يتبق كفاءة علمية حقيقية واحدة الا وهاجرت وعادت تقدم خدماتها العلمية للبلد الذي يستحقها, وفي تركها تفشي الرجعية الدينية في الجامعات من حملة كتب التّدين الذي يجعلنا نضحي بالدنيا في كل مرارتها وعذاباتها من أجل جنة موعودين بها في السماء.

هنا يتبادر الى الذهن عن مصدر تغذية التطور الحاصل في السلوك الاستهلاكي المجتمعي تقدميا لما يطلق عليه البعض حداثة من نوع استهلاكي بدءا من السيارة الى آخر تسريحة شعروالموبايل, مصدّرة لنا امريكيا واوربيا ومن مختلف دول العالم التي تقايضنا تصديرها لنا هذه الصرعات التافهة في تقليد أستهلاكنا كل ماهو هابط ولا قيمة حقيقية له تربطه بالحداثة العصرية التي تنقل الشعوب من وهدة سقوطها المتخلف. نشتريه لأشباع هوسنا أستهلاك السلع المادية وغير المادية بعملة صعبة توظفها الدول المصدرة في الكسب الاستغفالي وفي  العائد المالي والتجاري لها, بما يبقينا على سذاجتنا الفكرية وسلوكنا المتدني في تعاملنا مع الحياة المعاصرة, بأننا لسنا بحاجة الى بذل مجهود أصلاحي في وقت تأتينا مستهلكات الحضارة الغربية على طبق جاهز بحكم أننا نعيش من حولنا في عالم متحضر يتوجب علينا تقليده استهلاكيا بمدفوع الثمن وشرائه, بما ينفعه لا بما ينفعنا أكثر من سلة المهملات. والى متى نستطيع شراء قشور الحضارة التي لانساهم بخلق ادنى صفحة حقيقية منها؟ /  

علي محمد اليوسف/اموصل

الهوامش

  1. د. ماجد الغرباوي/سؤال الحقيقة الدينية /موقع المثقف الالكتروني/حزيران 2018
  2. المصدر نفسه
  3. المصدر نفسه
  4. المصدر نفسه
  5. المصدر نفسه

شاهد أيضاً

في البحث عن “حداثة مغايرة”: فيلسوف الملة وسؤال الكينونة في العالم

بقلم: ادريس شرود “ربّما لن تكون الحداثة المغايرة غير مشكلة لغوية، تعترض  كل الذين فشلوا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *