الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / “تواصل” بطعم الإباحية !!!

“تواصل” بطعم الإباحية !!!

بقلم: هناء السعيد – مصر


هناء السعيد

لم تعد هناك خصوصية، المساحة الشخصية نكتة مبكية ، الآن قتلت الفردانية، وأصبح ما خفي عن سبل التواصل هو ما تعيش في سلام بسببه. صار ما يهمك،وما لا يهمك بين يديك، المعلومات للجميع، الحكم للجميع ، حياتنا تحت المجهر، مراقبة باختيارنا، تصرفك العفوي والمتعمد قضية رأي عام، وقضية دينية يبحثون فيها عن حكم الشرع ، سواء كنت مشهور،أو لا تعرفك سوي أمك ، الشفافية دين هذا القرن ، يعني أنك من زجاج ، وعليه يجب في لحظة ما أن تقبل الكسر .

واستعير من الفيلسوف الألماني ” بيونج تشول هان ” مصطلحه الأنسب لحال مجتمعنا ، فمجتمعنا هو مجتمع “بورنوغرافيا” ، مثل صور وأفلام البورن ، تكشف أكثر من الفضول ، تعرض بوحشية ما حقه أن يبقي مستور ، تقضي علي الخلق، وتضعف الرغبة في الاكتشاف، الرؤية المفرطة فاحشة، فساد يجب أن نقضي عليه . تنطلق الصورة والخبر وينطلق معهم كتلة معلومات متضاربة، وأحكام جاهزة وجائرة احيانا، كلها تدعي الدقة، لأنها مفوضة بالإفتاء باسم لغة العصر ، باسم التقدم ، باسم إبليس الذي اغوي ابوينا بالأكل من الشجرة ، حتي بدت لهما سوءاتهما، وشجرة الخلد لا تفرق عن شجرة انتهاك الإنسان وتمزيق لحمه وعرض عرضه للتقييم باسم ” تواصل إجتماعي” !!

الجهل في وسط هذه الأجواء نعمة، بل وإرادة من يعظم عقله ولا يرضي له الموت بتضخم سببه سفاسف الأمور، أو بسبب ” علاقة حميمية” مع عشرات البشر في وقت واحد . لن نغلق باب التواصل، أصلا لم يعد لنا خيار في ذلك ، لكن علينا أن نفكر في حدوده ، في مساحته، في كمه ، في مواقيته، في الأخلاق المصاحبة له ، نفكر في طريقة نحمي بها أنفسنا من الانجراف مع الذوق العام في أخذ اللقطة وترك الغريق يغرق، المهم المشهد، “مجتمع المشهد ” يختزلنا لمجرد لحم لا حياء في نهشه والتباهي بذلك..للأسف.

هنا فهمت لماذا احتجب الإله، فما خفي كان هو الأعظم، وبما أننا لسنا آلهة ، فلن نتمكن من التخفي الكلي والاكتفاء بأثر يدل علينا ، علينا أن لا نتعري كليا حتي لا نفقد سعرنا ، التعري الجزئي يحافظ علي بعض آدميتنا ، يبقينا أكثر إغراءا وسموا عن فضيحة منتظرة في زمن يفضح كل شيء ، وأن تكون حياتنا وفق ضرورة التواصل علي مسرح له كواليسه، وله مكان يجلس فيه الجمهور ليشاهد ما سمحنا له بالهروب من الكواليس، وغير مسموح للجمهور أن يلج المسرح ، ويلج في تلك الحياة لينجب منها أوهامه ويشبع رغبة فضوله، ويحصل علي نشوة ” تألهه” و يذوق لذة المحروم من الأهمية حين تتحول ثرثرته ويتحول لغو حديثه ” لرأي” يمكنه به أن يحيي أو يميت غيره . وأخيرا.. “الشفافية” ليست دائما حالة سلام ، إذا تعامل معها مجتمع ما بمنطق ودستور المواد الإباحية.

شاهد أيضاً

ثورة حنة آرندت: الحرية كإحداثٍ للبدء

روجيه عوطة لا يُقرأ نص حنة آرندت، “الحرية في أن تكون حرّاً”، والذي لم يكن …

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *