الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / لماذا أكره بلدي؟!

لماذا أكره بلدي؟!

إبراهيم صباحي

أعيش بعيدا عن الأرض التي ولدت فيها، ودائما ما يواجهني آخرون بأسئلة من قبيل “هل اشتقت لبلدك؟”، “لماذا لا تتحدث عن وطنك؟”، “هل ستبقى في الخارج دائما؟”.

اعتدت على أن أجد نفسي صامتا أمام مثل هذه الأسئلة، وأحاول الهروب منها، وأسعى لعدم أخذها على محمل الجد. وإذا ضغط عليّ الآخر، أقول “لدي مشكلة مع مفهوم الوطن، ولا أزال أحاول استيعابه”، وحينها كان يقفز الصمت إلى حديثنا في معظم الأحيان. غير أن اليوم، وجدت نفسي تقف مكان ذلك “الآخر”.

كنت مستلقيا على سريري، وكل أملي أن أخلد في النوم، لكنني بدأت طرح السؤال الذي اعتدت أن أهرب منه، “لماذا أتجنب التفكير في الوطن؟”، وحينها تخيلت كأني جالس في مقهى قديم، كراسيه خشبية، والنادل  جاء ورفع طاولة على حين غرة، وطرحها فوق رأسي.

شعرت أني أكره بلدي، رغم نعتي بها على الدوام، وانتمائي لها ثقافيا، ولغويا، واعتقاديا. ولعل هروبي الطويل من الإجابة على ذلك السؤال، ألبس إحساس عدم الانتماء إلى الوطن إلى لباس الكراهية. لست متأكدا من ذلك، لكنّي لا أزال أتساءل “ما هو الوطن؟”.

نزلت إلى أعماق ذاكرتي مهرولا، وكأني في عقار ينهار من أثر زلزال، وأتأرجح يمينا ويسارا على جنبات الدرج، في انتظار ظهور ضوء باب الخروج. وفي الأعماق عثرت على نفسي نائما بين أخوتي الثلاثة على أرضية شقة صغيرة، ونحن محاطون بغطاءين يسعى بعضنا لسحبهما حول نفسه قدر المستطاع، حتى لا يتسرب هواء الشتاء إلى جسمه. كنت في معظم الأوقات اكتفي بالمشاهدة، ولم أكن حينها تجاوزت الثلاث سنوات، وكان يشفق عليّ أحدهم ويضعني في منطقة الوسط، فلا أتأثر بالصراع الدائر على الغطاءين. ما أتذكره أيضا من الأعماق أن الصمت كان يغلب عليّ، وأشعر بالدهشة دائما. ولدي عينان تركزان في وجوه من حولي. لا أدري هل كنت مندهشا من وجودي على هذه الأرض منذ ذلك الحين؟!

كبرت قليلا في ظروف أسرية يغلب عليها الاضطرابات، وكل أخ في عالمه الخاص، يلهث وراء ما يُسحر ذهنه، لكني كنت كالتائه لا أفهم ماذا عليّ أن أفعل، لا أحد ولا شيء يسحرني. ومثل سائر أطفال بلدي كنت أسير ظروف أسرتي. ولم يتدخل المجتمع قط ليسلط الضوء على طرق جديدة. لا، لا قيمة أصلا كان يحملها لنا المجتمع.

لاحقا، بدأت رحلتي مبكرا مع شيء جديد، سيغير مسار حياتي. أُرسلت إلى مكان، من أجل حقني بتعاليم شيئين يطلقون عليهما “الدين” و”الوطن”. كلاهما يتفقان في توفير تفسيرات محلية تتمتع بحدود واضحة لوجود الإنسان في هذا العالم. “الخلق، ثم الاختبار، ثم الجزاء”. هكذا رُسم إطار الحياة في ذهني. خُلقت، ثم دخلت الامتحان، وعليّ تحقيق نتيجة جيدة للفوز بـ”الجنة”.

لعل الشق الثاني من الإطار – مفهوم الاختبار – هو الأشد خطورة بين الثلاثة، نظرا لأنه كان يدفعني دوما للقبول بالواقع، دون سؤال، أو توقف وإعادة التفكير في الظروف والرموز والصور المحيطة بي، أو التي أجد نفسي داخلها. دائما كنت أبحث عن دور وتأثير الآخر لا نفسي. دائما أقنع نفسي أن الآخر هو صاحب القرار، وأنا مُنفذ. وعند الفشل أو التعرض للظلم، أُهدأ نفسي بالقول “هذا قدر”.

استثمرت كل جهودي لسنوات طويلة في حفظ المطلوب والمفروض للحصول على الجائزة، وفجأة وجدت نفسي يافعا، بلغت العشرين. وذلك الإطار بات يضيق برحلتي. بدأت أدرك أن هذا العالم ليس عبارة عن البيت، ولا المدينة، ولا البلد، ولا الأرض التي وُلدت وكبرت فيها وحسب. بدأت أدرك أن هناك عالما لا محدود من الملموس وغير الملموس.

رجعت للإطار، وبدأت تساؤلاتي تدور داخله، إلى أن خلصت بعد فترة من الزمن إلى أن هذا الإطار مرسوم لأهل البيت، والمدينة، والبلد، والأرض، كي يكملوا حياتهم في “استقرار”! ودون دخول في عراك مع الإطار، تسامحت معه، فهو خطوتي الأولى، وبدأت تجاوزه، ثم الإيمان بنفسي، وشرعت في التحليق إلى عالمي الخاص.

لا أنام.. دخلت في معركة مع عيني، أضربها على أمل أن تبكي فأنام. لكن لا جدوى.. لا تزال صور من الأرض التي وُلدت فيها تحضر إلى ذهني، وعيني تقف بلا حول ولا قوة أمامها. لا فائدة من إغلاق الجفون أو فتحها، وكأن الصور موضوعة أمام جهاز عرض سينمائي في ذهني.

لا أزال أرى أن المكتبة تُعتبر رفاهية في هذه الأرض. لا أزال أتذكر دهشة الآخرين عندما يروني أحمل كتابا، ويدفعني قريبي بيده قائلا “هذا الكتاب لن يطعمك خبزا”. صورة لجحيم العقارات غير الآمنة المتكدسة بالسكان، والشوارع الضيقة، ومياه الصرف الصحي التي يتراكم عليها الحشرات. صورة أخرى لمساحة من العشب لا تتجاوز الـ500 متر ومحاطة بجدران، وعليك أن تدفع المال كي ترى اللون الأخضر. ثم صورة من فيلم وطني يبث تفاصيل زائفة عن إنجازات ومعارك لا تمس للحقيقة بصلة، لشحن المواطنين بجرع جديدة لإبقائهم داخل الإطار.

لا أزال أتذكر دهشتي عندما بدأت أدرك أن هناك أماكن يتعلم فيها الطفل العزف على عدة آلات موسيقية، ويقرأ كتب مُبسطة عن الأدب والشعر والعلم والفلسفة، ويمارس أكثر من رياضة، ويتعلم أكثر من لغة أجنبية، ويرسم، ويذهب إلى المسرح، وقد يكون هو نفسه من الواقفين على خشبة المسرح، يطير فوقها مع بقية الطيور.

أتساءل: أوليس الوطن الذي يزرف الآخرون الدمع حنينا له، ما هو سوى عادة، كما قال الراحل الحاضر ميخائيل نعيمة في كتابه “مذكرات الأرقش”، والناس عبيد عاداتهم. لذا قسموا الأرض إلى مناطق صغيرة يدعونها “أوطانا”.

أعتقد إذا كان عليّ الانتماء لوطن على هذه الأرض، فسيكون بلا شك “رحلتي” في حد ذاتها. وطني هو ذكرياتي، حلوة ومرة، وطني هو بحثي وتساؤلاتي، هو كل أحساس بالحب والشغف، هو دهشتي عندما أدرك إبداع الآخرين، وطني هو كل شعر، وكل لحن، وكل لوحة، وكل معلومة أضافها الإنسان إلى إطار الحياة غير المحدود.

شاهد أيضاً

جورج أورويل: مراكش

جورج أورويل ترجمة: علي لّطيف  بينما تجاوزت الجثة المكان ، غادر الذباب طاولة المطعم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *