الرئيسية / منشورات / جرائد / الأخلاق والحياة: مهمة الإنسان الاخير – المقالة الثانية

الأخلاق والحياة: مهمة الإنسان الاخير – المقالة الثانية


بقلم: ادريس شرود

“ليس الدّين مجرّد تقنية من تقنيات الآخرة، بل يمكن أن يكون أحد أنبل أشكال الإنتماء إلى الحياة”  فتحي المسكيني

“يلزمنا أن نكون فيزيائيين لنكون بهذا المعنى مبتكرين” فريديريك نيتشه

تقديم

    طرح فريديريك نيتشه في مستهل كتابه “جينيالوجيا الاخلاق” إشكالية الجهل بالنفس والغربة عنها، وعدم البحث في الذات وحياتها وكينونتها. ودعا إلى التساؤل الجدّي عن أمور الحياة وأحداثها، وخاصة بكل ما مُجّد حتى الآن تحت إسم الأخلاق وعن دورها في عرقلة تطور البشرية أو تعزيز هذا التطور. وهذا يعني حسب نيتشه، أننا بحاجة لنقد القيم الاخلاقية وأن قيمة هذه القيم ينبغيأن تطرح قبل كل شيء على بساط البحث لمعرفة الشروط والأوساط التي ولّدتها. يبدو أن مطلب نقد القيم الاخلاقية أصبح اليوم ضرورة حيوية، في ظل إحساس قوي بخطورة “شبكة المعنى” التي أخذ يفرضها عالم التقنية، لكن مع رغبة في “تنوير الإنسان الاخير”(1) في ظل عودة محمودة إلى الهوية الدينية وإلى مصادر النفس العميقة. إن الأحداث الكبرى التي شهدها العالم منذ القرن الثامن عشر هي علامات عن أمر “الإكتمال” و”النهاية” و”الأخير”، لكن بشارة “العولمة” في نهاية القرن العشرين تدل على ظهور “بدء أول” أو “عهد آخر” هو عهد “البدو”(2)، عهد الحلم بتغيير الإتجاه. هذا مع سابق العلم أن لا منعطف للفانين، الذين هم نحن، إلا بعودتهم إلى كينونتهم الخاصة يستفتونها كما يؤكد مارتن هايدغر، أو “العودة إلى النفس العميقة” والإقبال على تنوير “الإنسان الأخير” بتعبير فتحي المسكيني.

1- في بيان أن الأخلاق والأحكام الأخلاقية ضد الحياة

     لنتساءل بداية عن طبيعة التزوير الذي لحق مفهوم الأخلاق؛ أي التجرد من الأحاسيس والرغبات وفتح الغرائز لاحتضان المرض والتناقض والحقد على الحواس وعلى الفرح، وعن قيمة أحكامنا الأخلاقية بما هي “أعراض” و”علامات” تنمّ إما عن “ازدهار” الجسد أو “أفوله”(3)، وعن سلطة العادات التي هي “الطريقة المعتادة في الفعل وإصدار الأحكام”(4). فمن خلال تأمل عملية التزوير التي خضعت لها أحاسيس الناس وتصرفاتهم؛ نلاحظ أن المصلحين على مر العصور أرادوا أن يصيّروا الناس “أفضل”: هذا ما يسمى “أخلاقا” قبل أي شيء آخر. لكن نفس اللفظ يشمل أشد الميول تنوعا. لقد سمي “ترويض” الحيوان الإنساني و”تدجين” نوع من الناس، “تحسينا”: وحدها هاته المصطلحات المستعارة من علم تربية الحيوانات تعبر عن حقائق”(5). يرتبط تاريخ تربية الكائن البشري بسيادة تقاليد وأخلاق وعادات وبجمهور قطيعي، فبالأخلاق يجد الفرد نفسه مستدرجا ليكون تابع القطيع وإلى عدم ادعاء أية قيمة إلا باعتباره تابعا(6). إنها الإرادة الحرة للعبد، حيث الرغبة في التمتع بثروته الأخلاقية محترما الأمر القطعي/”يجب عليك”، بل التضحية بالنفس كي تبدو العادات والأخلاق مهيمنة، وتعزيز المبدأ الكبير الذي تقوم عليه الحضارة.

إن مساءلة الإنسان الأخلاقي إنما هي، أولا وقبل كل شيء، مسألة أمري “الخير” و “الشر” : تلك الثنائية الميتافيزيقية المطلقة التي صارت في تاريخ البشر مثنوية مانوية؛ بمعنى أنها صارت هي “العجلة المحركة لسير الأشياء”. ومازالت تفعل وتقود وتوجه، ومازالت تحكم وتعلو وتسيطر، حتى صار نظام الصيرورة والعالم والتاريخ خاضعا لنظام “الخير” و “الشر”؛ أي صار تابعا لنظام الاخلاق(7). كما صار تمثل العالم منسوج بأخطاء فكرية مكتسبة بشكل وراثي، في حين صارت الحياة خاضعة لسلطة العادات والتقاليد. هكذا صرنا نعيش في ظل موروث أخلاقي أدخل الفساد على العقول عن طريق تصوير أرقى القيم البشرية على أنها خطايا وضلالات وتلبيس غوايات(8).

تتضح إذن طريقة خلق قيمتي “الخير” و”الشر” بواسطة عملية قلب للفضائل وللقوى، وتضمين لازدراء الذات ولحقد خارق على الحياة وعلى كل ما هو فاعل ومثبت في الحياة. ومن داخل هذا التزوير المرعب للأخلاق، انطلقت دعوى “إصلاح” البشرية التي تزعمها القديسون والمصلحون و”محبي البشر”. ضدا على هذا الإصلاح المزعوم؛ هذه الحيلة الماكرة -بتعبير نيتشه- التي تهدف إلى إفراغ الحياة من مادتها الحيوية، يدعو فريديريك نيتشه إلى عدم الأخذ بالحكم الأخلاقي، لأنه جهل ينعدم فيه مفهوم الواقعي نفسه، ينعدم فيه التمييز بين الواقع والمتخيل، بحيث أن “الحقيقة” لا تمثل، على هذا المستوى سوى أشياء نسميها اليوم “أوهاما”(9). فالذوق السليم والنبيل يستدعي أن نصير “مشرّعي أنفسنا” و”خالقي أنفسنا”، ولهذا الغرض يلزمنا أن نصير أفضل المريدين وأفضل مبتكري كل ما هو مطابق للقانون وللحاجة في العالم: يلزمنا أن نكون فيزيائيين لنكون بهذا المعنى مبتكرين – بينما كانت كل تقديرات القيم وكل المثل ترتكز، حتى الآن، علىالجهل حتى بالفيزياء، أو كانت في تناقض معها(10).

لكن هذه الرغبة في الإبتكار، تعترضها سيادة الروح العدمية واحتياج الإنسان المُدجّن إلى “تقنّع أخلاقي” لمواصلة حكي سرديته المقدسة، وتعميم تصوره الإرتكاسي للحياة والوجود. وهذا يفرض الشروع بجدية في تفحص قيمة أشهر أنواع الطب، المسمى الأخلاق: الشيء الذي يستلزم أولا أن نقرر جعل هاته القيمة- موضع سؤال(11).

2- في صعوبة التخلص من الرؤية الأخلاقية للوقائع وللعالم

     نتساءل الآن عن طبيعة الوسط الذي نشأ فيه نظام الحكم الأخلاقي مع تلك النظرة غير النزيهة إلى كل الاشياء، حيث اختلاط الأوهام والحقائق وضعف القدرة على التمييز، والرغبة في ازدراء الذات ومحاكمة الوجود. فالمرء يتخذ له أخلاقا وفضيلة وقداسة من هذه الرؤية الخاطئة التي ينظر بها إلى كل الأشياء، ويربط راحة الضمير بالرؤية الخاطئة، ويقضي بأن لا يسمح لأي نوع آخر من النظر بأن يكون ذا قيمة، بعد أن يكون قد جعل من نظرته الخاصة قداسة مُحصّنة بإضفاء أسماء “الله” و “الخلاص” و “الخلود” عليها(12). إن هذه الرؤية إلى الأشياء لها تاريخ يستعصي على النظر وعلى الإحاطة به بلمحة بصر واحدة كما يؤكد فريديريك نيتشه(13). لكن يمكن أن نشهد هنا والآن، على حدث رهيب بل ومُسلّ للأقلية القليلة جدا وهو:”انتصار أخلاق العامة” و”المشاعر السلبية” و”تسميم الحياة”؛ مشاعر عدائية تجاه الحياة، مقابل شعور قوي بأن كل شيء يسير نحو الإنحطاط(14).

إن مصدر هذه الرؤية الخاطئة تعود إلى ذلك “التأويل الأخلاقي للظواهر” أو قل “رؤية أخلاقية” للوقائع بتعبير الأستاذ محمد الشيخ. وبالفعل، كم حملت الاشياء ثقل سوء تأويلاتنا الخلقية لها !، لقد أوّلنا الوقائع والظواهر والأشياء تأويلا أخلاقيا، فكان أن أدخلنا بذلك الأخلاق إلى صلب نظام الأشياء. هذا تأويل أخلاقي أول افترض أن في الوجود ههنا نظاما للإثابة والعقاب. وهذا تأويل أخلاقي ثان؛ نهضته على الإعتقاد في نظام يحكم صيرورة الاشياء ومصير الناس، وعلى أن البلايا التي تحصل لنا مقصودة مدبرة حتى نعود إلى رشدنا أو ننذر فنعاقب. وهذا تأويل ثالث مفاده أن مصير الأشياء في تطورها إنما هو تحقيق للحق والعدل، وأن ما من حدث إلا ويخفي وراءه معنى مستترا، وكأننا أمام لغز بوليسي يجهد المرء نفسه لفك رموزه… . وفي هذه الامثلة الثلاثة دلالة على أننا إنما نُؤوّل الأشياء والظواهر والوقائع تأويلا خلقيا. وتلك عادة منشئية تمكنت منا حتى صارت لنا طبعا. وما أعسر أن يحارب المرء الطبع ويسعى إلى محوه(15).

تعكس هذه التأويلات الأخلاقية أنماطا من الفكر والحياة وكيفيات في الوجود والتصرف، بل صيرورة شاملة للقوى، صيرورة-ارتكاسية لكل القوى تحدد الإنسان والعالم الإنساني. وهنا، لا يمكن أن نستثني -حسب نيتشه- إيمانويل كانط ولا مارثن لوثر وليبنيز كدعاة أخلاق، وبالتالي ككابحي للنزاهة الفكرية. فهذا كانط يتساءل إن كان هناك حدث لا يمكن تفسيره إلا بالقابلية الأخلاقية لدى الإنسانية، بحيث يمكن لذلك الحدث أن يقدم الدليل النهائي عن “نزوع الإنسانية إلى الخير”؟(16). وببراءته “الألمانية”، يحاول كانط أن يُعلمن ذلك الشكل من الفساد، وذلك النقص الفادح في الضمير العلمي تحت إسم “العقل العملي”: وقد ابتكر لذلك عقلا خاصا، للحالات التي لا يكون على المرء فيها أن يولي اهتماما للعقل، أي عندما تتكلم الأخلاق، وينطق الأمر القدسيّ “ينبغي عليك” بصوت مسموع(17).

يرى نيتشه في سيادة الأخلاق انتصارا لقوى ارتكاسية تعبر عن نفسها في الإنسان، وفي وعي الذات، وفي العقل، وفي الأخلاق، وفي الدّين(18). ويتجلى ذلك أساسا في عدم الإيمان بالأحداث والوقائع والرغبة في خدمة “العالم الحقيقي” (الفكرة الأفلاطونية) وفي تزوير كل واقعية العالم الداخلي والخارجي على حد سواء(19)، وتكريس فكرة “الأخلاق كجوهر للعالم”، والرغبة في “انحطاط نموذجي يخص العقل والجسد والأعصاب محاولة للعثور على الطريق الموصلة إلى ذلك العالم العلوي”(20)، وهذا يعني تشويه القيم الطبيعية واحتقار إرادة الإنسان والكف عن الفعل(21)، والإفتراء على العالم ونفي الحياة.

من المهم هنا دعوة “العقول الحرة” إلى الكشف عن كل المخابئ التي ينزوي إليها “المثال”، في ظل شعور بالغربة تجاه كل ما يحدث من ردّة ارتكاسية إلى طباع الأسلاف الأولين، وإلى أمرهم القطعي القاضي بالإمتثال إلى السلطات جميعها. فالمطلوب من هذه العقول هنا والآن، الكشف عند الفلاسفة أنفسهم، وخاصة عند أصحاب العقائد الخلاصية؛ التنوير والتحديث(22) والهجرة إلى الإنسانية أخيرا، عن تلك الرغبة الأكيدة والمطلوبة للإنتماء الصادق للتراث وللتاريخ الروحي والأخلاقي ولمدونة القيم العليا. تلك المدونة التي تنص أغلب موادها على قطع العلاقة مع الأشياء الأرضية والإنسلاخ عن القشرة الفانية: وهكذا يتبقى منه غير العنصر الجوهري:”الروح الخالصة”(23).

3- الفيلسوف وخدمة الأفق الأخلاقي للإنسانية المعاصرة !

    يرى فتحي المسكيني أن معنى تاريخ الإنسان المعاصر هو تاريخ معنى موتاته الكبرى التي استمدت منها الإنسانية الحالية صلاحية وجودها في العالم، وفي هذا السياق يقول:”من يموت طبيعيا فإلهه طبيعة؛ ومن يموت تراجيديا فإلهه ذاتية تراجيدية كآلهة اليونان؛ أما من يموت روحيا، فإن إلهه هو إله الوحي. ولكن وحده إله الوحي قبل مغامرة التأسيس ووعد الإنسانية بإمكانية تحقيق حريته بواسطة ذاته، وذلك باعتبارها الشكل الوحيد، التاريخي، لهويته المنشودة(24). يبدو أن مغامرة “المغايرة” هي التي دفعت الأستاذ المسكيني إلى البحث في إمكانات التفكير التي تتوفر عليها مشاكل الملة كما تنقال في لغتها وثقافتها، خاصة بعد الزلازل الراهنة، وفقدان الحداثة لهويتها كسردية كبرى للإنسانية والتي باتت على شفا حفرة بلا تاريخ بلا توقيع(25). وهنا يقرر المسكيني أن الإنسان الحديث لا يملك عن نفسه غير جملة من الواجبات الاخلاقية(26). ستفرض هذه الواجبات على الأستاذ وليس الفيلسوف إعادة الدّين إلى الحضن، مع التأكيد على أن الدّين ليس مشكلا يمكننا إخراجه من أفق العلاقة بأنفسنا المعاصرة. هكذا سيتم طرد الفيلسوف من أي تسابق حول تنوير الإنسان الأخير(27)، بعدما لم يعد مريحا لأحد أن يزعم اليوم “كونية” الفلسفة، وربما لم يعد ثمة من يتوفّر على السذاجة الكافية لكي يجعل من الصيغة الحديثة للعقل “الإنساني” مثالا هاديا لتفكيره(28)، خاصة بعد فشلت حركة التنوير في تحقيق آمالها وباتت كل مشاريع الحداثة “بلا أفق”، واندحار “الأبوية الفلسفية” تحت ضربات مطارق النقد الجذري للعقل. إن هذا الوضع هو “فأل خير” بالنسبة للإنسان الأخير/المسلم الأخير، الذي يقبع خارج مطالب كل ادعاءات الحداثة و مضاداة الحداثة، لكنه أصبح اليوم مستعدا للرد على الخبر السعيد الذي يقول أن “الغرب اليوم إنسانية صماء بلغت أقصى استعدادها التاريخاني لتفريغ العالم من ’’الآخر’’ بعامة”(29)، وأن “العولمة” ليست سوى “علمنة” متنكرة لبقية الإنسانية(30).

يبدو أن الإنسان الاخير/المسلم الأخير قد تمكن لتوّه من فهم ماهية العصور الحديثة وطورها الأخير المتمثل في “العولمة”، وبالتالي انفتحت أمامه إمكانية المقاومة وفك الإرتباط مع “فكرة الغرب” (أي التاريخانية الحديثة) وإعادة تركيب معنى الوجود في العالم اعتمادا على “ثروته الأخلاقية”. وليكن “البدء الأول” تدريب أعضاء الملة على مواصلة الإنتماء لأنفسهم العميقة  مع حرية الإعتقاد في ما يناسب فهمهم لأنفسهم. ولا مانع هنا من التذكير والإحتفاء بأهم مكسب للعصور الحديثة وهو “الحرية الدينية”، إضافة إلى “الأمر الحقوقي”  بحسب قراءة فتحي المسكيني لفكر الأنوار(31).

بإمكان الإنسان الأخير/المسلم الأخير مواصلة حياته بعدما اكتشف موطنه الأصلي (النفس العميقة) ومأواه الوجودي (اللغة العربية) وتأكد من أن الدّين هو “أنبل أشكال الإنتماء للحياة”؛ فاللحظة مؤاتية لتعزيز انتمائه بالعودة إلى مصادر هذه النفس العميقة، والمساهمة في “الهجرة” إلى الإنسانية باعتبارها بيانا أخلاقيا (حيث رسوخ مقولة الهجرة في التراث الأخلاقي والتاريخي واللغوي للملة كما يقول المسكيني). فالهجرة إلى الإنسانية هي شكل من المقاومة والممانعة والأجوبة يوفرها الدّين في لحظة فارقة في تاريخ أنفسنا الحديثة، وإمكانية لفتح أفق ل”العمران البشري”؛ ذلك الأفق الجديد الرائع الذي اخترعه ابن خلدون والذي يقابل مفهوم “المدنية” عند الإغريق(32). أما العودة إلى النفس العميقة، فهي عملية إنقاذية لانتشال الإنسان الأخير من حالة “الفقر الروحي” الذي أصابت حضارته. وهنا ينبهنا الأستاذ المسكيني إلى أن “انحطاط الإنسان الأخير ليس خطيئة أصلية فيه”(33)، الشيء الذي يمنحه حرية التعامل مع نفسه في عصر التقنية تحت ظل هذه العلاقة بين الدّين كأفق للمعنى(34) عاد قويا وبين الإمبراطورية باعتبارها شبكة المعنى للعصور القادمة.

هكذا تتجسّد قيمة الإنسان الأخير عند الأستاذ فتحي المسكيني ك”رهان أخلاقي وتأويلي حول أنفسنا”. وهنا علينا أن نؤمن بقيم وأخلاق الملة مهما كانت جزئية أو جانبية، إنها “لوحات حسنات” بتعبير المسكيني أقام عليها شعب ب”صحة ميتافيزيقية جيدة” قدرته على البقاء.

خاتمة

   قدّم فريديريك نيتشه بحثا فلسفيا أصيلا حلل فيه أصل أحكامنا الخلقية المُسبقة، وأقبل بحماس على أجرأ محاولة لقب كل القيم. في هذا البحث، وجّه نيتشه أقواله وحكمه لذوي العقول الحرة الذين بمقدرتهم تحمّل النور الشديد ل”الكلمات/الإشراقات” ول”ضربات المطرقة”. لكن الإنسان الأخير لن يقدر على تحمّل قلب القيم ؛ إنه أحقر الكائنات بتعبير نيتشه، والذي يُحذّر من زمن سيادته :”ويل لنا، لقد اقترب زمان الإنسان الحقير الذي يحول إلى حقارة كل ما يدور به”(35). لكن مقابل هذا التحذير، يبشر نيتشه بمجيء “الإنسان الأعلى” القادر على تحرير الإرادة وإخراج الناس من قرف إرادة العدم والعدمية(36).

لا يراهن نيتشه على تنوير الإنسان الأخير بل على تجاوزه(37)، وهذا يعني تجاوز التقويمات الوهنة للإنسان الأخلاقي والتباس القيم عند إنسان الحداثة (وارث القيم التي تشكلت عبر التاريخ)(38). لكن مع الأستاذ فتحي المسكيني، تتوقف الصيرورة لصالح استمرار الإنسان الأخير وسلالته التي لا تُباد؛ فهو “أطول البشر عمرا” كما أعلن زرادشت نيتشه.

رابط المقالة الأولى:

في نقد الحكم الأخلاقي – أصل الأخلاق والحكم الأخلاقي- المقالة 1

بقلم: ادريس شرود “الجهل وحده هو من يدفع إلى الحكم الأخلاقي المطلق” جيل دولوز “ما أطلبه من الفيلسوف معلوم: أن يتموضع ما وراء ’’خير’’ و’’شر’’ أن يكون فوق وهم الحكم الأخلاقي”  فريديريك نيتشه    تقديم     لا يمكن لروح نبيلة ولا لعقل حر تحمّل ثقل الاحكام الأخلاقية وممثليها الذين يتكاثرون بسرعة …أكمل القراءة »

الهوامش:

1- يقول فتحي المسكيني:”إن الإنسان الأخير هو الإنسان الذي سيتعامل مع نفسه في عصر التقنية تحت ظل هذه العلاقة بين الدّين كأفق للمعنى عاد قويا وبين الإمبراطورية باعتبارها شبكة المعنى للعصور القادمة، إذن هذا الإنسان الأخير هو الرهان الأخلاقي والتأويلي حول أنفسنا”، فتحي المسكيني: حول كتاب “الدّين والإمبراطورية – في تنوير الإنسان الأخير”،

2- يتحدّث هايدغر عن “نهاية تاريخ الكينونة” بما كان تاريخ انحجابها؛ وبالتالي بدء ظهور “عهد آخر”؛ هو عهد “البدو” أو “الإصباح”، محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر هايدغر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت-لبنان، آب/أغسطس، 2008، ص632.

3- محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت-لبنان، الطبعة الاولى، 2008، ص383.

4- فريديريك نيتشه: فريديريك نيتشه: الفجر، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء-المغرب، الطبعة الأولى، 2013، نبذة 9:”فكرة أخلاقية العادات”، ص17.

5- فريديريك نيتشه: أفول الأصنام، ترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء-المغرب، الطبعة الأولى، 1996، ص58.

6- فريديريك نيتشه: العلم المرح، ترجمة حسان بورقية، إفريقيا الشرق ، الدار البيضاء-المغرب، الطبعة الأولى، 1993، نبذة 116:”الغريزة القطيعية”، ص127.

7- محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص397.

يقول نيتشه:”لقد اخترقت أكذوبة ’’النظام الأخلاقي للحياة’’ مجمل تاريخ تطور الفلسفة وصولا إلى الفلسفة الحديثة. ماذا يعني ’’النظام الأخلاقي للحياة’’ إنه تعني أن هناك إرادة إلهية ثابتة إلى الأبد في ما يتعلق بما ينبغي على الإنسان أن يفعله وما ينبغي عليه أن يتركهن وأن قيمة شعب أو فرد ما تقاس بمدى الطاعة التي يبديها لمشيئة الله، وأن مصير شعب أو فرد ما يتحدد بإرادة الله كسيّدذي سلطان، أي كمُثيب أو معاقب بحسب مدى الطاعة، أو العصيان”، فريدريك نيتشه: نقيض المسيح، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، بيروت-بغداد، الطبعة الأولى، 2011، ص62.

8- فريديريك نيتشه: نقيض المسيح، ص28.

يقول محمد الشيخ:” لقد تم تأثيم الحياة عامة وتصويرها بما هي عقاب، وتم تصوير السعادة بما هي غواية، وصيرت الاهواء الإنسية شيطانية والثقة في الذات جحودا وكفرا بالنعم”، محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص390.

9- فريديريك نيتشه: أفول الأصنام، ترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولىـ 1996، ص57.

– يعتبر نيتشه: “الفضيلة” و”الواجب” و”الخير في ذاته”، الخير الذي يحمل طابع اللاشخصانية، والصلوحية العامة هي خيالات وأوهام تعبر عن الإنحطاط وعن آخر مراحل استنفاذ الطاقة الحيوية”، فريديريك نيتشه: نقيض المسيح، ص36.

10- فريديريك نيتشه: العلم المرح، نبذة 335: “لتحي الفيزياء”، ص196.

11- فريديريك نيتشه: العلم المرح، نبذة 345: “الأخلاق باعتبارها مشكلة”، ص208.

يقدم نيتشه تعريفا طريفا للأخلاق بقوله:”الأخلاق هي الحساسية المرضية للمنحط مع النية الخفية في الإنتقام من الحياة – وقدم تم ذلك بنجاح – إني أولي أهمية لهذا التعريف”، فريديريك نيتشه: هذا هو الإنسان، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، ص162.

12- فريديريك نيتشه: نقيض المسيح، ص34.

13- فريديريك نيتشه: أصل الأخلاق وفصلها، ترجمة حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ص20.

14- يربط نيتشه بين الإنحطاط وسيادة المشاعر السلبية والمتخيلات الاخلاقية والدينية، إذ يقول:” إن غلبة مشاعر القرف على مشاعر المتعة هي علّة هذه المتخيّلات الأخلاقية والدينية: هذا النوع من الغلبة يمدنا  بالمبدإ الذي يتأسس عليه الإنحطاط…”، فريديريك نيتشه: ضد المسيح، ص44.

– ترتبط غلبة مشاعر القرف بانتصارالإنسان الإرتكاسي وسيادة إرادته النافية، أما مشاعر المتعة فتنطفئ بهدوء مع انهزام القوى الفاعلة وفصلها عما تستطيعه واضمحلال إرادتها الإثباتية. في هذا السياق يقول دولوز:”في كل مرة يتكلم نيتشه على الناس الفاعلين، لا يفعل ذلك من دون حزن إذ يرى المصير الذي ينتظرهم على أنه صيرورتهم الجوهرية: العالم الإغريقي الذي قلبه الإنسان النظري، روما التي قلبتها يهودا، والنهضة التي قلبها الإصلاح الديني”، جيل دولوز: نيتشه والفلسفة، ص215.

15- محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص390.

16- فريديريك نيتشه: نقيض المسيح، ص37.

17- فريديريك نيتشه: نقيض المسيح، ص38.

18- جيل دولوز: نيتشه والفلسفة، ترجمة: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1993، ص 114.

19- فريديريك نيتشه: العلم المرح، ص57.

20- فريديريك نيتشه: إرادة القوة، محاولة لقلب مجموع القيم، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء-المغرب، الطبعة الأولى، 2011، ص63.

21- يشير نيتشه إلى “غريزة ماضية في طريقها الصحيح، إذ تقول أن عدم فعل أي شيء أفضل من فعل شيء ما. إنها الإرادة الضعيفة و”اللانفعالية” والرغبة في عدم الفعل التي يتميز بها صنف من الكائنات الإتكاسية، يقو:” كل ممارسات الهيئات الدينية والفلاسفة المتوحدين (التشديد مني)، والزهاد، هي من وحي تقييم عادل لهذا العالم مفاده أن صنفا من الرجال ينفع نفسه أكثر حين يمتنع عن الفعل ما يستطيع”، فريديريك نيتشه: إرادة القوة، محاولة في قلب جميع القيم، ص65.

22- يقول فتحي:”المطلوب ليس في أن نقوم بتنوير رديء، تنوير عنيف، يريد أن يقنع الناس بأن يلقوا جزء من أنفسهم في سلة المهملات على أساس أنه خطير… . التنوير هو دائما يكون إزاء تقليد، وهذا التقليد هو مقدس دائما، بينما التحديث شيء آخر. لذلك يمكن للناس أن يقوموا بالتحديث وليس بالتنوير. والناس لا يحتاجون إلى التنوير إلا إذا ظهر من داخل النقاشات التي يقوم بها مجتهدون ينتمون بصدق إلى تراثهم، وأنا دائما أنتظر من أن يقول بعض الذي نقوله أناس من أهل “الصناعة”؛ أي من العلوم الشرعية مثلا، من الفقه، فسيكون لكلامهم الطاقة الإنجازية التي لا تسمى عندئد تنويرا، بل هي ستصبح التنوير الذاتي” ، فتحي المسكيني:الحرية والتعايش، حوار مع نادر الحمامي، الجزء الثالث، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 17 مارس 2018.

في هذا السياق، يقول فتحي:”إذا كان لنا شيء وقع في أفق الإسلام الكلاسيكي، هو ظهور الفقهاء، يعني ظهور خطاب (علمي) حول الاحكام وحول ’’الإستعمال العمومي للدّين”، فتحي المسكيني… فاتحا وراعيا الكينونة، حوار أجراه خالد كرونة و أ. خميّس الورتاني،

23- فريديريك نيتشه: نقيض المسيح، ص42.

24- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2018، ص11.

25- فتحي المسكيني: الفيلسوف والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب/بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2005، ص7.

يقول فتحي:”الدّين ليس مشكلا يمكننا إخراجه من أفق العلاقة بأنفسنا المعاصرة، ولذلك أردت أن أعيده إلى الحضن الذي طرح فيه مشكل العلاقة القديمة مع الروم، أو مع العالم الغربي القديم باعتباره إمبراطورية. ولكن، ربما منذ التسعينات، منذ فرض ما سمي بنوع من النظام الجديد للعالم، إذن هناك عودة قوية لفكرة الإمبراطورية باعتبارها السياق الذي تجد فيه العولمة مقولاتها. لذلك الدّين والإمبراطورية، هو في الحقيقة نوع العلاقة التي ستجمعنا في المستقبل مع أنفسنا العميقة التي عادت إلى الهوية الدينية وإلى الإمبراطورية؛ أي شبكة المعنى التي سيفرضها عالم التقنية في المستقبل على سكان الأرض الحاليين. ولذلك، فالبرنامج الذي يشير إليه العنوان الكبير هو: في تنوير الإنسان الأخير. طبعا، يمكن أن نربط هذا بتقليد حول مفهوم الإنسان بعد انحصار النزعات الإنسانوية التقليدية. الإنسان الأخير الذي لم يعد يملك العلاقة الأخلاقية أو حتى الرغبة في أن يقدم نفسه باعتباره يدافع عن إنسانوية معينة؛ أي تلك التي تعتبر الإنسان مركز كل تشريعات المعنى بالنسبة إلى أي شعب في الوقت الحالي. إذن، الإنسان الأخير هو الإنسان الذي سيتعامل مع نفسه في عصر التقنية، تحت ظل هذه العلاقة بين الدّين كأفق للمعنى عاد قويا، وبين الإمبراطورية باعتبارها شبكة المعنى للعصور القديمة. إذن، هذا الإنسان الأخير هو الرهان الأخلاقي والتأويلي حول أنفسنا”، فتحي المسكيني: كتاب “الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير”،

26- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية: في تنوير الإنسان الاخير، مقدمة الطبعة الثانية، ص12.

27- أشير هنا إلى أن الكتاب الذي صدر للأستاذ فتحي المسكيني سنة 2005، كان يحمل عنوان:”الفيلسوف والإمبراطوية: في تنوير الإنسان الأخير“، لكن الطبعة الثانية التي صدرت سنة 2018، ستحمل عنوان:”الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير“- وأعتقد أن  نزع الفيلسوف من العنوان في الطبعة الثانية، يرجع إلى عدم احتمال أعضاء الملة ومنهم الإنسان الأخير/الإنسان المسلم لمفهوم الفيسلوف، يقول فتحي:”في الحقيقة أخطر أنواع التجرؤ على التفكير وعلى المصطلح في ثقافتنا العميقة، يعني كل الإسلامية بمختلف…، أقدم عليه ثلاثة: النحاة والفقهاء والمتصوفة وليس الفلاسفة، أجبن أنواع الخطاب التي كتبت بالعربية هي كتب الفلاسفة، لأنهم كانوا تقريبا كما قال عنهم الغزالي وكلاء ثقافة أخرى أو ملة أخرى، وحرموا الذين يعيشون في أفق الإسلام”، فتحي المسكيني: من هو الفرد في الإسلام؟

– يقول فتحي:”وهنا أكتشف أن لقب الفيلسوف ليس سعيدا بهذا القدر، فهو مؤلم، لأنه سيحرمك من كل أنواع النجاح وكل أنواع البطولة التي تنتظرها الثقافة التي تكتب في نطاقها”، نقاش الجلسة الثانية لندوة “الإيمان والعقل: الإشكالات الفلسفية-اللاهوتية الراهنة حول الدين”،

28- فتحي المسكيني: الفيلسوف والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، ص164.

29- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية: في تنوير الإنسان الاخير، ص170.

30- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية: في تنوير الإنسان الاخير، ص171.

31- يقول فتحي:” يبدو أنه صار علينا أن نميّز بين ما قاله عصر التنوير عن نفسه وبين ما يمكن أن يعنيه اليوم مطلب التنوير بالنسبة لنا، نحن المحدثين بلا حداثة، الذين أثينا بعد عصر التنوير، وعلى ذلك نحن مطالبون إلى حدّ فظيع بتحويل التنوير إلى مشروع روحي أساسي لأنفسنا الحالية بلا رجعة”، فتحي المسكيني: الفيلسوف والإمبراطورية: في تنوير الإنسان الأخير، ص199 و200.

32- حوار مع فتحي المسكيني، أجراه نادر الحمامي، الهجرة إلى الإنسانية، الجزء الأول، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 24 فبراير 2018.

33- فتحي المسكيني: الفيلسوف والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، ص28.

34- يقول فتحي:”الدّين مهم جدا لأنه يمتلك ثراء دلاليا كبيرا حول التجربة الإنسانية بكل آلامها ووجودها وعذاباتها…إلخ”، نقاش الجلسة الثانية لندوة “الإيمان والعقل: الإشكالات الفلسفية-اللاهوتية الراهنة حول الدين”،

إن أهمية الدّين هذه، دفعت الأستاذ المسكيني إلى جعله منافسا فذّا للفلسفة، يقول:”لم يعد ممكنا منذ كانط الإكتفاء بخطة الأنوار الفرنسية القاضية بنقد الدّين أو معاملته بوصفه مجرد ’’تراث’’ أو ’’تقليد’’ للإنقراض، بل إن هيغل وماركس قد بيّنا خطورة الدّين كرؤية للعالم. لكن شلايماخر وكيكارد هما اللذان، حسب هابرماس، تعاملا مع الدّين بوصفه ندّا أخلاقيا للفلسفة المعلمنة”، فتحي المسكيني: الكوجيطو المجروح، أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة، الرباط-المغرب، الطبعة الأولى، 2013، ص87.

35- يقول فتحي” حيث ترتاح العقول المتعبة، متعللة على الدوام بأن الوقت غير مناسب لقلب القيم”، فتحي المسكيني:الهوية والحرية، نحو أنوار جديدة، جداول للنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، ص9.

36- يقول محمد الشيخ: “ذلك أن شأن هذا الإنسان الأعلى أنه الكائن الوحيد القادر على تجاوز العدمية التي خلفها الإعلان عن موت الإله الأخلاقي الفلسفي والمسيحي. وإنه لإنسان المستقبل الذي شأنه أن يحرر الناس من المثال، وأن يخرجهم من قرف إرادة العدم والعدمية، وأن يحرّر الإرادة، ويعيد للأرض بغيتها وإلى الإنسان أمله”، محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص695.

يبدو أن إمكانية التجاوز تتطلب الجرأة على قول “الحقيقة” وامتلاك “معرفة مرحة” وإنزال “ضربات المطرقة” على كل مظاهر الإنحطاط. وهذا يتطلب احتمال “شجاعة قول الحقيقة” لأصحاب العقول الحرة، دون احتماء وراء الخصوصية والجدار السميك للأخلاق، ودون الخضوع لذلك التقليد الطويل للممارسة الإنتقائية في معاملة فكر الآخر؛ مثلا التمييز بين نيتشه الممكن تدجينه، ونيتشه الذي لا يُحتمل، يقول فتحي:”إن وضع الأخلاق بما هي كذلك موضع سؤال، هو أول خطوة نحو نيتشه الذي لا يُحتمل”، فتحي المسكيني: الهوية والحرية، نحو أنوار جديدة، جداول للنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2011، ص186. للمزيد من التفصيل، نظر الفصل السابع: نقيض الحمار أو نيتشه و’’الأنوار الجديدة’’، ص177 وما بعد.

37- للمزيد من التوضيح، يمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى مقالتي: ادريس شرود: نيتشه والإنسان الأخير: نحو تجاوز ممكن، موقع أنفاس من أجل الثقافة والإنسان، 24 يونيو 2016.

38- يقول نيتشه:”الشيء المميّز لفلاسفة الأخلاق أنفسهم هو الغياب التام لصفاء الفكر وانضباطه: إنهم يعتبرون ’’المشاعر الجميلة’’ حججا: وصدرهم المنتفخ يبدو لهم وكأن نفخة إلهية تسري فيه… الفلسفة الأخلاقية هي المرحلة الصعبة في تاريخ العقل”، فريديريك نيتشه: إرادة القوة، محاولة لقلب كل القيم، ص178 و179.

شاهد أيضاً

ازمة الذاتية والهوية وإشكالية الانسان الهووي الأخير

 بقلم بصري محمد مفتش التربية الوطنية  القنادسة بشار الجزائر             طالما أرقني سؤال محير جدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *